“كنعان” تتابع نشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، لمؤلفه د. عادل سماره، الحلقة (15)

تكملة القسم الثاني: انتصارات مهزومة

محطات في صراع المرحلة الانتقالية

المجر:

يركز الكاتبان ثوماس كراوسز وروبرت ناراي في قرائتهما للحالة المجرية على أطروحة لوكاتش بوجوب توازي ديمقراطية الإنتاج والاستهلاك في بناء الاشتراكية، لكنهما يستدركان ويكملان القول ب:

 “… إن تلامذة لوكاتش، مثل János Kis أو György Bence ، الذين  كانوا ملتزمين في البداية بمشروعه إلا أنهم في الثمانينيات من القرن الماضي ، وتحت لواء الليبرالية أصبحوا المدافعين الرئيسيين عن استعادة الرأسمالية. لقد انتهوا للاعتقاد بأن الديمقراطية والرأسمالية مترادفتين”[1].

يبدو أن هؤلاء التلامذة قد أدركوا لاحقاً بأنهم لم يدركوا سابقاً، بأن الراسمالية لا تفرز سوى ديمقراطيتها  التي لا تعطي اي خيار لمن يتبنى الراسمالية غير خيار ديمقراطية على مقاس راس المال.

وفي وصفهما للنظام في المجر:
"... يلتزم النظام بدفع الديون المستحقة كما هو مقرر ، ويعطي إعفاءات ضريبية واسعة النطاق للشركات متعددة الجنسيات. لا تعرف أغلبية السكان عن هذا لأن معظم وسائل الإعلام يسيطر عليها Orbán. ما يجب أن تفهمه الناس، بأن نظام أوربان هو تجسيد لليمين الشعبوي الجديد المتطرف ،وبأنه يتمكن من  تنفيذ سياسات نيوليبرالية تقييدية تحت لواء حملات إيديولوجية ضد العولمة تشدد على الدفاع عن القيم المسيحية الأوروبية المزعومة... لقد غدا واضح اليوم بأن التغيرات في أوروبا الشرقية والنظام السوفييتي كان لا يمكن فصله عان إعادة الهيكلة النيولبرالية للنظام الراسمالي العالمي  وعن اشكال التحديات التي تفرضها القوة الراسمالية للشركات متعددة الجنسية.
 
 كانت الأهداف الرئيسية للدولة في بداية الفترة الاشتراكية هي القضاء على
البرجوازية المحلية وإلغاء الملكية الخاصة. كان غير قانوني لتداول ممتلكات الدولة. وكانت المتاجرةبأملاك  الدولة ممنوعة. لكن النظام الجديد يعمل في الاتجاه المعاكس. فبينما كانت المعارضة الديمقراطية في عام 1987 لا تزال تتحدث عن "الملكية المختلطة" ولكن بحلول عام 1990 ، دعمت جميع القوى السياسية الرئيسية سياسات الخصخصة على نطاق واسع.
إن الحقبة الأولى ، التي كان يهيمن عليها التحالف الاشتراكي الليبرالي هي التي أسست للجيل الجديد من الرأسماليين المحليين. في البداية ، قدمت  فيدسز, Fidesz  نفسها كناقد لأمراض الخصخصة ، ولكن سرعان ما اتضح بأنهم يريدون فقط إنشاء برجوازية خاصة بهم.
لقد واصلوا خصخصة الخدمات المجتمعية والأراضي وغيرها من أنواع الممتلكات لصالح برجوازية جديدة ، خلقتها الحكومة نفسها... وكنتيجة لذلك، فإنهم أعادوا تركيب نظام التوزيع وعمقوا عدم المساواة الاجتماعية-الثقافية في المجتمع. ويمكن قول الشيىء نفسه عن المنطقة المكونة من أوكرانيا، ولاتفيا، وبلغاريا، وبيلاروس ورومانيا[2]."
ربما يشكل المقتطف التالي أفظع واوضح صورة لوحشية النظام الراسمالي العالمي وبالطبع مراتبيته. المانيا تنتقي السوريين المؤهلين، وتترك غير المؤهلين كي تلتهمهم المجر المتخلفة مقارنة بألمانيا. المؤهلون المجريون وغير المجريين من شرق أوروبا  يهربون إلى المانيا وغرب اوروبا عموماً، وبريطانيا تطرد العمالة المتدفقة من أوروبا الشرقية إلى درجة أن تدفق هؤلاء العمال هو من دوافع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. في النهاية، الغرب والوهابية وقوى الدين السياسي تدمر الوطن العربي وتأخذ قوة العمل الماهرة والعادية إلى العبودية في الغرب. فيصبح البلد المتطور سيدا على عمالنا المهرة والبلد شبه المحيطي سيدا على عمالنا غير المهرة، وتبقى أنظمة الحكم العربية تابعة للغرب رفيعه ووضيعه، ويبقى كثير من مثقفينا متخارجين متغربنين! وفي كل هذه التشابكات تبقى قوة العمل هي التي تحمل كل هذا الاستغلال والوحشية والاحتقار، معظمه على عمالنا وأقله على العمالة الغربية. 
 ...من المشكوك فيه أن أوربان سيواصل منع المهاجرين من دخول المجر أخذا في الاعتبار بأن 10 بالمئة من شباب الطبقة العاملة قد غادروا البلاد في فترة قصيرة جدا . إن راس المال بحاجة إلى قوةعمل رخيصة وبالتالي إلى لاجئين. وهذا بدوره سوف يقلص سعر قوة العمل. يعتقد كثيرون أن اللبراليين والاشتراكيين هم الذين يجلبون المهاجرين، ولكن في الحقيقة، فإن الراسمالية هي التي تقتلع البشر داخل وخارج أوروبا، وبأن الحروب الدموية التي تقوم بها الولايات المتحدة والناتو هي التي تنتج اللاجئين”[3].
 

