الحرب كوسيلة لحل أزمات النظام الرأسمالي، الطاهر المعز

مُقدّمة:

ينطلق موقف كلٍّ منّا من الحُروب بشكل عام، ومن الحرب الروسية – الأوكرانية الحالية، من موقعنا ومن مصالحنا وتقع مصالحنا (كعرب وأُمّة مُسْتَعْمَرَة ومُضْطَهَدَة) ضمن مصالح الشُّعُوب المُضْطَهَدَة والواقعة تحت الهيمنة، وضمن مصالح فئات الكادحين والفُقراء في بلادنا وفي العالم، لأن هذه الفئات تُمثّل وَقُودَ الحرب، وضَحِيّتها، فيما يستفيد المُحتكرون للسّلع وتُجّار السّلاح من الحُرُوب، وتستفيد الدّول الإمبريالية من تَصْدِير أزمات النظام الرّأسمالي، عبر الحُروب التي تستخدمها لحل هذه الأزمات.

تتنزّل الحرب الدّائرة في شرق أوروبا، على الحدود الأوكرانية الرّوسية، ضمن محاولات الرأسمالية المُهَيْمِنَة، بزعامة الولايات المتحدة، حل أزمات رأس المال عبر عددٍ من الوسائل، ومنها الحرب، وأظْهرت التجارب التاريخية أن رأس المال لا يتردّد في إطلاق الحُرُوب، عند احتداد الأزمة، فكانت الحربان العالميتان محطات تاريخية لإعادة تقاسم النفوذ الإمبريالي في العالم، ولإعادة رسم خريطة الثروات وإعادة توزيع الحصص بين الشركات الإحتكارية العالمية المُهيمنة، وإقْصاء أُخْرى لأنها لا تمتلك القُوّة الكافية للدفاع عن حِصّتِها…   

تُريد الرأسماليةُ الأمريكيةُ – الرأسمالية المُهَيْمِنَة – عالمًا يُسودُهُ قُطْبٌ واحدٌ، وتستفز وتهاجم كل من لا يخضع لها، وكل من يُعَرْقل أو يُحاول عرقَلَةَ تحقيق هذا الهدف، كالصين وروسيا، ودفعت الإمبريالية الأمريكية النظام الروسي للرد في مواجهة هذه الاستفزازات ولمقاومة عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية والأوروبية (بواسطة حلف ناتو)، في ظل تهميش دَوْر الأُمم المتحدة، فلم تَتْرُكْ مجالا للتفاوض وتسوية الخلافات بوسائل دبلوماسية وسِلْمِيّة، بين قوى رأسمالية متقدّمة.  

في المجال الإقتصادي، أعربت الدّول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (بلسان وزير خارجية ألمانيا) إنها تسعى إلى إخضاع روسيا الكامل لحلف شمال الأطلسي، من خلال التهديد العسكري المستمر، وكذلك من خلال العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الرّامية إلى شل الاقتصاد الروسي، خلال أربع وعشرين ساعة، بعد فصل المصارف الروسية الكبرى عن النظام الدّولي لتحويل الأموال (سويفت)، وتجميد أُصُول المصرف المركزي الرّوسي، ما سوف يؤدّي إلى حرمانه من التصرف في نسبة هامّة من احتياطياته بالعُملات الأجنبية الموجودة بالخارج، وما قد يُؤَدِّي إلى انهيار العُمْلة الرّوسية (روبل) وارتفاع التضخم وانكماش النشاط الاقتصادي، وتدمير الاقتصاد الروسي، وخلق حركة سخط الاجتماعي، كمقدّمة لتغيير النظام ولِتَفْكِيك الدولة، بحسب موقع صحيفة “نيويورك تايمز”، في العشرين من شباط/فبراير 2022.

لمحة تاريخية:

شكّلت الحرب العالمية الثانية مُحاوَلَة دامية ومُدَمِّرَة لحل أزمة النّظام الرأسمالي العالمي، الذي كانت أوروبا مَرْكَزًا رئيسيًّا له، إلى جانب الولايات المتحدة (خصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى التي عَزّزت مكانة الولايات المتحدة)، وانفجَرت تلك الأزمة الإقتصادية العالمية، من بورصة نيويورك، في تشرين الأول/اكتوبر من العام 1929، وقبل مرور عام واحد أدت الأزمة إلى إفلاس عدد كبير من المنشآت، وإلى توقفها عن العمل، وتسريحِ مئات الآلاف من العاملين، قبل أن تجتاح الأزمةُ أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وتحولت إلى أزمة عالمية، بداية من سنة 1930.

استمر تدهور الإنتاج في كل مكان حتى العام 1933، وانخفض حجم الناتج الإجمالي المَحَلِّي الأمريكي من 87,8 مليار دولار سنة 1929 إلى 40,2 مليار دولار سنة 1933، وانهارت نحو 135 ألفا من الشركات التجارية والصناعية والمالية، وأفلس نصف المصارف الأمريكية، تقريبا، خلال ثلاث سنوات، ثم بدأت مرحلة الركود، التي تلتها محاولات الحكومات لانتشال الاقتصاد من حالة الانكماش، تطبيقًا لأفكار وأُطْرُوحات الاقتصادي الإنكليزي، جون مينارد كينز (1883 – 1946)، الذي عزا سبب الأزمة إلى زيادة المخزون من الإنتاج، بالتّوازي مع انخفاض الطلب على السّلع والخَدَمات، بسبب انخفاض دَخْل المُستهلكين وعجزهم عن تسديد ثمن السلع الأساسية، ودعا “كينز” إلى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية بقوة، واستخدام ميزانية الدّولة لشراء السلع وتوزيع الطلبيات، وزيادة الإنفاق العسكري، ولو أدّى ذلك إلى زيادة عجز الميزانية الحكومية، وزيادة حجم الإقتراض الحكومي والدّيُون السّيادية، وجمع “كينز” هذه الأفكار ونشرها سنة 1936، واعتبرها “قانونًا عامًّا” لحل أزمات النظام الرأسمالي، من خلال تَدَخُّل الدّولة لتعويض انخفاض مستوى طلب السكان القادرين على الدفع، بزيادة الطلب من قِبَلِ الدولة…

