للذين ما زالوا يأملون في المصالحة: دولة فتح تَحتضِن ولا تُصالح، شحادة موسى

أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إثر استقباله محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، بتاريخ 6 كانون الأول/ ديسمبر 2021، اعتزام الجزائر استضافة مؤتمر جامع للفصائل الفلسطينية.

ومع هذا الإعلان عاد الحديث في الساحة الفلسطينية عن المصالحة وإنهاء الانقسام. وعبَّر عدد من الكتّاب والشخصيات الوطنية عن التخوّف من فشل المسعى الجزائري بالنظر للمكانة المعنوية العالية التي يحملها الفلسطينيون للجزائر؛ ولأن الجزائر تميَّزت بموقف ثابت ودعم غير محدود للفلسطينيين وقضيتهم، وليس من مصلحتهم اهتزاز هذا الموقف.

وقد تركت دعوة الجزائر تساؤلًا لا يزال من دون إجابة: هل كانت الدعوة مبادرة من الرئيس الجزائري أم استجابة لطلب من محمود عباس؛ وإن كان اغتباط السلطة الفلسطينية بالدعوة ملحوظًا وذا دلالة.

وفي 18 كانون الثاني/ يناير 2022 توافدت الى الجزائر وفود تمثل ستة فصائل رئيسة، قدَّمت كلٌ منها رؤيتها للمصالحة. وسرَتْ أقاويل عن تعثُّر حوار الفصائل. وبعد شهر من ذلك، أعلن محمد اشتية رئيس وزراء السلطة في 21 شباط/ فبراير استئناف الحوار في الجزائر بعد الاتفاق مع الرئيس محمود عباس، وأعرب عن أمله في أن تثمر هذه الجهود بطي صفحة الانقسام وإنجاز الوحدة الوطنية.

ومرة أُخرى لم تكن الفصائل متفائلة بالنتائج. وقد أشارت الى ذلك جريدة الأخبار اللبنانية وذكرت في 24 شباط/ فبراير أنّ الفصائل تخشى أن يكون تجديد الدعوة بتحريك من السلطة بهدف إضفاء الشرعية على القرارات الأخيرة للمجلس المركزي لمنظمة التحرير. فقد كانت حركة فتح أصرَّت على عقد المجلس (6 – 7 شباط/ فبراير) بالرغم من مقاطعة فصائل رئيسة، ومناشدةِ شخصياتٍ وطنية لإرجاء عقده؛ وأصدر المجلس قرارات من شأنها تعزيز سيطرة فتح على منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، بشخصيات معروفة بتمسكها بخيارات أوسلو.

وفي اليوم التالي لانتهاء أعمال المجلس (8 شباط/ فبراير)، أصدر محمود عباس مرسومًا رئاسيًا يقضي بجعل منظمة التحرير ومؤسساتها دائرة تابعة للدولة، أي إحدى دوائر السلطة. وأحدث المرسوم ردود فعل فورية تستنكره وتطالب بإلغائه؛ ومن بين هؤلاء إبراهيم أبراش، وهو من المتخوفين من فشل مسعى الجزائر للمصالحة، الذي قال إنَّ المرسوم يعبِّرُ عن توجُّهات جادة عند القيادة بطي صفحة منظمة التحرير وإلحاقها بالدولة/ السلطة (رأي اليوم، 28 فبراير 2022).

وبعد شهر من تصريح اشتية عن استئناف الحوار، أكَّدَ ابو أحمد فؤاد، نائب الأمين العام للجبهة الشعبية، أنَّ الجزائر ستستضيف في المدة 22 – 24 آذار/ مارس لقاءات لاستكمال فرص الحوار بشأن المصالحة.

لا شك في أن مشاعر القلق والتخوف من فشل حوار الجزائر يرجع بالدرجة الأولى الى الشعور بالمرارة مما آلت اليه تجربة الحوارات السابقة، واحتمال أن لا يخرج مصير المسعى الجزائري عمّا سبقه من مساع، وأن نشهد من جديد تبادل الاتهامات في تحمُّل مسؤولية الفشل.