روسيا:

إضافة لما اشرنا فيه أعلاه عن روسيا الاتحادية، إلا أنها تشكل الحالة النموذجية والكبرى لتجربة أوروبا الشرقية.

يمكن اعتبار رحيل ستالين وتنصيب خروتشوف مثابة بداية انحطاط الاتحاد السوفييتي وخاصة في المستوى الاقتصادي. ويمكن القول بأن السلطة هناك قد تورطت في رفاه الريع إثر الانفجار الهائل لأسعار النفط بعد عام 1973حيث ساد تيار نمط اللااستثمار في الاتحاد السوفييتي والذي بدأ منذ السبعينات حيث اتسع التوجه الريعي وامتد الى ان وصل الحال عام 1990 الى تحول البنية الصناعية الاساسية السوفييتية الى مجرد كومة من الخردة حيث ضربت هذه السياسة ايضا قطاعي النقل والطاقة وضعفت صناعة الاغذية فازداد الاستيراد وخاصة الحبوب والحبوب اللازمة للغذاء وهذه تتطلب مزيدا من تصدير الطاقة لدفع ثمنها. استيرادها ودفع ثمنها، ولكن أين؟ في بلد يُفترض أنه أكبر منتج افتراضي للقمح في العالم. وبلد اشتراكي من أولويات سياساته إنتاج الحاجات الأساسية للمجتمع. بل هو بلد كما كتب تشارلز بتلهايم في كتابه التحول إلى الاشتراكية” بأن تلك الفترة تحديداً وحدها الذي اقترب فيها تطور الاتحاد السوفييتي من الغرب المتقدم.

عشية تفكك الاتحاد السوفييتي، حاول رئيس الوزراء حينها فلنتين بافلوف تطبيق سياسة البرنامج السريع لفرض الاستثمارات في الصناعة والبنية الأساسية والزراعة وتطبيق تكنولوجيا جديدة لتحقيق الانتعاش. لكن تغلب عليه فريق آخر بالتسليم لصندوق النقد الدولي الذي انتهى بالدولة العظمى إلى كارثة[4]
احد اشد اوجه الشبه بين مآل حال فنزويلا اليوم ومآل حال الاتحاد السوفييتي كما ورد أعلاه، كانت سياسة النفط مقابل القمح. حيث اعتقد الكثيرون من القادة السوفييت بأن سعر النفط سيبقى عالياً الى الأبد. ويبدو أنهم لم يكونوا قد قرأوا تقييم جمال عبد الناصر للمملكة السعودية بأنها العدو الأخطر ضد الأمة العربية. وهذا يمكن سحبه على كونها الأخطر على مختلف النظم في العالم الثالث كما نرى حالياً.

فما ان حل عام 1986 وانهارت اسعار النفط تيقنت موسكو ان من يقرر اسعار السلع العالمية ومنها النفط هي واشنطن ولندن وآبار النفط السعودية. وهكذا انهارت متاجرة وموازين المدفوعات السوفييتية… كان الانهيار يسري سريعا، فقد كان محصول القمح لعام 1991 هو 154.7 مليون طن بينما كان عام 1990 هو 211 مليون طن.