أدّى الركود الإقتصادي والكساد بالولايات المتحدة إلى ارتفاع عدد الوفيات “غير الإعتيادية” إلى نحو ستة ملايين مواطن، خلال أربع سنوات، من 1929 إلى 1933، وطَبَّق الرئيس الأمريكي “فرانكلين روزفلت” (1882 – 1945، وكان رئيسًا للولايات المتحدة من 1933 إلى 1945) أفكار كينز، بداية من سنة 1933، عبر ما عُرِفَ ب”الصفقة الجديدة” ( New Deal ) فوجَّهت الحكومة الإنفاق نحو إنجاز برنامج واسع لتجديد البُنية التّحتية وتشغيل العُمّال من غير ذوي الإختصاص والكفاءة، ما خَفَّض حجم البطالة، مع ضمان الحد الأدنى من الدّخل الذي مَكّن ملايين الأمريكيين الفُقراء من اقتناء السّلع الأساسية، ومن تحويلهم إلى مُستهلكين للإنتاج الذي كان راكدًا في المَخازن، دون القضاء على الفقر المُدْقَع بالولايات المتحدة، وكذلك في أوروبا التي عانى سُكّانها من الفقر والبطالة والمَرَض، طيلة سنوات الأزمة، وأدّت هذه الأزمة إلى انتشار الفكر الفاشي بأوروبا، وصعود الفاشية في إيطاليا، منذ عشرينيات القرن العشرين، وفوز الحزب النّازي في ألمانيا بانتخابات سنة 1933، بدعم من المصارف البريطانية والأمريكية التي موّلت البرنامج الإقتصادي والصناعي لألمانيا النّازية، بدوافع عقائدية، في محاولة لخلق توازن مع النمو الإقتصادي والتّطور الصناعي للاتحاد السوفييتي الذي قَطَع الرّوابط مع النّظام الرّأسمالي العالمي، فكان تأثير الأزمة عليه ضعيفًا…

لم تكن ألمانيا مسؤولة لوحدها عن اندلاع الحرب العالمية الثانية، بل كانت الحرب مَخْرَجًا للنظام الرأسمالي العالمي من تأثيرات أزمة 1929 وما نتج عنها، وحَلاًّ للتّصدِّي لنمو الاتحاد السوفييتي الذي يحاول أن يُبرهِنَ على أفضلية النظام الإشتراكي، كما كانت الحرب حَلاًّ لأزمة الرأسمالية، وخروجها من فترة الركود الاقتصادي التي طالت، من 1930 إلى 1939، وكانت الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في الأول من أيلول/ سبتمبر 1939، وسيلة لوضع حد للأزمة التي تواصلت حتى عشية انطلاق الحرب، ووسيلة لخروج الرأسمالية العالمية من الركود الطّويل، وما قد ينجرّ عنها من مخاطر الثورات الشعبية…

راجت فكرة الحرب في البلدان الرأسمالية المتطورة، وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان، وبدأ الإستعداد للحرب العالمية الثانية التي قد تُعيد التّوازن للإقتصاد الرأسمالي العالمي، مع شطب الدُّيُون، والإستحواذ على ثروات وأسواق البلدان المنهزمة وإلزامها بتسديد تعويضات للمُنْتَصِرِين، كما كانت ظُرُوف الحرب فُرْصَةً لنشر الشوفينية، وتحويل وِجْهَة غضب العاملين والمُعَطّلِين عن العمل والفُقراء إلى خارج الحُدُود، بذريعة الدّفاع عن الوطن، وكانت الحربُ كذلك فُرصةً لفرض قوانين زَجْرِيّة تُعطّل ممارسة الحُرّيات الأساسية وتمنع الإضرابات والإحتجاجات، مع ممارسة الرّقابة على المُجْتَمَع من خلال فَرْض الرّقابة على المطبوعات والمنشورات وعلى النّشاط السياسي والنّقابي…

أظهرت تجربة الولايات المتحدة أن حربًا واسعةَ النّطاق قد تُغَيِّرُ مجرى الوضع الإقتصادي، وتُغيّر موازين القُوى العالمية، فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية، أكْبَر مَدِين دولي، قبل الحرب العالمية الأولى، وبما أنها دخلت الحرب بشكل متأخر، ولم يُصب الدّمار الأراضي الأمريكية، فقد استفادت من الحرب، وأصبحت بنهايتها أكْبَرَ مُقْرِض دولي، فيما أصبح الدّولار عُمْلَةً عالمية تُنافس الجنيه الاسترليني. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد تمكّنت الولايات المتحدة من احتلال أوروبا الغربية، عسكريا والهيمنة عليها اقتصاديا، من خلال مشروع مارشال، وتخلّصت من منافسة الإمبريالية الأوروبية، الفرنسية والبريطانية، فضلا عن الإيطالية والألمانية، وتوسّع نفوذ الولايات المتحدة في المُحيط الهادئ وفي آسيا، من خلال تنصيب القواعد العسكرية الضّخمة، خصوصًا في اليابان وكوريا الجنوبية (بعد حرب كوريا) والفلبين…

من أدوات الهيمنة الأمريكية:

كان الدّولار مُقَوَّمًا بالذّهب، وقرّرت الولايات المتحدة سنة 1971 وضع حدٍّ لذلك، وبعد سنتَيْن، خلال ما اعتُبِرَ “حَظْرًا نفطيا”، إثر حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973، فَرَضَت الولايات المتحدة على السّعودية ودُوَيْلات الخليج (ومن خلالها منظمة الدّول المُصدّرة للنفط “أوبك”)، ربط عُملتها بالدّولار، وتسعير برميل النفط بالدولار الذي لم تَعُدْ قيمته مُرتبطة بالذّهب، وإنما تَطْبَعُ منه أمريكا ما تشاء، وتمكّنت الولايات المتحدة من تمويل الحُروب والإنقلابات وعجز الميزانية، من خلال حجم الأموال (المُقَوّمة بالدّولار) التي راكمتها الدّول النفطية، والدّول المُصدّرة للمواد الأولية والإنتاج الزراعي والصّناعي، وتبقى معظم عائدات صادرات هذه الدّول بالمصارف العابرة للقارات، ومعظمها أمريكية المَنْشَأ، وبينما بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي 23 تريليون دولارا، ارتفع حجم الدَّيْن العام الأمريكي إلى أكثر من ثلاثين تريليون دولارا، بنهاية سنة 2021، أو ما يُعادل 130% من الناتج المَحَلِّي، فضلا عن الدّيْن الخاص الذي قد يَصِلُ إلى أربعين تريليون دولارا من دُيُون الشركات العابرة للقارات، ذات المنشأ الأمريكي، ولا يُمْكن إعلان عجز الولايات المتحدة عن تسديد الدُّيُون، لأنها لا تُسَدِّدُها أَصْلاً، فهي تتحكّم بتحديد قيمة الدّولار، أي تتحكم بخفض قيمة الدّيُون متى كان ذلك مُمكنا، وتطبع ما تشاء من الدّولارات، دون أن يقابلها إنتاج، لأن الدّولار هو العُملة الإحتياطية العالمية، ولما أرادت الصين وروسيا بيع إنتاجهما بعملتَيْهما المحلية، أصبحت مكانة الدّولار مُهدّدة، على مدى مُتوسّط وبعيد، وأطلقت الولايات المتحدة حرب استنزاف، اقتصادية (زيادة الرّسوم الجمركية، والحَظْر) ومالية (احتجاز الأموال بالمصارف الخارجية) وعسكرية (حصار عسكري)، ضد الصين وروسيا، باعتبارهما مُنافِسَيْن قَدْ يُهَدّدان السيطرة الأمريكية على العالم التي تعتمد على القوة العسكرية وعلى ثروة افتراضية، نشأت في أسواق المال، بفضل سياسات “التّيْسير النّقدي”، وبفضل ضخ المال العام للمصارف والشركات، وليس في الحُقُول والمصانع، ما يزيد من احتمال انفجار أزمة جديدة، شبيهة بأزمة 1929…   

