حوار مع بول كريغ روبرتس حول الأزمة الأوكرانية: “الغرب ضد روسيا: الوصول إلى نقطة اللاعودة”

“آسيا تايمز”

عدنان بدر حلو- فينكس:


بول كريغ روبرتس كان مساعدا لوزير الخزانة في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان وكان يعتبر العقل المدبر للسي​​اسة الاقتصادية الريغانية. ثم تولى منصب كرسي وليام سايمون للاقتصاد السياسي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ما بين 1983 و1993. وله العديد من الكتب والأبحاث الاقتصادية الهامة.
أجرى موقع “آسيا تايمز” حوارا حول الأزمة الأوكرانية نشر بتاريخ 11 نيسان 2022، تحت عنوان “الغرب ضد روسيا: الوصول إلى نقطة اللاعودة”.

سنحاول فيما يلي ترجمة أهم ما ورد فيه.

س1- مر حتى الآن أكثر من شهر على شروع روسيا بعمليتها العسكرية في أوكرانيا. تلك العملية التي يعتقد مراقبون كثيرون أنه كان يمكن الحيلولة دونها لو جرى التعامل بجدية مع مقترحات موسكو بشأن ضمانات أمنها. هل هذا الاعتقاد جدي أم هو مجرد “دعاية من قبل الكرملين”؟

ج1-أوكرانيا هي مشكلة مركبة بالنسبة لروسيا. جزء منها يعود لتصميم واشنطن، وجزء آخر لحماقات روسية استراتيجية.
لقد أصبحت موسكو مشكلة بالنسبة لواشنطن عام 2007 عندما أعلن بوتين أمام مؤتمر ميونيخ للأمن عن نهاية وحدانية القطب الأمريكية. فقد أثار ذلك غضب المحافظين الجدد.
وقد ردت واشنطن بالضغط على روسيا. فقامت عام 2008 بدفع الجيش الجورجي المدرب والمسلح من قبلها لاجتياح أوسيتيا الجنوبية، المقاطعة التي انشقت عن جورجيا عندما استقلت الأخيرة عن روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
وكانت تدير تلك المقاطعة قوات حفظ سلام روسية تم القضاء عليها من قبل قوات الاجتياح الجورجي.
عاد بوتين من الألعاب الأولمبية الصيفية في بكين، وقام الجيش الروسي بطرد القوات الجورجية من أوسيتيا الجنوبية، منتصرا على جورجيا في أربعة أو خمسة أيام. وكان لدى الروس فرصة لإعادة ضم جورجيا من جديد إلى روسيا والقضاء على احتمال انضمامها إلى حلف الأطلسي. لكنه بدلا من ذلك انسحب وترك جورجيا طليقة.
هذه كانت حماقة استراتيجية. كان على الكرملين، على الأقل، إقامة حكومة تسيطر على المكان الذي كانت تسيطر عليه واشنطن. وما كان نصرا عسكريا لموسكو صار نصرا دعائيا لواشنطن. فقد تحول اجتياح جورجيا لأوسيتيا الجنوبية إلى اجتياح روسي لجورجيا.
في عام 2014 ارتكب الكرملين حماقة استراتيجية أخرى عندما أعطى اهتماما أكبر لأولمبياد سوشي مما أعطاه للثورة الملونة التي كانت تعدها واشنطن لأوكرانيا. وعندما أطلقت واشنطن عمليتها للإطاحة بالحكومة الأوكرانية، فشلت روسيا في التدخل. وهكذا استبدلت بحكومة موالية لروسيا حكومة معادية لها.
وأضافت روسيا إلى هذه الحماقة الاستراتيجية حماقة جديدة برفض الكرملين قبول اقتراع جمهوريتي الدونباس المنشقتين على إعادة الاتحاد مع روسيا كما جرى في القرم. ثم أضيفت إلى هذه الحماقة واحدة أخرى. لقد سمحت روسيا بثماني سنوات من قصف النازيين الجدد الأوكرانيين لروس الدونباس فيما كانت تحاول إقناع أوكرانيا والغرب بالالتزام باتفاقية منسك التي وقعت عليها أوكرانيا. وكان الضغط الداخلي يتعاظم على بوتين لحماية روس الدونباس.
عام 2022 افتتح بحشد عسكري أوكراني واسع على حدود الدونباس استعدادا لاستعادة تلك المنطقة. وردت روسيا في شباط بالاعتراف بالجمهوريتين المنشقتين وتوصلت إلى قناعة بأن عضوية أوكرانيا المتوقعة في حلف الأطلسي تشكل لها مشكلة أمنية كبيرة إذ تعني وجود قواعد صاروخية أمريكية على الحدود الروسية.
هنا قامت روسيا، المستثارة من جراء إدارة ظهر الغرب للاهتمامات الأمنية الروسية، بالتدخل العسكري في شرق أوكرانيا مطوقة بنجاح قوات آزوف النازية الجديدة (التي ستلحق بها الهزيمة دون أي شك). ومع أن هذا الهدف المحدود سيتحقق، فإن ذلك قد تم بطريقة أتاحت للغرب إطلاق حملة إعلامية واسعة تصور روسيا ورئيسها بأسوأ الصور.

