نعم فردية ولكنها ترفع السقف، عادل سماره

ما بين 1948 و 1967 احتل الكيان كامل فلسطين وبعض الأرض العربية ايضاً. وتواصلت ال.م.ق.ا.و.م.ة منذ بداية القرن الماضي وحتى اليوم في تأكيد على حقيقة إنسانية بأن القوة الكامنة لأ​​ي شعب لا تنتهي ، بل كالطاقة تتحول من حالة إلى أخرى لكنها لا تنتهي إلى العدم.

الاستثناء عن حالة المادة أن ال.م.ق.ا.و.م.ة تنتهي إذا ما أُبيد الشعب كلياً كما حصل تقريبا ضد الشعوب الأصلية في امريكا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. أما في جنوب إفريقيا فلم يتمكن البيض من إيادة السمر بل احتاجوهم ليستغلونهم في الشغل وأزاحوهم لمنعزلات .

في الحالة الفلسطينية كان المحيط العربي هو الملجأ للفلسطينيين وهذا يُسجل للشعب العربي وليس للأنظمة التي هي عدوة كل منها ضد الشعب الذي تتحكم به. ولا معنى لثرثرة ونقنقة فلسطينيين بأن العرب ضايقوا الفلسطينيين لأن هذا كان بقرار الحكام التوابع والشرائح البرجوازية والتجارية العميلة للأجنبي وخاصة مثقفي الطابور السادس الذين لم يتوقفوا بعد عن نشر الإقليمية والطائفية وتبخيس العروبة. أما زعامات الطوائف وتحديداً الطائفيين فلم تختلف مواقفهم عن مواقف الحكام.

إتخذ النضال اشكالا متعددة متغيرة طبقا للظروف، تنظيمات أحياناً، وخاصة قبل 1948، ثم فروعا للأحزاب القومية كالقوميين العرب والبعثيين بعد 1948 وحتى 1967، ثم بعد 1967 تكونت فصائل فلسطينية بعضها امتدادا لأحزاب عربية وأكثرها تعمل بمفردها. وخلال نشاط هذه الفصائل كان النضال ضمن مفارز قلما ركزت على تكوين إطار سياسي حول كل فصيل. وان العمل من داخل الأرض المحتلة ومن الأردن ولبنان بشكل خاص.

لكن الفصائل كانت أشبه بجامعة الدول العربية، اي المبدأ هو عدم الوحدة بحيث يعمل كل فصيل منفردا ومتنافسا مع الأخريات ولعبت الأنظمة العربية دورا في تعزيز هذا التفكك بإغداق التمويل وخاصة من الخليج الذي لا شك كان ينفذ سياسة الإمبريالية. فلا يمكن لكيانات أشبه بالمستوطنات من حيث حكامها المعينين أن تدفع أموالا لمن يعمل ضد الكيان! معادلة عجيبة.

أدى الضخ المالي إلى تحول الفصائل إلى أنظمة حكم لكل فصيل علاقات خارجية مع عديد الدول ومكاتب وإعلام…الخ.

كنت أستغرب حين أرى هذا الفصيل أو ذاك يقيم علاقات مع الاتحاد الأوروبي، ويقول “مش مع أمريكا”!!! يا للفهلوة، وكل أوروبا عدو مؤدلج وعريق وصانع للكيان. ولأنني كنت انتقد هذا تمت شيطنتي بالمطلق. لكن هذه العلاقة انتجت لاحقا ، كما نرى اليوم فراخ ومن ثم حيتان “الأنجزة” . الأمر سهل، فالغرب لا يرمي فلسا بلا دراسة جدوى لحظية أو تاريخية.

تم اقتلاع الفصائل من الأردن 1970 ولها في ذلك مساهمتها، موقعها الطبيعي، إلى جانب الأرض المحتلة، ومع ذلك أبقت الأنظمة العربية على علاقتها بالنظام الأردني كما لو أنه حرر البلد من أعداء، وهذا يعني جاهزية مبكرة من هذه الأنظمة للتطبيع مع الكيان.

كان يمكن صد الهجمة لو أن جبهة الرفض التي أقيمت 1974 لم تحل نفسها مما أثبت أن قيادتها كانت وراء متطلبات المرحلة.

هذا الوضع المفكك والمتنافس قاد إلى تسهيل مهمة السادات في الاعتراف بالكيان وإخراج مصر من الصراع. وكانت الخطيئة الأولى عدم قطيعة م.ت.ف المطلقة مع نظام مصر بل بقيت مصر الراعي والمرشد لهذه المنظمة حتى اليوم. لذا بين تمويل الخليج ورعاية نظام التطبيع تهلهلت البنية.

