باكستان: انقلاب أمريكي سعودي، الطاهر المعز​​

تولى رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان منصبه سنة 2018، وفاز حزبُهُ (الحركة الباكستانية من أجل العدالة) بالإنتخابات، على خلفية أزمة اقتصادية حادّة رافقها انهيار احتياطي العملة الأجنبية، وانخفاض قيمة العملة المَحَلِّيّة (رُوبِيّة)، وارتفاع نسبة عجز الموازنة إلى 10%، ولاقت الدّولة صعوبات في سداد الديون وتسديد قيمة الواردات، وأطيح بعمران خان وحكومته، يوم العاشر من نيسان/ابريل 2022، بدعم من الولايات المتحدة والسعودية، ليُسَدِّدَ بذلك ثمناً باهظاً لدفاعه عن استقلال بلاده إزاء الولايات المتحدة، وتمت الإطاحة به، بعد عدة أسابيع من الأزمة والتوتر السياسي، بموجب اقتراح لوم صوتت عليه الجمعية الوطنية، ووافق عليه 174 نائبا من أصل 342 نائبا، وأصبَحَ بذلك أول رئيس حكومة في باكستان يتم عزلُهُ بحجب الثقة، منذ استقلال البلاد سنة 1947، في دولة لم يتمكن بها أي رئيس وزراء من إنهاء فترة ولايته.

أصبح شهباز شريف اليميني للغاية، وسليل إحدى أثرى أُسَر البلاد، وزعيم الرابطة الإسلامية الباكستانية (الإسلام النيوليبرالي)، بدعم من العائلة المالكة للسعودية، رئيسًا للوزراء، وهو الشقيق الأصغر لنواز شريف الذي تَوَلّى منصب رئاسة الحكومة ثلاث مرات ، بين عامي 1990 و 1999 ثم تولى رئاسة الوزراء مرة أخرى بعد انتخابات 2013، لكن المحكمة العليا فصلته سنة 2017 ، بتهمة التهرب الضريبي، بعد نشر تحقيق الصّحافة الإستقصائية الدولية المعروف باسم “أوراق بنما”، وصَدَر ضِدّهُ حُكْمٌ قضائي سنة 2018 بالسجن عشر سنوات، بتهمة الفساد، ثم بسبع سنوات في قضية أخرى مُماثلة، وفاز حزب عمران خان ( الحركة الباكستانية من أجل العدالة) بالانتخابات التشريعية سنة 2018، لذلك يمكن اعتبار عودة عائلة “شريف” للسُّلْطَة السياسية، مُكَمِّلَة لنُفُوذِها الإقتصادي، وانتقامًا أو ثأرًا، لأن شهباز شريف الذي أصبح رئيسًا للوزراء يوم الاثنين 12 أبريل 2022، بفضل دعم حزب الشعب (عائلة بوتو) والأحزاب الدينية المحافظة، سياسي مهم ورئيس سابق للحكومة المحلية لإقليم البنجاب، ونجله حمزة شهباز شريف نائب بالبرلمان إلى جانب أفراد آخرين من هذه العائلة الثرية، ذات النفوذ الإقتصادي الكبير، إذْ تمتلك العائلة مجموعة “إتفاق”، منذ أَجْيال، وتقدر قيمتها بأربعة مليارات دولار، وتضم هذه المجموعة أكبر مصنع فولاذ خاص في البلاد، وأربعة مصانع للنسيج وثمانية مصانع سكر، وتورّط عددٌ من أفراد الأُسْرَة في فضيحة “أوراق بنما”، وتم اتهامُهُم بتهريب الأموال وبإخفاء أصول من خلال شركات “أُوف شُور” وهمية خارج باكستان.

كانت باكستان حليفا مميزا للولايات المتحدة، خلال التدخل السوفياتي في أفغانستان، بدعوة من حكومتها (1980 – 1989)، قبل أن تَطْعَنَ المخابرات الأمريكية حكومة باكستان، وتنَفِّذَ بها عمليات اغتيال، تسببت ببعض الإحراج لحكومة وجيش ومخابرات باكستان.

