روسيا والإمبريالية في حقبة حرب الريْع، (حلقة 1-3)، عادل سماره

كثُر النقاش والتساؤلات عن أسباب قيام روسيا بحربها الدفاعية ضد الكيان الصهيوني النازي في أوكرانيا. والتساؤلات هي في الهدف والتوقيت وإجراء الحسابات وتقدير الإمكانيات وتوقع الردود والنتائج…الخ.​​

دعونا نقدم المشابهة التالية:

يعيش الكيان والتوابع العرب والإمبريالية مأزق متى وكيف يعتدون على المقاومة بل محور المقاومة؟

·        يعلمون إذا اعتدوا الآن بأن خسائرهم ستكون هائلة وربما أخطر

·        ويخشون إن لم يعتدون الآن فإن محور المقاومة سيراكم قوة كبيرة يصبح من المحال التصدي لها، بمعنى آخر اقتراب مشروع التحرير.

وبغض النظر عن الفارق في الموقف بمعنى من المعتدي، فإن ما أشغل قيادة روسيا ،وليس بوتين فرديا كما يكذب الغرب ويصوره كديكتاتور، هو:

·         أن الثورة المضادة بدءا من واشنطن عبر كل أوروبا واليابان  وصولا إلى الصهينازية وقد أحاطت بروسيا إحاطة السوار بالمعصم فهي لن تتورع عن ضم أوكرانيا للناتو والاتحاد الأوروبي.

·        وروسيا كانت تعلم أن اوكرانيا تسليحا أصبحت ناتو تماماً وعليه، فاحتمال العدوان  الناتوي بها قارب البدء هذا إذا تغاضينا عن قصف قواتها لجمهوريتي الدونباس منذ عام 2014..

·         وصار على روسيا، إما أن تبدأ الدفاع ولو مكلفاً، أو تنتظر الهجوم وسيكون أشد كلفة.

·        كما تعرف روسيا أن الغرب يعمل بجد وجهد على اقتلاع دورها الريعي في أوروبا والعالم بهدف شلها فهي تزود اوروبا بالطاقة وكثير من بلدان العالم  بالقمح والسلاح وبالتالي فروسيا في سباق مع الزمن كي تضرب ضربتها قبل أن يصبح بوسع الغرب وقف وارداته من الطاقة الروسية مما يُضعف قدرة روسيا بشكل عالٍ وخاصة أن الصادرات الريعية من الطاقة والقمح  هي عصب إقتصادها إلى جانب صادراتها الريعية السلاحية.أي ان الهدف حتى بمستوى متواضع هو احتجاز تطور روسيا، إن لم يكن احتلالها ونهبها  والكل يعلم أن هذه المحاولات أتخذت شكلين أو محاولتين:

الأولى:بدأت من خلال تمرير الطاقة الخليجية إلى أوروبا عبر قبول أو تدمير سوريا وهو تدمير مشترك من الثلاثي الإمبريالي وتركيا وكيانات الخليج والكيان الصهيوني وهذا أُعيق ولم ولن يتوقف.

والثانية: تطوير الطاقة البديلة مع عدم استبعاد الاعتماد على الطاقة الأمريكية المكلفة.

والثالثة: كما يحصل اليوم التوجه لمنتجي الطاقة من بلدان المحيط للاستيراد منها كبدائل لروسيا اي الجزائر وفنزويلا وإيران.

وأهم ما تعنيه هذه المحاولات أن الغرب الذي لم يفكك الناتو العسكري بعد تفكك النظام السوفييتي فإنه كذلك عزَّز الناتو الاقتصادي من خلال توريط أو تورُّط روسيا في السوق الراسمالية العالمية. (انظر أدناه).

وعليه، فمن يزعم أن روسيا وقعت في الفخ أو يصفها كمعتدية أو يتغنج إنسانيا عطفاً على  النساء والأطفال فهو على درجات من الخلل التحليلي والمنطقي والأخلاقي والأكاذيبي. لا أحد يحب الحرب ولكن من لديه سيادة ووطنية وإنسانية يعلم أن بعض الحروب يمكن أن تكون أرضية لسلام حقيقي.

كتبت سابقاً في عدة مقالات أن من نقاط الخلل لدى روسيا هي اندماجها الموسع في السوق العالمية وطبعا منظمة التجارة العالمية، وهنا أقصد روسيا ما بعد يلتسين أي أنه كان عليها التخلص من تراث يلتسين لا الإبقاء عليه. ذلك لأن الاندماج في السوق العالمية يجعل بعض جوانب الاقتصاد الروسي هشة وعرضة للانتهاك. لكن روسيا  نفسها ما بعد السوفييت ذهبت في طريق الراسمالية، وهذا الذهاب تتولد عنه منافسة ما مع الاحتكار الإمبريالي الثلاثي المسيطر على السوق العالمية.

إن ما سمح للاتحاد السوفييتي من لينين حتى ما قبل  خروتشوف وللصين في فترة ماو وبدرجة أقل حتى الآن بأن تقفا على رجلهيما وتتطوران هو تبني سياسة بل استراتيجية فك الارتباط بالسوق العالمية كرأسمالية والإبقاء على نوافذ محدودة مع هذه السوق بما هي اي السوق  الشمولية الحقيقية والمتوحشة. وبالتحديد بقيت التجارة الخارجية بيد الدولة.

وقد استغل الغرب هذا الخلل فورا بأن وضع يده على نصف الاحتياطي الأجنبي الروسي الموجود لديه. أي ان الغرب شن عدة حروب معا ضد روسيا، حرب اقتصادية، حرب تسليح أوكرانيا التي لا تحتاج جنودا، حرب نفسية حرب إعلامية…الخ.