في المُقابل، دعمت الدّولة الصينية، منذ حوالي أربعة عُقُود، تطوير الصناعة وقطاعات التكنولوجيا، عبر التخطيط المَرْكزي، وتحكّم الدّولة في القطاعات المالية وفي عمليات الإستثمار والإنتاج، لتصبح دولة رأسمالية صناعية كُبْرى، تُهدّد مكانة الولايات المتحدة التي قررت مُحاصرة الصين، منذ 2007، قبل سنوات من إعلان الرئيس “باراك أوباما” ووزيرة خارجيته “هيلاري كلينتون”، سنة 2012، محاصرة الصين عسكريا واقتصاديا، وتعزيز الدّوريات العسكرية لحلف شمال الأطلسي، وتعزيز التحالف مع أستراليا والهند واليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والفلبين، في مُحاولة لعزل الصين عن مُحيطها، لكن الصين قررت فكّ العزلة من خلال مشروعها الضّخم “الحزام والطّريق”، وتعزيز التحالف مع روسيا ومع العديد من الدّول والأنظمة، بإفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا (منها الكيان الصهيوني وإيران)، وإرساء التّعامل التّجاري بعملتها المحلية، مع تحاشي استفزاز الولايات المتحدة…

لم تستسغ الولايات المتحدة التقارب الصيني الروسي، ولا إقصاء الرئيس الروسي لجزء من “الأوليغارشية” الروسية المُوالية للولايات المتحدة، والتي نهبت ثروات البلاد، منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، وخصوصًا خلال فترة حُكم “بوريس يلتسين”، وبدأت محاولات محاصرة روسيا بتوسيع حلف شمال الأطلسي، وبإطلاق “الثورات المُلَوّنة” في البلدان المُجاورة، منها جورجيا وأوكرانيا وكازاخستان، كمقدّمة لخنق روسيا وتغيير نظام الحُكْم بها بالقُوّة أو عبر المنظمات غير الحكومية والحملات الإعلامية، وغيرها من الأساليب “اللَّيِّنَة”، إلى جانب الحظر والحصار، وبدت الولايات المتحدة في سباق مع الزّمن لإعاقة إقامة نظام مالي خارج سيطرة الدّولار، ولإعاقة التحالف بين روسيا والصّين، بالتّوازي مع السيطرة على المُجتمعات المحلية و”الرّأي العام” في أمريكا الشمالية وأوروبا، عبر اختلاق عَدُوٍّ خارجي، وتسميم الرأي العام عبر الإعلام المهيمن الذي تمتلكه بضع شركات تعمل على إقناع الكادحين والفُقراء بأن حكومات الصين وروسيا وإيران وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية، مسؤولة عن ارتفاع حالات الفقر والبطالة وعن ارتفاع قيمة إيجار المسكن، وأسعار المواد الأساسية والرعاية الصحية ونفقات التعليم وما إلى ذلك…  

لذلك يمكن اعتبار أوكرانيا واجهة للحرب بين روسيا ( وربما معها الصين ) والولايات المتحدة، حَتّمتها التغييرات الهيكلية للإقتصاد الرأسمالي العالمي التي أدّت إلى المواجهة بين شق رأسمالي يُريد السيطرة على العالم من خلال التّحكّم في التحويلات المالية العالمية وتقويم المبادلات التجارية (هيمنة الدّولار) والخَدمات والإعلام والإتصالات والتقنية العالية، وتقودُه الولايات المتحدة ومعها أوروبا التي تَدْعَم المؤسسات المالية وشركات النقل الجوي وإنتاج السيارات وشركات التواصل، بالمال العام، وشق رأسمالي آخر تقوده الصين، ومعها روسيا، حيث لا تزال الدّولة تتحكم بأهم العمليات الإنتاجية، ولا يزال نصيب المواد الأولية والزراعة والصناعة هامًّا، ويتم تصدير نسبة مُعْتَبَرَة من إنتاج المواد الأولية (منها الطاقة والمَعادن) والإنتاج الزراعي (الغذاء) والصناعي (قطع الغيار وأشباه المواصلات والملابس والجِلْد…) إلى أمريكا الشمالية والإتحاد الأوروبي واليابان، ويطمح أقطاب هذا الشّق إلى تطوير قطاع التكنولوجيا، ذات القيمة الزائدة المُرتفعة، ما يُؤدّي إلى مُزاحمة الدّول الرّأسمالية العريقة، التي لا تتوانى في شن الحُرُوب العدوانية المُستمرّة لإدامة السّيْطَرة، ويتم تمويل ميزانية التّسلّح والحُروب المُستمرة من خلال الإنفاق العسكري للحُلفاء (حلف شمال الأطلسي وأوروبا) والدّيْن العام، الذي يفوق حجمه الناتج المحلي الإجمالي، والعجز الكبير في الميزانية الإتحادية الأمريكية الذي تُغَطِّيه هيمنة الدّولار على المبادلات التجارية والتحويلات المالية الدّولية، ما جعل منه عملة احتياطية إجبارية لدول العالم، وعُمْلَة المبادلات التجارية العالمية، كما وردَ ذكره في فقرات سابقة…

