“كنعان” تتابع نشر كتاب “هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة: قراءة في الثورة والثورة المضادة”، لمؤلفه د. عادل سماره، الحلقة 17

مشكلة المثقف:

رغم الاندغام الخطير بين الإعلام والثقافة بل احتلال الإعلام مساحات واسعة من الثقافة واحتوائه أعدادا كبيرة من المثقفين، تبقى للمثقف  الثوري المشتبك مساحة للفعل، مساحة للمقاومة والثورة. ذلك لأن المثقف المشتبك هو حالة حضور وليس مجرد حالة وجود، لا يكتفي بمقولة ديكارت ” أنا افكر، إذن انا موجود”.  فالحضور هو الفعل المشتبك. والحضور هو حالة انتقال المثقف من فرادته، كما يتوهم بعض المثقفين، بل فرديته إلى توسطه بين الذات والمجموع وصولا إلى انخراط الذات في المجموع أي من ذاتوية الفرد إلى مجموعية الأفراد، الناس، الطبقة. في هذا المناخ تتحقق الذاتية العليا ليكون الفرد زهرة بين مائة زهرة متفتحة.

ربما هي اليوم ظاهرة معولمة تتمظهر في لوم المثقف، والتساؤل: اين المثقفين، أين دورهم؟ ما موقفهم؟. والسؤال عن المثقف أو مسائلته مسألة مزدوجة:

  • هي إما حرص على الوعي الجمعي واستغاثة ولو نقدية بالمثقف.
  • أو طعنا في الثقافة عموما وإخضاع الثقافة لأجهزة الإعلام التي تسيطر عليها الرجعية والبرجوازية المعولمة.

لكن في الحالتين هناك تحميل المثقف ما ليس ذنبه. فالمثقف ليس صاحب القرار السياسي. وحتى المثقف العضوي للسلطة الطبقية الحاكمة ليس صاحب القرار، وإن كان خادماً لها. هو مُستخدَم وليس مُستخدِما. وهذا لا يعفيه من خطيئته قط، ولكن إلقاء اللوم عليه هو إعفاء للسياسي من  تسلطه وانحرافه وحتى خيانته وفي التحليل الأخير تنظيف/تلميع السياسي وبقاء الوضع القائم.

قادت سيطرة الإعلام واستخدام مثقفي الأنظمة والمصلحة والارتزاق إلى التغطية على القمع والطمس الذي يتعرض له المثقف المشتبك، ونقصد به الوطني الثوري النقدي والشيوعي/العروبي أولا والأممي أخيراً. هذه الفئة تحديداً هي التي تتم التغطية على طرحها وبشكل مقصود من أجهزة الإعلام بتنوعاتها.

وفي هذا السياق أصبح دور وسائل التواصل الاجتماعي في خدمة المثقفين للتعبير عن آرائهم، ولكن في الوقت نفسه ضد الثورة لأنها تُشغل الجميع في علنية عنكبوتية لا تُثمر فعلا أو تعيق التثمير ثورياً بمعنى أن الثورة تحتاج بل تشترط العمل السري وليس تقديم الشخص طواعية كل ما يود ان يعمله بعلنية لا حدود لها. وفي النهاية تعتمد حدود العلنية سلبا أو إيجابا طبقا لظروف كل بلد.

وعليه، يكون الأمر، من الذي يستخدم/يمتطي الآخر، المثقف، وكل إنسان بدرجة أو أخرى، في مجال أو أخر، مثقفاً أم وسيلة التواصل الاجتماعي التي تقودها لا شك اجهزة مخابراتية معولمة ومضادة للثورة.

عَوْدٌ إلى مثقفي البحث هذا، للإضاءة على الفئة منهم المضادة للثورة كما ورد في الكتاب نفسه. فليس الكتاب في المثقفين والثقافة عموما. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن ما حصل من تطور وربما احتلال تكنولوجي للإعلام لا ينطبق على الفترات الزمنية لموضوعات الكتاب لكنه لا ينفي أهمية قراءة دور المثقف كلٌ في زمانه.

في تجربة كميونة باريس دعم المثقفون غير المناضلين بشكل عام قصر فرسايل، وأغلبهم عمل علامات فارقة كما يقول باديو (ص 132 من باديو هايبوثيسس – اي الفرضية الشيوعية) BADIOU HYPOTHESIS VERSO, 2015 –وستكون كل إشارة برقم صفحة في هذا الفصل مقصود بها نفس هذا الكتاب) . وهذا يؤكد، قبل فترة أطروحة غرامشي عن المثقف العضوي، أن كل مثقف هو مثقف عضوي لطبقة أي سلطة طبقية ما. وربما لأن البرجوازية لديها السلطة والمال وفرص التعليم وإعادة التثقيف، كانت مُبكِّرة في تجنيد مثقفيها العضويين قبل الطبقة العاملة. ومن هنا كانوا، كما يبدو، جاهزين للقتال الفكري لصالحها. وهذا لا يعني غياب مثقفي الطبقة العاملة. لكن المهم هو التخندق المباشر لمثقف البرجوازية في خدمتها.

بين كميونة باريس والثورة الثقافية في الصين 1965  مائة عام من الزمان حفلت بتطورات كبيرة بمن فيها التطور الثقافي والفكري النظري. وهو قرن الصراع الأشد بين الثورة والثورة المضادة سواء  صراع الأفكار والنظريات والتخندق والقوى. وكانت الغلبة فيه لراس المال على العمل على صعيد عالمي. لكن هذا الانتصار لرأس المال لا ينفي حقيقتين اساسيتين:

ألأولى: أنه القرن الأول في التاريخ الذي جرى فيه التضاد والصراع  بين الاشتراكية والرأسمالية، بين الفكر والأنظمة السياسية والاستراتيجيات لكليهما، بين الاشتراكية الوليدة ورأسمالية بدأت قبل عدة قرون بل بين اشتراكية تلغي الملكية الخاصة التي يعود تاريخ سيطرتها إلى عدة ألفيات.
والثاني: أن هزيمة العمل لا تعني نهاية الصراع، بل تكرر وسيتكرر الاشتباك.

