حرب الريع والعملات ولحس الاتفاقيات، حلقة (3-3)، عادل سماره

  • لن يتوقف لا الناتو العسكري ولا الاقتصادي

جرى جدل طويل ولم ينته بعد حول الرصيد الاحتياطي الروسي بالعملات الصعبة من حيث كونه في روسيا أم في الخارج، وكيف توزعت النسب بين الداخل والخارج.كما رافق ذلك تساؤل بمعنى:

هل يُعقل أن روسيا كانت قد انخرطت في النظام الرأسمالي العالمي هكذا بلا حساب؟ ورغم ان هذا ليس سياق التحليل الموسع، ولكن روسيا اليوم هي نظام رأسمالي وبالتالي كان طبيعياً أن تنخرط وأن تنخرط بعمق  كما تحاول أية دولة تتبع النظام نفسه.

وكما اشرنا عن اختلاف حاكمة المصرف المركزي الروسي مع بوتين حول تأجيل حرب الدفاع ريثما تلملم بعض الرصيد من ايدي لصوص المركز الإمبريالي خاصة. وإذا كان بوتين أكثر حذقا سياسيا منها فهي أعرف بما هي تكنوقراط بخدع  الاقتصاد والمال واتفاقياته.

اشارت التقديرات بأن الاحتياطي الروسي بقيمة  630 مليار دولار وجرت تساؤلات :اين هي؟ واتضح طبعا ان قرابة نصفها في الخارج. لكن عدة تقديرات ترى ان قرابة 30 في المئة منها ليست قيد التحكم الروسي.

وكان الجدل طبعاً على ضوء الحرب الإقتصادية الناتوية حيث جرى لهف أو مصادرة الاحتياطيات الأجنبية الروسية  في الخارج وعزل روسيا عن نظام سويفت.  والطريف أن هذا الغرب الذي وضع بنفسه مختلف ما تسمى القواعد الدولية هو الذي يخرقها مما يؤكد انه وضعها بنفسه ولنفسه فقط ولذا يُخوِّل لنفسه خرقها. وعليه يُسجل لروسيا الرد على ذلك.

أمام هذه الهجمة والتي لم تلجمها العقود والاتفاقات الدولية أو التي بين شركات روسية وشركات خارجية غربية خاصة بل حفزتها هجمة إعلامية إيديولوجية غوغائية من الغرب شيطنت روسيا ولخصت ذلك في شخص الرئيس الروسي نفسه.

لذا، قررت روسيا الرد بالسلاح نفسه. مثلا، كانت روسيا قد استأجرت 520 طائرة مدنية  من أوروبا وحينما قررت أوروبا إغلاق أجوائها في وجه الملاحة الجوية الروسية طلبت روسيا من الأوروبيين أن يرسلوا طواقم هذه الطائرات  ليطيروا بها إلى بلدانهم، ولكنها قالت لهم، لأننا ممنوعين من الطيران في أجوائكم، فهذه الطواقم ممنوعة من الإقلاع من أرضنا والطيران في أجوائنا، وبهذا وضعت يدها على كل هذا الأسطول مما قد يغنيها عن كثير من قطع الغيار التي جرى حجبها عنها.

إحدى المشاكل والإرتباكات الغربية أنهم في الغرب لم يعتادوا على مواقف الند للند، ولذا يأخذون قرارات من جانب واحد بمعزل عن الآخر، وكأن كل آخر مثلاً نظام عربي من التوابع!