 وهنا من المفيد التذكير بتجربة الأزمة الاقتصادية في جنوب شرق آسيا وتفاخر المضاربين الكبار بما حققوه : “… قبيل اسبوع واحد على انفجار الأزمة في جنوب شرق آسيا 1997، زار جورج شورش كوالالامبور وتفاخر بان صندوقه ربح 2.5 مليون دولار من ازمة تايلاند[5]

هذه الازمة التي وقف ورائها المضاربون مثل جورج شورش وامثاله الذين حولوا عملات  بلدان جنوب شرق آسيا الى حطام ، ولكن هذه الصناديق نفسها تعرضت لانهيار بسبب الفوضى الاقتصادية التي ساعدت على حصولها[6].

كتبت التايمز اللندنية :

“… لعل اسوا الضربات التي اصابت هؤلاء حتى الان، ان شورش نفسه الذي تبارز مع رئيس وزراء ماليزيا محاضر محمد الذي اتهم شورش بتدمير عملات وقيم الاسهم في ما تسمى النمور الاسيوية …وان شورش نفسه تلقى ضربة عندما عجزت روسيا عن الإيفاء بديونها في اعقاب انهيار وعجز سوق السندات الروسية في 17 آب 1998[7].

وحده رئيس وزراء ماليزيا حينها محاضر محمد، هو نفسه الذي عاد مؤخرا للمنصب نفسه، كان قد رفض أملاءات أوغاد صندوق النقد الدولي عام 1997 ونجا ببلده من الأزمة التي حاقت بدول جنوب شرق آسيا. وبالمناسبة، فهو يصر اليوم على اعتماد الذهب وحتى صك عملة ذهبية إسلامية خارجاً على سيطرة الدولار وحتى بريتون وودز وصولا من الناحية السياسية إلى رفض دخول وفد رياضي صهيوني إلى بلاده وسحب قوات بلاده التي تساهم في العدوان على اليمن.

يشكل كتاب”الاشتراكية المغدورة: ما وراء انهيار الاتحاد السوفييتي[8]” أفضل شاهد على آلية خراب الكتلة الاشتراكية، والتالي مراجعة لهذا الكتاب وجدنا من المفيد تثبيتها في متن هذا العمل.

لعل هذا العمل من أكمل الدراسات في تفكك الاتحاد السوفييتي كتجربة اشتراكية رائدة في التاريخ الحديث. ودراسة كهذه ذات قيمة عالية ليس فقط لأهمية التجربة السوفييتية في الاشتراكية بل كذلك لأن الاشتراكية تغدو راهنية يوما بعد آخر على ضوء توحش الرأسمالية الاحتكارية وانتقالها المتواصل، وإن لم يكن النهائي من الإنتاج إلى المضاربة وتحصيل القيمة الزائدة ريعياً على الصُعُد المحلية وعلى الصعيد العالمي، وتآكل حقبة العولمة الراسمالية واستفحال الأزمة الجارية للنظام الرأسمالي العالمي بأكمله، وتمكُّن الثورة المضادة من معظم تجربة “إشتراكية القرن الواحد والعشرين” في امريكا الجنوبية، وبالمقابل صمود بلدان شيوعية صغيرة كوبا وكوريا الشمالية رغم كل ما حصل  وبقاء شيوعيون على قناعاتهم رغم تهاوي أنظمة واحزاب ومثقفين شيوعيين سابقاً، وأخيرا وليس آخراً مخاطر لجوء الرأسمالية إلى توظيف أوسع ومباشر لأنظمة وقوى الدين السياسي بعد أن كانت ترعاها عن بعد واعتماد هذه القوى كجيش امريكي ثالث بدءا من الوطن العربي وامتدادا إلى الصعيد العالمي.

ليست هذه العجالة عرضا للكتاب فموضوعه وعنوانه يغنيان عن العرض، بل هي ملاحظات تتناول بعض ما ورد في ثناياه وبعض ما كان يجب ان يرد ويوضَح. فلا يغني عن هذا الكتاب شيئا سوى قرائته.

ورد ت في الكتاب بعض المقارنات مع دول/تجارب اشتراكية اخرى وفي عدة مواضع منه، ولكن تلك المقارنات كانت محدودة، علماً بأن التوسع فيها كان سيغني الكتاب للإضاءة على التجربة نفسها سواء لإنصافها أو نقدها، وكل ذلك يصب في تقييم التجارب الإشتراكية عموماً.

