على عتبات شهر رمضان – تونس نموذج للوضع العربي، الطاهر المعز

تتوقع منظمة الأغذية الزراعية ارتفاع حجم الإنتاج العالمي من الحبوب من 775,4 مليون طن سنة 2021 إلى حوالي 790 مليون طن سنة 2022، لكن الأسعار بلغت مستوى قياسيا بنهاية شهر شباط/فبراير 2022، بنسبة 20,7% على أساس سنوي، ما ساهم في ارتفاع نسبة تضخّم أسعار الإستهلاك وإلحاق ضَرَرٍ كبير بميزانية الأُسَر الفقيرة، والأُجَراء والكادحين الذين لم يرتفع دَخْلُهُم.

ارتفعت أسعار الغذاء ( الحبوب والخضروات والزيوت النباتية والسّكّر واللحوم والألبان ومشتقاتها)، على مستوى عالمي، قبل أشْهُرٍ من إعلان الحرب في أوكرانيا، وتعزو منظمة الأغذية والزراعة هذا الإرتفاع إلى “الاضطراب في سلسلة التوريد العالمية، والظروف الجوية السيئة، وارتفاع أسعار الطاقة…”، أما النتيجة التي تُخيف البنك العالمي فهي انطلاق “اضطرابات اجتماعية نتيجة العبء الثّقيل، الذي يُسببه غلاء الأسعار، على ميزانية فقراء العالم”، ونُشير أن روسيا تُنتج نحو 85 مليون طن من الحبوب (قمح وشعير وذرة…) وتصدّر منها بين 30 و35 مليون طن، فيما يصل إنتاج أوكرانيا إلى ثلاثين مليون طن في المتوسط، تُصدّر منها حوالي عشرين مليون طن، وتُمثل صادرات البَلَدَيْن أكثر من 30% من الصادرات العالمية للحبوب.

نشر موقع صحيفة “إيكونوميست” تقريرًا، يوم 11 آذار/مارس 2022، أي بعد نحو أُسبوعَيْن من انطلاق الحرب بين روسيا وأوكرانيا ( مَصْدَر ثُلُث الصادرات العالمية للقمح)، أشار إلى المَصاعب التي قد يُعاني منها سُكّان الوطن العربي وإفريقيا، بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وخصوصًا المُستورَدَة منها (كالحبوب) في ظل انخفاض العملات المحلية، وهو ما يُتَرْجَمُ إلى ارتفاع كبير في الأسعار، وفي ظل الضّغُوطات التي يُمارسُها الدّائنون (خصوصًا صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي والإتحاد الأوروبي) من أجل إلغاء كافة أشكال الدّعم لأسعار الطاقة والغذاء والأدوية، والسّلع والخدمات الأساسية، وفي مقدّمتها الخُبْز الذي يُعتَبَر غذاءً أساسيا لعشرات الملايين من سُكّان الوطن العربي…

تحتاج مصر (أكبر مُستورد عالمي للقمح) حوالي 21 مليون طنًّا من القمح، تُنتِجُ أقل من نصفها وتستورد حاجياتها من روسيا، أكبر مُصدّر عالمي، ومن أوكرانيا، خامس مُصدّر عالمي، وتخشى الحكومة زيادة سعر رغيف الخبز في بلد يعيش ثُلُثُ سُكّانه تحت خط الفقر الرسمي، أو أقل من860 جُنيهًا شهريا للفرد، كما تخشى حكومات أخرى عديدة، منها تونس والمغرب، رُدُود فعل الفُقراء في حال زيادة أسعار الخُبْز…