عموماً قررت روسيا إرغام الدول المعادية  التي تستورد المواد الخام الروسية وخاصة النفط والغاز  على أن تدفع ثمنها بالروبل الروسي. فكما تشير تقارير عدة:

“… أن الإتحاد الأوروبي يشتري يوميا من روسيا النفط و الغاز بقيمة 660 مليون دولار… يعني عمليا الإتحاد الأوروبي يدفع كل يوم 660 مليون دولار مقابل النفط و الغاز…

القرار الروسي بإستبدال الدولار بالروبل يعني أن الإتحاد الأوروبي مطالب بدفع تلك القيمة الضخمة من الدولارات بعملة الروبل… حاليا الدولار يساوي 100 روبل… يعني حسابيا الإتحاد الاوروبي الآن مطالب بتوفير 6,6 مليار روبل يوميا مقابل النفط و الغاز وذلك عبر شراء الروبل مقابل الدولار أو اليورو والروبل موجود بكثافة في روسيا.

 وبوسع روسيا الإصرار على أن تبيع بالذهب وليس بالدولار طالما اخرج الغرب البنك المركزي الروسي من نظام سويفت”.

هذا الإرتفاع في الطلب على الروبل سيؤدي بالضرورة إلى إرتفاع الطلب على المبادلات التجارية بجميع أنواعها مع روسيا أي تضطر الدول المعادية ناهيك عن الصديقة التبادل المزدوج مع روسيا بالروبل من أجل الحصول على عملة الروبل التي ستصبح في خانة “العملة الصعبة”… و بالتالي ستصبح روسيا و عملة الروبل في حد ذاتها هي المحدد للأسعار أو شريك قوي في ذلك في الأسواق العالمية بدل/مقابل  الاحتكار الذي بقي عقودا لصالح الدولار و الأورو…

على ضوء هذا السيناريو، ينزاح الشك فيما إذا كان لدى البنك المركزي الروسي  ما يكفي من اصول مصرفية أجنبية تتدفق في سوق الصرف للدفاع عن الروبل امام التقلبات. لكن إلى جانب هذا، صار لروسيا الخيار لتقرر ما إذا كانت ستبيع قمحها إلى دول غرب آسيا والتي تحتاجه؛ أوالتباطؤ، أو الاشتراط أو  التوقف عن بيع الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا،خاصة بعد أن تمكنت الولايات المتحدة الامساك به  اي أن روسيا ، وهي قيد الحصار، قادرة على إرباك النظام العالمي بأسره.

لذا  بادرت أمريكا باكراً إلى محاصرة  مواقع القوة في الاقتصاد الروسي عبر آليتين:

الأولى:بدأت بمحاولة تمرير الطاقة الخليجية إلى أوروبا عبر قبول أو تدمير سوريا وهو تدمير مشترك من الثلاثي الإمبريالي وتركيا وكيانات الخليج والكيان الصهيوني وهذا أُعيق ولم ولن يتوقف.

والثانية: تطوير الطاقة البديلة مع عدم استبعاد الاعتماد على الطاقة الأمريكية المكلفة.

أما بعد الحرب الحالية، فإن أمريكاوالغرب عموماً لم توقف الآليتين أعلاه وأضافت لهما آلية ثالثة عبر التوجه لمنتجي الطاقة من بلدان المحيط للاستيراد منها كبدائل لروسيا وهاتين فئتين:

الفئة الأولى: الجزائر وفنزويلا وإيران، وثلاثتهن رفضت تلبية الطلب الأمريكي.

والفئة الثانية: هي أنظمة الخليج، والتي تتمنع ظاهريا ولكن لا يمكن الركون إلى مواقفها بناء على علاقتها ،التبعية التاريخية للإمبريالية، إلا إذا عرفت بأن هناك حزمة ضمانات لها بمعنى:

·         حماية ما من مخاطر أهمها الخوف من أمريكا نفسها على الأقل على احتياطياتها هناك حيث تعودت امريكا على وضع يدها على احتياطيات الغير وهو ما فعلته مع روسيا مؤخرا،

·         ناهيك عن زعمها ضرورة وجود حماية من إيران وهو ما تعبر عنه بالاستحماء بالكيان.

·         كما أن هذه الدول مرتبطة بعقود طويلة مع الهند والصين واليابان بما يستغرق 70 في المئة من إنتاجها وعليه فالمتبقي لا يكفي حاجة أوروبا.