لقد آن الأوان كي يدركَ الذين يأملون في المصالحة أنَّ الفشل محتَّمٌ ما دامت العملية تَغْفَلُ عن الحقيقة الحاكمة وهي أنَّ الدولة، وهي هنا دولة “فتح”، لا تَجري عليها قواعد التصالح؛ فالدولة يمكن أن تحتضن أبناءَها وترعاهم، وأن تعاقبهم وتعفو عنهم، ولكنها لا تتصالح معهم. وخلافات الأحزاب والهيئات مع السلطة لا تُحلُّ بآليات المصالحة وإنما في إطار استجابة السلطة لمطالب المعارضة.

وهكذا، فالحقيقة الغائبة التي يتغافلون عنها هي دولة فتح التي تُمسك بالقرار الفلسطيني منذ أن تسلَّمت الحركة زمام منظمة التحرير. وقد كانت هذه “الدولة” في حالة الكمون والتصوُّر منذ التأسيس، ومورست عمليًا على مدى سنوات المقاومة، ثم وصلت الى حالة التحقُّق والواقعية باتفاق أوسلو وسلطته في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد عبَّر هذا المسار عن نفسه في البداية في مجلة “فلسطيننا” (بيروت، 1959 – 1964) بتعبيرات واضحة عن الهدف في إقامة كيان فلسطيني في الأراضي التي سَلمتْ من الاحتلال الصهيوني في العام 1948، وهي: الضفة الغربية التي ضُمَّت الى الأردن بصفة رسمية في العام 1950 (كانت السلطات الأردنية قد منحت الجنسية الأردنية للسكان العرب في الضفة الغربية في ديسمبر 1949)، وقطاع غزة الذي خضع لحكم الإدارة المصرية، ومنطقة الحِمَّة التي خضعت لسيطرة سورية، وذكرها ياسر عرفات باسم مثلث كعوش سنة 1993 وهو يحدِّد الأراضي التي تشملها حدود الرابع من حزيران/ يونيو، 1967 (فضل كعوش، حركة فتح، مفوضية العلاقات الوطنية، أيار/ مايو 2012).

وهناك شواهد كثيرة على أن الأفق السياسي لحركة فتح ينتهي عند كيان/ دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة. من ذلك، ما ذكره “أريك رولو” الصحافي والدبلوماسي الفرنسي المعروف، في مقابلة على فضائية روسيا اليوم بتاريخ 18/ 3/ 2012 ، من أنَّ الأخضر الإبراهيمي الذي كان سفيرًا للجزائر في مصر، دعاه الى عشاء في منزله في القاهرة سنة 1969، وكان هناك قادة فتح كلهم، وسمع من عرفات أنهم ليسوا ضد وجود إسرائيل غير صهيونية. وفي تونس سنة 1985 ، وكان رولو سفيرًا لفرنسا هناك، قال له قادة فتح إنهم مستعدون لأي شيء مقابل اعطاؤهم دولة في الضفة والقطاع.

وجاء التصريح الأكثر وضوحًا على رؤية فتح وتطلُّعِها الى الدولة على لسان “هاني الحسن”، أحد قادة فتح القريبين من ياسر عرفات. بعد مضي عام واحد على قرار المجلس الوطني الاعتراف “بإسرائيل” (الدورة 19، الجزائر، 12 – 15/11/ 1988)، ألقى الحسن بتاريخ 12/12/1989 أمام “الراديكاسوسيتي” في لندن، المحاضرة الشهيرة التي جاء فيها:

“إنني من موقعي في مركز صنع السياسة الفلسطينية، أستطيع أن أقول لكم بدون خوف من الوقوع في تناقض، بأن هؤلاء الذين كانوا يكوِّنون قادة التيار الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية، كانوا مشغولين في الجزء الأكبر من العشرين سنة الماضية، في صراع حياة أو موت لتحضير الأرضية من جانبنا للوصول الى حل وسط مع إسرائيل. إنّ الحقيقة التاريخية الموضوعية هي إنه منذ عام 1968، أُكرر 1968، بدأ ياسر عرفات وأُولئك الذين كانوا زملاءَه الأساسيين في فتح يستجيبون للواقعية، أي الحاجة الى حل سياسي إنساني نزاعنا مع إسرائيل”. (جريدة الخليج، 3 فبراير، 1990).

هكذا إذن، منذ السنوات الأولى لظهور فتح كان همُّها أنْ تصل على دماء أبناء شعبنا لجعله يسلِّم بوجود “إسرائيل” والتعايش معها. وفي هذا توضيح للتساؤلات التي كانت تُثار عن مسالك فتح وتصرفات قياداتها.