ولكي نوضح، ما معنى انخراط هذا البلد أو ذاك في النظام الراسمالي العالمي؟

يعني بشكل اساسي فتح اسواق الضعفاء إنتاجيا سواء في الزراعة أو الصناعة أو الخدمات للأقوياء الذين ينتجون ويتفوقون في كل هذه. وبالتالي تفرض الأنظمة الراسمالية الإمبريالية سياسات اقتصادية نقيضة لما تزعم إيديولوجياً. اي أنها تزعم تعليميا وأكاديميا وإعلامياً أنها تؤمن بالتجارة الحرة لكنها عمليا تتبنى سياسات حمائية لأسواقها بينما تمنع الآخرين من ذلك وتحجز عنهم نقل التقنية العالية. وباستثناء امريكا فإن معظم أوروبا الغربية لا تملك المواد الخام لصناعاتها المتقدمة  وهذا أهم اسباب تمسكها كاستعمار قديم لم يتوقف عن نهب ثروات المحيط سواء مباشرة أو بالتبادل اللامتكافىء وبالخيار العدواني الأمريكي بل إن كل أوروبا تصطف وراء العدوان الأمريكي سواء بسبب ما ذكرنا أو بسبب تشارك/تشريك الشركات عالميا وأغلب الشركات الكبرى غربية للثلاثي:امريكا اوروبا واليابان.

لقد دخلت روسيا المنظومة الاقتصادية الرأسمالية المعولمة من موقع ضعيف بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي وسرقة قدراته التقنية بإشراف اقتصاديين واستراتيجيين امريكيين. وبقي الهدف الحيلولة دون نهوض لأن الغرب ضد كل من يعتمد على ذاته بغض النظر إن كان راسمالياً أو إشتراكياً وخاصة روسيا والصين.

لم تغمض الإمبريالية عينها عن تطور هذين البلدين ولذا شنت عليهما حربا اقتصادية اسمتها عقوبات.  بل في حالة روسيا جهزت لكي تنتقل من حرب الاقتصاد إلى حرب التخريب والسلاح بمحاصرة روسيا بالناتو وصولا بعد إهلاك روسيا للتفرغ ضد الصين.

لكن دخول المنظومة السوقية العالمية له وجه أخطر لأن معظم الصناعات الهامة والمطلوبة دوليا هي مبثوثة في أكثر من دولة مما جعل العالم مثابة شركة راسمالية  واحدة كبرى حيث نجد قطع السيارات من بلد والكاوتشوك من بلد وقطع الغيار من بلد وكمبيوتر السيارة من بلد، وكذلك النيون في الصناعات من بلد هي تقريبا أوكرانيا وحدها، والكوبالت،والبلاديوم من روسيا …الخ.

وهذا التشابك يعني أن انقطاع توريد مادة خام معينة يعني كسر سلسلة التصنيع. وعليه، فإن العدوان الاقتصادي ضد روسيا بما يسمى العقوبات يعني قيام روسيا بوقف صادرات المواد الخام الروسية وهذا يهدد بإحداث انقطاع في سلاسل التوريد للمواد الرئيسية، بما في ذلك الكوبالت والبلاديوم والنيكل والألمنيوم ولنقل عموما  الرقائق وأشباه الموصلات. هذا التشابك هو ما اسماه مايكل هدسون “صُنع في العالم” بدل ان كان صنع في فرنسا مثلاً.

وهذا ما اسميته عام 2001  في كتابي

 ( Epidemic of Globalization Chapter One, p.p. 1-19 , 2001  )،

 تحوُّل العالم إلى قطاع عام راسمالي معولم GCPS  Globalized Capitalist Public Sector لصالح تحالف طبقة/طبقات راسمالية من مختلف البلدان لكن بدرجات. وهذا يعني أن محاولة خروج بلد من هذه الشبكة أمر صعب. وهذه الصعوبة هي المقتل لاستراتيجية فك الارتباط.

إن مضمون القطاع العام الرأسمالي المعولم أو آلية عمله هي توسيع وعولمة اقتصاد التساقط Tricle-down Economy ليتسع من علاقة دولة استعمارية مع مستعمرتها، بل الطبقة الحاكمة التابعة في المستعمرة ليصبح اقتصاد التساقط المعولم Globalized Trickle-down Economy  حيث تصبح أمماً قليلة العدد تأكل على الطاولة وتملك القطاع العام الراسمالي المعولم وأمما كثيرة العدد تجلس على الأرض ترمُّ الفتات.

لذا، كتبت سابقا أنه في هذه الظروف فإن الخروج من شباك النظام الراسمالي العالمي بل السوق الراسمالية العالمية يتطلب ثلاث مقومات أو درجات:

·        الانسحاب إلى الداخل استهلاكا وإنتاجا لتقوية السوق المحلية بمعنى مقاطعة منتجات الأعداء والمنتجات التي لها بدائل محلية أو يمكن سريعا توفير تلك البدائل.

·        التنمية بالحماية الشعبية بمعنى وجود قوى شعبية طبقية تقوم بالمقاطعة وتطوير تبادل أو سوق محلية بقانون قيمة محلي تقطع مع السوق العالمية قدر الإمكان وتشكل بهذا ضغطا على السلطة كي تخرج من السوق الدولية. وبالطبع يكون الأمر اسهل إذا تبنت السلطة استراتيجية التنمية بالحماية الشعبية ولكن غالبا تكون الدولة بيد طبقة انخراطية في السوق العالمية مما جعلها ضد التنمية بالحماية الشعبية إلا إذا أجبرت على ذلك من تحت.

·        فك الارتباط وهي اللحظة التي تتمكن الطبقات الشعبية بالحماية الشعبية من فرض استراتيجيتها على السلطة أو قرار السلطة الخضوع وتبني البديل اي الحمايةالشعبية فتتبنى فك الارتباط.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.