في ذكرى اليوم الخالد … الأرض بتتكلم عربي، محمد العبد الله

 “لابد أن تُعلّم أبناءك أن أديم الأرض تحت أقدامهم من رفات أجدادنا. بذاك يحترمون الأرض. علمهم ماعَلمنا أولادنا أن هذه الأرض أُمَنا، وأن المكروه الذي يصيبها سوف يصيب أبناء الأرض”.

 – من خطبة “سياتل” زعيم هنود “دواميش” وتُعرف بـ “خطبة الهندي الأحمر” وقد ألقاها في شعبه سنة 1854 – ص 163 من كتاب “أميركا والإبادات الجماعية”- تأليف : منير العكش.

” كل ثمن تدفعه في المقاومة ستحصل على مقابله، إذا لم يكن في حياتك، فستأخذه لاحقا…

المقاومة جدوى مستمرة”

 – الشهيد باسل الأعرج

مدخل

ستة وأربعون عاما انقضت على انتفاضة الشعب العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948. في الـ30 من آذار/ مارس عام 1976كان موعد انفجار برميل الغضب / التمرد، الشعبي العام نتيجة غليان سنوات طويلة، بسبب استعمار الوطن، القمع وتكميم الأفواه، هدم القرى ، مصادرة الأراضي لبناء المستعمرات، التهميش، قوانين التمييز العنصري في مجال التعليم، البناء، الطبابة والخدمات الصحية.  جاء قرار حكومة الاحتلال بمصادرة نحو 21 ألف دونم من أراضي “عرابة البطوف وسخنين ودير حنا وعرب السواعد” وغيرها، لتدخل في  مخططات بناء المستعمرات الجديدة، ضمن سياسة “تهويد الجليل”، لتكون صاعق التفجير الذي أدى لتلك الهبة الجماهيرية الغاضبة، التي أدت لصدامات عنيفة مع قوات القمع الصهيونية، مما أدى لارتقاء (رجا أبو ريا، خضر خلايلة، خديجة شواهنة وجميعهم من “سخنين”، خير أحمد حسن من “عرابة البطوف”، محسن طه من”كفر كنا”، رأفت على زهيري من “نور شمس” الذي سقط في بلدة “طيبة المثلث”) شهداءً، مع إصابة المئات من المتظاهرين بجراح تتفاوت درجة خطورتها، ليترافق ذلك مع حملة اعتقالات وحشية داخل المجتمع العربي.

   تسارع مخططات الاقتلاع والتهويد

 في هذه الأيام، وجماهير الشعب الفلسطيني تحتفي بالذكرى المجيدة ليوم الأرض، يواصل الغزاة الصهاينة تنفيذ مخططاتهم الهادفة،المزيد من استعمار/ استيطان الأرض، وهذا ماتعمل على تحقيقه في استكمال “تهويد” القدس، وديار بئر السبع “النقب”. وإذا كانت المواجهات العنيفة بين ميليشيات المستعمرين المحمية بقوات الاحتلال العسكرية والشرطية والشاباك، مع أصحاب الأرض والبيوت في العديد من مناطق القدس المحتلة، خاصة في “سلوان”، وحي “الشيخ جراح” في هبة أيار/ مايو/ رمضان 2021 والتي قادت إلى معركة سيف القدس، انعكست ارتداداتها العنيفة داخل فلسطين التاريخية. إن ماتتعرض له مدينة القدس المحتلة سيبقى الشرارة التي ستفجر الأوضاع مجددا. هنا أقتبس من مقال ” في “تفكيك” الوعي و”كيه”، على موقع “بوابة الهدف ” يوم 26 / 3 / 2022 للكاتب والباحث المقيم في القدس المحتلة، “راسم عبيدات” مايفضح مخططات العدو . “المحتل، هدم في العام الماضي أكثر من (178) بيت ومنشأة في مدينة القدس ،ومنذ بداية العام الحالي هدم أكثر من 55 بيت ومنشأة في القدس، وهو يستعد لارتكاب أكبر “مجزرة” حجر في بلدة جبل المكبر، حيث خطر الهدم يتهدد (132) بيت تحت ذريعة البناء غير المرخص، ووقوع (62) منها في مرمى ومجال ما يسمى بالشارع الأمريكي، كمشروع تهويدي استيطاني مخطط له بعد استكماله بمراحله الثلاثة، لكي يربط البؤر والمستوطنات الواقعة داخل جدار الفصل العنصري مع البؤر والمستوطنات الواقعة خارج هذا الجدار من مستوطنات مجمع “غوش عتصيون” في جنوب غرب الخليل،وحتى مستوطنات شمال شرق القدس،مجمع”معاليه أدوميم” الاستيطاني”انتهى الاقتباس . على الجانب الآخر،فإن مقاومة الشعب، تتصاعد، بكل الأشكال، خاصة، استخدام السلاح الناري والأبيض، وهذا ماأكدته “القناة 12 الصهيونية” : إن 6 مستوطنين قُتلوا، وأصيب 25 آخرون في 9 عمليات فلسطينية منذ بداية الشهر الجاري”مارس/ آذار”.

