عملية “كاسر الأمواج” وسياسة حافة الهاوية، محمد العبد الله

” نحن نفهم حقيقة الكيان الصهيوني باعتباره وبمظهره الرئيسي ظاهرة استعمارية، سنبقى نقاتلها عاما بعد عام … عقدا بعد عقد… جيلا بعد جيل حتى تطهر الأرض الفلسطينية، وكامل الأرض العربية من رجس الاحتلال”.

 جورج حبش

” علينا أن نبقي جذوة الصراع مشتعلة بيننا وبين العدو الغاصب”.

 فتحي الشقاقي

مدخل

  لم تكن العمليات الفلسطينية المسلحة التي ازدادت وتيرتها في الأسبوعين الأخيرين، خاصة في الجزء المحتل من فلسطين عام 1948 ( عملية بئر السبع”الفدائي الشهيد محمد أبوالقيعان”، وعملية الخضيرة “الفدائيان الشهيدان أيمن وإبراهيم اغبارية”، وعملية بني براك ورمات غات ” الفدائي الشهيد ضياء حمارشة”) سوى التعبير الموضوعي عن حالة التمرد/ الثورة على السياسة الاستعمارية، الإقتلاعية، والاجلائية العنصرية لكيان الغزو الصهيوني. هذه الحالة التي وصفها “عاموس يادلين” و”أودي أفنطال”، في مقالهما المشترك الذي حمل عنوان ” ساعة طوارئ : يجب منع عاصفة ممتازة للإرهاب” على موقع “N12″، بأن (على “إسرائيل” تعزيز معالجة برميل المتفجرات الذي نجلس عليه).على الجانب الآخر، كشفت تلك العمليات –وماسبقها، وتلاها– عن الخلل الفادح في المنظومة الأمنية والاستخباراتية؛ أنظمة تجسس، كاميرات مراقبة، عملاء، وتنسيق أمني مع سلطة رام الله، في كشف المنفذين قبل نجاحهم في التسلل،والوصول لمكان العملية، وقتل أكبرعدد من الغزاة المستعمرين. وزير الحرب في حكومة العدو “بيني غانتس” يعترف بعجز المؤسستين الأمنية والعسكرية في وقف العمليات الفدائية / الاستشهادية، وخاصةً عمليات الطعن، وفي حديثه للقناة 12 الصهيونية، يؤكد (أن من الصعب إيقاف شخص يقرر في لحظة حمل سكين أو مفك، وتنفيذ عملية طعن)، في ردٍ مباشر على الانتقادات الموجهة لحكومته لفشلها في منع العمليات الأخيرة.

   الاستشهاديون في قلب المستعمرات

 حمل الربع الأول من العام الحالي للغزاة المستعمرين، رعبا حقيقيا، وشعورا مستمرا بفقدان الأمن، واهتزاز الثقة بالمؤسسة العسكرية والأمنية، نتيجة  التطورات الميدانية عبر ساحات الاشتباك المتعددة. في التقرير الدوري الأخير الصادر في أوائل شهر شباط / فبراير الحالي عن مركز معلومات فلسطين “معطى” إحصاء عن عمليات المقاومة الفلسطينية خلال الأشهر الثلاثة من هذا العام، مع مقارنة بالأعوام السابقة لذات الفترة .في شهر آذار / مارس الفائت، استشهد 20 مواطناً فلسطينيا، وقُتل 12 صهيونيا ،وإصيب 64 آخرين في عمليات للمقاومة. وقد بلغ مجموع العمليات التي جرى رصدها خلال الشهر(821) عملاً مقاوماً. ومع الأيام الأولى لشهر شباط / فبراير استشهد 6 فلسطينين في مواجهات مسلحة مع جيش الاحتلال، وشهيد آخر “أسير محرر”في المظاهرات التي اندلعت في مدينة مدينة الخليل.

وقد أظهر التقرير تصاعدا مُضطردا لعمليات المقاومة المُسلّحة، لافتًا إلى أنّ عمليات إطلاق النار تجاه أهداف الاحتلال تصاعدت من (51) عملية خلال عام 2018، إلى (132) عملية خلال أشهر يناير وفبراير ومارس 2022. وبالنظر إلى معدل العمليات المؤثرة خلال 3 شهور من كلّ عام من الأعوام الخمسة محل المقارنة، فإنّ معدل العمليات سجّل (47) عملية عام 2018، ليصل إلى (42) خلال 2019، و(24) خلال 2020، و(77) خلال 2021، بينما وصل إلى (165) عملية في 2022، حتى الآن.وقد تساوى عدد قتلى الغزاة المستعمرين من هذه العمليات خلال الشهور الثلاثة من العام الجاري، مع مجموع القتلى خلال الأعوام 2019، و2020، و2021. وأفاد “معطى” بأنّ مُعدّل خسائر الكيان الغاصب خلال 3 شهور من كلّ عام، بما يشمل القتلى والجرحى، يُظهر أنّ خسائره في الشهور الأولى من عام 2022 تزيدُ بقليلٍ عن خسائره خلال العام الماضي كلّه، وتقترب من مجموع خسائره خلال الأعوام (2018، 2019، 2020).