هزيمة العمل هي الغلبة التي كشفت عن تخندق طرائقيوا راس المال في قيادة الحزب الشيوعي الصيني. ومن الطرافة بمكان أن ما قاله ماو تسي تونغ أن هذا التخندق كان أعمق في الاتحاد السوفييتي حينها، لكن لم يقم أحد هناك من قيادات الحزب/الدولة بكشف أو تحدي ذلك.

ما أن هُزمت الثورة الثقافية ورحل ماو تسي تونغ الذي كان دوره قد رحل قبل رحيل جسده كما يبدو من تحليل باديو منذ عام 1967-68 وبقي ظله، حتى فُتح الطريق لرقص الشياطين وأقصد خاصة هنا في الإعلام والثقافة. بوسع القارىء العودة لما ورد عن الثورة الثقافية وكيف وقف الإعلام الرسمي الصيني مع العدوان الأمريكي ضد العراق وكيف تم الترويج للكيان الصهيوني، والأمر نفسه فيما يخص مثقفين. مُدهش هذا الانحطاط لصالح بلدين يشكلان المثال الأشد قبحاً للثورة المضادة. فليس هناك من إنسان ذي موقف ووعي إنساني يمكن ان يدافع، فما بالك يًروِّج للولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

في تجربة ثورة ايار 68 تكرر دور المثقف العضوي لراس المال، ومثقف الطابور السادس بشكل أكثر وضوحا من الثورة الثقافية من حيث صراع الأجنحة في الحزب الشيوعي الصيني، ولكن بشكل مشابه لما كتبه مثقفون بعد رحيل ماو تسي تونغ. لقد تشابه السقوط والاستخذاء في الحالتين بل تشابهت الردة والندم وصولاً إلى الخيانة.

” لقد ايقظت حكومة ميتران مختلف الأرواح الشريرة  في   اليسار  واساسا بإفساد جزء من او شقفة من البرجوازية الصغيرة  بدعوتها الى التقرب من السلطة، (حتى دولوزقبل دعوة على العشاء مع الرئيس) ومنح رصيدا “لمؤسساتها” التي كانت تتوق اليها. “السياسة الثقافوية” كانت الاسم الجيد  لهذا النظام من الأوهام، كما يقول باديو ص 12.

لا يختلف موقف دولوز في الانطواء تحت جناح السلطة البرجوازية الفرنسية عن موقف  أدورنو الذي حينما بدأ تمرد الطلبة تحول إلى مخبر للشرطة! لم يتخيل أدورنو أنه كان بما كتب يُفجر نبعاً فارتعب حين تفجر ذلك النبع.

أما كوهين بنديت: فقال  بعد الهزيمة وبعد أن احتوته ماكينة الاتحاد الأوروبي كمؤسسة طبقية برجوازية حاولت خلق “أممية راس المال”  ” إنس ايار  68 ،  فقد اصبح الان سياسيا عاديا . اننا نعيش في عالم مختلف ، تغيرت الحالة  تماما، وبوسعنا تذكر  السنوات الجيدة  من حياتنا  بشعور داخلي واضح. ما من شيىء حدث حينها له اي فعل  حقيقي علينا . نوستالجيا وفولكلور … اننا نتذكر 68 لأن البطل الحقيقي  ل 68 هو انها كسرت قيود الراسمالية النيولبرالية”. ص 33 من باديو.

جميل، ولكن بنديت عاد وقيد نفسه بتلك القيود.

ولكي نحتفل ب 68 كما يدعونا اندريه جلوكسمان بان نحتفل بالنيولبرالية الغربية  بان الجيش الامريكي يدافع بشجاعة عن البرابرة  ص 34 من باديو.

Daniel Singer, WHOSE MILLENNIUM? THEIRS OR OURS. MR 1999

ما قاله جلوكسمان عن الجيش الأمريكي، كرره بنفس الكلمات تحديداً مثقفون صينيون اثناء العدوان الأمريكي ضد العراق. إن الهبوط إلى هذا المستوى الذليل لصالح الإمبريالية لربما تعفف عنه قادة أو حكام من الأنظمة العربية التابعة للمركز الراسمالي! حقاً، فطالما كل شيء نسبي وكل شيء متحول، فإن السقوط لا قاع له والتحول سلبا يشتمل على ابتكارات سلبية بلا حدود لها ولا قاعاً.

لم يكن مختلفاً حال مثقفين من الاتحاد السوفييتي خلال وبعد تفككه كما تفكك بقية أنظمة الاشتراكية المحققة في أوروبا الشرقية ومثقفين وأحزاباً شيوعية في العديد من بلدان العالم حيث هرول الكثير منهم إلى مواقع وقوى وأنظمة الدين السياسي فتغيرت اسماء الأحزاب وتغيرت تنظيرات المثقفين. وهؤلاء في حقيقة الأمر مهدوا كثيراً لمقولة فوكوياما التي تورط بها عن نهاية التاريخ.

