الاستحقاقات التاريخية أمام روسيا لا تقبل رمادية اللون، كفى الزعبي

يُجمع كثير من جنرالات الجيش الروسي، والمحللين العسكريين الروس أنه كان ولا يزال بوسع روسيا حسم هذه الحرب بأيام معدودة. وفي هذا السياق يستحضرون تجارب الغرب والناتو:  العراق  وصربيا التي قصفها حلف الناتو على نحو متواصل لمدة شهر، دمرها وقسّم  يوغسلافيا بمحصلتها نهائيا،  وحصد بالتالي الآف الأرواح.  لكن روسيا لا تقدم على خطوة كهذه لأنها تدرك أن أعداد الضحايا في قصف كهذا لن تعد بعشرات الآف بل بمئاتها.

هذا أمر لا يختلف عليها المحللون والخبراء مؤكدين أن روسيا ليست الغرب ولا تسعى لنصر ساحق لاإنساني. وإن الحفاظ على الوجه الإنساني هو مسألة مبدئية في هذا الصراع  من أجل بناء العالم الجديد الذي تطرحه روسيا :
عالم قائم على مبادئ وقيم إنسانية تناقض القيم والمبادئ الليبرالية الغربية التي لا تقيم اعتبارا للإنسان مقابل مصالحها الرأسمالية المتوحشة.

هذا سبب مهم أطال من أمد هذه الحرب ، لكنه ليس السبب الوحيد.

فمن جانب آخر جاءت هذه الحرب كاستحقاق تاريخي وُضع أمام روسيا: إما أن تخوضها وتكرّس استقلالها وتطرح مشروعها النقيض للمشروع الغربي وإما أن تنتهي كدولة وتصبح لقمة سائغة في فم الغرب.

لقد قامت روسيا بخيارها وذهبت للحرب، معبرة عن مصالحها كدولة ذات إرث وتاريخ ومصالح قومية ، بصوت  رئيسها ، الذي يجسد بالمعنى التاريخي :ضرورة و​​حتمية لبقائها .

غير إن هذا الاستحقاق التاريخي الذي يواجه روسيا الآن ويضعها في هذا الصراع العنيف مع الغرب ، لا يحدث على المستوى الخارجي وحسب، بل إنه يشتعل في الداخل وعلى نحو لا يقل أهمية عما هو في الخارج.

في هذا السياق ، بدأ ما كان على الدوام محسوسا خلال العشرين عاما من سلطة بوتين،  يطفو على السطح بوضوح، وما بات الآن يسمى في النقاشات السياسية علنا بالصراع بين الحمائم والصقور . وفي الجوهر  هو صراع بين نهجين متناقضين سيتوجب على روسيا أن تحسم أمرها وتختار أحدهما: النهج الليبرالي أو النهج المسمى بالوطني. إنه الاستحقاق التاريخي الآخر الذي سيحدد انتصار  أو هزيمة روسيا.

وكان  بوتين قد تحدّث  في إحدى خطبه قبل حوالي اسبوعين عما سمّاه بالطابور الخامس،  تلك الفئة من النخب الثقافية والاقتصادية المرتبطة روحيا  – كما قال – بالغرب وموالية له . كثير من هذه النخب كانت قد سارعت للهجرة ما إن بدأت العملية العسكرية الخاصة. لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن بمن هاجر بل بمن بقي ولا يزال مؤثرا في المشهد السياسي والاقتصادي ويقوم بدور الحمائم أو بقوى شد عكسي تعمل بالمحصلة ضد مصالح روسيا. في هذا الشأن يقول عالم الاقتصاد الروسي البرفيسور فالنتين كاتوسونف إن السياسة الروسية بيد بوتين أما الاقتصاد فلا يزال بيد الطغمة الليبرالية، التي تعمل لخدمة مصالحها وبالتالي مصالح الغرب.

بيد إن هذه القوى حاضرة  في مجال السياسة  أيضا، ويسمع الشارع الروسي تصريحاتها يوميا.  كأن يقول بيسكوف – الناطق الإعلامي باسم الرئاسة الروسية وأحد ممثلي هذه القوى –  إن غاية هذه العملية العسكرية ستنحصر في شرق أوكراينيا ثم تحل الأزمة بالتفاوض ( أي التفاوض مع السلطة الاوكراينية الحالية التي تمثل القوى النيونازية وتعدّ لعبة بيد الغرب) .