أزمات القرن الواحد والعشرين

 تُشكّل الحروب وارتفاع الإنفاق العسكري حَلاًّ للأزمات وللرّكود الإقتصادي، وتُشكل الولايات المتحدة نموذجا لذلك، منذ الحرب العالمية الثانية إلى الآن ( سنة 2022)، وتُشكّل حلاًّ للأزمات المالية والإقتصادية، لكنها حُلُولٌ مُؤَقَّتَة، فالأزمات جُزْءٌ من مسار النظام الرّأسمالي، وهي دَوْرِية وهيكَلِيّة، وأصبحت أكثر شُمُولاً وعُمْقًا من أزمات القرن التاسع عشر، فكانت أزمة 2007/2009 التي لا يزال الكادحون والفُقَراء يُعانون من تأثيراتها، حيث استغلّها أصحاب النهج النيوليبرالي لتأميم خسائر المصارف والشركات، وخصخصة الأرباح، فدعمت الحكومات هذه المصارف والشركات من أموال الشعب، وخصوصًا من ضرائب الأُجراء وصغار الفلاحين والمِهَنِيِّين ومن الضرائب غير المباشرة للفُقراء (ضريبة الإستهلاك والخَدَمات)، بفائدة تُقارب الصّفْر، وأعادت الحكومات الكَرّة، سنة 2020، خلال أزمة انتشار وباء “كوفيد-19″، فضخّت المال العام للشركات الكُبْرى، بالتوازي مع انتشار الفَقْر والبطالة والمَرض، ما يُؤَكِّدُ أن أزمة النظام الرأسمالي هي أزمة بنيويّة مرتبطة بطبيعة النظام الرأسمالي، وتُحاول الولايات المتحدة، زعيمة الدّول الإمبريالية، الخروج من الأزمة عبر زيادة الإنفاق العسكري، وإشعال الحُرُوب الإقليمية، بشكل لم ينقطع، منذ 1991، سنة انهيار الإتحاد السُّوفييتي، وإدامة التهديدات والإستفزازات والحرب الفاترة، أو الحرب بالوكالة، ضد الصين وروسيا، مع استخدام أسلحة الحرب الإعلامية والإقتصادية، والتجارية والحصار والحَظْر وما تُسمّيه الولايات المتحدة “عُقُوبات”، وكأن المُنافسين أطفالاً ارتكبوا أخطاء أو هفوات أو مُراهقين ارتكبوا جُنَحًا، تستوجب الزّجْرَ والعقوبة من قِبَلِ الولايات المتحدة، كمُمثِّلٍ لِسُلْطَة عالمية، ما يُعَدُّ شَكْلاً من أشكال فَرْض نظام عالمي جديد، تنفَرِدُ الإمبريالية الأمريكية، بزعامته، دون شريك…

انطلقت الحرب في شرق أوروبا، قبل انتهاء أزمة “كوفيد – 19″، لتُصبِحَ القارة الأوروبية ساحة حَرْبٍ ولتَنْظَمَّ إلى آسيا ( سوريا والعراق وفلسطين وأفغانستان واليمن…) وإفريقيا الشمالية (ليبيا والصحراء الغربية) والقرن الإفريقي (الصومال) وجنوب الصحراء (مالي وإفريقيا الوسطى والكونغو…)، وهي حُرُوب تخوضها الإمبريالية الأمريكية بالوكالة، بواسطة حلف شمال الأطلسي أو الأنظمة العميلة (الخليج) أو المجموعات اليمينية المتطرفة (أوروبا الشرقية) ومجموعات الإرهاب والدّين السّياسي…

اجتاحت المنظمات “غير الحكومية” والأوْقاف الأمريكية بلدانًا عديدة في أوروبا الشرقية، ومنها جورجيا وأوكرانيا، منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، وخصوصًا منذ بداية القرن الواحد والعشرين، وانتشرت منظمات الدّين السياسي لتُحول مواطني المُدُن الأوكرانية من الأرثودوكسية  إلى الإنجيلية، من خلال المُساعدات “الإنسانية”، ومولت تنظيم المُظاهرات، ونَقْلَ المُتظاهرين من مختلف المُدُن نحو العاصمة “كييف”، وأنشأت المدارس المسيحية الإنجيلية والكنائس، ودَرّبت وسَلّحت المخابرات الأمريكية والصّهيونية عناصر مليشيات اليمين المتطرّف، واعترفت سُلُطات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، والعديد من الحكومات الأوروبية، بإغراق أوكرانيا بالسلاح، لإدامة أمد الحرب الحالية، ولاستبعاد التفاوض المباشر بين أوكرانيا وروسيا، إلى غاية تركيع روسيا، كمقدّمة لتركيع الصّين، دون الدّخول في مواجهة مباشرة مع روسيا، وعندما بدأت المفاوضات، حصلت في تركيا، الدولة الأطلسية، صديقة الكيان الصهيوني، والتي تحتل أراضي سورية وعراقية، وأراضي قُبْرُص…

تتجاوز حرب أوكرانيا تلك الرّقعة الجغرافية، فهي حرب عسكرية وإعلامية وسياسية واقتصادية، أي حرب شاملة، ذات صبغة عالمية، من أجل استمرار نظام رأسمالي عالمي تقوده الإمبريالية الأمريكية، بدون شريك ولا مُنافس، ودفعت الولايات المتحدة حُلَفاءها إلى التصعيد، بل والتّطرُّف إزاء روسيا، وقطع العلاقات المالية والإقتصادية معها، وعرقلة واردات أوروبا من الغاز الرّوسي، وتعمل الولايات المتحدة على تسويق الغاز الصّخْرِي، الرديء ومرتفع الثمن، إلى أوروبا، لتعويض الغاز الرّوسي، واختار الرئيس الأمريكي  العبارات الأشَدَّ بَذَاءةً في قاموس الشتائم، لوصف الرئيس الروسي وحكومته، وصرّح “جوزيف بايدن”، رئيس الولايات المتحدة إنه يعمل على إقصاء روسيا من المنظمات الدّولية، بما فيها المنظمات الرياضية ( اللجنة الأولمبية الدّولية والإتحاد العالمي لكرة القدم واتحاد التّنّس…) التي يستنكر قادتها الدعوات لمقاطعة الكيان الصهيوني، وتُعاقب الرّياضيين الذين يُعَبِّرُون عن تعاطفهم مع الشعب الفلسطيني، ولكنها سارعت لإعلان إقصاء روسيا أو مُقاطعتها، ودعا بعض الرؤساء (منهم الرئيس الأمريكي) والوزراء والنّوّاب الأمريكيين والأُوروبيين إلى تدمير روسيا وتغيير نظام الحُكْم بالقُوّة، واغتيال رئيسها، و”محو روسيا من خريطة العالم”، بعد إنهاك الجيش الروسي في أوكرانيا، وإشعال الفِتَن وإطلاق “ثورة مُلَوّنة” داخل روسيا، وفق صحيفة “واشنطن بوست”…