فرضت الولايات المتحدة عقوبات على حكومة عمران خان، بسبب العلاقات الطيبة مع أفغانستان، التي تحكمها حركة طالبان، بعد فشل الإحتلال الأمريكي، وبسبب الشراكة المميزة مع الصين التي تستثمر في تطوير محطة تخزين النفط بميناء غوادر، وتُقدَّرُ قيمة المشروع بحوالي الخمسين مليار دولار، وبسبب رفض إقامة قواعد أمريكية قرب الحدود الباكستانية مع أفغانستان والصين. أما السعودية ودُوَيْلات الخليج، فتتهم حكومة عمران خان برفض المشاركة في العدوان على شعب اليمن، وعدم السماح للولايات المتحدة والسعودية (ومن ورائهما الكيان الصهيوني) باستخدام الأراضي الباكستانية لمهاجمة إيران، انطلاقًا من منطقة “بلوشستان” الحدودية، وكذلك رفض حكومة باكستان الانضمام إلى “ميثاق أبراهام” الذي يربط ممالك النفط في الخليج بالكيان الصهيوني…

وجّهت الولايات المتحدة، سنة 2017، إِبّانَ فترة رئاسة “دونالد ترامب” تهديدات مُبَطّنة من خلال الإدّعاء أن باكستان تُؤْوِي الإرهابيين والمُجْرِمين، وتلا ذلك إعلان الولايات المتحدة وَقْفَ التعاون العسكري مع باكستان التي طَوّرت تعاونها مع الصّين، وخفضت من درجة التّعاون مع الولايات المتحدة والسعودية، خاصة بعد الدّعم السعودي للخُصُوم السّياسِيِّين لرئيس الوزراء الباكستاني “عمران خان”، كما دعمت السعودية والولايات المتحدة السياسي الماليزي اللِّص والفاسد “نجيب رزّاق” في مواجهة “مهاتير محمد”، الحليف التّكتيكي لعمران خان في المنطقة، ولم تَكُفَّ السعودية والولايات المتحدة عن محاولات زعزعة استقرار باكستان ومحاولات تغيير توجهاته وسياساته إزاء الجيران (إيران وأفغانستان والصّين) ورفضت حكومة باكستان استخدام أراضيها (إقليم بلوشستان الحدودي، بين إيران وأفغانستان وباكستان) من قِبَل السعودية والولايات المتحدة كقاعدة خلفية للإرهابيين وكنقطة انطلاق لأعمال عدائية ضد إيران.

أما “القَشَّة التي قَصَمت ظَهْرَ البَعِير” فكانت تحسين علاقات باكستان مع روسيا، ومُشاركة باكستان الإستراتيجية في المشروع الصّيني “طريق الحرير الجديد”، أو “الحزام والطّريق”، حيث أنشأت الصّين مَمَرًّا اقتصاديًّا بين الصين وباكستان بطول 3200 كيلومتر، لربط منطقة شينجيانغ الصينية بميناء غوادر، ورَبْط الصين بجنوب وغرب آسيا، مع اختصار الطريق التّجارية الإعتيادية بنحو ألف كيلومتر، دون الإضطرار إلى عبور مضيق “مَلَقَا” الذي تُريد الولايات المتحدة إغلاقه وقطع إمدادات السلع عن الصين، في حال تطور الصراع بين الصين وأمريكا.

خصّصت الصين ميزانية هائلة لمشروع الحزام والطّريق، الذي يُتوقّع أن يربط الصين بحوالي سبعين دولة، يُشكل اقتصادها نحو 40% من الناتج الإجمالي العالمي، وتضم هذه البلدان قرابة خمسة مليارات نسمة، وذلك لإحباط مشروع باراك أوباما وهيلاري كلينتون مُحاصَرة الصّين بالأسطول البحري الأمريكي الضّخم، بالتّعاون مع حلف شمال الأطلسي، وبالأخص مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وبريطانيا…

لذا تتجاوز عملية الإطاحة بعمران خان وحُكُومته، إطار باكستان، وتندرج ضمن استراتيجية أمريكية للهيمنة، أو لإعادة الهيمنة، على آسيا، في إطار مُحاصَرة الصّين، وفي إطار الإعتراض على تحسين العلاقات مع روسيا، وضمن مُخطط إزاحة الخُصُوم والمُعارِضين للمُخَطّطات العدوانية الأمريكية…

خَلْفِية “الإنقلاب الدّستوري”:

تتميز باكستان بموقع استراتيجي، ولها حدودٌ بَحْرِيّةٌ، على ساحل بحر العرب وخليج عُمان ( انتَزَعت بريطانيا، منطقة وميناء غوادر من مُستعمرتها “عُمان”، وأصبح “غوادر” اليوم ميناءً هامًّا)، والمحيط الهندي، ويزيد طول السواحل البحرية الباكستانية عن ألف كيلومتر، ما جعل الصيد البحري (وفي الأنهار والبُحَيْرات) يلعب دورًا هامًّا في اقتصاد البلاد، كما تحدُّها الهند التي انفصلت عنها، بدعم من بريطانيا، سنة 1947، عندما استقلّت الهند عن بريطانيا، ولها حُدُود مع أفغانستان وإيران والصّين.