لكن خطورة هذه الارتدادات تجسيدا عمليا ميدانيا على الأرض بل على الدم كانت في الوطن العربي. فمن جهة، قادت هزيمة حزيران 1967 إلى خروج معظم الأنظمة العربية من الحرب مع الكيان الصهيوني بمعنى النضال لتحرير فلسطين، واصبح الشعار هو إزالة آثار عدوان 1967. لكن الأخطر من هذا كان تماهي أحزاب مع هذا التوجه إضافة إلى استخذاء معظم القوى القومية والشيوعية متراجعة عن أطروحاتها الثورية سواء بِ:

  •  تخفيض سقفها النضالي
  • أو تحولها إلى ماكينات للهجوم على الأنظمة الجمهورية التي وإن كانت قد خفَّضت سقفها إلى إزالة آثار العدوان فإن بعضها بقي رافضاً الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه.
  • أو الصمت والخروج من الميدان.

وهي بهذا فتحت الطريق لأنظمة وقوى الدين السياسي التي اشتغلت ماكينتها بوقودين معاً:

  • الوقود الثقافي السلفي والتكفيري والمرتبط بالهجمة الثقافية الأمريكية خاصة
  • والوقود المالي وخاصة إثر طفرة أسعار النفط سواء 1973 ولاحقا في الثمانينات.

كان تتويج هذا التراجع الرهيب في هجوم الثورة المضادة تحت شعار ما يسمى “الربيع العربي” وانضواء الكثير من المثقفين الناصريين والشيوعيين واليساريين في صفوف الثورة المضادة هذه[1].

ولا شك كان لمثقفين فلسطينيين نصيبهم الكبير في هذه الردَّة، بل شكلوا حالة ابتكار سلبي فارق. تجلى ذلك في مستويين أساسيين:

الأول: تحول المثقفون هؤلاء من التنظير للكفاح المسلَّح وغابة البنادق وتحرير كل شبر من فلسطين والتنظير بأن “من يخرج “على قيادة م.ت.ف أو ما تسمى “الشرعية، يخرج عن الإنسانية”  كما زعم محمود درويش، والتغني بانتفاضة 87 إلى مبرِّرين لاتفاقات أوسلو التي اعترفت بموجبها م.ت.ف بأن المحتل عام 1948 هي أرض للكيان الصهيوني وبالتالي تحول هؤلاء المثقفون كما تحولت ورغبت قيادة م.ت.ف إلى الزعم بانتهاء مرحلة التحرير والانتقال إلى الاستدوال! فبعد مؤتمر مدريد 1991 وهزيمة العراق وإخراجه من الكويت لإعادة احتلالها بجيوش الولايات المتحدة والغرب وبعض العرب ، انخرط هؤلاء في لقاءات ومؤتمرات تطبيعية مع مثقفين صهاينة، منها مؤتمر غرناطة الذي حضره شمعون بيرس مع ملك إسبانيا وحضره من الفلسطينيين عزمي بشارة ومن سوريا أدونيس وغيرهما طبعاً. وما أن تم توقيع اتفاقات أوسلو حتى تحول هؤلاء المثقفين إلى دُعاة للتطبيع والاعتراف بالكيان والتوقف عن مقاطعة الكيان الصهيوني وإنهاء الانتفاضة  وبدأ الحديث عن ما يسمى سلام الشجعان…الخ[2].

الحزب

لا يقل الجدل حول دور الحزب أو الحركة السياسية في التجارب التي تعرض لها الكتاب عن الجدل حول دور المثقف. بل إن النقد على دور الحزب هو أعلى مشروعية من النقد ضد المثقفين سواء فرادى أو كفئة نظرا لما يُفترض أن يمثله الحزب وماذا يهدف وما يقوم به سلبا أو إيجاباً، تقدمياً أم لصالح الثورة المضادة. فمهام الحزب وواجباته أكبر من مهام الأفراد وحتى الفئات لأن الحزب هو بالضرورة ممثل طبقة وأحيانا تحالف طبقات وفئات. هو حامل مشروع اجتماعي اقتصادي  سياسي…الخ.

عانت تجربة الكميونة من عدم تبلور قوى الكميونة في أحزاب بالمعنى اللينيني مثلاً، حيث شكل غياب هذا النمط الحزبي نقطة ضعف في بنيتها. كانت القوى الأبرز فيها هي البلانكية والأنارخية، وهما قوتان ثوريتان ولكنهما لا تشكلان النموذج الأنسب للثورة بمعنى كل من التكتيك المناسب والانتظام الميداني حيث لم تكن ولم تعد تكفي البؤرة الانقلابية ولا الاندفاعة الميدانية الحماسية والجرأة.

يختلف الأمر في الثورة الثقافية حيث لم تكن المشكلة في غياب الحزب الناضج أو المكتمل إن صح التعبير، بل في الوجود الثقيل للحزب، في كون الحزب قد اصبح سلطة،  إندغم في السلطة/الدولة أو اندغمت فيه، فاصبح كما استنتج ماو تسي تونغ معيقا للثورة بدل أن كان قائدا لها في فترة التحرير وسِنِيْ الاستقلال الأولى.  وعليه، صار لا بد من الثورة على الحزب أو تثوير الحزب بدل أن كان الأمر في الكميونة هو البحث عن الحزب المتبلور ليقود التجربة.

في ثورة 68 كان الأمر مزيجاً بين جوانب الفشل أو التقصير في كل من الكميونة والثورة الثقافية. كان الحزب بل الأحزاب موجودة. لكنها لم تكن أحزاب الثورة، بل كان موقفها ضد الثورة كما فعل الحزب الشيوعي، بل والكثير من المثقفين ايضاً. وإذا افترضنا أن الحزب الشيوعي كان لينيني البنية والتكتيك، وهو عملياً لم يكن حينها، فإن قوى ثورة 68 كانت رافضة للحزبية هذه ربما بناء على أو رِدة فعل على  تجربة التغوُّل البيروقراطي في تجارب الأحزاب الشيوعية عامة والتي في السلطة خاصة.