·        هذا ناهيك عن أن زيادة طاقة تشغيل السحب من آبارها ومواقعها سيرهق بُناها على مدى ليس بعيداً، كما قال خبير روسي في هذا المجال.

·         وحتى على المدى المتوسط، فإذا ما أدارت هذه الدول ظهرها للصين والهند واليابان فإن أوروبا لا تخفي أنها بصدد تطوير الطاقة البديلة وحتى تفضيل ولو تكتيكيا للبديل الأمريكي.

وإذا كانت مختلف التحسُّبات أعلاه لها تفسيرها  أو ربما مخارجها، فإن ما يقلق هذه الأنظمة، وهو ما اشرنا إليه في أكثر من مرة،  هو افتقار هذه الأنظمة لحماية نفسها من الشعب. صحيح أنه بعد تدمير المد القومي العربي  استراحت هذه الأنظمة من الخطر الداخلي، ولكن طاقة الجماهير تتجدد بالضرورة. وعليه، فقد ترى هذه الأنظمة أن الحماية هي في الوجود الاحتلالي الأمريكي كحال كوريا الجنوبية. والسؤال، هل أمريكا قادرة على ذلك؟

ولكن، بالمقابل، لعل ما يُرغم هذه الأنظمة على التمنع تجاه المطلب الأمريكي هو رفض الهند والصين لطلبات أمريكا بأن تديرا ظهريهما لروسيا علما بأن الهند أكبر مستورد للنفط في العالم وهذا مغرٍ للخليج ناهيك عن أن منظومتة الهند   التسليحية تاريخيا سوفييتية. وكل هذا يقوي المركز الريعي التنافسي الروسي.

يفتح هذا على أن الموقف الخليجي رجراج بالضرورة لأن هذه الأنظمة ليست لديها قرارات أو سياسات سيادية مقارنة مع الجزائر وإيران وفنزويلا. ولعل ما يدعم القلق من توجهاتها كونها في الوقت الذي تتغنج فيه تجاه أمريكا تقوم بتطبيع مجاني بل كليا على حسابها مع الكيان الصهيوني. وعلى اية حال، ليست وحدها في هذا المغطس النتن بل معها عديد الأنظمة العربية مما يؤكد بأن هذه الأنظمة إنما تخوض حربا أهلية طبقية ضد الأمة بعمومها.

ماذا عن سويفت؟

وهذا يفتح على قرار الغرب لإخراج روسيا من خدمة سويفت.  فإن النقطة الرئيسية هي “ان روسيا ستستغرق بعض الوقت لوضع نظام جديد بالتعاون مع الصين. وستكون النتيجة ، إذا نجحتا في ذلك، هي نهاية الدولرة إلى الأبد، حيث أن الدول المهددة بـ “الديمقراطية” أو تلك الساعية لإظهار قدرا من الاستقلال السياسي ستكون خائفة من استخدام البنوك الأمريكية .

وحول إمكانية إدخال نظام دفع روسي صيني جديد يتجاوز SWIFT، والجمع بين نظام SPFS الروسي (نظام نقل الرسائل المالية) ونظام CIPS الصيني (نظام الدفع عبر الحدود بين البنوك) ، لا يساور  الإقتصادي الأمريكي مايكل هدسون أي شك في  قدرة “روسيا والصين” على  تنفيذ النظام. وسيسعى بعض الجنوب العالمي للانضمام إليه وفي نفس الوقت البقاء في SWIFT- لحين نقل احتياطاته إلى النظام الجديد .

من وجهة نظر موسكو، هذه قضية ثانوية. لان عددالا باس به من البنوك الروسية يرتبط بالفعل بنظام CIPS الصيني. على سبيل المثال، إذا أراد شخص ما شراء النفط والغاز الروسي باستخدام CIPS، فيجب أن يكون الدفع بعملة اليوان الصيني. CIPSالمستقلة عن SWIFT.