وإبقاء علاقة م.ت.ف مع مصر فتح الباب لعودة مصر للجامعة العربية وتم تقويض تجمع “جبهة الصمود والتصدي “بقيادة عراق صدام حسين ” وطرد نظام مصر من الجامعة العربية.

وصل وضع الفصائل في لبنان حالة من الانحسار الكبير رغم التضخيم الإعلامي وخاصة بعد رحيل قيادة م.ت.ف إلى تونس وبعثرة المقاتلين وخاصة بعيدا إلى اليمن، وبقي البعض في لبنان وفي سوريا. إلى أن قام الشعب بالانتفاضة الكبرى 1987 حيث انتقل النضال من المفارز السرية المقاتلة إلى حرب الشعب بلا سلاح الأمر الذي استثمرته قيادة م.ت.ف لصالح دولة وهمية وهو استثمار لم يتم التخلي عنه حتى اليوم. ومن حينها بدأ يحل مشروع الاستدوال محل مشروع التحرير، اي حتى قبل اوسلو.

إلى أن جاء “اتفاق إعلان المبادىء/أوسلو” حيث اعترفت قيادة م.ت.ف بالكيان ليصبح كل فصيل بقي فيها هو فصيل تطبيعي (هل فقط قيادته أم جميعه هذا امر آخر). وهذا لعب مع الوقت دوراً في تفكيك روح النضال وخاصة شكله القتالي.

بعد اوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية تراجع الكفاح ال.م.س.ل.ح حتى كشعار لدى كثير من الفصائل التي أُقيمت لأجل هذا الكفاح وبالطبع اصطفت هذه الفصائل إلى جانب منظمات وأحزاب هي ضد الكفاح ال.م.س.ل.ح اصلا ومعترفة بالكيان وبعضها متحوِّر عن “أنجزة” يا للهول.

يعني الوصول إلى هذا الحالة أو المحطة أن المشروع الوطني قد تم إسقاطه أو تقسيمه بين الفصائل حيث يرى كل فصيل رؤيته الخاصة وبالتالي مشروعه الخاص.

هنا عادت القوة الشعبية الكامنة للعمل بعيدا عن تلك القيادات فكانت العمليات الفردية، ولنقل طابعها العام هو الفردي بمعنى أن هناك ما قامت به فصائل. وهي في الحقيقة نوع من الابتكار الشعبي حيث أدرك الفدائيون بل فهموا الواقع اكثر من عجائز القيادات. والواقع هو أن حرب الشعب ممكنة باقل الوسائل وأبسطها طالما أنك في وسط الكيان.

هل كان الوصول إلى هذا الابتكار بناء على دراسة وتحليل نظري معمق أو بشكل عفوي ومادي وحتى بدائي؟

ربما لم يدرك ذلك أحد أفضل من الشهيد باسل الأعرج الذي كما يبدو قرأ حرب غوار المدن لكارلوس مارجيلا، وحرب الغوار لماو ولجيفارا وحرب الموقع لغرامشي، وأرجو فهم التواضع، بعض كتاباتي.

لذا عنونت كتابي عن المثقف المشتبك : “المثقف المشتبك والعمليات الفردية روافع لتجاوز الأزمة”.

وكنت قد صغت هذا المصطلح منذ عشرين عاما.

المهم في الأمر أن البعض قلل من أهمية دور هذه العمليات كروافع.

ولكن منذ العام الماضي على الأقل وهذا العام فإن هذه العمليات حققت ما يلي:

• تجاوز شعبي ملموس للأزمة سواء في قرية بيتا أو باب العامود أو سلوان أو الشيخ جراح…الخ

• رفعت السقف الوطني ووحدته مجدداً بعيدا عن تقسيمه بين الفصائل.

• أحرجت مختلف الأنظمة العربية التطبيعية

• وأحرجت الأنظمة العربية غير المطبعة لأنها أبقت على علاقات مع أنظمة التطبيع ومع الإمبريالية.

• وليس من قبيل التندُّر:”قطعت رق المخبرين!!!

وأخيراً، أرجو من المتحدثين باسم الفصائل أن لا يتسابقوا على أكثر العبارات بلاغة في مديح هذه العمليات، وان لا يُغريهم “ستربتيز” الفضائيات فيمدوا الثرثرة. حبذا وبدرجة من احترام الشعب أن يصدروا بيانا موحدا وفقط.

أما “ستربتيز” الفضائيات فيتمثل في تنازلاتها عن واجبها في تحريض الشارع العربي، تنازلات وتعرِّي لصالح الأنظمة والإمبريالية والصهيونية معاً. أما الفلسطيني فلا يحتاج تحريضها.

أما ما لم تحققه هذه البطولات بعد فهو انتقال شرفاء الفصائل إلى محور ال.م.ق.ا.و.م.ة.

 

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.