اليوم 25 آذار 2022: فقرة من مذكراتي، عادل سماره

الاعتقال على الحدود … ولم أمت

يوم الإثنين  25 آذار 1965، عملت مع والدي ومع عامل البناء في  صب حلقة دائرية من الباطون “تُسمَّى زمَّامة”على باب بئر في ساحة البيت في قريتنا بيت عور الفوقا. انهينا العمل حوالي الظهر  وحفرت على سطح الزمامة وهي طرية وعليها اسمنت ونحاتة ناعمة يسمونها ورقة تاريخ اليوم (الإثنين  25/3/1965).  لاحقاً يوم 15/12/1967 حيث أُعتقلتُ  وهُدم البيت وتحطمت الزمامة.

إغتسلت ولبست بدلة مُقلَّمة لونها اخضر فاتح وخرجت إلى رام الله ومن هناك إلى قرية بيت صفافا التي كانت حينها مقسومة باسلاك شائكة بين المحتل 1948  وبقية الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني.

إنتظرني هناك جبريل عوض وهو أخ محمد عوض عضو حركة القوميين العرب،  ومحمد سليمان وكلاهما من بيت صفافا كي يُعرفونني بالطريق. كنت في  مهمة لتنظيم ابطال العودة أن أدخل للقاء مجموعة داخل المحتل 1948 للعمل معنا.

بعد العاشرة ليلاً أخذاني إلى طريق يمكن التسلل منها كي أدخل ويعودا هما.

وما أن وصلنا قرب المدخل وإذا نحن بين كمين من الجيش الأردني. :حيث بدأ الصراخ: إوقف، إوقف سنطلق النار…الخ

طبعاً لن أُسلِّم نفسي، رفضت الوقوف، أنا لا اعرف القرية ولم يكن أمامي سوى الهروب هائماً على وجهي..

لقد أمسكا بالشابين فورا، وكانت معهما تعليمات بأن يقولا أنهما يساعدانني على الدخول برشوة مالية ولا يعرفان شيئاً فأُطلق سراحهما صباح اليوم التالي.

ركضت أنا بدوري من شمال القرية إلى جنوبها، وركض الجنود خلفي. كنت محظوظاً أنهم لم يطلقوا النار. كنت عدَّاءً جيدا. وكنت بالكاد أميز جدران الحقول وعندما أقفز عن أحدها امد يدي إلى الجانبين كي أهبط بأقل ضغط. سقطت عن جدار عال كما يبدو وسقطتُ على ركبتي اليمنى  وواصلت الركض حتى وصلت السلك الفاصل من الناحية الأخرى. إثر السقوط وصل الجرح صابونة الرجل حيث بان العظم ابيضاً/ طبعاً خلال الاعتقال لم يتم علاجي قط. بعد خروجي من السجن قالت أمي: يمَّه رجلك بتعاود بتخونك، ونعم على عمر 75 حصل.

كيف تخونني؟

قالت سيدك، بل جد أبي عبد الحميد كان بطل جبل القدس في المصارعة الفلسطينية يسمونها التبّأن. حيث يُدخل المتصارعان في غرفة وينتظر الاخرون في الخارج حتى يقول لهم الفائز، إفتحوا الباب. كان ذلك في سوق يافا في فترة استعمار التركي ، حيث يُنيخ الفلاحون جمالهم بما عليها من بضائع، تين، وعنب…الخ حيث التحدي بين جبل بطل الخليل  وبطل جبل القدس.

نادى عبد الحميد: أفتحوا الباب وكان قد تغلب على خصمه ولكنه خلال الصراع سقط على ركبته وبقيت تخونة حينما كبُر.

وهذا حصل معي خاصة أن نفس الساق بها رصاصة أصبت بها في مظاهرات قمنا بها يوم السبت 21 نيسان 1963 كي نضم الأردن للوحدة الثلاىثية بين مصر وسوريا والعراق ، الرصاصة لا تزال في ساقي ولهذا حديث آخر، أعتقلت وسجنت وبعد خروجي نظمني الأستاذ يعقوب العبيدي في حركة القوميين العرب. (لهذا حديث آخر)

توقفت أمام الأسلاك الشائكة، لحقني ضابط وأمسك بيدي اليمنى وطواها كي لا اتمكن من الهرب.

قلت” طيِّب إفلت إفلت لو انا عارف وين اروح من وين تمسكني”

قال: يلعن أبوك ما أوقحك، إحنا جيش.

قلت عارف.