    اتساع المواجهات مع اشتداد القمع الصهيوني

في ظل تصاعد المقاومة المسلحة”السلاح الناري والأبيض، الدهس، الزجاجات الحارقة، والأكواع المتفجرة”، وتعدد أشكال النضال الجماهيري، لجأت حكومة العدو لعمليات الاغتيال، اقتحام البيوت، واستخدام الإرهاب النفسي والضرب العنيف لأصحابها، والتخريب المتعمد لمحتوياتها، ويترافق ذلك مع نهج القمع الوحشي للتجمعات الشعبية،”باب العامود و محيط المسجد الأقصى، مواكب تشييع الشهداء ومجالس العزاء بهم ” ، كل ذلك وأكثر، كان مفردات برنامج العمل للحملة العسكرية، والأمنية، التي حملت اسم” كاسر الأمواج” الذي يعني اعترافا مباشرا من حكومة العدو بأنها تتوقع موجات جديدة، وعنيفة من الفلسطينيين. وإذا دققنا برمزية التسمية، فهي تستهدف، استباقيا “موجات” المد الكفاحي المتتالية للشعب الفلسطيني،التي تعمل إجراءات الغزاة المستعمرين “جيشا، أجهزة أمن، وميليشيات المستوطنين المسلحة”، في اقتحامات المسجد الأقصى المستمرة لنواب في الكنيست، وزير الخارجية، وعدد من الحاخامات الذين عقدوا اجتماعا حددوا خلاله الخطوات اللازمة لاحتفالات عيد الفصح العبري في منتصف الشهر الحالي، على التمهيد لانفجار “برميل المتفجرات” الذي يجلس عليه تجمع المستعمرين .كما أن هذه السلسلة من الاستفزازات التي ستتوج في الاحتفال بـ “عيدهم” داخل المسجد الأقصى، في شهر رمضان، ستكون صاعق التفجير ليس للغضب الشعبي العنيف، فقط، وإنما لصواريخ ” سيف القدس 2 “، ولتطوير “الموجة ” القادمة، لهبة شعبية واسعة على امتداد مساحة فلسطين التاريخية.

     التلويح بالجزرة لم يعد مفيدا

 لقد اكتشف قادة كيان العدو، مجددا، أن كل محاولات الرشى الاقتصادية؛ زيادة عدد تصاريح العمل للقادمين من قطاع غزة، والسماح بدخول أموال المنحة المالية القطرية، والتشاور/ الطلب من الحكومة المصرية بأن تمارس دورها / ضغطها على قوى المقاومة المسلحة ، حتى لاتلجأ لتفعيل منظومة الصواريخ، الموضوعة منذ أسابيع في أقصى درجات الاستعداد، لكن، كل هذا لم يعد كافيا للاكتفاء بوضع “حافة الهاوية”. لأن مراكز القوى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وفي المستوى السياسي، تدفع الأوضاع نحو الذهاب للانفجار، مستفيدة من انشغال العالم بالصراع / المواجهة المحتدمة على الأراضي الأوكرانية بين الاتحاد الروسي وحلف شمال الأطلسي. كما أن تصفية الحسابات بين قوى الائتلاف الحكومي” تحالف بينت / ليبيد، وآخرين”، وقوى المعارضة التي يقودها الليكود بزعامة “نتنياهو”، خاصة مع استقالة “عيديت سليمان”عضوة الكنيست من الائتلاف الحكومي، مما يعني فقدان الائتلاف، الأغلبية في الكنيست، وهذا يعني فتح الباب على احتمالات / سيناريوهات، متعددة، أبرزها سقوط الحكومة الحالية والتوجه لانتخابات الكنيست.

 خاتمة

   مع مؤشرات اقتراب ساعة المواجهة التي تدفع إليها وبتسارع واضح، قوى وازنة “سياسية، عسكرية، ودينية” داخل الكيان،فإن تسييج الوضع الشعبي المقاوم، بموقف سياسي / كفاحي تتمسك به /، وتلتف حوله قوى المقاومة المسلحة، والجماهيرية على امتداد مساحة الوطن المحتل، ليرتقي بالتفاهمات التي تسربت عن لقاءات عديدة بين تلك القوى، لمستوى التنسيق بينها، ميدانيا وعلى أرض الواقع، أصبح إنجازها، مهمة عاجلة لاتتطلب التردد والتأجيل.

  *  كاتب وسياسي فلسطيني

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.