وإذا صح أن يُنسب فشل تجربة بحجم ومدى التجربة السوفييتية لأشخاص سواء بوخارين وخروتشوف وجورباتشوف كل في مرحلة من مراحل تطور وصراع الاتحاد السوفييتي، فإن دور جورباتشوف هو الأخطر.  وإذا ما تقيدنا بعنوان الكتاب “الاشتراكية المغدورة/خيانة الاشتراكية”، فإن جورباتشوف هو الأجدر بنسب الخيانة إليه.  لكن الكتاب بقي متردداً، بل ميالاً إلى عدم القطع بأن دور جورباتشوف كان خائنا او تحول مع مجريات تورطه إلى الخيانة ومن ثم الإصرار عليها حتى النهاية مما ابقى القطع بموقفه معلقا لما بعد نهاية الكتاب. والطريف أن عنوان الكتاب ومجرياته تؤشر إلى وجود خيانة لكن لم تتم الإشارة إلى أي شخص أو فئة أو طرف بأنه كان خائناً.

لا حاجة للتوضيح بأن الكاتبين متعاطفان مع الشيوعية ومع التجربة السوفييتية خاصة. وهذا ما يغري بالتوقع بأنهما لم يقطعا بشأن جورباتشوف لا نفيا ولا إيجاباً رغم ان شبح الخيانة يغطي الكتاب من العنوان إلى الخاتمة.

صحيح أن إصدار تهمة الخيانة ليست عملا علميا وحتى أكاديميا رصيناً، ولكن الوقائع بمجموعها وكما عرضها الكتاب تنضح بذلك، مما يجعل وجوب التحديد عملا ثورياً.

ربما سبب عدم القطع والاكتفاء بالإيحاء عائد إلى تحفظ الكاتبين عن تأكيد أن عميلاً تمكن من الاختراق والوصول إلى قيادة دولة اشتراكية عظمى مما يقلل من قيمة التجربة. وربما السبب تعاطف مع معارضي جورباتشوف الشيوعيين من باب أنهم لم يتوقعوا أهدافه مسبقا أو باكرا ،الذين ، كما ذكر الكاتبان لم يفهموا باكرا ما اراده جورباتشوف؟ وإن كان ذلك كذلك، فهو لا شك  كشف عن حقيقة مُرة وهي التراخي رغم ان الدولة السوفييتية كانت طوال عقودها السبعة في حلبة صراعات ومقاومة للعدو الرأسمالي لم تتوقف. وهذا يذكرنا بحرص كاسترو الأمني خلال حرب الغوار  حيث كان الشك قائما بحق كل من يخرج من مكان الغواريين سواء في مهمة أم لا، اي ان الحذر والشك الإيجابي لا غنى عنهما أثناء خوض  معارك تاريخية مديدة.

وربما كان سبب عدم اعتبار جورباتشوف خائنا، هو حرص الكاتبان وطبعا من قابلاهما من الشيوعيين السوفييت على إخفاء خلل في بنية النظام السياسي والتي تعني، إن صح تقديرنا، بأن السلطة البيروقراطية كانت مستفحلة إلى الحد الذي جعل الأمين العام للحزب كأعلى مسؤول تنفيذي في الدولة فوق النقد والشك أو ان سطوته قادت معارضيه إلى اللجوء لعدم الاكتراث بل ربما إلى حماية كلٍّ لرأسه، وقد ينسحب هذا على مختلف المراتب!  وضمن غض الطرف هذا بالطبع درءا لتهمة الشمولية، فطالما جرى نقد التجربة الاشتراكية بعدم الديمقراطية على الطريقة الشكلانية الغربية الراسمالية. وهذا ما رد عليه الكاتبان في اكثر من موضع بأن الديمقراطية الاقتصادية في التجربة السوفييتية كانت متقدمة على الديمقراطية الشكلانية الغربية.

وهذا يقود إلى طرح التساؤل: هل كان جورباتشوف مخادعا ومناورا بمهارة أم أن المشكلة في وهن القيادات الشيوعية ؟

في تعداد عوامل الفشل،وهي لا شك متعددة وليست مجرد خيانة فرد،  ينسب الكاتبان فشل التجربة السوفييتية إلى الخلفية الفلاحية للبلد. وهذا يعني أن الفلاحين ليسوا مناسبين للاشتراكية. وإذا صح تقديرنا أو تفسيرنا للمقصود بالخلفية الفلاحية للبلد، فهو يعني ما يلي:

·       الاستمرار في مقولة ماركس بعدم ثورية و/أو اشتراكية الفلاحين، وهي مسألة أثبتت تجارب أخرى عدم دقتها، أو انطباقها فقط على المرحلة التي عاشها ماركس نفسه.