وحيث بقي الحزب الشيوعي الصيني في السلطة بل احتكرها بتلاؤمه مع التوجه التحريفي الوسطي لقيادته بعد هزيمة الخط الماوي. أما الحزب الشيوعي السوفييتي فتحول إثر تفكك الاتحاد السوفييتي إلى الحزب الشيوعي لروسيا وصار نضاله من أجل الإمساك بالسلطة في روسيا الراسمالية عبر الطريق البرلماني في هذه المرحلة على الأقل.

رفضت ثورة 68 الطريق اللينيني في الحزبية، لكنها عجزت عن بلورة حزبها او احزابها الخاصة أو الملائمة للضرورة التي افرزتها الثورة نفسها كحدث. وقد تكون مساهمتها في وضع المسألة الحزبية قيد نقاش أوسع كمسألة بحد ذاتها. ولكن مثلبتها كانت في عودة السيطرة البرلمانية للواجهة وتحول الصراع على البرلمان نفسه مما أعاد الأحزاب اليمينية والتحريفية إلى الواجهة مجدداً.

الحزب  والدولة/نقاش ألان باديو:

لقد ناقش باديو مطولاً إشكالية الحزب/الدولة نقاشا نود التوسع فيه هنا.

“وصل ماو الى عدم امكانية تطوير ابداع سياسي في ظل الحزب-دولة، وجادل بأن اختلاف المواقف لايحل  بالعنف ولا بالشكلية الرسمية البيروقراطية  ولكن بالتحرك السياسي الشعبي الجماعي” . اي اختيار طريق الشعب كما كان يؤكد دائماً.

في نقده للنموذج اللينيني للحزب جادل باديو:

 “…إن الشيء الثالث اللافت انها(اي ثورة أيار68 -ع.س)  لم تأخذ بالحسبان الشيء الذي يبرهن بأنه مفتاح مختلف الأمور. إن  الحدِّية الصرامة  اللينينية المتقادمة تتركز حول سؤال الحزب ، حيث يواصل استثناء او الحاق السياسة  بالانحراف الدولاني. لعله واضح بأن مسألة المنظمة، وهي الشيء الوحيد الذي بوسعه جمع كل من السياسة والوحدة العملية بين المجموعات المختلفة المتناقضة، كان في الحقيقة درسا هاما لأيار 68. لم تحل الحركة نفسها أيا من المشاكل التي يمكن ان تبرز بالمعنى التاريخي. ولكنني في المساق كنت كتبت حينه، بأن    SYNTAGM   الحزب الماركسي-اللينيني بوسعه ان يعمل كمفتاح لكل شيء”.

لكن هذا فهم او انطباع باديو عن الحزب اللينيني أكثر مما هو فهم لينين للحزب بمعنى أن باديو ارتكز على التطبيقات الفاشلة أو المنحرفة عن الفهم اللينيني للحزب. فالحزب ليس شرطا أن يراه لينين إكسير حياة كل شيء بمعنى أن النظرية  حين يتم تطبيقها تخرج او يتم إخراجها بدرجات متفاوتة عن أسسها النظرية إما بناء على الظروف أو بناء على خلل في التطبيق كيف رآه من يقومون بذلك. لم يكن الفهم اللينيني للحزب أن يعمل بعيدا أو نيابة عن الجماهير أو كقيادة عليا لها.كما أن الفهم اللينيني لا يعني أن لا تكون للثورة قيادة سواء في التكتيك اليومي خلال الحدث أو على المدى المتوسط وحتى الاستراتيجي.

يتابع باديو: “… ولكن بعد كتابتها بوقت قصير، كتب بعض الأصدقاء وأنا نفسي، كما حصل، في كراس بعنوان “نحو حزب ماركسي- لينيني من طراز جديد” … صيغة او أساس لنوع جديد هي إشارة واضحة بأن لدينا بعض الشكوك. وفي الحقيقة فإنه نوع الحزب الذي يجب تجاوزه إهماله: إنها المرحلة الستالينية التي ليس بوسعها التعاطي مع نفس المشاكل التي برزت من استخدامها الانتصاروي في روسيا 1917، وفي الصين 1949. وفي الثورة الثقافية، التي ذُكرت فيما مضى في نص يركز على مشاكل الحركة الطلابية ويُظهر محدوديته النهائية”.

هنا يقع باديو ورفاقه في إشكاليتين:

الأولى: عدم التخلص من ما حاولوا رفضه أي الحزب اللينيني،

والثانية: اعتماد الشماعة التي عُلِّقت عليها كافة أخطاء الأحزاب الشيوعية أي ما تُسمى “الستالينية”وهي تسمية اتحدت في نحتها الإمبريالية والتروتسكية وذلك من أجل تلافي توجيه النقد ضد لينين من جهة، والمهم أن في هذا الاستخدام لستالين تجاوز عن أخطاء الأحزاب الشيوعية عامة بنَسْب اخطائها إلى “ستالين” رغم أنها كانت في مواقعها قادرة على فرض استقلاليتها لو أرادت.  لعل مثال كوبا هام جدا في هذا السياق عبر تميزها عن الاتحاد السوفييتي وإن بعد ستالين.

لا شيء ثابت بالطبع، وتجاوز الصيغة الحزبية اللينينية أمر طبيعي في ظرف ما وبناء على تطور المجتمع البشري وعبوره مراحل جديدة من حيث البنى الطبقية ودور العلوم وخاصة تكنولوجيا الاتصال والتواصل وانتشار الثقافة وتوفرها للناس ربما كافة، ولكن تجاوز هذه الصيغة لا يبرر عدم القدرة على حسم أو إبتكار صيغة أخرى أفضل وأنسب لمرحلة ما.