تَضَرَّرَ المواطنون والمُزارعون، ومربّو الحيوانات وكذلك السّكّان الفُقراء في الأحياء الشعبية بالمُدُن الرّئيسية، من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل، وأسعار زيت دُوار الشمس، والذّرّة وعلف الحيوانات والأسمدة وغيرها من السلع المُسْتَوْرَدَة، فيما يُواجه المُزارعون كوارث طبيعية عديدة، أهمها الجفاف في الوطن العربي، وهي من أسباب ارتفاع الأسعار، بحسب مؤشر منظمة الأغذية والزراعة الذي أظْهَرَ ارتفاع أسعار الغذاء ( الحبوب واللحوم ومنتجات الألبان والزيوت) في كانون الثاني/يناير 2022 إلى أعلى مستوى لها منذ العام 2011، ما قد يُسبب أزمة غذاء، بحسب موقع صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية (الخامس من آذار/مارس 2022)، وانخفاض مستوى دخل الأفراد والأُسَر في البلدان الفقيرة، لأن الفُقراء يُخصّصُون نسبة تتراوح بين 50% و 60% من دَخْلِهم للإنفاق على الغذاء، بحسب مؤشرات “معهد بيترسون للإقتصاد الدّولي”، وجاءت الحرب بين روسيا وأُوكرانيا في ظرف انتشار جائحة “كوفيد – 19″، وما خلّفته من تباطؤ في النمو، وارتفاع في حجم البطالة والفَقْر، فضلاً عن الحرب التجارية التي تَشُنُّها الولايات المتحدة ضد الصّين، والتي أدّت، بفعل زيادة الرُّسُوم الجمركية، إلى ارتفاع أسعار الغذاء، حتى قبل انتشار فيروس كورونا، وأظهرت بيانات صندوق النّقد الدّولي ارتفاع أسعار الشحن بنسبة 170% وارتفاع أسعار الغذاء، إلى أعلى مستوى لها، في غضون سبع سنوات، في البلدان الرئيسية المُنتجة للغذاء كالقمح والصويا والبُن ( الأرجنتين والبرازيل وروسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة )، بسبب سوء الأحوال الجوية، والجفاف، قبل الحرب الروسية/الأوكرانية، وفي إفريقيا، ارتفع عدد الفُقراء الذين يُواجهون انعدام الأمن الغذائي إلى نحو 106 ملايين نسمة، سنة 2021…

تُقدّر مساحة أراضي الوطن العربي بنحو 1,3 مليار هكتارًا، لكن المساحة المُستغَلّة للزراعة لا تتجاوز 84 مليون هكتارًا، فيما تستورد البلدان العربية نحو 45% من احتياجاتها الغذائية، ويُتوقّع أن ترتفع النسبة إلى 70 % خلال ثلاثة عُقُود، إذا ما تَمادى الوضْع الحالي، ما يجعل من الوطن العربي، المِنطَقةَ الأكثرَ تَبعِيَّةً غذائية في العالمِ، وأكبر مُسْتَوْرِد عالمي للحبوب، بحوالي 45 مليون طنًا سنويا، فضلاً عن استيراد السّكّر والزيوت واللحوم، وغيرها، وتُشير جميع الدّراسات إلى زيادة التّبعية الغذائية العربية، خلال العُقُود القادمة، بسبب غياب السياسات التي تُخَطِّطُ لتحقيق السّيادة الغذائية…

التّأثيرات المُباشرة للحرب:

استغلّت شركات المُضارَبَة بالغذاء، وتتخذ مُعظَمُها سويسرا مَقَرًّا لها، الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لتُضارب بقوت الشُّعُوب، من خلال رَفْع ثمن شحن المواد الغذائية عبر البحار، ما رفع أسعار المنتجات الفلاحية التي بدأت قبل الحرب، بسبب التقلبات الجوية في أمريكا الشمالية وبعض بلدان أوروبا وآسيا، فارتفع سعر القمح والشعير والذّرّة بنسبة 30%، وفول الصُّويَا بنسبة 40% وبعض الزّيُوت النباتية بنسبة 50%، مباشرة بعد إعلان الحرب، ما يُؤَثِّرُ حتْمًا على ميزانيات دول عربية مثل مصر والجزائر التي استوردت سنة 2021، نحو 60% من غذاء شعبها، والمغرب نحو 40%، ما يخلق اختلالاً في موازين الدّول، وتخوفات من عدم توفير الإحتياجات الغذائية، ومن توفير ثمنها (وثمن الوقود الذي زاد عن المبالغ التي كانت مُخصّصة في الميزانية، ويُحاول المُضاربون استغلال الظّرف، والإحتفاظ بالمخزونات وتأجيل طَرْحها في الأسواق، قبل ضمان الحدّ الأقصى للرّبح، وقد ارتفعت الأسعار، خلال حوالي شهرَيْن، من حوالي 220 دولارا، إلى 630 دولارا للطن الواحد من القمح، واضطرت الجزائر إلى توقيع عُقود بهذا السّعر، لتخسر بذلك ما جَنَتْهُ من زيادة في سعر المحروقات…