·       تاثُّر الكاتبان باللوثة التروتسكية ضد الفلاحين

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن هذا التفسير من الكاتبين يبين أن خللا ما في التجربة الاشتراكية السوفييتية هو الإبقاء على “التراث” الفلاحي رغم سبعة عقود على التجربة الاشتراكية، وربما عدم تقليص الفجوة بين الريف والمدينة؟

ورغم أن لنا نقاشا على دقة زعم الكاتبين بأن الصين الحالية اشتراكية، إلا أن خلفيتها الفلاحية لم تحل دون بقاء نسبي للاشتراكية هناك. هذا اذا لم  نُشر إلى أن كوبا ايضا هي من خلفية فلاحية، أي لم تكن لا الصين ولا كوبا بلدانا صناعية قبل الثورة الإشتراكية. ويصح القول على كوريا الشمالية التي هي أصلا فقيرة زراعيا مما دفعها للتركيز على التطور الصناعي.

من اللافت أن الكاتبين لم يركزا ، لا نقدا ولا إيجاباً، على أهمية ودور التعبئة الفكرية بالاشتراكية في المجتمع ككل والحزب خاصة، علماً بأن هذه المسألة اساسية في البلدان الاشتراكية في مواجهة الفكر والإعلام والغزو الراسمالي من جهة، وكذلك الخلفية الفلاحية التي أشار إليها الكاتبين. أو باختصار الصراع الفكري بين النظريتين الكبريين في العالم المعاصر.

من جانبنا، ربما كان هذا القصور هو من أهم عوامل خلخلة الانتماء الحزبي الشيوعي وبالتالي ضعف مقاومة بل مواجهة الانحراف وليس فقط التحريفية.

تفيد التجربة الكوبية بأن التربية الاشتراكية هي أساسية في صمود كوبا في بطن الوحش الأمريكي. هذا ناهيك عن أن من صمد كشيوعي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ومحيطه هم الأكثر وعيا وعمقا في النظرية الماركسية-اللينينية، وهذا بحد ذاته نفي لتعميم الكاتبين المضاد لثورية او شيوعية المثقفين.

وهذا ينقلنا إلى تركيز الكاتبين كثيرا على أن المثقفين كانوا ضد الاشتراكية أو ضد الدولة السوفييتية من مدخل الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق.

إشكالية هذه النقطة كبيرة جدا، وكأنها تقول بأن مطلق مثقفين هم ضد الاشتراكيةـ! فمثلاَ، لم نجد ملاحظات تقول بأن قطاعا كبيرا من المثقفين هم ضد الاشتراكية ومبهورون بالاستهلاكية الغربية الرأسمالية، أو أن قطاعا من المثقفين هم شيوعيون وقد تصدوا للتحريفيين لكنهم لم يكونوا بمستوى المهمة.

هناك إشارات في اكثر من موضع إلى ليجاتشييف كقيادي ضد التحريفية، ولكن ليس كمثقف أو قيادي لمثقفين. صحيح أن في المثقفين إشكالية الروح الحلقية كما اسماها لينين، وقابلية الانحراف والنخبوية، ولكن هذا لا يمكن تعميمه على جميع المثقفين، وإلا ضاع تراث المثقف الثوري والنقدي والمثقف المشتبك بالطبع.

بل يمكن للثورة المضادة أن تزعم بأنها وحدها التي لها مثقفيها وبان هذه الفئة النخبة لا تليق سوى بالثورة المضادة وبأن الاشتراكية ليست جذابة سوى للبسطاء. هذا مع أن الماركسية-اللينينية تركز على الثقافة والثورة الثقافية من لينين وحتى ماوتسي تونغ. بكلام آخر، وكأن المثقفين والفلاحين هم بالمطلق ضد الاشتراكية!

بل إن هذه الإشكالية في الكتاب تبين وكأن الشيوعيين عموما لا عمقاً ثقافياً لهم. وبالطبع، فإن هذا خطير على مستقبل الاشتراكية والابداع و الابتكار النظري.

 تناول الكاتبان الوضع الداخلي في الاتحاد السوفييتي بالتحليل الموسع، وهذه من اهم إنجازات الكتاب. ولكن يُلاحظ القارىء بأن هناك تقليل من دور الخارج اي العدو بل الثورة المضادة التي كانت تحارب الاتحاد السوفييتي باستمرار وبالتالي ينعكس على تقليل دورها في إفشال التجربة رغم إشارات في الكتاب لدور الإمبريالية الأمريكية في الحصار ومشكلة أفغانستان…الخ.

والغريب أن الكتاب يخلو من أية إشارة إلى دور أنظمة الدين السياسي العربية وخاصة السعودية في التلاعب بأسعار النفط في السوق العالمية حيث لعبت دائما، وخاصة في ثمانينات القرن العشرين دور “المنتج المرجَح” مما ساهم بشكل رئيسي في خسائر مالية هائلة للاتحاد السوفييتي، وتقوم بذلك اليوم ضد روسيا الاتحادية وفنزويللا وإيران والجزائر، ناهيك عن دورها المتواصل في خدمة الثورة المضادة على صعيد عالمي بما في ذلك في دول الكتلة الشرقية قبيل تفكك انظمتها الاشنراكية وحتى الوقت الراهن.