 في “النقب” تدور منذ عقود، رحى معركة لاتقل احتداما عن معارك القدس. لأن خطط حكومات العدو على تهويد النقب ، أو”إعمار النقب” بحسب صياغة أحد مؤسسي الكيان الصهيوني “دافيد بن جوريون” بدأت تتسارع على الأرض من خلال سياسات اقتلاع السكان الأصليين من أرض الأجداد والأباء، والاستيلاء عليها وفرض السيطرة على أكبر مساحة منها، مقابل تركيز أهلها في مساحة محدودة، وتوطينهم “احتجازهم” في مدن لاتمت بصلة لنمط حياتهم، والقيام بتنفيذ عمليات تجريف الأراضي الزراعيّة بحجّة تشجيرها، والتي تتم من خلال “الصندوق القومي اليهودي”، والعمل على بناء مدن جديدة لاستيعاب المزيد من المستعمرين، خاصة، من أوكرانيا على ضوء الأوضاع المتفجرة فيها. وكانت وزيرة الداخلية في حكومة العدو “إيليت شاكيد”، قد أعلنت عزمها على “بناء عشر مستوطنات جديدة في النقب إلى جانب المصادقة على إقامة مدينتين استيطانيتين جديدتين، الأولى تدعى “كسيف” وستخصص لليهود الحريديم (المتدينين) وستقام في منطقة تل عراد وضواحي بلدة “كسيفة” البدوية، وستضم 100 ألف نسمة سيتم فيها بناء مناطق صناعية وتشغيلية واسعة. والثانية “نيتسانا” على أراضي قرية “بير هداج” الفلسطينية الواقعة على الحدود مع مصر وستضم 2200 عائلة، وسيتم توسيع هذه البلدة في وقت لاحق. وقد صادقت حكومة العدو، يوم الأحد 27 آذار / مارس 2022، على إقامة أربع مستعمرات جديدة في النقب. كما يتوقع أن تصادق الحكومة على خمس مستعمرات أخرى بصورة أولية، بموجب اقتراح وزيرة الداخلية، أييليت شاكيد، ووزير البناء والإسكان، زئيف إلكين.

في المقابل، أوضح رئيس لجنة التوجيه العليا لعرب النقب “جمعة الزبارقة” في مقابلات إعلامية قبل أيام ، بأن “المدينة العلمانية التي ستقام على الحدود المصرية (نيتسانا)، ستستولي على أراضي الفلسطينيين في “بير هداج” وهي قرية معترف بها تقوم على 19 مليون متر مربع من الأرض، ولكن سكانها محرومون من أدنى الخدمات الأساسية، وإن بدو النقب البالغ عددهم 300 ألف ويشكلون 32 في المئة من سكان صحراء النقب باتوا يعيشون على خمسة في المئة فقط من الأرض، بعد أن سيطرت إسرائيل على 95 في المئة من مساحتها، وهم يلاحقوننا عليها بالتجريف والتهجير والتشجير والتركيز”.

  القبضة الفلسطينية تقاوم المخرز الصهيوني

لم تتوقف مواجهات البدو العرب، سكان النقب الأصليين مع الغزاة المحتلين منذ أكثر من سبعة عقود، وإذا كانت الهبات الشعبية في تاريخنا الكفاحي تتناوب بين مد وجزر، فإن النقب وكل الوطن المحتل منذ عام 1948، خاض في سنة 2013 وماتلاها، معارك واسعة ضد “قانون برافر” سيء الذكر. في هبة آيار / مايو / رمضان 2021 ،ومع انفجار الوضع في القدس المحتلة ” باب الواد ،الشيخ جراح ، سلوان، والعيسوية “، مع ضربات صواريخ المقاومة التي دكت المستعمرات في غلاف غزة ، والمركز، شارك فلسطينيو الوطن المحتل عام 1948 بفعالية هائلة في المعركة الوطنية الكبرى، التي أكد فيها الشعب، أنه واحد موحدٌ في هذه المعركة، من الجليل وعكا وحيفا إلى الناصرة، وأم الفحم،التي سقط فيها الشاب “محمد كيوان” شهيدا بنيران عناصر شرطة الاحتلال، والرملة، واللد التي ارتقى فيها “موسى حسونة” شهيداً برصاص أحد أعضاء ميليشيا المستعمرين.أما بلدات وقرى ديار بئر السبع “النقب” فقد انتفضت الجماهير العربية ضد الاستعمار الاحتلالي الإجلائي،وسياسات القمع،والاستيلاء على الأراضي وطرد السكان من أجل بناء مستعمرات جديدة، وتوسيع القائم منها. وقد أدت حملات الاعتقالات – لم تتوقف للآن – التي تعرض لها سكان البلدات والقرى في النقب إلى توقيف 150 مواطناً من مجموع الحملة التي امتدت للجليل ومدن الساحل والداخل التي يسكنها العرب ووصلت حصيلتها ما يزيد عن 2000 معتقل، أخلي سبيل بعضهم ومازال عدد منهم قيد الاعتقال،على خلفية المشاركة في المظاهرات التي شهدتها تلك المناطق خلال المعركة الوطنية الكبرى.