بالإضافة إلى ذلك، ربطت موسكو بالفعل نظام الدفع الخاص بها ليس فقط بالصين ولكن أيضًا بالهند والدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU). مما يفتح لها التعاملات مع ما يقارب 400 بنك.

وبعيدا عن درجة نجاح روسيا والصين في تطوير بديل ل سويفت فإن القرار العدواني بشطب روسيا من استخدام سويفت قد فتح الباب لخرق “قداسة” المعاهدات والاتفاقات الدولية التي كما يبدو مخصصة  اساسا ، كما اشرنا للغرب فقط.

في هذا السياق كان حديث الرئيس الروسي  بأن روسيا سوف تؤمم الشركات الأجنبية العاملة في بلادها والتي توقفت عن العمل أو التي لم تكمل عملها بعد وتوقفت وسوف تسمح للعمال بمواصلة العمل وأخذ أجورهم. وهذا يذكرنا بشكل آخر وهي احتلال العمال للمصانع في فرنسا أثناء ثورة الطلاب  1968، ولكن هذه المرة بقرار رسمي.

صحيح أن للدولار اليد الطولى بعد، ولكن بالمقابل فإن تعسف الراسمالية الغربية يدفع روسيا والصين إلى اتخاذ أو تبني سياسات جذرية حمائية وبديلة بالطبع عبر التبادل بالعملات الوطنية، بل إن الهند قد وافقت على ذلك مع روسيا.

بالمناسبة، فإن كثيرا من المحللين الموضوعيين يستذكرون في هذا الصدد مبادرة العراق  في فترة صدام ومن ثم ليبيا في فترة القذافي  في بيع النفط خارج الدولار  الأمر الذي أدى إلى احتلالهما وتدميرهما. ولكن روسيا بالطبع ليست تلك الدولة الصغيرة وخاصة حين  لا يكون للدولة الصغيرة لا نصير قطبي ولا جيران يرفضون الحرب الاقتصادية ضدها.

وإذا كان لروسيا والصين فرص الخروج النسبي على الدولار، فإن كثيرا من دول العالم ليست لديها مرونة الخروج عن حاجتها للقمح والطاقة الروسيين وحتى لمنظومة التسلُح من روسيا  سواء لندرتها أو لتوفرها باسعار أعلى من البلدان الراسمالية الغربية. وعليه، يمكن لروسيا والصين الضغط على تلك البلدان بأن تتداول بالروبل في التجارة معها مما يعتبر خطوة لإخراج دول أخرى خارج سيطرة الدولار. وهذا يدفعنا للعودة للتأكيد بأن الحرب ريعية هذه المرة أكثر مما هي حرباً اقتصادية بشكل فضفاض أو حتى عسكرية.

يقول فالنتين كاتاسانوف، الاقتصادي الروسي والعامل سابقاً في صندوق النقد الدولي: “لقد كان هنالك نظام مقاصة وتبادل بالعملات المحلية بين روسيا والدول الأوروبية في الخمسينيات ويمكن أن نعود لذلك، كما يمكن أن نعطيكم قروضاً بالروبل وبضمانة الذهب الموجود لدينا ولديكم بكميات كافية”. لكن طبعا، حينها كان البنك المركزي للاتحاد السوفييتي ملكا للدولة بناء على قرار ستالين.

ما الذي يعنيه الخيار الأول؟ يعني أن تحصل أوروبا على الروبل عبر بيع بضائعها إلى روسيا بالعملة الروسية، ما يعني تحفيز الدول الأوروبية لعدم الالتزام بالعقوبات التجارية والاستمرار بالتوريد لروسيا. حيث ورّدت بضائع إليها في عام 2021 بقيمة: 99 مليار يورو. وهذا ما اتضح من تردد تشيكيا في الإلتزام بحرب الناتو الاقتصادية ضد روسيا مع أن نظامها معادٍ لروسيا. كما توافقها الموقف بلغارياوالمجر. وبالمقابل، فإن دول البلطيق وبولونيا هن الأشد عداء لروسيا وبالتالي الحماسة لحرب الناتو الاقتصادية وابعد إن أمكن.

