الجغرافيا في خدمة الحرب، الطاهر المعز

تعود صياغة مفهوم “الجغرافيا السياسية”، إلى نهاية القرن التاسع عشر على يد الأستاذ السويدي للتاريخ والعلوم الاجتماعية “رودولف كيلين” (1846-1922)، الذي عَرَّفَهُ كالتالي: “الجغرافيا السياسية هي دراسة الدولة التي تعتبر ككائن جغرافي، أو حتى الظاهرة المكانية، أي كأرض، أو منطقة، أو مساحة، أو بشكل أكثر تحديدًا، ما نُسَمِّيه حاليا دولة … “. يمكننا تعريف الجغرافيا السياسية على أنها النظام الذي يعتبر الفضاء قَضِيّة، أو رهانًا بذاته، ما يُؤَدِّي إلى التساؤل عن العلاقة بين الفضاء والسياسة، أو ما هو تأثير الحقائق الجغرافية (الموقع، والتضاريس، والمناخ وما إلى ذلك) على تنظيم المجتمع أو على الخيارات السياسية، لتصبح الجغرافيا السياسية تحليلا لوسائل ونتائج تجسيد القوة في مكانٍ ما، بمعنى فضاء جغرافي، قد يكون منطقة أو بلدًا أو دولة …

يعتبر باحثو “الغرب” (الذين لا يعترفون بما هو غير أوروبي) أن العالم الجغرافي البريطاني “هالفورد جون ماكيندر” (1861-1947) الأب المؤسس للجغرافيا السياسية، بنهاية القرن التاسع عشر، وكان مهتمًا بالعلاقة بين جغرافيا بلد ما (مثل بريطانيا) واستراتيجية قوتها، وهو أول من أَدْرَجَ تدريس الجغرافيا في الجامعات البريطانية، أولاً في أكسفورد، ثم في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. تركز أعماله على الجغرافيا السياسية، وخاصة في بريطانيا العظمى وإمبراطوريتها، كما وَرَدَ في كتابه “بريطانيا وبحارُها”- 1902.

شرَحَ إحدى أفكاره السياسية في مقالته نشرها سنة 1904، بعنوان “المحور الجغرافي للتاريخ”، حيث يُقابل، أو يعارض بين القوى التي تعتمد قوتها على السيطرة على البحار والمساحات التي تحدها (الحافة) وتلك التي تستمد مزاياها من السيطرة على الأرض، بعيدًا عن البحار، أو ما يُسمِّيه قلب القارات (قلب أوروبا، أو من وسط أوروبا إلى غرب سيبيريا التي تشع فوق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وجنوب الصين)، وبذلك، يُقَسِّمَ “ماكيندر” العالم إلى منطقتين: منطقة أوراسيا المهيمنة (قلب الأرض) ودول بحرية (أراضي ساحِلِيّة)، تابعة لأوراسيا المهيمنة، وأدى اهتمامه بالجغرافيا السياسية إلى اكتشاف أسباب توزيع البشر على سطح الأرض ( الكثافة السّكّنية)، وبذلك أصبح أحد مؤسسي الجغرافيا التطبيقية الذين جعلوا من الجغرافيا جسرًا بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

عند البحث عن الشخص الكامن تحت هذه القِشْرَة العِلْمِيّة، نجد جُنْدِيًّا مُحاربًا من أجل سيادة الإمبريالية البريطانية، ففي العام 1899، نظم وأشْرَفَ “ماكيندر” وقاد “رحلة استكشافية” إلى شرق إفريقيا وأصبح أول من نجح في تسلق جبل كينيا، وبرّر ذلك بأن “روح العصر تتطلب أن يكون الجغرافي مستكشفًا ومغامرًا”، ويجب أن نضيف “في خدمة الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية”!

يختبئ وراء العالم سياسي طموح (يميني)، ومدافع عن الليبرالية الاقتصادية، وعدو النقابات العمالية والأفكار التي تشير إلى الاشتراكية، من قريب أو من بعيد، أو أي شكل من أشكال المساواة أو العدالة أو تقاسم الثروات، وينعكس هذا الجانب، الذي لا يَذْكُرُهُ سوى القِلّة مِمّن دَرَسُوا آثاره وسيرته الذاتية، في حياته السياسية كعضو في الحزب الاتحادي (محافظ) وكنائب برلماني يميني، من سنة 1910 إلى سنة 1922، حيث كان مدافعًا متحمسًا عن توسُّع الإمبراطورية (بالقُوّة العسكرية، طَبْعًا)، وَفي مُحاولةٍ لتشويه خصْمِهِ السياسي، سنة 1918، ادّعى “إنّه مدافع متحمس عن البلاشفة”، ما يعني إنه صَقَل وطَوَّرَ الأفكار التي كان قد طَرَحَها سنة 1904، وفي العام 1919، قَدّمَ هذه الأطروحة في كتابه (المُثُل الديمقراطية والواقع) الذي نُشِرَ في فترة انعقاد مؤتمر باريس للسلام، ووفقا له، يجب على بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الحفاظ على التوازن بين القوى المتنافسة للسيطرة على قلب العالم …