  المقاومة تتصاعد في وجه “الاستعمار الأخضر!”

 في شهر يناير/ كانون الثاني هذا العام، تصاعدت موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية في النقب،في قرية “سعوة-الأطرش” وماحولها من”أراضي النقع”، ضد عمليات التجريف والتشجير”الاستعمارالأخضرالناعم”. وفي مواجهة الغضب المتجدد وتوهج الروح الثورية، لجأت حكومة العدو لخطة عمل إجرامية، من خلال تشجيع المستعمرين الفاشيين من أعضاء حزب” قوة يهودية” في المنطقة، على تنظيم صفوفهم في ميليشيا مسلحة، حملت اسم الجندي” بارئيلي شمؤلي”الذي تم قتله على يد أحد أبطال المقاومة من مسافة صفر،داخل فتحة الجدار المحيط بشمال غزة والمخصصة للقناص، لقتل المواطنين الفلسطينيين. وتتويجا لهذه السياسات الفاشية القمعية، أقدمت وحدة “المستعربين” في الشرطة خلال عملية مشتركة مع جهاز الأمن العام (الشاباك) في مدينة “رهط” يوم 15 مارس / آذار الحالي على قتل المواطن ” سند سالم الهربد” بدم بارد، مما فّجَّرغضبا شعبيا واسعا أثناء التشييع.

   دلالات احياء ذكرى اليوم الخالد في النقب

شاركت الجماهير العربية من كل المدن والبلدات في مهرجان شعبي حاشد تحت شعار “يوم الأرض الخالد … في نقبنا صامدون… وعلى العهد باقون “، شهدته قرية “سعوة” قام خلاله المشاركون بزرع أشتال الزيتون في أراضي ” سعوة – الأطرش” التي تم تجريفها وحرثها قبل أشهر قليلة تنفيذا لقرارات “المجلس القومي اليهودي”. الكلمات التي أقيت في المهرجان ، والهتافات التي صدحت بها حناجر الشباب والصبايا، في ظل العلم الفلسطيني، أكدت جميعها على رفض ومقاومة كل المخططات الهادفة، مصادرة الأراضي ومشاريع الاستيطان.

   خاتمة

تأتي ذكرى يوم الأرض الخالد، والمشهد السياسي الفلسطيني والعربي يشهدان أحداثا كبرى، ستساهم انعكاساتها على تغييرات دراماتيكية في أكثر من ساحة.

–  مابين الاجتماع السداسي الذي التأم في مستعمرة/ كيبوتس”سديه كفير” بحضور وزيري خارجية كيان العدو، والولايات المتحدة ، بمشاركة أربع وزراء خارجية لأنظمة عربية تابعة للمركزالإمبريالي، وللتطبيع/ التحالف مع كيان العدو الصهيوني، لمناقشة قضية أساسية واحدة: الموقف من محور المقاومة/ وتطورالمباحثات حول البرنامج النووي الإيراني. انعقد ذلك اللقاء بعد أيام على العملية الفدائية التي نفذها البطل الشهيد “محمد أبو القيعان” في مدينة بئر السبع، وفي ظل أجراءات القمع والاقتلاع لعرب النقب والتهويد لأرضهم. لكن، في شمال فلسطين، أصر أصحاب الحق بأرضهم وتاريخهم ومقدساتهم، عقد قمتهم في “الخضيرة” التي مَثَلَ فيها الشعب والقضية، القائدين الشهيدين” خالد وأيمن اغبارية”، باختصار، كانت العملية الاستشهادية في شارع ” هربرت صاموئيل” داخل ” الخضيرة” هي القمة الحقيقية، أما تلك التي انعقدت بجوار قبر المجرم ” دافيد بن جوريون” فهي ” قمة ” العار والتآمر..

  مع تحضيرات الغزاة المستعمرين لاستفزازتهم في القدس المحتلة داخل”المسجد الأقصى” وعند بواباته وحوله، ومع اقتراب شهر رمضان، ترتسم في الأفق معالم مواجهات جديدة تعيد مقدمات معركة سيف القدس. لهذا فإن الاستعداد في صفوف المقاومة المسلحة، وتنظيم الإطارات الشعبية الحاضنة لها، ورفع درجة التنسيق مع أطراف محور المقاومة،تُصبح مهمة مركزية راهنة،لخوض النزال الذي يفرضه سلوك وممارسات ميليشيات المستعمرين وجيشهم.

  *  كاتب وسياسي فلسطيني

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.