كاتاسانوف من الاقتصاديين الروس المعترضين على انخراط أو درجة انخراط روسيا في السوق الراسمالية العالمية مع أنه ليس شيوعياً. وفي سياق كم الأفواه الغربي الذي انكشف مع هذه الحرب تم حجب هذا الفيديو لكاتاسانوف نفسه حيث ينتقد انخراط روسيا في النظام الرأسمالي الغربي  ويشرح كيف يطوق الناتو روسيا بالمصانع الجرثومية https://youtu.be/igM3jrD4WEk.

حتى بلطجة براءة الاختراع!

لكن يبدو أن هذا لا يكشف سوى جزء من القصة. يمكن القول إن السلاح الفتاك في ترسانة ردود الفعل الروسية قد تم تحديده من قبل رئيس مركز البحوث الاقتصادية التابع لمعهد العولمة والحركات الاجتماعية (IGSO)،فاسيليكولتاشوف: “المفتاح هو مصادرة التكنولوجيا – كما هو الحال في روسيا التي توقفت عن الاعتراف بحقوق الولايات المتحدة في براءات الاختراع”. هذا الموقف أقرب إلى الخروج من شباك النظام الراسمالي العالمي وإذا ما تواصل سيكون له ما بعده.

إن براءة الاختراع هي افتئات غربي على العالم لا اساس قانوني ولا اخلاقي ولا تاريخي له وإن هدفه هو احتجاز تطور مختلف بلدان العالم غير الغربية. لقد اغتصب الغرب ، خلال فترة الاستعمار المباشر، مختلف اساليب التصنيع والزراعة من المجتمعات التي أخضعها، كما جرَّف ما اسماه أنور عبد الملك “فائض القيمة التاريخي” من تلكم البلدان. اي سرق التقنية الموجودة مع الفائض  واستثمارهما في تطوير صناعاته والذي يسميه اليوم  البحث والتطوير Research and development RD. وهذا يؤكد وجوب رفض العالم لأكذوبة براءة الاختراع والتي تتعلق أكثر بحقبة العولمة وهي طبعاً مدخل لاحتجاز تطور كل من هو غير الغرب.(انظر كتابنا Beyond De-linking Development by Popular Protection vs development by State , 2005, p. 14)

وكما أعلن بوتين وضع اليد على الشركات المعادية الموجودة في روسيا، فقد دعا كولتاشوف، فيما وصفه بـ “تحرير الملكية الفكرية الأمريكية” ، إلى إقرار قانون روسي بشأن “الدول الصديقة وغير الصديقة. إذا تبين أن بلدًا ما على القائمة غير الودية، فيمكننا البدء في نسخ تقنياتها في المستحضرات الصيدلانية،والصناعية،والتصنيع والإلكترونيات، والطب. يمكن أن يكون أي شيء – من التفاصيل البسيطة إلى التركيبات الكيميائية “. سيتطلب ذلك تعديلات على الدستور الروسي.

يؤكد كولتاشوف أن “أحد أسس نجاح الصناعة الأمريكية كان نسخ براءات الاختراع الأجنبية الخاصة بالمبتكرات”. الآن، يمكن لروسيا استخدام “المعرفة الصينية الواسعة مع أحدث عمليات الإنتاج التكنولوجي لنسخ المنتجات الغربية: الاستيلاء عن الملكية الفكرية الأمريكية سوف يسبب ضررًا  للولايات المتحدة بمبلغ يتعدى 10 تريليون دولار، فقط في المرحلة الأولى. ستكون كارثة بالنسبة لهم ، كما ورد في بعض التقارير”.