ليس من قبيل المصادفة أن نفس هذه الأفكار التوسعية تم نشرها وتطويرها من قبل الأدميرال الأمريكي ألفريد ثاير ماهان (1840-1914)، الذي يدرس التنافس بين القوتين العالميتين الرئيسيتين، فرنسا وإنغلترا، ويوجه كل تفكيره لمحاولة الإجابة عن تساؤلاته القومية والشوفينية: كيف السبيل لجعل الولايات المتحدة قوة مهيمنة تقود العالم؟

من جهتنا نستنتج أن مُؤَسِّسِي “النُّسْخَة الغَرْبِيّة” من الجغرافيا السياسية، كرّسُوا جُهُودَهُم لتحليل وتبرير العلاقة بين القوة والفضاء (المكان أو المُحيط)، قبل الثورة البلشفية وقبل “الحرب الباردة”، أو ما يُمكن أن نُطلق عليها “الحتمية الجغرافية”، كانوا مَطِيّةً لشَرْعَنَةِ وتبرير الفاشية والنازية التي ركّزت على تبرير التوسع واحتلال أوطان الجيران، وغَيْر الجيران باسم “الفَضَاء الحَيَوِي” الضّرُوري لوجودها…

الجغرافيا أداة حَرْب؟

يُؤَكّد عالم الانثروبولوجيا الفرنسي “إيف لاكوست” أن المُهِمّة الأولى للجغرافية هي صُنْع الحَرْب، وقد يكون ذلك صحيحًا أو قابلاً للنّقاش، لكن يمكن أن تساعدنا دراسة التاريخ والجغرافيا، والجغرافيا السياسية في قياس علاقات القوة ومقارنتها وتحليلها للوصول إلى التّحَلِّي برؤية شاملة للعلاقات الدولية، والتّمكّن من قراءة نقدية للوضع في العالم.

الجغرافيا السياسية هي أيضًا دراسة التفاعلات بين الفضاء الجغرافي (الذي نُسمّيه اليوم بلد أو وطن) والتنافس على السلطة الذي أعْقَبَ الظهور التاريخي للدولة في المشرق العربي (مع توسّع انتشار الإسلام، بزعامة العرب)، فالدولة كائنٌ جغرافي غير مُستقر الحدود والصّفات، لأن ميزان القوى يعدل ملامح البلدان أو يتسبب في اختفاء شعوب بأكملها، بقوة السّلاح، كما حصل في مُستوطنات أمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندة وبعض مناطق أمريكا الجنوبية، واستخدمت بعض القوى الإستعمارية قوانين الانتقاء الطبيعي (الداروينية) لتطبيقها على المجتمعات البشرية، التي تتلاعب بها “القوميات العدوانية”، أي المستوطنون ، والقوى الإمبريالية المتنافسة …

ساعدت مدرسة الجغرافيا السياسية الألمانية في نهاية القرن التاسع عشر، مع دلالاتها العنصرية، على تبرير السياسة التوسعية للنازيين، باسم “الفضاء الحيوي” لألمانيا، فيما تظاهر روزفلت بتناسي وتجاهل التاريخ (إبادة الأمريكيين الأصليين لأمريكا الشمالية) عندما طلب من الشعب الأمريكي “إظْهَارَ خرائطه” لتبرير أهداف الهيمنة الإمبريالية.

بعد انحسار الحديث عن “الجغرافيا السياسية”، خلال فترة صعود النّازية، والحرب العالمية الثانية (لأن التاريخ في نظر مؤسسات البحث والدراسات والجامعات هو تاريخ أوروبا و”الغرب”)، عادت إلى جدول الأعمال لتبرير الحرب الباردة، ولكن أيضًا لتبرير اعتداءات الفترة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي ، وصعود الصين، إلخ، ما يُؤَكِّدُ أن المفاهيم والمُصْطَلَحات ليست “مُحايدة”، أما “النُسخة “الغربية” لمفهوم الجغرافيا السياسية (جيوبولتيك) فتُخْفِي مصالح مُجَمَّعات الصناعات العسكرية  أو المجموعات الإحتكارية للمحروقات والطّاقة…