قُدِّر تعداد سكان باكستان، سنة 2020، بأكثر من 220 مليون نسمة، لكن لا يتجاوز حجم الناتج المحلي الإجمالي 294 مليار دولارا سنة 2021، ما يجعل الدّخل الفَرْدِي السّنوي لا يتجاوز 1336  دولارا، وقدّر البنك العالمي (تموز/يوليو 2019) أن ثُلُثَ السُّكّان (قرابة 74 مليون مواطن) يعيشون بأقل من دُولارَيْن في اليوم، وأن أكثر من 17 مليون يعيشون بأقل من دولارا واحد في اليوم، وقدّرت الحكومة عدد الباكستانيين العاملين بالخارج، سنة 2020، بنحو سبعة ملايين، حَوّلوا إلى ذويهم القاطنين بالبلاد نحو ثلاثين مليار دولارا، أو ما يعادل قرابة 12% من الناتج الإجمالي، كمُتوسّط سنوي.

توجد بالبلاد موارد مائية هامة تستغلها الدّولة في إنتاج الطاقة “الكهرومائية”، وبها غابات تنتج الأخشاب والمطّاط والأعشاب والنباتات الطّبِّيّة، وأراضي زراعية خصبة تنتج القمح والشعير والأرز والذّرّة والبُقُول والفواكه والخضْرَوات والقُطْن، إلى جانب مناطق قاحلة، وتزيد حصة الفلاحة عن 20% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب منظمة الأغذية والزراعة “فاو”، ويضم باطن الأراضي الباكستانية مَعَادِنَ وفحم ونفط وغاز، واحتياطيات هائلة من النحاس والكبريت والذهب والفضة والحديد وبعض المعادن الأخرى، وتتركز الصناعات على طول نهر “السِّنْد”، وفي بعض المراكز الحَضَرِيّة في مقاطعة البنجاب، وفي مدينة كراتشي، وتشمل المنسوجات والسّجّاد والجلد ولوازم الرياضة والكيماويات…

عانى اقتصاد البلاد من مشاكل هيكلية، سنتي 2017 و 2018، قبل انتخاب عمران خان، وتواصلت الأزْمة إثر الإنتخابات، فانخفضت قيمة العُملة المَحَلِّيّة (رُوبِيّة)، سنة 2019، بنسبة 30%، وارتفعت نسبة التّضَخُّم، وأصاب الرُّكُودُ الإقتصادَ الباكستانيَّ، قبل بداية المرحلة الثانية من الإتفاقية الصينية الباكستانية، بشأن المَمَر الإقتصادي، سنة 2020، ضمن البرنامج الصيني الضّخم “الحزام والطّريق”، بالتوازي مع فتح الأبواب للشركات العابرة للقارات التي أنشأت مصانع لتجميع وصناعة بعض المركبات الكهربائية والطبية الحيوية والكهرومغناطيسية والهواتف وأشباه الموصلات، وكانت حكومة عمران خان قد وقّعت سنة 2019، اتفاقية قَرْض بقيمة ستة مليارات دولارا مع صندوق النقد الدّولي، زادت من حجم الدّيُون الخارجية للبلاد إلى نحو 110 مليارات دولارا، بنهاية سنة 2020، وبلغت المدفوعات السنوية 14 مليار دولارا، فضلا عن الدّيون الدّاخلية من المَصارف المَحَلِّية المُقَدّرَة بنحو 150 مليار دولارا سنة 2020، ولم تحصل الحكومة على كامل مبلغ قرض صندوق النقد الدّولي، لأنها أحجمت عن تطبيق الشروط المُجْحِفَة، مثل إلغاء دعم السّلع الأساسية وزيادة إيرادات الدّولة من خلال زيادة الضرائب، ما ساهم في اتساع الهوة التي أصبحت تفصل النّظام الباكستاني عن الولايات المتحدة، وعن المُؤسّسات المالية الدّولية، مثل صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، وما ساهم في الإطاحة بعمران خان وحُكُومته، وتنصيب رئيس وُزراء ثَرِي وعميل للولايات المتحدة، وصديق للسعودية، قد لا يكون قادرًا على رَفْع التّحدّيات ومُعالَجَةِ مُؤشِّرات الإقتصاد، وتحسين مستوى عَيْش وصِحّة المواطنين وخفض حجم البطالة والفقر، قبل الإنتخابات القادمة المُقَرَّرَة سنة 2023…