وضعونا أنا والرفاق في نظارة بيت لحم وفي الصباح طلبني قائد المقاطعة السيد بسام الحمود أعتقد أنه من مدينة إربد في الضفة الشرقية، كان شاباً وسيماً ومهذباً جداً. ويبدو أنه توقع أن مهمتي ليست تهريباً، كما لم يبدو على شكلي أنني جاسوساً. تحدث معي ثم أتت سيارة شرطة وأخذتني إلى القدس حيث مكتب جنحو مسؤول مخابرات القدس، ومن هناك إلى عمان. وأُطلق سراح الرفيقين فورا.

عرفت بعد خروجي أن الرفاق كانوا يجهزون لاختطافي من بناء مقاطعة بيت لحم، لكن المخابرات أخذتني صباح اليوم التالي إلى عمان.

من طرائف المواقف، أن أم جبريل عوض (الذي اعتقد اصبح لاحقا مخرجا سينمائيا تخرج من يوغسلافيا) كانت قد أحضرت له في الصباح صحن معدني مطلي بألوان مزركشة وفيه كتلة من الزبدة البلدية وخبز شراك. تركها لي وأخذتها معي إلى زنازين العبدلي  في عمان. وحين وصولي بدأت آكل .

جاء جندي وقال تعال للمخابرات:​​

قلت له بس أوكل.

ذهب الجندي وعاد بعد خمس دقائق غاضبا وقال قم قم قم . يبدو أن الضابط بهدله.

المحقق طارق علاء الدين، أصبح بعد عقود مدير المخابرات الأردنية.

كان أمامي أحد خيارين، إما الصمت وبالتالي تهمة جاسوس أو أن اربط نفسي فرديا مع وديع حداد في بيروت وأن احمي الرفاق هنا. وأنا كنت حينها: مسؤول ابطال العودة في رام الله والقدس، وعضو رابطة في الحركة عن رام الله وكان معي الرفيق  بشير الخيري وصليبا حنحن وابراهيم النادي وعبد الرحمن عواد وعزمي الخواجا. وكنت مسؤول الجهاز العسكري في المنطقة والقطاع الطلابي.

طبعاً بدأ التعذيب والتهم بالتجسس…الخ. تمترست حول علاقتي ببيروت، ارتباط فردي وخاصة أنني كنت طالبا في الجامعة اللبنانية.

باختصار، بقيت حتى 11 نيسان 1965 . كان المحقق يضربني حتى خارج التحقيق ويقول: يا جواسيس اشغلتونا عن إسرائيل. وفي آخر يوم تحقيق وكان يأخذ الإسم واللون..الخ: انهال علي ضربا إضافيا قائلا:البنية قوية، رياضي. بالمناسبة هو قصير القامة فكان يتشربح على وجهي.

وصلت رام الله من عمان عصرا، وذهبت إلى موقف سيارات القرى، رايت والدي من بعيد لأنه كان طويل جدا 210 سم ،كانوا يسمونه في القرية الطويل،  وصلت خلفه وضعت يدي على كتفه وقلت: مرحبا يا ختيار. التفت إليَّ وصار وجهه اصفر جدا، ولثواني لم يتكلم ثم قال: ولك ما قالوا قتلوك اليهود وأخذوك! ، هذا ما قاله  له ضابط الارتباط مع العدو في الجيش الأردني ومقره القدس ،العقيد محمد داود من بلدة سلوان، وهو نفسه الذي اصبح رئيس وزارة الأحكام العرفية في مذبحة ايلول 1970. طبعاً بسبب كذب الضابط  أهلي اقاموا عزائي إثر ذلك.

ضحكت وقصصت عليه الحكاية.

خرجت بالكفالة وفي 15 يوم  فقدت 13 كيلو من وزني في زنازين/فندق  العبدلي. عالجتني حليمة أمي باللحم المقلي والمشوي حيث كان لأبي قطيعين من الأغنام ضأن وماعز.

جاء لزيارتي الرفيق الراحل عزمي الخواجا، سالته هي اخذتم احتياطات؟

قال لا، اركننا عليك.

قلت له ما رأيك أذهب للجامعة  لأن الوالد خايف ؟

قال لا القيادة يريدون بقائك بحاجة لك.

بقيت، وبعد أربعة ايام أُعيد اعتقالي ليلاً ضمن حملة شاملة للرفاق القوميين العرب والبعثيين. في ساحة البيت وقف والدي وهم يقيدونني ثانية،  كان يلبس الشروال وصدرية تُلبس تحت القمباز لا زلت أتذكره طويلا يرفع يده للأعلى قائلاً :

لكن يا إبن الشرموطة مش قلتلك روح على بيروت! كان هذا آخر ما قاله لي ورايته حيث توفي في 25 ايار 1965 بالسكتة القلبية على الرصيف مقابل المدرسة الهاشمية في البيرة وهي اليوم مركز بلدنا الثقافي. كان مع المرحومة أمي يحاولان البحث عن طريقة للإفراج عني. ولهذا حديث آخر.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.