 من المتضرر ومن المستفيد

تُعتبر هذه الحُروب استمرارا لدفاع الولايات المتحدة عن النظام العالمي الذي فرضَتْهُ، خلال اللقاء المعروف ب”وفاق واشنطن”، منتصف حزيران/يونيو 1989، أي قبل انهيار جدار برلين في تشرين الثاني/نوفمبر 1989، وقُبَيْل انهيار الإتحاد السوفييتي سنة 1991، أي قبل أكثر من ثلاثة عقود، حيث ضَمَّتْ دول أوروبا الشرقية إلى حلف شمال الأطلسي، بينما تم حل حلف وارسو، ودَشَّنَت الولايات المتحدة قيادة النظام العالمي الجديد، بتدمير العراق ويوغسلافيا، ولذلك فالحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا تتجاوز أوكرانيا وشرق أوروبا، وتتجاوز الدّفاع عن حليف صغير، رغم موقعه الإستراتيجي، وتعكس هذه الحرب منعطفًا جيوسياسيا عالميا، أو خطوة إضافية لِفَرْضِ التّصور الأمريكي للعالم، قبل الإستفراد بالصّين التي قد تتأثَّرُ سَلْبًا بتداعيات هذه الحرب، ما يُسهِّل عملية احتوائها، خصوصًا بعد إقرار الرئيس باراك أوباما، منذ سنة 2012، سياسة تكثيف التواجد العسكري البحري الأمريكي ببحر الصين وبالمُحيط الهادئ، بهدف مُحاصرة الصين ومنعها من أن تصبح قوة مهيمنة في المحيطَيْن الهندي والهادئ…

زادت حِدّة الإستفزاز الأمريكي لروسيا، عبر أوكرانيا، منذ سنة 2014، بعد الإطاحة بالرئيس المُنتخب “فيكتور يانكوفيتش” والبرلمان المنتخبَ، وتجَلَّى ذلك بظُهور الرايات النّازية إلى جانب العلم الصّهيوني، في ساحة “ميْدان الإستقلال”، بإشراف الإستخبارات الأمريكية والصّهيونية التي سلّمت الحُكم للقوى الفاشية، مثل “سفوبودا” و “آزوف” و “سكتور دروا” (قِطاع اليمين) و”يوروميدان”، ولا تُعْلِن هذه الحركة الأخيرة تبنِّيها رسميا للفاشية، ولكنها حركة يمينية متطرفة، تحظى بدعم أوروبا وأمريكا التي تعتبرها مُنَظّمة “مُحْتَرَمَة”، وتتلقى أموالا ومعدات تخابر واتصالات وإعلام، بواسطة منظمات أجنبية، مُصَنَّفَة “غير حكومية”، وتضُمُّ هذه المُنَظّمات الفاشية العديد من الجنود الأوكرانيين السابقين الذين شاركوا في تدمير العراق إلى جانب الجيش الأمريكي، سنة 2003، حيث ارتكب الجيش الأوكراني ( إلى جانب جُيُوش أمريكا وبريطانيا) مجازر فظيعة ضد الشعب العراقي، ورفعت المنظمات الفاشية الأوكرانية رايات العُنْصُريين الأمريكيين الذين دافعوا عن استمرارية العُبُودية، خلال الحرب الأهلية الأمريكية (1861 – 1865)، ولافتات ضخمة تُمَجّد تفوق الأوروبيين البيض على بقية سُكّان العالم، وتُمَجِّدُ نظام الرِّق والعُبُودية، وصورًا للزعماء التاريخيين للمنظمات الفاشية التي ساعدت جيش ألمانيا على غزو أوكرانيا والإتحاد السوفييتي، أثناء الحرب العالمية الثانية، ومنها صورة “ستيفن بانديرا”، زعيم “أنصار القومية الأوكرانية”، وسَخِرَتْ وسائل الإعلام الأوروبي والأمريكي، آنذاك، من روسيا التي اعتبرت قادة أوكرانيا الجدد (سنة 2014) والمحتجين وزعماء المعارضة التي أسقطت الرئيس “فيكتور يانكوفتش” فاشيين و”نازِيِّين جُدُد”، وتتَبَنّى الحركات الفاشية تُراث الخيانة لِعُمَلاء النّازية، خلال الحرب العالمية الثانية، وتعتبر نفسها سليلَةً لها، ولا تزال تحظى رسميا بمساندة قرابة نصف السكان البالغين بالبلاد، ولا يزال تأثيرها كبيرًا يفوق حجم عدد أعضائها المنتسبين رسميا لها، بحكم التنظيم المُحْكَم والدّعم المالي والعسكري الأوروبي والأمريكي والصّهيوني، خصوصًا بعد مشاركة اليمين المتطرف في السُّلطة، من خلال “سفوبودا” (حزب الحرية) الذي تحوّل بين عشية وضُحاها، من حزب صغير لم يحصل سوى على أقل من 2% من أصوات الناخبين، سنة 2010، إلى قوة أساسية ومن أهم مُكونات ائتلاف السُّلطة، ويُشارك في الحكومة بست وزراء، من بينهم نائب رئيس الوزراء، والمدعي العام، ووزير الدفاع…

أدّت مُصادرة حق تقرير المصير للشعب الأوكراني، منذ سنة 2014، من خلال تنظيم ثورة مضادة ضد رئيس وبرلمان منتخبَيْنِ ديمقراطياً، إلى تَحَوُّل البلاد إلى ثاني أفقر دولة في أوروبا (بحساب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا) بعد أن كان اقتصادها مُزدهرًا زمن الإتحاد السوفييتي، وأدّى الفقر والبُؤس إلى هجرة نحو 15% من السكان، وبعد ثلاثة أسابيع من الغزو الرّوسي غادرها حوالي مليون مواطن، ابتهجت الشركات الأوروبية بقدومهم وتتهيّأُ لاستغلال أصحاب الخبرات منهم، بأرخَصِ الأسْعار…