في توقف باديو عند تجاوز أو إهمال الصيغة اللينينية وعدم إبتكار بديل ثوري، يتقاطع مع التفكيك الديريدي/ديريدا، بمعنى التفكيك ومن ثم الفشل في إعادة البناء أو التركيب لخلق بنية أكثر تطورا وملائمة لمتطلبات الحالة المعطاة أو العصر عموماُ.

يواصل باديو:

“… ورغم أن العمال والمثقفين الشباب قد ثاروا ضد الحزب، فقد فشلت ثورتهم في تغيير الحزب نفسه، مع انهم، حينما سُئلوا أين تكمن البرجوازية في الصين الاشتراكية، كان قد أجاب ماو: “حقاً داخل الحزب الشيوعي نفسه” … تجدرإعادة  قراءة  الحركة العظيمة ل ايار 68  على ضوء الاستنتاج الواضح: بأن “حزب الطبقة” كان في فترة ما اساسا او صيغة عظيمة والتي هي نفسها قد أُستهلكت. إن السؤال   بصدد او عن الأشكال التي سيتخذها النظام السياسي التحرري هو السؤال المركزي للشيوعية المقبلة” (ص ص 52-54. ).

لكن باديو بعد ارتكازه على اكتشاف ماو لخلل الحزب بنيويا، ولرفض حركة 68 لحزب الطبقة بمعنى أن صيغته قد أُستهلكت، لكنه توقف عند التساؤل عن الصيغة التي تشترطها أو تقبل بها الشيوعية المقبلة. هذا وكأنه يكتفي بالقول للشيوعية المقبلة: ها نحن نقدم لكم جنازة الشكل القديم المستهْلَك للحزب مُسجَّاة أمامكم فاحذروا تبنيها. وبالطبع، لا نقصد هنا التقليل من التقاط باديو لرؤية كل من ماو وحركة ايار 68، ولكن كان لا بد من الإشارة إلى أن باديو توقف عند حالة من الاستعصاء! مهما حاول لاحقاً.

ما يلي يبين كيف يراوح باديو في البرزخ نفسه بين ما توصل إليه ماو تسي تونغ وما كشفته حركة ايار 68، وبقيت متجمدة عنده:

ماو تسي تونغ:

“… إن الشعب، والشعب فقط، هو القوة الفاعلة في صنع تاريخ العالم، بينما نحن انفسنا في الغالب صبية وجهلة. فإنه بدون إرهاب نظري، لا يمكن أن تكون هناك ثورة. ولكن غياب حزب ماركسي-لينيني  حقيقي هو الذي منع دائما البروليتاريا من ان تصبح قيادة إيديولوجية وسياسية للصراع.  (ص 64)، إن انتصار “الطلاب” والاحتلال الذي وضعهم وجها لوجه، على اية حال، في مواجهة مشاكل صعبة الحل: مشاكل من نمط كيف يتم تنظيم الحركة، ببنيتها الإيديولوجية، وأهدافها الاستراتيجية. ص 65″.

يلتقي باديو مع ماو في ارتكازه على دور الشعب والإرهاب النظري، ولكن يختلف معه في تمسك ماو بالحزب الماركسي-اللينيني. لكن باديو يكتشف أو يلتقط بأن حركة ايار 68 وجدت كنزاً لكنها لم تتقن استثماره!

للإنصاف، لم يتورط باديو في الانبهار بحركة ايار 68 حيث ينتقدها بدقة:

“…إن تمزقهم تشتتتهم بين الإصلاحية القضائية التي تفبرك اشكالا غير متوقعة من الاستقلال الذاتي، بدون اي فهم حقيقي لميزان القوى ، وبين بلانكية انقلابية مقنَّعة كمقاتلي حرب الأرياف، فإننا نتصور بأن تلك الأعمال المثيرة للشفقة لمجموعات من الشباب يعتمرون الخُوذ ومسلحين بالعصي يمكنهم أن يُسقطوا الجهاز الضخم للدولة. ص 66.

هنا يستبطن باديو في نقده لحركة ايار 68 النقد الموجه لكميونة باريس نفسها سواء بطبيعة القوى التي قامت بها، أو حتى العجز عن مواجهة جهاز الدولة الضخم، بل في حالة الكميونة جهازَيْ دولتين فرنسا وألمانيا معاً. هذا مع أن مناضلي الكميونة كانوا مسلحين باسلحة صحيح أنها أضعف من تسليح جيش الدولة البرجوازية، ولكنهم مسلحين بالنار، بينما يقدم باديو صورة كاريكاتورية لشباب 68 الذين حاولوا تجربة حرب الغوار باسلحة أضعف بكثير من الأسلحة البسيطة المعتادة في حرب الأرياف، أي بالعصِيْ.

لا شك أن جرأتهم هي ظاهرة جيدة بالتأكيد، ولكنها لم تكن مؤهلة حتى لاستمرار متوسط المدى. لكن المفارقة الفارقة في هذه التجربة أن بعضا من “مفكريها” تحولوا ليس إلى مؤيدين للنيولبرالية بل عملاء للإمبريالية والصهيونية وتورطوا في خدمة كافة جرائم الثورة المضادة، وخاصة من بينهم برنارد هنري ليفي!

إلى أن يقول مؤكدا ما استنتجه:

“… ما تبقى للقول بأن العاصفة الثورية كانت في الحقيقة ريحا دائرية القوة مربِكة جداً تدور حول النقطة الفارغة، أي الغياب المركزي وهو الافتقار إلىى المنظمة الشيوعية” ص 67.