تم التركيز على دور الإمبريالية في شيطنة “ستالين” باستخدامها مصطلح “الستالينية” الذي كما اعتقد يعود لتروتسكي، كما تمت الإشارة إلى دور خروتشوف في ذلك، ولكن ربما كان يجب الإضاءة أكثر على هذه المسـالة التي لم تتوقف بعد الإمبريالية عن استخدامها والمبالغة فيها، بل تستخدمها ضد الثورة الثقافية في الصين متهمة ماو تسي تونغ قبل وخلال تلك الثورة بقتل أعداداً هائلة،  كما تـُستخدم اليوم ضد الجمهوريات العربية وقادتها من مدخل التغطية على ودعم انظمة الدين السياسي العربية وقروسطيتها.

لعل مسـألة ستالين بالغة الأهمية لأنها ترتبط بالعدوان الراسمالي الإمبريالي ضد الدولة السوفييتية من لحظة الثورة إلى البناء وحتى السقوطـ، أي لم يتم التركيز بما يكفي على ان السوفييت وجد في اشتباك دائم مع النظام العالمي وخاصة الغزو الإمبريالي ومن ثم الحصار، وانتقال الاتحاد السوفييتي سواء بالتخطيط أو التجربة إلى أهمية فك الارتباط بالسوق العالمية، وهو الأمر الذي أعاده جورباتشوف بشكل خاص.

بينما تعرَّض الكتاب إلى ضعف المحيط الأقرب للاتحاد السوفييتي اي شرق اوروبا وكونها عبئا عليه إلى حد ما ومن ثم تأثير تفككها السريع على الاتحاد السوفييتي نفسه، إلا أن الكتاب لم يتعرض للمحيط الأبعد للاتحاد السوفييتي وتاثير تفككه أو تحوله الانخراطي في السوق العالمية ، مصر (الانفتاح الاقتصادي  )[9]، سوريا، العراق وتركز تبادل هذه الدول الاقتصادي مع الغرب الراسمالي وكثير من البلدان في آسيا وإفريقيا وهو ما اثر على قدرة الاتحاد السوفييتي نفسه وبالطبع تبع ذلك تفكك محيطه الأقرب. وتكمن أهمية تناول المحيطَيْن لتبيان أن المركز الراسمالي كان يقاتل الاتحاد السوفييتي بـإمكاناته وبما ينهبه أو يحصل عليه بالتبادل اللامتكافى مع المحيط بينما كان الاتحاد السوفييتي يعتمد على إمكاناته فقط.

لا شك أن القارىء كان يود بعض المقارنات مع التحولات في الصين نحو السوق والانفتاح الاقتصادي ومزاوجة السوق بالخطة نقداً للتحريفية في الصين لا سيما وأن الكتاب صدر بعد سنوات مديدة على أخذ القيادة الصينية هذا الطريق.

إلى جانب تأثير تفكك المحيطَيْن الأبعد والأقرب للاتحاد السوفييتي، كان من المهم الإشارة إلى تبعية العديد من الأحزاب الشيوعية والعمالية في العالم للاتحاد السوفييتي مما أعمى معظمها عن ملاحظة الانحراف ونقده في حينه وهو ما كان سيدعم التيار الشيوعي في الاتحاد السوفييتي نفسه في صراعه مع الانحراف. والغريب، أن ما تمت الإشارة إليه في هذا السياق هو تحريفية الشيوعية الأوروبية.

فالأحزاب الشيوعية التي حلت نفسها بناء على “إرشادات” خروتشوف وتبني ” طريق التطوراللارأسمالي”…الخ لعبت دورا، ولو غير مباشر، في إمعان التحريفية السوفييتية في طريقها التصفوي وطبعا هي هُزمت في مواقعها.

ما كان يجدر ذكره بوضوح هو النقد الجريىء الذي وجهه تشي جيفارا الى التجربة السوفييتية عام : 1965 :”… لا يمكن ان تبقى الاشتراكية دون تغيير في الضمير يجترح موقفا اخويا  جديدا نحوالإنسانية… اننا نؤمن بأن، مساعدة البلدان النامية  لا بد ان يتم التعاطي معه  بهذه الروح ولا لزوم لاي حديث زائد مثل تطوير التجارة من اجل المنافع  المتبادلة والقائمة على الأسعار الجامدة  على حساب البلدان المتخلفة ، بناء على قانون القيمة والعلاقات الدولية  للتبادل اللامتكافىء، الناجمة عن قانون القيمة [10]

وهذا يفتح على إهمال مسألة هامة في قراءة التجربة السوفييتية وهي حدود بقاء واعتماد ومن ثم تجاوز قانون القيمة في الدولة الاشتراكية. مع انها قضية محورية بها يمكن قياس مدى توجه الدولة الاشتراكية نحو الاشتراكية فعلا من خلال قطع شوط في تجاوز وإلغاء قانون القيمة. بل لعل إهمال خروتشوف لوجوب تجاوز قانون القيمة هو ما يميز دور ستالين ويؤكد انحراف جورباتشوف.