تُعْتَبَرُ الشُّعوب، وفئات الكادحين والفُقراء، من أول وأكبر المُتَضَرِّرِين من الحُرُوب، فيما يُحاول المُستفيدون (شركات تصنيع الأسلحة وشركات تأجير المُرتزقة وتُجّار الحرب…) إطالة أَمَدِها، إذ يسعى حلف شمال الأطلسي إلى إدامة هذه الحرب شُهُورًا، بل سنوات، بحسب ما نقلت صحيفة “لوموند” (06 نيسان/ابريل 2022) عن ناطق باسم حلف “ناتو”، كما قد يُؤَدّي الحصار إلى انهيار الاقتصاد الروسي، ولكن أيضًا لبقية الاقتصاد العالمي، وإلى انخفاض الطلب في أوروبا، حيث ارتفعت أسعار الغذاء بمعدلات تزيد عن 30%، واختفى بعضها من رُفُوف المحلاّت التّجارية، مع زيادة أسعار الطاقة، بنسبة فاقت خمسين بالمائة، خلال الأُسْبُوعَيْن الأوَّلَيْن للحرب، وتُؤثِّرُ هذه الحرب حتمًا على اقتصاد الصين والولايات المتحدة أيضًا، رغم وسائل الضّغط التي تمتلكها الولايات المتحدة، مثل استبعاد 70% من المصارف الروسية من منصة “سويفت” للتحويلات المالية الدّولية، وحرمان النظام المصرفي الروسي من الوصول إلى الأسواق المالية.

تضررت شُعوب أوروبا من هذه الحرب التي أدّت إلى ارتفاع أسعار المحروقات والعديد من السلع الأخرى، وإلى شُحِّ بعضها، لأن روسيا مُصدّر هام للقمح (وكذلك أوكرانيا) وللأسمدة التي يحتاجها قطاع الفلاحة الأوروبي، ومعدن “البلاديوم” الضروري لصناعة السيارات الأوروبية، وكذلك “النيكل” و”الكوبلت” المستخدم في إنتاج السيارات الكهربائية، بحسب موقع صحيفة “غازيتا. رو” الروسية (11 آذار/مارس 2022) ، كما انعكس الحظر والحصار على مصالح الشركات والمستهلكين في أميركا الشمالية وأوروبا، وبدأ المواطن الأوروبي والأمريكي يشعر بالضيق من ارتفاع أسعار النفط والغاز، ومن ارتفاع أسعار عمليات النّقل والشّحْن، ومن غياب بعض السلع، مثل زيت عباد الشّمس والصُّويا والطّحين ومُشتقات الحبوب، من المحلات التجارية الأوروبية، ما أدّى إلى تدهور ظروف عيش المواطنين، وخاصة الكادحين والفُقَراء، إذ يستورد الإتحاد الأوروبي أكثر من ثلاثين بالمائة من احتياجاته للمحروقات، أو أكثر من 60% من صادرات النفط الروسية، وحوالي 45% من صادرات المنتجات النفطية، وقد يُؤَدِّي حظر توريد المحروقات الروسية إلى اضطراب في عمليات تزويد المساكن والمصانع بالكهرباء والغاز، وإلى إغلاق عدد من قطاعات الصناعة الأوروبية التي تستخدم الغاز، منها المعادن ومصانع الكيمياء وإنتاج الأسمدة أو الإسمنت، وقد يُفْضِي ذلك إلى ركود اقتصادي أوروبي أو حتى عالمي…

تُمثِّل السُّلْطة السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا مصالح مجموعات مالية وشركات عابرة للقارات، ولا تهتم الحكومات بمصير البشر، بل لا تهتم سوى بنَهْبِ ثروات البلدان، وبالموقع الجغرافي الاستراتيجي لأوكرانيا، كما البلدان الأخرى كفنزويلا والعراق وأفغانستان والصومال، ولا يهتم ممثلو رأس المال بمصير الشعب الأوكراني، وأثبتت التجارب إنه كلما تدخلت الإمبريالية الأمريكية والإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في بلد، باتَ أفْقَرَ من ذي قبل، وأصبح مُجزّأً ومنقسمًا إلى طوائف وأقليات، وفي أوكرانيا، أوكلت دول حلف شمال الأطلسي، مهمة التخريب والتّفتيت إلى وُكلائها من الميليشيات الإرهابية لليمين الأوروبي المتطرف والإسلاميين الذين أثْبَتُوا تفانيهم وخبراتهم في خدمة مصالح الإمبريالية في أفغانستان، ثم في كوسوفو والبوسنة أو في سوريا أو ليبيا أو أي مكان آخر.

إن أكبر الخاسرين في هذه الحرب، هي الفئات الشعبية والعاملون والفُقراء من الشعبين الأوكراني والروسي، فيما دُفِنَت المطالب الاجتماعية بالمساواة والعدالة، في أوروبا والولايات المتحدة، تحت ضجيج عجلات الدّبابات وطلقات الصّواريخ وتحليق الطائرات الحربية، وأحذية جنود الناتو، وتحت ضجيج وسائل الإعلام المهيمنة التي تمتلكها الشركات متعددة الجنسيات…

أظْهرت هذه الحرب درجة انحطاط السلطات الأوروبية، حيث انطلقت بعض الأصوات (وُزراء ونواب برلمان) تطالب بمنع دخول المنتجات الثقافية الروسية وفرق الموسيقى والغناء والرقص الكلاسيكي وفنون الأوبرا، وصولا إلى التراث الأدبي الروسي والإنساني…

تُحاول الصين الإستفادة من دُرُوس الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا، فلم تدعم حليفها الرّوسي بشكل مُباشر وعَلَنِي، وتحاول استخلاص الدّروس وتحقيق المكاسب، لأن الصّين مُسْتهدَفَة من قِبَل الولايات المتحدة، وقد تستفزّها بالوكالة، بواسطة تايوان أو اليابان أو الهند أو غيرها، وأعلنت حكومة الصّين رغبتها في إرساء قواعد جديدة لعالم جديد، يُعطي للصين مكانتها الكاملة، وتحاول الصين استغلال اختلاف مواقف الدّول الأوروبية، وإن كان الإختلاف طفيفًا، لتستخدم هذه الإختلافات في مواجهة السياسات العدوانية الأمريكية التي ترمي إلى استنزاف الصين ومنعها من أن تُصبح قُوة قد تحتل المرتبة الإقتصادية العالمية الأولى…

الحرب = ممارسة السياسة بوسائل عنيفة

مَثّلت الحرب في أوكرانيا إحدى علامات التصعيد في النزاعات الدولية، وشكلاً من أشكال عسكرة السياسة الخارجية العدوانية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. إنها مُؤَشِّر على رفض “عالم متعدد الأقطاب”، تُطالب الصين وروسيا بإرسائه، ضمن المنظومة الرأسمالية العالمية، لكن ليست الحرب سوى مظهر من مظاهر طبيعة الرأسمالية، التي تريد غزو الأسواق، والسيطرة على المناطق والمواقع الإستراتيجية، بالخداع أو بالقوة، والتضحية بحياة العمال والفقراء الذين يموتون على جانبَيْ الجبهة، لدى المُعْتَدِي والمُعْتَدَى عليه.