في زمن المقاومة، في عمّان وبيروت، كان كثير من الفلسطينيين واصدقائهم في الساحتين العربية والدولية ينتقدون المظاهر المادية لدى فتح ومنظمة التحرير التي تسيطر عليها؛ وهي مظاهر غير مألوفة في الثورات وحركات التحرر الوطني. ولم يتردد هؤلاء بالقول إنَّ ما يرونه ليس ثورة، والمظاهر مظاهر دولة. من تلك المظاهر على سبيل المثال، كثرة السيارات لاستخدام المسؤولين، ووفرة المال، والبذخ في أوجه صرفه، والمسؤولون المشبوهون في وطنيتهم وأخلاقهم، وغير ذلك.

وقد تبيَّن أنَّ تلك الظاهرة كانت مسلكًا طبيعيًا لحركة تحشد جنودًا ومناصرين، ولا تنظِّم ثوارًا ومناضلين. كانت الحركة تؤسِّس الجيش الذي سيحمي الدولة عندما تقوم، والقاعدة الشعبية التي يقودها الأتباع المدفوعين بمصالحهم المادية. لقد أدركت فتح وعملت بالقاعدة الميكيافيليَّة في الحكم وهي أنَّ السلطان ينعقد لِمَن يملك السلاح والمال.

هكذا كانت “دولة” فتح في زمن المقاومة، وهكذا هي اليوم في سلطة أوسلو التي يُعاني أبناءُ شعبنا في ظلِّها من أعمال الاستئثار والاحتكار، والعطايا والمزايا، ومن أساليب القمع والبلطجة والابتزاز، والفساد بأنواعه. إنَّ سلطة أوسلو بمؤسساتها وأجهزتها هي دولة فتح وقد انتقلت من حالة التصوُّر الى حالة التحقُّق والواقع.

وحدَّدت فتح دعائم دولتها التي أنتجها اتفاق أوسلو، ومنها: مرحلة الثورة انتهت وبدأت مرحلة الدولة؛ فلسطين هي الضفة الغربية وقطاع غزة؛ تقوم الدولة على السلام ونبذ العنف والتعاون مع الشريك “الإسرائيلي”، والخلافات معه تُحلُّ بالتفاوض، ومواجهة اعتداءاته من مسؤوليات المجتمع الدولي.

وجرى تطبيق تلك الأسس بإجراءات منها: إنهاء منظمة التحرير بدءًا بتعديل ميثاقها وحذف كل ما له صلة بالكفاح ومعاداة “إسرائيل”، وانتهاءً بجعلها دائرة من دوائر السلطة؛ وإنهاء المقاومة باحتكار السلطة للسلاح، وحظر أعمال العنف؛ والالتزام بالتنسيق الأمني مع السلطات “الإسرائيلية”.

ومنذ ذلك اليوم لم تترك فتح مناسبة إلَّا وأكَّدت أنَّ اتفاق أوسلو إنجازٌ تاريخي، وأنَّ دولتها تتجسد في سلطة أوسلو، وستعمل على تثبيتها وحمايتها من أي تهديد يأتي من أفراد أو فصائل. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة الى بعض ما جاء على لسان محمود عباس رئيس فتح والسلطة، مثل: كل رصاصة تُوجَّهُ ضد إسرائيل هي رصاصة موجهة ضد الفلسطينيين أيضا (ذُكرت بعيد الانتفاضة الثانية، 2005)؛ أنا على استعداد لتشكيل حكومة وحدة وطنية فور موافقة حماس على قرارات الشرعية الدولية؛ نؤكد التزامنا بقرارات الشرعية الدولية ورفض العنف والإرهاب. (ذُكرت في اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح، واجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير، 2022).

بهذه الوضعية تُقيم فتح علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية؛ فتدعوها وأحيانًا تسترضيها وتقدم لها الإغراءات لجرِّها الى مستنقع أوسلو. وفي المقابل تُحاول الفصائل بالإقناع وأحيانًا بالملاطفة (وليس بالمواجهة) دفع فتح الى التخلِّي عن أوسلو وسياساته.

وبالوضعية ذاتها تتعامل فتح مع مساعي المصالحة؛ فترحِّب بها وتزعم أنَّ أوسلو انتهى وأن “إسرائيل” لم تلتزم به، في الوقت الذي تُضمِر أنَّ دولة أوسلو قائمة ويمكن أنْ تحتضن أبناءَها.