يُؤَدِّي ارتفاع أسعار المحروقات والغذاء إلى تعميق عجز ميزانيات الدّول غير النّفطية، الذي بَلغ بنهاية سنة 2021، نسبة 6% من الناتج الداخلي الخام في تونس، و4% في الجزائر، و5% في مصر، و 3% في المغرب، وقد يزداد العجز مع ارتفاع أسعار الحُبُوب والنفط والغاز والشّحن، بحسب صندوق النقد الدّولي الذي تلقّى طلبات قُروض، من مصر وتونس والمغرب، ما يزيد من تفاقم الدين الخارجي بالعملات الأجنبية، والذي يتحمّل عِبْأَهُ الأجيال الحالية والقادمة، واضطرّت حكومات الدّوَل المُقترِضَة من صندوق النّقد الدّولي إلى تأجيل قرار إلغاء الدعم لاستهلاك الغذاء الأساسي كالطّحين والخبز والزّيت ومُشتقات الألبان، ومع ذلك ارتفعت أسعار البيع بالتجزئة وارتفعت نسبة التّضخّم، ما خَفَّضَ من قيمة الدّخل الحقيقي للأُجَراء والفُقراء…

في تونس، يتواصل تَدَهْوُرُ سعر صرف العُمْلَة (الدّينار)، ما رَفَعَ أسعار السّلع المُسْتَوْرَدَة، وما رفَعَ نسبة التّضخّم إلى 7,6% بنهاية شهر كانون الثاني/يناير 2022، بحسب المعهد الوطني للإحصاء، وهو رقم لا يعكس حقيقة الأسعار، لأنه لا يُهْمل أسعار العديد من السلع الأكثر استهلاكًا، وفي الفترة التي تلت انطلاق الحرب الروسية/الأوكرانية، اشتكى بعض أصحاب المخابز من نقص الطّحين (الدّقيق)، وأغلقت بعض المخابز، وتداول بعض التونسيين مقاطع مُصَوّرة من ارتفاع أسعار السّلع الغذائية الأساسية، أو فقدانها من المتاجر (الأرز والزيت والسّكّر والطّحين…)، ويُثِير اختفاء (أو شُحّ) بعض السلع الغذائية الأساسية، قبل حلول شهر رمضان، مخاوف المواطنين، رغم الخطاب الحُكُومي المُطَمْئِن، والذي يَدّعِي وجودَ مخزونات كافية، ويُلْقِي بالمسؤولية على المُحْتَكِرِين والمُضارِبين، لكن أقَرّت بعض المؤسسات الرسمية، منها المعهد الوطني للإحصاء، بارتفاع أسعار الإنتاج المحلي، بنسب كبيرة، قبل إعلان الحرب، فارتفعت أسعار البيض بنسبة 24,2% وأسعار الدواجن بنسبة 21,5% وأسعار زيت الزيتون بنسبة 21,7% وأسعار الفواكه بنسبة 17,9% وأسعار الأسماك الطازجة بنسبة 9,2%، وهي سلع محلّية، يكثر استهلاكها (إلى جانب الحليب وبعض السلع الأخرى) خلال شهر رمضان…

لم تعمل الأنظمة العربية، ومن ضمنها تونس، على تحقيق الأمن الغذائي، فضلا عن السيادة الغذائية، بل كبّلت البلاد بالدّيون وزادت من التبعية الغذائية للخارج، ففي مصر والمغرب وتونس، على سبيل المثال، أصبح القطاع الفلاحي مُرتبطًا بالسوق العالمية، وباعت الحكومة التونسية الأراضي الزراعية أو منحتها للأثرياء المُقرّبين من السّلطة، وفرضت الحكومة التونسية (وكذلك المغربية)، منذ قرابة خمسة عُقُود، على الفلاّحين إنتاج المحاصيل المُوجّهة إلى التّصدير (التّمور وزيت الزيتون والحمضيات…)، لتلبية طلب السّوق الأوروبية، بدل تلبية حاجيات المواطنين، وفرضت زراعة محاصيل أخرى تنهك التّربة وتستهلك الكثير من المياه، ما أدّى إلى القضاء على البُذُور والزراعات التقليدية المحلية، ويتعجب التونسيون (وهم على صواب) من زراعة الفراولة والطماطم (وهي كثيرة الإستهلاك للمياه)، بالمناطق الصحراوية، في فصل الشتاء، في دفئيات بلاستيكية، لاستغلال الشمس المُشرقة بشكل مُستَمِرّ، لتلبية طلب المُستهلكين الأوروبيين، بتشجيع من صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، وإهمال زراعة الحبوب والبقول ومنتجات أساسية أخرى…