مكرراً وجوب السؤال وكذلك عدم التوصل إلى الإجابة عليه وخاصة من الثورة الثقافية:

 “… انها تشتمل على القطع الأكثر جذرية مع المؤسسات التقليدية وسوف تمنح فرصة الصعود لمؤسسة تحتوي على التطور الحر من الفرد وحتى الجميع”. وبالأحرى، فإن المشكلة الحقيقية، والتي هي معقدة، يمكن ان تكون معرفة فيما إذا كانت الثورة الثقافية قد وضعت بالفعل نهاية للمفهوم الثوري للتمفصل بين السياسة والدولة. وفي الحقيقة، هذا هو السؤال العظيم، إنه الجدل المركزي والحاد.

ماو: “كانت فكرته بالتأكيد أن لا يتم التجميع عبر القوة والعنف بهدف إنجاز التراكم بأية كلفة في المدن. في الواقع، لقد كان الأمر بالعكس  فإنه كي يتم تصنيع الريف محلياً، لا بد من إعطائه استقلالا اقتصاديا نسبياً، تجنباً للبرتلة العنيفة الوحشية التي حصلت للمدينة والتي ترتب عليها شكلا كارثيا في الاتحاد السوفييتي (ص 8).

في النصوص التالية يقترب باديو من تصميم نموذج جديد مرتكزا على إبتكارات الكميونة والثورة الثقافية:

“… في فضاء الحزب-الدولة، مع ان هناك فقط شكلانية او إرهاباً. كان على ماو وجماعته أن تخترع مجرى ثالثاً آخر، هو مجرى حراك سياسي جماعي ، بهدف القطع مع اتجاه ممثلي  الأكثرية ، وبشكل خاص  قادَتَهم في المستوى الأعلى للحزب والدولة” (ص 86). … فإن جماعة ماو، وبعد فترة كبيرة من التردد، في الحقيقة  سوف تفرض قبول ذلك، وفي البدء فإن الجامعات ومن ثم في المصانع. ولكن، في حركة مناقضة، فإنها سوف تحاول جمع معا كل منظمات الإبداعات التنظيمية للثورات للثورة عموما في الفضاء العام للحزب-دولة” ص 86… “… لقد بدأت أشياء جديدة بالظهور في الثورة الثقافية البروليتارية. هي المجموعات الثورية ، اللجان، وأشكال اخرى من المنظمات التي خلقت على يد الجماهير في العديد من المدارس والوحدات هي أشكالا جديدة على ان لا تعتبر مؤقتة وعابرة، مما يثبت بأن المجموعة الماوية، في آب 1966، وضعت نصب أعينها تدمير الاحتكار السياسي للحزب. ..وعليه، فإن اللجان الثقافية الثورية والمؤتمر يجب ان لا تكون مسألة مؤقتة بل دائمة، أن تكون منظمات جماهيرية دائمة. وفي النهاية، من الواضح التعامل مع منظمات هي خاضعة لديمقراطية جماهيرية، وليست سلطة حزب، كما حصل في كميونة باريس، التي هي حالة بروليتارية سابقة على نظرية الحزب اللينيني: إن من الضروري تأسيس نظام الانتخابات العامة، كما كانت كميونة باريس، لانتخاب أعضاء للمجموعات واللجان الثورية الثقافية. هذه القائمة من المرشحين يجب ان توضع في المقدمة من قبل الجماهير الثورية بعد نقاش كامل، وأن تتم الانتخابات بعد أن تقوم الجماهير بمناقشة القوائم مرات ومرات”.

كان نموذج الكميونة مناسباً كما يبدو في ظرفه الخاص ولأعداد بشرية غير ضخمة، لكن في تجربة الثورة الثقافية في الصين لم يكن الأمر سهلا بمعنى ضبط إيقاع الصراع بدون حزب أكثر انتظاماً واستثمارا للحدث اليومي ووضع تكتيك اليوم التالي. وهذا في الحقيقة هو جوهر الاستعصاء الذي لم يُحل بعد لا سيما وأن الشكل الأولي الذي مارسته الكميونة، والصيغة التي طرحها ماو واقترب منها باديو لم تكتمل ويتم تجريبها ميدانيا بنجاح ولو نسبي. لعل صراخ أحد القادة الكيانيين في الكميونة خلال الاشتباكات دليل على ضعف بنية القيادة الميدانية أثناء القتال، بقوله اين الأوامر. وهذا امر لوجستي، ربما يصبح حله افضل على ضوء تطور التكنولوجيا في هذه الفترة من الزمن.

إن صرخة القائد الميداني في الكميونة خلال الاشتباك تبين الفارق بين مرونة عملية الانتخاب واستبدال غير الأكفاء في فترة الهدوء، وبين وجوب القدرة على السيطرة على حالة الاشتباك خلال الاشتباك نفسه. :”… وإذا ما اثبت هؤلاء المندوبون بأنهم غير أكفاء، يمكن استبدالهم عبر انتخابات  أو استدعائهم من قبل الجماهير بعد النقاش” ص 94.

في نقد بيروقراطية ومراتبية الحزب كان باديو محقا في التالي، في الصين: “…فإن نقد اي شخص بذكر اسمه في الصحافة، يجب أن يقرر بعد مناقشة في اللجنة الحزبية في ذات المستوى، وأن تُرفع إلى مستويات أعلى في بعض الأحيان لإقرارها.” ص 96

هذا إلى أن يصل باديو إلى خروج شكلي من الاستعصاء بنقد مُحق للآخرين، ولكن دون تقديم بديل، اي أن الرجل تقدم نصف خطوة:

“… نعرف الآن بأن السياسة التحررية يجب ان تضع حدا لنموذج الحزب، أو الأحزاب، وذلك من أجل تأكيد سياسة “بلا حزب”، وحتى في  الوقت نفسه بدون او كي لا نتورط في نموذج الأنارخية ، التي لم تكن سوى النقد الفارغ ، أو الدوبلة أوالظل، للأحزاب الشيوعية تماما كما هي الراية السوداء التي هي الدوبلة أو الظل للراية الحمراء. (ص 117).

