الأرض أهم من البيت، عادل سماره

الأرض أهم من البيت

عبد الباقي يرفض العرض الأمريكي

” لولاهم بيقصقصوا في هالأرضات”/أرض رعد

(بعضاً من مذكراتي)

حينما شاهدت أبا البطل حازم يقول، “نحن في بيوتنا وننتظر أن يأتوا ويعتقلوننا لكن أنا فخور بحازم” طبعاً هو متأكد أن بيته سوف يُهدم.​​

لم يفكر الرجل بالبيت لأنه يعلم أن الأساس هي الأرض.

حين شاهدته تذكرت الشاعر الراحل معين بسيسو بقوله:

“من لم تودع بنيها بابتسامتها …. إلى الزنازين لم تحبل ولم تلدِ”

تذكرت فلاحاً ، لم يكن متعلماً لكنه كان بعيد النظر عرفته قبل قرابة سبعين عاماً يرى البعيد جداً.

هو عبد الباقي إبراهيم سماره، كنا ندعوه “عَمِّي العبد”  اسمر القسمات، يلبس القمباز و “كَفِّية-يسمونها غباينية” يجلس دائماً على “حظير العلية”.  بين بيتنا “علية والدي وعليته مسافة 15 مترا هوائياً، لكن الوصول إليه يحتاج التفافة لحوالي 200 متر حول البرج الروماني الذي تقوم عليه علية والدي وعليتين لأعمامي. كنت بالكاد في العاشرة من العمر ولكنه كان يفضلني على أولاد الحاموله:

يقول، تعال يا عدنان. وكان يقول “يا عدنان يا عظيم الشان” كان اسمي عدنان .

كان صوته حاد جدا، فكلما حصلت مشكلة في القرية وغضب كان أهالي قرية بيت عنان وهي بعيدة عن قريتنا على الأقل خمسة كيلو مترات هوائيا  يسمعون صوته فيقولوا: “في طوشه في بيت عور الفوقا”.

في خمسينات القرن العشرين جاءت إلى الأردن مؤسسة أمريكية اسمها “النقطة الرابعة” وكانت الضفة الغربية تحت الحكم الأردني.

كانت “النقطة الرابعة ” تعرض على الفلاحين :

·         إعمار الأرض بإقامة الجدران في المناطق الجبلية

·         اقتلاع الصخور من الأرض  إصلاح متوسط

·         دفع أجور العمال

·         وتشغيل صاحب الأرض في أرضه ودفع أجرة له.

جاء ممثل “النقطة الرابعة” إلى القرية كغيرها وعرض على الأهالي مشروعه “الكريم جداً”.

اختلفت الناس على العرض.

مختار القرية عثمان عبد الحميد سماره كان متعلما، ولديه شهادة من تركيا بخط جميل في لوحة عرضها نصف متر وطولها مترً معلقة في صدر عليته الواسعة، وكان واسع الحال.

عبد الباقي كان ضيق الحال ولكن هذا لم يؤثر في روحه ومعنويته وحضوره في القرية والقرى المجاورة. بل كان في ايام الثورة في الثلاثينات هو مرجع قائد المنطقة عزيز شقير من بلدة بيتونيا حول القرار بمن هو عميل للإنجليز أم لا ونوعية القصاص.

في نقاش اهل القرية للعرض الأمريكي وافق المختار.

عبد الباقي رفض بقوة وقال:

قال: يا عثمان، يا عثمان، معقول ييجي حدا يقدم لك كل هذه الأمور لوجه الله. لا لا هذي فيها ملعوب.

بالحس الوطني الفطري، وبالاقتناع بما هو متوفر، اصر عبد الباقي على موقفه وأقنع أهل القرية برفض العرض الأمريكي.

قرية بيت عور الفوقا ترفض عرض الولايات المتحدة الأمريكية! اليس هذا عجيباً.

إحدى القرى المجاورة قبلت العرض وتم تجدير أرضٍ كثيرة فيها بجدران لا تزال حتى الآن قوية وثابتة وحتى جميلة.

مضت الأيام، وقامت السلطات الأردنية في منتصف الستينات بمسح أراضي الضفة الغربية ولم تتوقف المساحة إلا بحصول احتلال الضفة الغربية.

وحينما وصلت المساحة إلى القرية المجاورة رفضت مسح كل الأراضي التي أصلحتها النقطة الرابعة وتسجيلها باسماء اصحابها، وبقي الأمر معلَّقاً!!! حينها تذكر الجميع عبد الباقي الذي كان قد انتقل إلى رحمة الله.

لولاهم بقصقصوا في هالأرضات:

لم يكن الشعب راضٍ ابدا عن حكم النظام الأردني، وهذا ينطبق على الشعب بجناحيه الأردني والفلسطيني، كان الفقر والقمع والارتباط بالاستعمار وسحق الحركة الوطنية الأردنية…الخ.

كان أخي محمود، وهو اليوم 91عاما، مختار القرية حين جرى احتلال الضفة الغربية 1967، وكان قد شهد اعتقال اخي فريد الآن 92 عاما مع الضباط الأحرار في فترة  حكم النظام الأردني واعتقالي عدة مرات وجرحي في المظاهرات 21 نيسان 1963 لضم الأردن إلى الوحده الثلاثية. ولاحقاً في فترة الاحتلال  اعتقلنا بالتابع  انا وأمي واخي محمود وعبد الكريم والمرحوم عمر وهُدم بيت أبي الذي كنت اعيش فيه وبيت اخي محمود.

كان بيتنا الأول في وسط القرية يقابله مقر قيادة الحرس الوطني. كان قائد الكتيبة يقول للجنود: “والله هالعيله ودها حرب”. طبعاً كنت قد جندت 35 ضابط وجندي أردنيين وفلسطينيين معاً للجناح العسكري لحركة القوميين العرب، ولأن السرايا موزعة على حدود المحتل 1948 كان الرفاق يرصدون تحركات جيش الاحتلال لتعرف مجموعات “ابطال العودة” من اين تدخل.

 سألت اخي محمود قبل ربما عشر سنوات:

شو رايك مين افضل النظام الأردني أم الكيان الصهيوني؟

قال: والله لولاهم بيقصقصوا في هالأرضات!

قلت، لكن حبسوك وهدموا البيت؟

قال: هههه البيت بيروح وبيجي غيره الأرض إن راحت ما بتيجي. 

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.