هل تنزلق قمة الناتو الى مواجهة روسيا عسكريا ومباشرة؟ العميد د. أمين محمد حطيط

حرصت روسيا في عمليتها العسكرية الخاصة التي اطلقتها في أوكرانيا بهدف الدفاع عن الامن القومي الروسي و امن الأشخاص الروس في إقليم الدونباس غربي الحدود مع أوكرانيا ، حرصت على اظهار تحركها منجزا في اطار احكام القانون الدولي العام  ، حيث انها لم تبدأ عمليتها الا بعد ان اعترفت باستقلال الجمهوريتين المنفصلتين عن أوكرانيا ثم توقيع معاهدة تعاون و دفاع مشترك معهما ثم قيام الجمهوريتين بطلب تقديم الدعم العسكري للدفاع عنهما . ثم انها و دعما لحقها في تنفيذ العملية أظهرت الكثير من الوثائق و الحجج التي تثبت بان أوكرانيا كانت تعد لعدوان على روسيا بأسلحة تقليدية و غير تقليدية و بالتالي فان العملية برمتها يمكن تصنيفها تحت عنوان “الحرب الاستباقية ” و انها عمل من اعمال الدفاع المشروع عن النفس ضد خطر تخطى الاحتمال ووصل الى درجة التحقق الفعلي . ​​

و في هذا التحليل تقدم روسيا عمليتها او تبرر اعمالها العسكرية بأمرين الاول استجابة قانونية لطلب دولة حليف متعاقد منعها عسكريا و الثاني دفاع مشروع عن النفس ضد خطر تأكد قرب وقوعه و بالتالي تسقط روسيا من التداول فرضية العدوان التي تتمسك بها مجموعة الغرب الأطلسي وتؤمن لنفسها الغطاء القانوني الذي يوفره لها التفسير المتقدم لأحكام القانون الدولي العام و بشكل ادق لأحكام الحق بالدفاع المشروع عن النفس و إغاثة الحليف المهدد المعتدى عليه العاجز عن دفع العدوان عنه ، و لا تكترث لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يرى غير ذلك و بأكثرية ١٤١ صوتا ، بل تقدم تفسيرا جديدا لمدى حق الدفاع عن النفس تفسيرا سيكون محل نقاش من قبل خبراء القانون .

 و استنادا لما تقدم خططت روسيا لعمليتها العسكرية الخاصة و حددت اهدافها بانها دفاعية محض و انها لا ترمي فيها لاحتلال او اقتطاع ارض بل ترمي الي منع أوكرانيا من تشكيل تهديد جدي مستقبلي للأمن القومي الروسي و لأمن السكان من اصل روسي في الدونباس ، امن يتحقق بشكل عملي و ميداني وواقعي لا يكتفي بالمعاهدات و الالتزامات القانونية بل يتخطاها الى الحالة و السلوك العملي و السبب في ذلك عائد الى ان أوكرانيا التي كانت قد التزمت في اتفاقيتي منيسك ١ و ٢ بما يؤمن طلبات روسيا حول الامن نكثت بالتعهدات تلك و اندفعت في تقديم نفسها مسرحا لأميركا و للحلف الأطلسي يقيم فيها المختبرات البيولوجية و يتحضر للعبث بالأمن القومي الروسي ، ورات ان هذه الأهداف لا تتحقق بشكل أساسي الا بإعلان حياد أوكرانيا و نزع سلاحها و تأكيد استقلال جمهوريتي الدونباس فضلا عن الاعتراف بنهائية عودة شبه جزيرة القرم الى الدولة الام روسيا كما سبق و اعلن في العام ٢٠١٤ ،

بيد ان اميركا التي امتهنت الاستخفاف بالقانون الدولي العام و مارست الحروب العدوانية ضد الشعوب بذرائع مختلفة منها بدعة حق التدخل الإنساني المتقدم على السيادة الوطنية ، او انقاذ العالم من خطر سلاح الدمار الشامل الخ..، و كلها بدع و ذرائع تثبت كذبها و الخطأ في اطلاقها  ، ان اميركا هذه انكرت على روسيا حقها بالدفاع المشروع عن النفس و اعتبرت فعلها عدوانا و أعلنت عليها الحرب الشاملة و وصل الامر بها الى الحد الذي اطلق فيه الرئيس الاميركي بايدن على الرئيس الروسي بوتين صفة ” مجرم حرب ” و توعده بانه سيدمر الاقتصاد الروسي و يعزل روسيا عن كامل العالم .

و في المقابل كان الرد الروسي و على لسان بوتين نفسه موكدا الحق الروسي بالدفاع المشروع عن النفس و مظهرا  إصراره على المضي في العملية العسكرية التي اطلقها حتى تحقيق اهدافها المحددة و المعلنة وموجها بشكل صريح او ضمني رسائل واضحة لكل معني  بالأمر بان روسيا لن توقف عمليتها قبل تحقيق اهدافها و ان هذه الأهداف يمكن ان  تتحقق بالتفاوض اذا استخلصت حكومة كييف العبر من مجريات العملية حتى الان  و ان تقديم الدعم العسكري لكييف لن يمكنها من الصمود امام الالة العسكرية الروسية الماضية قدما في اعمالها العسكرية حتى النهاية ، و أخيرا ان من حق روسيا ان تتصرف وفقا لمصالحها الدفاعية مع مقدمي تلك المساعدات و قوافل الامداد التي تحملها ، و المتطوعين الذين يجندهم الغرب من المرتزقة للقتال في أوكرانيا وبالتالي بات الصراع في أوكرانيا محكوما باستراتيجيتين :