“ما جدوى هذه الحرب إذن ؟ ولماذا ذهبنا إليها إذا كان هذا النظام النازي المعادي لروسيا والدمية بيد الغرب سيظل قائما ، وسيُدخل عاجلا أم أجلا اوكراينا في الناتو فتبدأ القصة من جديد؟”   تدوي الأسئلة في الشارع الروسي وهو يضع بيسكوف في خانة قوى الشد العكسي التي  تضاف إليها يوميا أسماء جديدة . أسماء سيتوجب على روسيا التخلص منها.  قبل بيسكوف لمع نجم ميدينسكي – قائد المفاوضات مع الطرف الأوكرايني –  في سماء الليبرالية
الروسية التي تسعى لحرف مسار هذه العملية العسكرية، وتفريغها من محتواها الجوهري التاريخي.

هذا الصراع بين الحمائم والصقور يشكّل سببا آخر ينعكس على العملية العسكرية ويطيل من أمدها أيضا.

لكن لماذا يبقي بوتين كل هذا الطابور الخامس في السلطة ؟

إنه سؤال مشروع والإجابة عليه أعقد بكثير مما قد يظهر للعيان.  أما الأمر المؤكد فهو أن بوتين الذي  ورث دولة منهارة تماما – والأدق: في الحضيض – استطاع  وعلى مدار عشرين عاما أن ينهض بروسيا. فعل ذلك بخطوات ليست سهلة عبر حلول وسطية كان يتخذها في الداخل كمن يسير على حد السيف ، موازانا بين مصالح جميع القوى  الليبرالية منها والوطنية. بالمحصلة  وصل بوتين بروسيا إلى هذه اللحظة: لحظة مواجهة الاستحقاقات التاريخية التي لا تحتمل رمادية اللون. وهذا أمر يحسب له تاريخيا كلاعب شطرنج محترف ينظر إلى البعيد ويضع خططا استراتيجية قد يغض أثناء تحقيقها الطرف عن قوى الطابور
الخامس. القوى التي – ربما يعتقد بوتين – أن التاريخ سيغربلها بهدوء، من دون فتح جبهات معها في الداخل، لاسيما وأن الصراع على الساحة الدولية ليس سهلا.

إن بوتين كشخصية تجسد ضرورة تاريخية لبقاء وانتصار روسيا ، لا كدولة وحسب، بل كمشروع عالمي بديل لليبرالية ، يعدّ ضمانة أولى لهذا الانتصار.


اما الضمانة الثانية التي لا تقل أهمية عنه، فهو الشعب الروسي ذاته، الذي حسم خياراته أيضا وبات يعبّر عن ذاته براديكالية تطمح لتغييرات جوهرية في الداخل قبل الخارج. لن يسمح هذا الشعب بعودة التاريخ للوراء. لن يسمح بتحطيم روسيا ثانية  على أيدي ليبراليين غربيين، كما حدث في التسعينيات. يوميا تدوي فيه الأصوات من مختلف المواقع،  من الجيش إلى النخب الثقافية الوطنية إلى الاحزاب الوطنية الاشتراكية، إلى الإنسان العادي البسيط :إذا حادت السلطة عن مسار المصالح القومية للدولة الروسية فسيكون ذلك
بمثابة انتحار لها . لها وليس لروسيا.

هذه الصيرورة التاريخية التي تحياها روسيا الآن  والتي ستمنحها وجها المستقبلي الجديد، تفرض عليها – أي على روسيا –  مواجهة استحقاق ثالث مصيري، يجرى الحديث عنه منذ سنوات بهدوء  لكنه نضج الآن وبات من الأسئلة الملحة التي لا تقبل التأجيل: السؤال حول أيدولوجية الدولة! إذ يدرك الروس جيدا أن لا انتصارا حقيقيا لروسيا من دون أن تصوغ فكرتها ومشروعها الفكري والاقتصادي. ” فكيف يمكننا مواجهة الغرب والانتصار عليه ونحن لا نزال تسير على السكة ذاتها التي يسير عليها الغرب؟ بل ونسير خلفه؟  في هذه الحالة لن نسبقه أبدا  – يقول الكثيرون ويؤكدون : – أن الوقت قد  حان لأن نخرج عن هذه السكة ونسير على دربنا الخاص بفكرتنا الخاصة “.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.