إن تركيز الكتاب على دور خروتشوف في الانحراف المؤسس وهو ما ارتكز عليه جورباتشوف هو قراءة دقيقة. ولكنها قراءة يعوزها التركيز على مقومات أخرى للانحراف منها:

·       تركيز خروتشوف على دور المدراء

·       تبني نظرية إفزي ليبرمان[11] في اعتماد الحوافز المادية في الاقتصاد والاستفادة من نظام الأرباح ومعدلات الفائدة،   وصولا إلى رفض الاتحاد السوفييتي، في البداية، تمويل السد العالي” في مصر حيث قال خروتشوف: “…ينبغي لنا ان نتاكد إذا ما كان تمويل السد العالي مربحا أم لا…[12]

 ورغم الإشارة إلى الانحراف المبكر في بولندا سواء بتأثير اختراق الطبقة العاملة بنقابة تضامن ودور رأس الفاتيكان والإعلام الغربي المعادي، لكن لم يتم التركيز على دور التيارات التروتسكية في الهجوم على الاتحاد السوفييتي سواء عبر انخراط بعض قيادات هذا التيار في المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، وهجومه على مساعدة الاتحاد السوفييتي للحزب الاشتراكي في أفغانستان ودعمهم لمنظمة تضامن في بولندا إلى حد انبهارالاقتصادي الكبير آرنست ماندل بها[13].

بقي أن نقول بأن الكتاب من عنوانه “الاشتراكية المغدورة/أو غُدر بالاشتراكية/أو خيانة الاشتراكية” لكننا لم نفهم منه تحديدا من هو/هم الخونة! هل هو فرد، حزب، طبقة، فريق، محلي، أعداء خارجيين، أم من كثير من هؤلاء[14].

وهكذا آلت هذه المنطقة الرجراجة من العالم لتكون مرتعاً لتخريب العالم باستخدام الثورة المضادة بقيادة الإمبريالية الأمريكية. فهي المخزن الهائل من الأسلحة التي تم تهريبها إلى سوريا إلى ايدي المعارضة العميلة ضد الدولة السورية، وبالطبع كان الإنفاق من أنظمة الخليج النفطية جميعها وخاصة السعوية وقطر والإمارات طبقا للتعليمات الأمريكية. ولم يكن بوسع هؤلاء إيصال صفقلت التخريب إلى الإرهابيين لولا تعاون الأردن ولبنان وخاصة تركيا كدول حدودية من سوريا.

تتكرر التجربة والدور ضد فنزويلا كما كتب بيبي إسكوبار:

”  نحن لدينا معلومات ان الولايات المتحدة وشركائها في الناتو يرتبون تحويل وتسليم كميات كبيرة من الأسلحة للمعارضة الفنزويلية والتي سيؤتى بها من بلدان أوروبا الشرقية”[15]

يتبع هذا السؤال: من الذي يدفع غير قطر والسعودية والإمارات والكويت؟ لذا لا تُجزِّؤوا الأعداء فالثورة المضادة معسكر واحد.

ويبدو أن الثورة المضادة تستهدف الجزائر اليوم،  (اثناء كتابة هذه السطور)، حيث كتبت لينا كنوش  الثلاثاء 16 نيسان 2019 خطر «الثورات الملونة» في الجزائر: تساؤلات عن «رموز» الحراك الشعبي ، محذرة من منظمات الأنجزة:”…فإن أحمد بن سعدة، مؤلف «أرابيسك ـــ تحقيق عن دور الولايات المتحدة في الانتفاضات العربية»، يرى أنه في حالة الاحتجاجات في الجزائر، يُلجأ حالياً إلى «دليل عمل نظري ومنهجي ومنظم». وبحسب بن سعدة، فقد أجرى المركز الصربي «كانفاس» وخبراء في التواصل الاجتماعي دورات تدريبية في ما يسمى «الرابطة العربية للإنترنت… أُسّس مركز «كانفاس» كوريث لحركة «أوتبور» الصربية، السبّاقة إلى اعتماد النضال اللاعنفي الذي أطلق الانتفاضة على حكومة ميلوزيفيتش وأطاحها عام 2000 [16].