–      أولى روسية و تتمثل بالضغط العسكري للوصول الى التفاوض ،دون التوسع باحتلال الأرض و الاكتفاء بتدمير القدرات العسكرية لحكومة كييف بما يدخلها في الانهيار الميداني و يحملها على الدخول في تفاوض جدي و الاستجابة لطلبات روسيا ذات الطبيعية الدفاعية عسكريا و استراتيجيا و سياسيا و بما يحول دون تحول أوكرانيا مستقبلا الى منصة تهديد للأمن القومي الروسي ،

–     الثانية اميركية غربية اطلسية و ترمي الي إطالة امد الصراع و جر روسيا الى حرب استنزاف لسنوات طويلة لإنهاكها و استنزاف قدراتها و  اشغالها عن علاقتها الدولية و المشاركة في حل الازمات و المسائل الدولية و منعها من التكامل الاستراتيجي مع الصين و ايران في اطار المجموعة الاستراتيجية العاملة لمنع اميركا من التسيد على العالم في ظل نظامي دولي احادي القطبية ،

هما استراتيجيتان اذن تحكمان   المواجهة في أوكرانيا التي  باتت  مسرحا لصرع دولي ينظر اليه من الوجهة الروسية بانه صراع وجودي ترى ان الهزيمة فيه تعني نهايتها كدولة بصيغتها القائمة لان الهجوم الغربي سيتمدد ليصل الى تفكيك روسيا ذاتها و شطبها كدولة اتحادية ذات موقع متقدم في النظام الدولي ، و ترى فيه اميركا جسرا تعبر عليه ليخرجها من دائرة هزائمها و يمكنها من استعادة القبض على قرار العالم و متابعة احكام السيطرة علي اروبا و على مصادر الطاقة لتتفرغ بعد ذلك لمواجهة الصين لاحتوائها .

اما في الميدان فان روسيا تسعى الان لممارسة الضغط العسكري بأقصى ما يمكن ، مع الاستعداد لتوسيع الاشتباك اذا اقتضى الامر و زج قدرات جديدة و لا تبعد من حساباتها إمكانية الاشتباك مع الناتو اذا وصلت الى وضع لا يكون فيه مفر من هذا الاشتباك ، اما اميركا فأنها خططت في الأصل لحرب بالوكالة تستعمل فيها كل ما هو بمتناول يدها شاملا الاعلام والسياسة و الاقتصاد  و الفن و الرياضة الخ ،،، دون ان تقحم قواتها العسكرية أولا ودون استبعاد اللجوء اليها عند الاضطرار ، مع التركيز على مسالتين الاولى منع كييف من الاستسلام و التوجه الى مفاوضات لتوقع فيها اتفاق اذعان مع روسيا ، و الثاني منع التراخي الأوربي في مواجهة روسيا مهما كانت الظروف ، وهنا  يطرح السؤال عن احتمالات المستقبل و عن نهاية الحرب ، حيث يمكن تصور حصول واحد من ثلاثة احتمالات :

الاول : تمكن روسيا من تصعيد ضغوطها العسكرية في الميدان و اطلاق مفاوضات جادة مع روسيا تفضي الى التسليم بالمصالح الروسية و تحقق اهداف العملية العسكرية بشكل مؤكد ، و هو احتمال لا يبدو قريبا في الظرف الراهن انما ستستمر روسيا بالسعي وفقا له .

الثاني : خشية روسيا من الثمن الباهظ في حال الانزلاق الى حرب استنزاف وفقا للخطة الاميركية ما يحملها على التراجع التكتي عسكريا و التوقف عن محاصرة المدن الكبرى مع الاحتفاظ بكامل السيطرة على كامل الدونباس و فرض الحصار البحري على أوكرانيا الى ان تتهيأ فرص الاتفاق على حل وسط يلبي الأهداف الروسية الاساسية.

الثالث : تغير في استراتيجية  روسيا او الناتو ما يؤدي الى توسيع ميدان الحرب خارج حدود أوكرانيا و سقوط فرضيتي حرب الاستنزاف و الحرب البديلة او الحرب بالوكالة و هنا سيكون العالم كل العالم على اعتاب مرحلة صراع عالمي غير مسبوق و لم تعرفه حتى الحربيين الاولى و الثانية ، و ان انعقاد قمة الناتو في الأسبوع المقبل و بحضور بايدن شخصيا يؤشر الي امر لا يمكن اهمال خطورته و هو الاحتمال الذي يبقى الابعد تحققا الان .

اما فرضيات الدخول في حرب استنزاف كما تشتهي اميركا ، او تراجع روسيا دون تحقيق أهدافها فأننا نرى انهما فرضيتان لا يعتد بهما الان لان في ذلك انتحار روسي من المستحيل ان تقدم روسيا عليه خاصة و انها تملك من القدرات و الطاقات التي تمكنها من العمل في أي من الخيارات الثلاثة أعلاه و كلها تحقق لها مصالحها و ان تفاوتت سقوفها و حجم التضحيات و الاثمان فيها .

:::::

“البناء”، بيروت، 2022‏-3‏-18

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.