إن شكل-الحزب، مثل ذلك الذي ل الدولة الاشتراكية، لم يعد مناسباً لتزويد توفير دعم حقيقي للفكرة… ولاحقاً، أشكالا سياسية جديدة، والتي جميعها هي نظام السياسة بدون حزب –والذي لا يزال- يتم تجريبه” (ص 193).

هنا يعلق باديو في إشكالية الاقتراب دون قصد من ما انتهى إليه ميشال فوكو، موت السياسة، فسياسة بلا حزب قد تقود إلى فوضى وانفلاش وهذه من أشكال موت السياسة او السياسة الذاهبة للموت بيدها! وهي في أحسن الأحوال ستكون شبيهة بالنموذج الحزبي الفضفاض الذي طرحه جيرز والذي بفضفاضيته لا يُثمر.

أين تقع انتفاضة 87 في هذا الجدل؟

لقد بدأت الانتفاضة كحدث بعيدا عن كونها تصميم حزب أو مفكر.  وهذا لا يعني أن احداً لم يكن في ذهنه أو رغبته جذوة مقاومة. حينها كانت في الساحة الفلسطينية فصائل عديدة من اليمين إلى اليسار، أي بعكس الكميونة، كان الحزب موجوداً. وهي أشبه بحالة الصين من حيث أن قيادة م.ت.ف كانت بشكل ما سلطة ولكنها لم تكن ثورية، اي أشبه بالحزب-دولة في الصين. وحين سبقتها الجماهير بالانتفاض انشغلت هذه القيادة في اللحاق بالجماهير ولجمها الأمر الذي أدى إلى خصي الانتفاضة كي لا تتولد منها قاعديا حركة سياسية.

لقد قلقت قيادة م.ت.ف في تونس من تبلور بديل ثوري لها في الأرض المحتلة وتمكنت من لوي عنق الانتفاضة والتحكم بها. وتحويل مجرى الحراك الشعبي لصالح نفس القيادة التي كانت قد غادرت بيروت 1982 وتكلَّست في تونس. كانت نتيجة هذا كله وقف الانتفاضة، والاعتراف بالكيان الصهيوني وتبرير التطبيع مع العدو وكلها تكثَّفت في اتفاقات اوسلو 1993.

وهكذا، كما بقيت قيادة الحزب-دولة في الصين بعد ماو وذهبت إلى اليمين رأسماليا على الأقل، بقيت قيادة م.ت.ف وتحولت إلى سلطة تحت الاحتلال! وإذا كانت ثورة ايار 68 قد عجزت عن توليد الحركة السياسية التي تقودها، أو حِيْلَ دون تحقيقها ذلك، فإن هذا هو تشابهها مع انتفاضة 87. وفي الحالتين عادت البرجوازية الفرنسية لتحكم بشكل متماسك وعادت القيادة اليمينية الفلسطينية لتحكم وتتحكم بموجب اتفاق مع عدو الشعب الفلسطيني وتخطيط الإمبريالية الأميركية.

كانت الكميونة رداً على البرجوازية وعلى الاحتلال وكانت  الانتفاضة ضد الاحتلال وخارجة عن طَوْع برجوازية تكلس دورها سواء في تونس أو في الأرض المحتلة وهي الشريحة البرجوازية الكمبرادورية وشريحة التعاقد من الباطن مع اقتصاد العدو.  وكانت الثورة الثقافية ثورة على الحزب. صحيح انها جميعا هُزمت، ولكنها بالمفهوم التاريخي انتصرت كدروس وإرهاصات ثورية لزمن مُقبل.

تم نفي من تبقى من مناضلي الكميونة إلى الجزائر. ولكن هناك كان الاختبار لمدى ثوريتهم حيث تحولوا إلى ملحق بسياسة السلطة البرجوازية الفرنسية  إذ شاركوا في قمع المقاومة الجزائرية. اي تحولوا إلى عنصريين وأداة لعدوهم الطبقي ، أو لنقل غلَّبوا الشوفينية القومية الإمبريالية على الأممية التي كما يبدو لم تكن أصيلة فيهم.

أما مقاتلي المقاومة الفلسطينية الذين جرى نفيهم من بيروت إلى تونس عام 1982 فيبدو أن تجربة النفي ثبَّطت عزيمتهم، لذا حينما أُعيدوا إلى الأرض المحتلة تحت حراب الاحتلال  إثر انتفاضة 87 فقد تحولوا إلى أجهزة قمع وحتى للتنسيق الأمني مع العدو. نلاحظ هنا تشابه المآل!