خاتمة:

أُعَدّت وزارة المالية التونسية ميزانية 2022، قبل ارتفاع أسعار المحروقات وأسعار الشّحن وأسعار الحبوب والمواد الغذائية، ومع ذلك تميزت هذه الميزانية بعجز حَتّمَ على الحكومة البحث عن موارد إضافية لتغطية ذلك العجز، ولجأت إلى الحل التقليدي، والإقتراض من صندوق النقد الدّولي، والأسواق المالية، لكن الأوضاع المالية زادت تأزُّمًا، خلال سنة 2022، قبل وبعد انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية، وأصبحت البلاد مُهَدّدة بالعجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية للدّائنين، فضلاً عن توفير الغذاء والدّواء والطّاقة للمواطنين، وتُعاني الحكومة الحالية من آثار السياسات التي انتهجها الإخوان المسلمون وحلفاؤهم، منها توظيف عشرات الآلاف من أفراد تنظيم الإخوان المسلمين وأُسَرِهم وأنصارهم، وإنفاق مبالغ القُروض على رواتبهم، وعلى “التعويضات” المُشِطّة التي حصلوا عليها، بدل الإنفاق على برامج التنمية والتّشغيل… لكن الحكومة الحالية لم تُقدّم أي برنامج أو أي بدائل لسياسات التّبَعِيّة السّائدة منذ قرابة سبعة عُقُود، ما لن يُؤَدِّيَ سوى إلى مزيد من التّرَدِّي الإقتصادي

يمكن العمل على تغيير العادات الغذائية، والتخفيض من استهلاك القمح اللَّيِّن، المُسْتَوْرَد (من أوكرانيا، مثلاً) بالعملات الأجنبية، لصُنع الخُبز “الأبيض”، وتشجيع استهلاك الغذاء الذي يُسْتَخْرَجُ من القمح الصلب من إنتاج مَحَلِّي، لكن لم تُظْهر الحكومات السابقة ولا الحكومة الحالية أي اتّجاه نحو الإستقلالية الإقتصادية والغذائية، أو الاستثمار في تصنيع الأدوية، أو في الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء، بدل توريد النفط، أو البحث عن حُلُول لمسائل أساسية مثل ارتفاع نسبة البطالة والفَقْر ورداءة برامج التّعليم، أو التخطيط لمستقبل البلاد والأجيال اللاحقة…

تعمل السلطات التونسية، قبل وبعد انتفاضة 2010/2011، على إقصاء المُزارعين والمواطنين من النقاش بشأن مُستقبل الفلاحة وقضايا الغذاء والمياه والرّعي وما إلى ذلك من قضايا أساسية تتعلق بحياة المواطن وبحياة الأجيال اللاحقة، ولم تُبْدِ الحكومة الحالية (قَيْس سعَيِّد) أي استعداد لمراجعة السياسات القائمة على الإقتراض الخارجي وعلى التّبَعِيّة للقوى الإمبريالية، وتتصرف الحكومة الحالية كما تصرفت حكومة “الهادي نويرة” (من 1970 إلى 1980) التي عَمّقت تبعية الإقتصاد التونسي، وبدأت إغراق البلاد بالدُّيُون والقضاء على القطاعات المنتجة، مقابل توجيه الإنتاج نحو التصدير، وفتح البلاد على مصراعيها للسياحة الرخيصة والمُدَمِّرة لموارد البلاد، وقد تُؤَدّي سياسات الحكومة الحالية إلى نفس النتائج وإلى التصادم مع الطبقة العاملة، ومع الإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأُجَراء) والعديد من فئات المُجتمع، وما الإضرابات الأخيرة لأُجَراء بعض القطاعات سوى أحد مؤشّرات لتوتر المناخ الإجتماعي، وافتقاد الحكومة الحالية لبديل تقدّمي يخدم مصلحة الأغلبية، ويُلَبِّي مطالب المُنتَفِضِين في كانون الأول/ديسمبر 2010 و كانون الثاني/يناير 2011…    

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.