 والفصائل، الوجهُ الآخر لمهزلة المصالحة، كذلك ترحِّب بهذه المساعي وتؤكد أهمية الوحدة الوطنية وضرورتها، وهي تُبطِن أنَّ شرط “الدولة” للمصالحة لا يزال قائمًا.

ولذلك بقي هذا كله محض كلام يُردِّده أطراف الخلاف لسنوات طويلة، أدرك شعبنا خلالها العبث وعدم الجِدِّيِّة التي يتعاملون بها مع قضية من أخطر القضايا التي تمسُّ شعبَنا في وحدته وهويَّته ومصيره. ومن جرَّاء ذلك أُصيبت قطاعات من شعبنا بالإحباط وعدم الثقة بما يقولون. فقد أصبحنا أمام مشهد من الكوميديا السوداء؛ وقائع تؤلم ولكن تدفع الى الضحك. تقول فتح في يوم إنَّ أوسلو إنجازٌ وضرورة، وفي يوم آخر تقول إنه مات وانتهى. والفصائل من جهتها تقول في يوم إنَّ أوسلو خيانة، وتنتقد فتح ومحمود عباس وتفرُّدَه بالقرار، وفي اليوم التالي تخاطب عباس بعبارات التوقير والاحترام، وتناشد “الأخ الرئيس” باتخاذ ما يلزم من أجل تحقيق المصالحة.

ولقد جاء تعبير صادق وجارح عن هذه الحالة من عبد الباري عطوان، في تعليقه على ذهاب محمود عباس الى منزل وزير الحرب “الإسرائيلي” في 28/ 11/ 2021 متجاوزًا قرارات مجلسَيْ منظمة التحرير، الوطني والمركزي، وقيادات الفصائل، بوقف التعاون مع سلطات الاحتلال؛ كتب  عبد الباري: إننا نُحمِّلُ مسؤولية هذا الاختراق الخطير الى الفصائل وقادتها لأنهم مع كل ذلك سيهرعون الى القاهرة للإقامة في فنادقها الفاخرة لبضعة أيام للحوار مع السلطة ومسؤوليها تحت عنوان المصالحة وإنهاء الانقسام، والرضوخ لكل إملاءات الرئيس عباس (رأي اليوم، 29/ 12/ 2021).

وبهذا، يمكن وصف الوضع الفلسطيني المتأزِّم بأنه ناجم عن اتفاق أوسلو وتبعاته. فلقد كان أوسلو استسلامٌ فلسطينيٌ رسميٌ بقيادة فتح للعدوِّ الصهيوني، والتحوُّل الى خدمة العدوِّ وحماية أمنه، في مقابل سلطة وتسلٌّط على شعبنا في الضفة والقطاع. وأحدث ذلك تراجعًا عامًا في الحركة الوطنية الفلسطينية وجمهورها؛ غير أنَّ  معارضةً تنظيمية وشعبية لهذا الاتفاق نهضتْ فور الإعلان عنه؛ إلَّا أنها ظلَّت حتى الآن تتأرجح بين المواجهة والمهادنة.

كانت الخيبات شديدة الوطأة على جماهير شعبنا ولكن جذوة النضال والمقاومة لديها لم تنطفئ؛ وما لبثت أنْ ظهرت حركات مقاومة تركَّزت في قطاع غزة، تميَّزت بالصلابة والجذرية في مقارعة المشروع الصهيوني، وفي التصميم على التحرير والعودة.

وعوْدٌ على بدء، فإن الأمور ستبقى على حالها من غير مصالحة ولا وحدة وطنية، ما دامت دولة فتح قائمة، والفصائل لا تدخل في قفص أوسلو. فقد أكَّدت التجربة أنّ تغيُّر الحال مرهون بأحد أمرين: انضواءُ الجميع تحت سلطة فتح وأوسلو، أو الإطاحة بالسلطة وأوسلو معًا. وما ينتج في هذه الحالة لن يكون مصالحةً وإنما تصحيح المسار الوطني، وتنشيط العمل الثوري المستند الى الميثاق الذي أرساه شعبنا سنة 1964 بهدف تحرير فلسطين، وإزالة الكيان الصهيوني، وإقامة دولة فلسطين العربية.

* كاتب فلسطيني، نيسان/ إبريل 2022

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.