يُنظر إلى الفضاء على أنه ساحة تحدٍيات، ومجال لنشر القوة، بهدف التحكم في الطرق الاستراتيجية والموارد الحيوية والأقاليم والأماكن الرمزية، وهو مجال مناورات لاختبار القوة المحلية أو الوطنية أو العالمية، وبما أن أراضي العرب تقع على مفترق طرق، يربط بين عدة بحار وقارات، فقد استُهدفت هذه المنطقة منذ عدّة قُرُون، ولا تزال تثير مطامع قوى ذات استراتيجيات متضاربة أدت إلى حروب عدوانية في منطقة تمتد من السواحل المغربية للمحيط الأطلسي إلى أفغانستان، أو ما تُسمِّيه الإمبريالية الأمريكية “الشرق الأوسط الكبير”

لقد أطاحت الإمبريالية الأمريكية بالإمبريالية الأوروبية، خاصة منذ الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين، تصرفت الولايات المتحدة مثل أمير الحرب أو شرطي العالم، وحوَّل الأسطول السادس الأمريكي منطقتنا الواقعة على البحر الأبيض المتوسط بين جبل طارق واللاذقية، إلى مناطق مُحتلّة، معتمداً على أنظمة كومبرادور، تشرف عليها ائتلافات طبقية طُفَيْلِيّة، غير مُنتجة وخائنة، تعتبر الوطن مجرّد قطعة أرض، أو جغرافيا، لا تاريخ ولا ثقافة ولا رُوح لها أو لشُعُوبها، ولا نتحدّث عن فلسطين، بل عن بقية أجزاء الوطن العربي …

تُمثل الجغرافيا السياسية وجهًا واحدًا من الأيديولوجية المهيمنة، ذات الهندسة المتغيرة، عندما يتعلق الأمر بالأراضي وموقعها ومواردها، وتهدف إعادة رسم خريطة العالم، وفقًا للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية للقوى والإحتكارات الإمبريالية، إذ لا تشكل العوائق الطبيعية (الجبال والبحار والأنهار وما إلى ذلك) دائمًا حدودًا لأي بلد، بل رُسِمَتْ هذه الحدود كنتاج ميزان قوى، وإلا فلماذا تم تسهيل إعادة توحيد ألمانيا، في حين يتواصل الإعتراض على توحيد الوطن العربي أو إعادة توحيد كوريا؟

يَعْتَبِرُ شرطي العالم أن الأرض كلها هي فَضاء حَيَوِي لمصالح للولايات المتحدة التي تفرض الحصار والحَظْر الإقتصادي والسياسي على كوبا وفنزويلا وإيران وروسيا والصين، ويفكك شُرطي العالم، عبر حلف شمال الأطلسي، دولًا مثل يوغوسلافيا وليبيا والعراق واليمن، ويحتل عدة دول أخرى؟ يتم كل ذلك بذرائع متعددة، لكن يقع كل ذلك باسم المصلحة القومية الأمريكية التي تشمل روسيا وأفغانستان والصين، على بُعد آلاف الكيلومترات من واشنطن …

إن القوة الاقتصادية والعسكرية هي التي تحدد معنى ومحتوى مفاهيم مثل “الجغرافيا السياسية” أو “الحدود” أو “المصالح الوطنية” إلخ، ولذلك تظهر مفاهيم جديدة، منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، يفرضها صندوق النقد الدولي أو منظمة التجارة العالمية أو الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية ، مثل “الحكم الرشيد” و “حق التدخل الإنساني”، وهو في الواقع عدوان عسكري، وما إلى ذلك من المفاهيم التي يفرضها مُعَسْكَر الإمبريالية على شُعُوب البلدان الفقيرة، في هذه الحقبة الجديدة من مرحلة الرأسمالية في عصر الإمبريالية، حيث تسمح القواعد العسكرية والأساطيل البحرية الأمريكية للولايات المتحدة بالتحكم في الطرق البحرية، وتسمح لها بِبَسْطِ قوتها في الأرض والبحار والأجواء، شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، من أوراسيا إلى المحيط الأطلسي، ومن صحاري شبه الجزيرة العربية والصحراء الكُبْرى إلى غابات آسيا، وأمريكا الجنوبية، وأصبحت تتحكم في الطاقة وطرق التجارة الدولية…

أصبحت الهيمنة الأمريكية مُهَدَّدَة، لكن مَصْدَر هذا التّهديد هو قوى رأسمالية صاعدة أخرى (الصّين أساسًا) ولن يكون انحدار الولايات المتحدة سريعًا، بل بطيئًا، وقد يستغرق عُقُودًا، لكن الأهم أن هذا التهديد لم يكن من قُوى ثورية، لذلك يُستبْعَدُ أن يكون في صالح الشّعُوب والطبقات الكادحة في العالم، بما فيها الأمريكية، إذا ما لم تتَوَلَّ هذه الشعوب والفئات الدّفاع عن مصالحها مُباشرةً، من أجل تحقيق أهدافها…   

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.