إن قوة الاحتكارات هي التي تعزز التطور غير المتكافئ للرأسمالية في العالم، وتقمع أي حركة احتجاج شعبية أو أي محاولة للبحث عن بديل للرأسمالية، وما النّاتو سوى تحالف إمبريالي عسكري في خدمة هذه الاحتكارات الرأسمالية وفي خدمة المصالح الجيوستراتيجية الأمريكية بشكل خاص، بتواطؤ من الاتحاد الأوروبي، ضد مصالح الطبقات العاملة والشعوب، ما يجعل من السياسة الخارجية الروسية رد فعل دفاعي على توسع الناتو العدواني في أوروبا الشرقية وبحر البلطيق، وردًّا على تحشيد القوة وتكديس الأسلحة على حدود روسيا. إنه استمرار منطقي للتصعيد والنزاع المسلح الذي حصل في جورجيا سنة 2008 وأدّى إلى انفصال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وهو نتيجة منطقية للانقلاب الأوكراني، بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، سنة 2014، وما تلاه من ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، واستمرار للعديد من الوقائع الأخرى والنّزاعات التي لم تحدث على حدود الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية، بل على حدود روسيا التي شعرت بأنها مهددة في وُجُودِها منذ العقد الأخير للقرن العشرين.

تعد الحروب الأطلسية فرصة لزيادة الإنفاق العسكري وإثراء المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وهي فرصة لإعادة تسليح ألمانيا والسويد وفنلندا وسويسرا ولتعزيز انضمام هذه البلدان ( التيتَدّعي “الحِياد” ) إلى الناتو .

تَشُنُّ الإمبريالية الحُرُوب، بعد التحضير لها وإعداد الخطط والتدريبات العسكرية والإستخباراتية وإطلاق الحملات الإعلامية، واختلاق الذّرائع لشن الحرب، من أجل التّوسّع وإعادة اقتسام الأسواق ومناطق النفوذ، وشملت هذه المُخططات أراضي أوروبا الوُسْطى والشرقية، وكان تفكيك يوغسلافيا من قِبَل حلف شمال الأطلسي، وتنصيب مليشيات فاشية تحكم كرواتيا وبولندا والمجر، وخلق دُوَيْلات جديدة تم إنشاؤها في منطقة “البلقان” (مثلما أنشأت الإمبريالية البريطانية الكيان الصهيوني، مع الفوارق التي وجب الإنتباه لها)، بمثابة المُقدّمَةً لهذه الحملة المتواصلة للتّوسُّع الإمبريالي الأمريكي. أما الحرب الجارية في أوكرانيا، فهي مواصلة لما حصل قبل ثلاثة عُقُود (انهيار الإتحاد السوفييتي)، ولئن كانت الحُرُوب تهدف عمومًا، السيطرة على الأسواق والمواد الأولية والمواقع الجيوستراتيجية وطرق النقل، فإن الحرب الحالية التي أطلقتها الإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، بإشراك بلدان مثل مولدوفا وجورجيا والبوسنة والهرسك وفنلندا والسويد، ومجمل قوى الديمقراطية الإجتماعية في أوروبا، تهدف السيطرة على الموقع الإستراتيجي لأوكرانيا وما حولها، وكذلك السيطرة على المواد الخام (الثروة الباطنية) والأراضي الزراعية الخصبة، وعلى مصادر الطاقة وخطوط أنابيب نَقْل المحروقات التي تربط روسيا بأوروبا الغربية، وتأتي هذه الخُطْوَة الأمريكية بعد توسيع حلف شمال الأطلسي وإنهاك الإقتصاد الروسي بالحصار والقواعد العسكرية المحيطة بالأراضي الروسية وبالثورات المُلَوَّنَة بالبُلدان المُجاورة (أوكرانيا وجورجيا وبولندا، ودُوَيْلات البلطيق…)، حيث دعمت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والكيان الصّهيوني “الثورةَ البرتقاليّةَ” منذ بداية القرن الواحد والعشرين (سنة 2004)، ونَظّمت انقلاب 2014، عبر استخدام مليشيات اليمين المتطرف، لتنظيم حملات عنف و ترهيب واغتيالات ضد المواطنين من أصل روسي أو يوناني، والنّاطقين باللغة الرّوسية، ولتنصيب نظام موالي لها، بمشاركة قيادات المليشيات النازية والصهيونية، فالحكومة الأوكرانية ( خلال رئاسة “فولديمير زيلينسكي”) تضم ما لا يقل عن ستة من غُلاة الصهاينة، من بينهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وما لا يقل عن أربعة من الوزراء، فضلاً عن الأثرياء الصهاينة، من مُمَوِّلي الحملات الإنتخابية و”المُستشارين” والنُّوّاب ورجال الأعمال والمصرفِيِّين، وتجدر الإشارة أن النظام الروسي لا يَقِلُّ “صهيونية” عن نظام أوكرانيا.