كما هو الحال، فإن الغباء الاستراتيجي الذي يتسم به الاتحاد الأوروبي يشحذ الإيمان. الصين مستعدة للاستيلاء على جميع الموارد الطبيعية الروسية – مع ترك أوروبا كرهينة يرثى لها للمحيطات والمضاربين الجامحين. يبدو أن الانقسام التام بين الاتحاد الأوروبي وروسيا في انتظاره – مع بقاء القليل من التجارة وعدم وجود دبلوماسية. ها ستتدارك أوروبا ذلك؟ على الأقل سيكون هناك انقساما في كل بلد على حده تجاه هذا الأمر.

خاتمة:

هل كانت الحرب الروسية دفاعية وحسب، أم يعرف الروس مسبقاً أن هناك تداعيات متعددة ستنتج عن هذه الحرب؟ سواء كان الأمر هذا أو ذاك، فإن العديد من مقومات او ركائز النظام الرأسمالي العالمي بل الغربي قد تحطمت والكثير منها على يد الغرب نفسه. وهذا فتح المجال لروسيا والصين ولا بد لدول أخرى أن تتخلص من شباك قواعد هذا النظام المجحفة.

إضافة إلى الجوهر الريعي لهذا الصراع، والذي حيَّد ولو نسبياً حرب السلاح وحرب الصناعات المتقدمة وأعاد الناس إلى القلق على المأكل والملبس والتدفئة…الخ، فقد أعاد القيمة لمسألة الاحتكار وبشكل طريف هذه المرة.

مثلاً: هددت وتعمل امريكا والغرب على اتخاذ قرار موحد كمشترين/ احتكار المشترين Monopsony  ضد  روسيا فردت روسيا باحتكار الباعة بالمقابل Monopoly   . وهنا قد يجادل البعض بأن قوة روسيا الاقتصادية ليست نتاج تطور أعلى من الخصوم، بل بسبب الموهوبية الثرواتية، وهذا صحيح ولكنه بلا قيمة لو لم يكن للسلطة الروسية قرارات سيادية. ولا شك بأن موقف روسيا هذا سيكون درسا يتعلمه من لديه قرارا سيادياً وللأسف هذا ليس لدى انظمة التبعية العربية.

لا ندري إن كانت روسيا جادة في طلب الدخول في الأطلسي والاتحاد الأوروبي ، ولكن الرفض الغربي لها، وإصراره على احتجاز تطورها لا بد ان يدفعها لخيارات جذرية، قد يكون أحدها كما اشرنا في حلقة سابقة هو على الأقل  فك الارتباط، وهذا خطير على الراسمالية نفسها. ولا شك أن هذه الحرب وتطوراتها  ستولد الكثير ايضاً كاتفاقات ومحاور جديدة في العالم خارج هيمنة الغرب والتبعية له.

وبكلمة ، فإذا كان الناتو العسكري قد تم لجمه وإذا كان الغرب قد ولَّد ناتو إقتصادي وردت عليه روسيا بحرب الريع  فإن هذا يعني فرصة جيدة لكثير من بلدان العالم للخروج على هذا النظام المحكوم بالغرب طالما يد الناتو العسكري لم تعد طائلة بسهولة على الأقل.

لكن المثير للسخرية والمحفز على الثورة هو موقف الأنظمة العربية التي رغم تخلخل النظام العالمي وحتى تخلي المركز عن كثير من مرتكزاته فإن الأنظمة العربية وحدها المتمسكة بالتبعية وخدمة هذا النظام والإصرار على البحث عن سيد هو بحاجة لحماية اي الكيان الصهيوني.

ليست الحرب أمنية، لكنها تكون أحيانا الخيار الوحيد وقد تتولد عنها نتائج لصالح البشرية، والمهم، أنه حتى بنهاية هذه الحرب فإن حرب الناتو الاقتصادية لن تتوقف. 

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.