يقول آلان باديو باختصار، يمكننا القول إنّ الجديد السياسي الذي حملته أحداث أيار (مايو) 68 وتبعاتها في فرنسا تمثلت في «الماوية …وقد اشتملت هذه «الماوية» على ضرورة تخطّي الفصل بين مكوّنات الحالة الثورية المختلفة. ولتحقيق ذلك، توجّب بناء تنظيمات جديدة، من جهة عبر الإفادة من زخم الحراك، ومن جهة أخرى عبر استبطان النشاط السياسي بشكل دائم كحالة فكرية في المناطق الشعبية حيث تتم ممارسة هذا النشاط. لذا، كان من الضروري أن ينتقل المثقفون نحو المصانع والمساكن الشعبية. كذلك، ووفقاً لأحد أبرز شعارات الثورة الثقافية في الصين، كان على العمّال «الدخول إلى الجامعات»، والقدوم إلى أبواب المدارس للتعريف بعملهم وبتنظيماتهم الجديدة. أمّا الشعارات العامة المتعلقة بالضرورة الأولى (أي «الفعل»، القادر وحده على إضفاء طابع ثوري على الأفكار القديمة)، فكانت «من حقّنا أن نثور» و«ولادة التنظيم من رحم الصراع الطبقي». أمّا الشعارات المنادية بالضرورة الثانية (أي توفير مساحات منظمة مشتركة بين العمال والشباب المثقف) فكانت «الخط الجماهيري» و«خدمة الشعب» و«إنشاء مساحات سياسية». وكان من الضروري أن يكون الزمن بنفسه جديداً. مقابل العجلة التي اتّسم بها مناصرو «الحراك الصرف» (أي اللاسلطويون بمختلف توجهاتهم)، كان الماويون ينادون بفكرة «الحرب المطوّلة». وفي مقابل واقعية أنصار السياسة البرلمانية التقليدية، الذين رأوا أنه ينبغي الانضواء ضمن الأحزاب القائمة والمشاركة في الانتخابات من أجل العمل بشكل جماعي، كان الماويون يقدّمون حجة مضادة تتمثل في سبر التجارب المحلية، التي يمكن تعميمها بعناية، مستندين هذه المرة إلى شعار ستيفان مالارميه «العمل المضبوط”.

العمال

كان العمال هم العمود الفقري لكميونة باريس سواء كجمهور أو كمقاتلين. وكان دافعهم وعي طبقي إلى جانب انتماء هوياتي قومي ضد المحتل البروسي/الألماني. وبغض النظر عن إطلاعهم على البيان الشيوعي في حينه، كان موقفهم مطابق لجوهر البيان بان البروليتاريا منتمية قوميا بالمعنى الثوري والحضاري الذي تستثمره باتجاه الاشتراكية على اعتبار أن البلد القومي القوي والمتطور يشتمل على القاعدة المناسبة للدخول/التحول إلى الاشتراكية. ولا شك بأن الاستغلال الطبقي للعمال في تلك الفترة كان على أشده سواء لظروف العمل أو استخلاص القيمة الزائدة المطلقة وطول يوم العمل…الخ. وبغض النظر إن كان الوعي الطبقي بالمعنى المادي العفوي  أو بالمعنى الفكري النظري العميق، إلا أن قتالهم من أجل الكميونة كان ضارياً.

بالمقابل، كان العمال في الثورة الثقافية وثورة 68 الرديف للحراك الطلابي. صحيح أن العمال لم يكونوا المبادرين ولكنهم كانوا القوة المادية التي جعلت من كلتي الثورتين ثورات حقيقية. ولكن في حالة الثورة الثقافية كان طرائقيوا رأس المال قد تمكنوا من التحكم بالجيش والحزب وتمكنوا من تحييد نسبي للعمال ما أدى إلى انتصار طرائقيوا راس المال. أما في ثورة ايار 68 فكان غياب الحزب الثوري عامل حيلولة دون استثمار ثورية العمال مما أدى كذلك لانتصار رأس المال.

بادر العمال في انتفاضة 87 إلى الانسحاب إلى الداخل بعيدا عن أماكن عملهم في اقتصاد الكيان. وتضمنت مقاطعة أماكن العمل مقاطعة المنتجات الصهيونية قدر الإمكان. هذا الانسحاب إلى الداخل إتسع ليشمل معظم المجتمع في المناطق المحتلة حيث شاركت الأكثرية الشعبية في المقاطعة كأحد تجليات الانتفاضة. ولكن النقابات العمالية كما الفصائل الفلسطينية عادت لتمحض ولائها لقيادة م.ت.ف مما أدى إلى تقويض الانتفاضة وأخذ الشارع الفلسطيني إلى القبول باتفاقات أوسلو التي نصت على اعتراف تلك القيادة بالكيان الصهيوني على الأرض المحتلة عام 1948. وكما عاد اليمين في الصين بعد الثورة الثقافية وكما قوي دور اليمين في فرنسا بعد 68 فقد عادت قيادة م.ت.ف اليمينية ايضا إلى قيادة الأرض المحتلة 67 منهية مقاطعة اقتصاد العدو ومكرسة التطبيع والتنسيق الأمني معه. وعليه، فإن العمال الذين أبدعوا مبادرة الانسحاب إلى الداخل بمقاطعة العمل في اقتصاد الكيان وهو الأمر الذي تضمن الدفع المجتمعي إلى التنمية بالحماية الشعبية من جهة وإلى عدم تزويد اقتصاد العدو بالقيمة الزائدة المبزولة من وقوع الاستغلال الطبقي عليهم، بقوا ملحقين بالقيادة البرجوازية ل م.ت.ف التي انتهت بهم إلى اتفاق أوسلو، اي استخذاء البرجوازية والغدر بالإنتفاضة.

في حالة ثورة 68 تمكن الحزب الشيوعي من خصي موقف العمال في الثورة عبر قيادته للنقابات أي ساهم في هزيمة الثورة أو عدم تبلور مشروع محدد لها، وهذا ما اتضحت نتائجه في كسب اليمين للانتخابات التي أعقبت الثورة.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] نذكر على سبيل المثال لا الحصر، برهان غليون، صادق جلال العظم، سلامه كيلة، عزمي بشارة، فواز طرابلسي، العفيف الأخضر، حسن عبد العظيم، حمدين صباحي…الخ

  • [2] أنظر عادل سمارة، مثقفون في خدمة الآخر، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية-رام الله 2003 وعادل سمارة ظلال يهوصهيو تروتسكية في المحافظية الجديدة. منشورات مركز  المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية رام الله  2015 .