وطالما يعنينا فهم هذا الغرض الأمر، فإن التغيرات الثورية حيث تأخذ مسارها أمام أعيننا فإنها تُعلِّمنا درسا واضحاً: بأن المجتمعات المعقدة عاجزة عن إعادة إنتاج نفسها إن لم تغادر منطق اقتصاد يضبِّط نفسه عبر سيطرة السوق … لقد قدم لنا كلاوس أوفيه تعليقا ساخرا/مفارقا  على الطريقة  التي اتبعها الإجماع السائد بشأن  الأهداف الاجتماعية والسياسية حينما كتبنا: “وطالما أن وضع أنظمة الاشتراكية المحققة يتزايد الياس منه ويتزايد احتضاره ، فإننا سوف نغدو “شيوعيين” طالما أننا عاجزين في النهاية عن التخلص من اهتمامنا بالشأن العام وترعبنا التطورات الكارثية المحتملة  لمجتمع معولم” [17]

وهكذا، توصلنا مجريات الأحداث والواقع الجديد لهذا الجزء من العالم في حقبة العولمة إلى أن انتصارات الثورة المضادة في اوروبا الشرقية بل وفي مختلف الدول الاشتراكية التي انهارت أنظمتها بأن هذه الانهيارات هي انتصارات مؤقتة وهزائم على المدى التاريخي لأن العالم يذهب في التحليل الأخير حيث الضرورة التاريخية في الصعود الديالكتيكي لحركة التاريخ.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] Tamás Krausz and Róbert Nárai, Searching for Alternatives in Eastern Europe

Monthly Review.org/2019/04/01/searching-for-alternatives-in-eastern-europe 1 April 2019

[2] نفس المصدر

[3] نفس المصدر

[4] أنظر، فصلية “كنعان” العدد 93 تشرين ثان 1998 ص ص 113-15

[5] ص 31 من Janashakti vol -7 no.2 January 1999

[6] فصلية “كنعان” العدد 94 كانون ثان 1999 ص 118-19

[7] التايمز 28 اكتوبر 1998

[8] كنعان النشرة الإلكترونية Kana’aan – The e-Bulletin السنة السابعة عشر –  العدد 4464 16 أيّار (مايو)  2017

قراءة في كتاب”الاشتراكية المغدورة: ما وراء انهيار الاتحاد السوفييتي

عادل سمارة :Socialism Betrayed :Behind the Collapse of the Soviet Union 1917-1991By Roger Keeran & Thomas Kenny, Universe USA 2004 and 2010, 580 pages.

[9] انظر عادل سمارة، البريسترويكا، حرب الخليج والعلاقات العربية-السوفييتية:النظام العالمي يعيد إنتاج نفسه، 1991، ص ص 101-108،  منشورات مركز إحياء التراث العربي-الطيبة  1991  وانظر

Adel Ssmara, The USSR From Revolution to Collapse, in The Collapse of the Soviet Union, Causes and Lessons, Internationaç Communist Seminar Brussels – Belgium, 1998 p.p. 223-236.

[10]

 Guevara, C 1965, A Common Aspiration: The Overthrough of Imperialism Unites Cuba with Africa and Asia, Bertrand Russel Peace  Foundation, Notingham.

[11]  (سمارة 1991)

[12] Kidron Michael, 1972, In Documents submitted to UNCTAD Pakistan’s Trade with Eastern Block Countries, New York: Prager

[13] أنظر عادل سمارة، ظلال يهو-صهيو-ترتوتسكية في المحافظية الجديدة، منشورات مركز المشرق العامل للدراسات الثقافية والتنموية 2014، ص ص 68-74

[14]

على سبيل المقارنة، شاركت مجموعة من الشيوعيين بمقالات عالجت نفس الموضوع  في كتاب

The Collapse of the Soviet Union, Causes and Lessons, International Communist Seminar Brussels – Belgium, 1998 ومنهم Ludo Martene, Nina Andreyeva, James Klugmann, Armando Lowanag, Ismael Rinashe, Vijay Sibgh . وآخرون

[15] Kashmir, Korea, Venezuela, Iran: hot, cold, hybrid war

Pepe Escobar (cross-posted with the Asia Times by special agreement with the author)

[16] https://www.al-akhbar.com/Morocco/269409  

[17] ما الذي تعنيه الاشتراكية اليوم؟ الثورة لاستعادة التعافي والحاجة لتفكير جديد

(in After the Fall, ed by Robin Blackborn, Verso, 1991. P.40)