أشرفت الولايات المتحدة على تنظيم أول انقلاب عسكري بالبلاد، سنة 1958 بقيادة الجنرال “أيُّوب خان” (1907 – 1974) الذي نَقَل العاصمة من مدينة “كراتشي” إلى “إسْلام أباد”، ضمن “برنامج إصلاحات اقتصادية”، كما دخل في خصومة بين الجيش ومجموعات الإسلام السياسي، وبعد سبع سنوات من الحكم العسكري، أعلن الجنرال أيوب عن تنظيم انتخابات، فاز بها، سنة 1965، أمام “فاطمة جناح” (1893 – 1967)، أخت “محمد علي جناح” (1876 – 1948)، عميل بريطانيا ومُهندس الإنفصال عن الهند بمَعِيّة “أبو الأعلى المَوْدُودِي” (1903 – 1979)، أحد أقطاب التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، مؤَسِّس نظرِيّة “الحاكِمِيّة” التي تبنّاها ودافع عنها “سيد قطب” (مصر 1906 – 1966)، وفاز الجنرال أيوب بانتخابات 1965، بفضل تَزْيِيف النتائج، ونجح في خلق “تحالف وَطَنِي” مع خُصُومه ومُنافِسِيه، خلال الحرب الثانية بين الهند وباكستان، سنة 1965، وكان “ذو الفقار علي بُوتُو” ( 1928- 1979 ) وزيرًا للخارجية في حكومة “أيوب خان”، قبل أن يترك الحكومة ويُؤَسِّسَ سنة 1967 “حزب الشعب الباكستاني”، بعد أن شعر بوتو بارتفاع منسوب الإستياء الشَّعْبِي ضد الجنرال أيوب خان الذي اضطر إلى الإستقالة سنة 1969، مع بقاء الحكم حكْرًا على الجيش، حيث خَلَفَهُ قائد الأركان “آغا محمد يحي خان” (1917 – 1980)، وبقيت باكستان “محمية أمريكية”، فيما تطورت علاقات الهند (العدو التاريخي لباكستان) مع الإتحاد السوفييتي…

أعلن رئيس وزراء الباكستاني عمران خان، أواخر شهر آذار/مارس 2022، أنّه تلقّى رسالة تهديد من الولايات المتحدة، تتوعّدُهُ بإسقاط حكومته، بسبب رفضه  إقامة قواعد عسكرية لها في باكستان، في منطقة استراتيجية قريبة من الصّين، ورفضه الإعتداء على إيران، انطلاقًا من حدود باكستان معها، وأكّد يوم العاشر من نيسان/ابريل 2022، غداة الإطاحة به، إن البلاد “تتعرّض لمؤامرةٍ أجنبيةٍ تهدف إلى تغيير النظام”، وأعلن أنه يعتزم “النضال من أجل الحرية، وضدَّ المؤامرة الأجنبية”، وأشاد بالمظاهرات المُؤَيِّدَة له والمُندِّدَة ب”الإنقلاب” في المُدُن الكُبرى للبلاد. أما الولايات المتحدة فقد هنّأت، يوم الأربعاء 13 نيسان/ابريل 2022، رئيس الوزراء الجديد “شهباز شريف”، وأعلن بيان وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” أن الولايات المتحدة “تتطلع لمواصلة التعاون القديم مع الحكومة الباكستانية”، لأننا نرى “إن باكستان قوية ومزدهرة وديمقراطية أمر ضروري لمصلحة بَلَدَيْنا”، وتتوقّع وسائل الإعلام الأمريكية أن تُعيد الحكومة الحالية، برئاسة شهباز شريف (أخ نواز شريف) النظر في التحالفات الخارجية لحكومة باكستان التي ابتعدت عن الولايات المتحدة، خلال فترة حُكْم “عمران خان”، وقطعت خطوات للتقارب مع روسيا والصّين، ما يُشكّل جريمة لا تُغْتَفَر في نَظَر مؤسسات الحكم الأمريكية، كالحكومة ومجلس النواب ووكالة الإستخبارات المركزية “سي آي إيه”.

وجب التّذكير بالأصول الطّبقية لشهباز شريف، فهو من أُسْرَة ثرية وذات نُفُود اقتصادي وسياسي كبير، وكان شقيقه الأكبر “نواز شريف”، قد تَولّى منصب رئيس الوزراء ثلاث مرّات، وأطاحت به فضائح الفساد وتهريب الأموال نحو الملاذات الضريبة، فضلاً عن تواطُئِه مع القوى الإمبريالية (الولايات المتحدة وبريطانيا) والأُسْرة المالكة للسعودية…

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.