يضم حلف شمال الأطلسي الدّول الأعضاء ( ثلاثين عضوا)، وله علاقات شراكة أمْنِيّة متطورة مع دول تدّعي الحياد، مثل سويسرا والنمسا والسويد وفنلندا وإيرلندا ومالطا، فيما يتمتع الكيان الصهيوني بمزايا العضوية ولا يتحمل واجباتها، ولا يُسدّد معلوم المشاركة المالية، واقتربت قوات وقواعد الحلف، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، من حدود روسيا، وأصبحت لها قواعد عسكرية في بولندا ورومانيا والمجر وفي قاعدة “تابا” بأستونيا، ويُجري حلف شمال الأطلسي مناورات سنوية عديدة في البحر الأبيض المتوسط، بمشاركة الجيش الصهيوني وجيوش معظم الدّول العربية، بذريعة الإنقاذ والنّجدة البحرية، وتطورت العلاقات العسكرية والأمنية إلى علاقات اقتصادية وثقافية وإعلامية، تحت الهيمنة الأمريكية، واستغلت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والإتحاد الأوروبي الحرب الروسية الأوكرانية لزيادة حجم ونَوْعِيّة الدّعم المالي والعَسْكَرِي لأوكرانيا، بهدف رَفْعِ كلفة الحرب بالنسبة لروسيا، وإحداث أكبر قَدْرٍ من الضّرر لاقتصادها ولتقليل شعبية النظام الرّوسي لدى الرّأي العام الدّاخلي، لكن سياسة الحصار الإقتصادي لروسيا تعود بالضّرر على اقتصاد أوروبا، كما أسلفْنا، حيث ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 200% بيْنَ سَنَتَيْ 2018 و 2022، بينما تعمل الولايات المتحدة على تشديد الحصار الإقتصادي من أجل تسويق غازها الرديء ومرتفع الثّمن إلى أوروبا وآسيا، لمنافسة الغاز الرّوسي الذي لا يزال، خلال فترة الحرب، يتدفق إلى أوروبا بمعدّل 250 مليون متر مكعب من الغاز كل يوم، واستغلت شركات توريد وتوزيع الغاز لرفع الأسعار للمُستهلكين، من مُعدّل ثلاثين يورو لكل ميغاواط/ساعة، خلال شهر تموز/يوليو 2021، إلى نحو 345 يورو لكل ميغاواط/ساعة بنهاية شهر آذار/مارس 2022

 استخلاصات

إن الحرب الروسية الأوكرانية تعكس أحد أوِجُهِ الوضع الدّولي، وبعض التّغييرات في موازين القوى ومكانة الإمبريالية الإمبريالية وحلف شمال الأطلسي والإتحاد الأوروبي، والقوى التي عملت على توسيع رقعة الحروب العدوانية منذ ثلاثة عُقُود، ويبدو أنها بلغت الحدّ الأقصى لهيمنة القُطْب الواحد، ولاستفزازاتها بتورُّطِها في عدة جبهات في نفس الوقت (مع التّركيز على الجبهات التي تعتبرها رئيسية)، كما يبدو أن الظرف الدّولي تغيّر مع صعود الصّين كقوة رأسمالية مُنافِسَة للولايات المتحدة، ومع تحالف روسيا والصّين (وإن كان التّحالف غير صلب)، وعدم قُدْرَة الولايات المتحدة ووكلائها وحُلفائها على الإطاحة بنظام كوبا وفنزويلا وسوريا وإيران وكوريا الشمالية وغيرها، وهي مُؤشّرات لفشل بعض مخططات الإمبريالية… لذا فإن مَدَى هذه الحرب يتجاوز حُدُود أوكرانيا وروسيا، ويتعدّاها إلى محاولة إعادة ترتيب موازين القوى، وعدم تسليم روسيا والصّين بالغطرسة الأمريكية والأطلسية، ليس في هذه المنطقة الرابطة بين أوروبا وآسيا فقط، بل في العديد من المناطق الأخرى بالعالم، ما يقتضي إعارة مزيد من الإهتمام للطموحات الإقليمية الإيرانية، والطموحات العالمية للصّين، وطموحات روسيا في البحر الأبيض المتوسط، وغربي آسيا، خصوصًا في سوريا، وموقع الكيان الصهيوني الذي تمكّن لحدّ الآن من خلق توازن في علاقاته مع روسيا والصين والأنظمة الرجعية العربية، على حساب الشعب الفلسطيني والشعب السُّوري والشعوب العربية والإيرانية، ويبذل ما في وسعه ليكون شُرْطِي المنطقة، التي تتجاوز المشرق العربي، لتبلغ إيران، وشرقي البحر الأبيض المتوسّط، بعد اكتشاف كميات كبيرة من الغاز في سواحل فلسطين.

لا يُشكّل الموقف من الحرب انحيازًا – بالضرورة – لأحد الأطراف، بل اختيار صَفّ من لا يستهدفنا – مَرْحَلِيًّا على الأقل- ولا يَسْحَقُنا، كما تفعل الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني والإتحاد الأوروبي والأنظمة الرجعية العربية، ولا يعني ذلكم أن روسيا أو الصّين (ولا حتّى إيران) في صفّنا، وإنما هناك لقاء مصالح، ربما مُؤَقّت، لأن ميزان القوى لا يميل لمصلحة الشعوب العربية ولا الشعب الفلسطيني، ومن الخَطَأ فتح جبهات عديدة، وإثارة خلافات لم يحن وقت إثارَتها، فضلاً عن عجزنا – في الوقت الحاضر- على حلِّها بما يخدم مَصالحنا.

تُشكل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني والأنظمة الرجعية العربية خَطَرًا مُباشِرًا، وجبت مُجابهته عبر نضالات شُعُوب العالم ضد العَدُوّ المُشترك الذي يستغل الكادحين ويضطهد الشعوب ويستعمر الأوطان والبُلدان ويستغل ثرواتها ومواقعها الجيو- استراتيجية، أما نحن من العرب ومن الشعوب الواقعة تحت الإستعمار والإستغلال والإضطهاد، فنعيش هذا الوضع منذ القرن التاسع عشر، مع صُعُود الإمبرياليّتَيْن البريطانية والفرنسية، وربما منذ حُروب الفَرَنْجة (1096 – 1291 )، ومررنا بحالات مد وجَزْر، ولا خيار لنا سوى المقاومة والصّمود اللّذان يُؤدّيان إلى التغلّب على الأعداء، الدّاخليين والخارجيين، وإن طالت فترة المقاومة، ما يتطلّب طول النّفس والإيمان بعدالة قضايانا، واعتبار الدّعم الخارجي، غير المشروط، رافدًا ضروريا وهامًّا، ولكنه ليس عاملاً أساسيا…

وبالتالي، بالنسبة لنا كعرب وكشعوب مُضْطَهَدَة ومُسْتعْمَرة، بشكل مُباشر أو غير مُباشر، نختار صَفّنا بحسب مصالحنا وأهدافنا في التّحرُّر من الإستعمار الإستيطاني الصّهيوني ومن الإستغلال ومن الإضطهاد الدّاخلي والخارجي، وندعم من يَدْعَمُنا ويُساند قضايانا وتَحَرُّرِ شعوبنا من فلسطين إلى بلاد الشام والعراق واليمن وليبيا وكافة أرجاء الوطن العربي، من المحيط الأطلسي إلى الخليج…

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.