وبما أن معظم القتال سيكون في الدونباس، روسية السكان، اختارت روسيا تطهيرها من نازيي آزوف الجدد بدون استخدام الأسلحة الثقيلة التي يمكن أن تقضي على السكان الروس أيضا. وقد أدى هذا القيد إلى إطالة أمد العملية مما أتاح للغرب استغلاله.
لقد كانت واشنطن راغبة جدا بحصول تدخل روسي تستطيع وصفه بأنه “غزو روسي لأوكرانيا” واستخدامه لأهداف دعائية من أجل فصل أوروبا عن روسيا، والحفاظ على الإمبراطورية الأمريكية وجر فنلندا وسويسرا إلى حلف الأطلسي تمديدا لعملية تطويق روسيا.

س2- هل يخدم إرسال السلاح (الذي اعتبر إحدى وسائل للضغط على روسيا) عملية
تحقيق السلام في أوكرانيا، أم على العكس يطيل مدة الصراع في أوروبا الشرقية؟ ولماذا تواصل أمريكا وحلفاؤها القيام بذلك في حال كان الاحتمال الثاني هو الجواب؟


ج2- الأسلحة هي وسيلة الغرب لخوض حرب بالواسطة ضد روسيا “حتى آخر أوكراني”. ولن يكون لها تأثير على النتيجة في الدونباس. فالقوى والبنى التحتية العسكرية الأوكرانية تعرضت للدمار. لقد كان للسلاح بعض الاستخدام في الهجوم على السكان المدنيين، وبعدها تحول إلى عمليات مزيفة لتوجيه الاتهام إلى الروس.

س3- هل تعتقد أن هذا الصراع المحتوى حتى الآن يمكن أن يتسع أكثر في أوروبا، متحولا إلى صدام مباشر بين منظمة حلف شمال الأطلسي وبين روسيا؟
علما أن بولونيا تدعو بإصرار لنشر “بعثة حفظ سلام” أطلسية في أوكرانيا.


ج3- النزاع يمكن أن يتوسع، لكن لن تكون هناك بعثة حفظ سلام أطلسية. أية قوة أطلسية تدخل أوكرانيا ستدمر. الروس ليسوا هناك للانتصار على أوكرانيا، وليس لديهم قوات في غرب أوكرانيا. وفي حال استطاعت أوكرانيا إعادة بناء جيش في قسمها الغربي ومهاجمة الروس في منطقة الدونباس يمكن أن تتسع الحرب، لكن هذا غير متوقع. يأتي خطر حرب أوسع من دفع الولايات المتحدة والناتو لضم فنلندا والسويد إلى حلف الأطلسي ونصب صواريخ أمريكية في سلوفاكيا. لقد أعلن الروس أنهم لن يتحملوا قواعد صاروخية على حدودهم. بما في ذلك القواعد القائمة حاليا في رومانيا وبولونيا.
إنه بالتأكيد استفزاز حاد وخطير من قبل واشنطن أن تنشر صواريخها في سلوفاكيا وتضم مزيدا من البلدان إلى الناتو. إن ذلك يرقى إلى مستوى التجاهل المطلق للتحذيرات الصادرة عن الكرملين. مع وجود ظهر روسيا إلى الحائط سيكون مصير هذه الصواريخ على الأغلب التدمير، مع وجود القوة النووية الروسية في أعلى درجات الاستنفار.

س4- يبدو أن واشنطن عازمة على “معاقبة” موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا، حتى ولو كان ذلك على حساب مواطنيها (أمريكا). ففيما ناضل الرئيس جو بايدن من أجل تنفيذ شعار “البناء في الخلف أفضل”، تم تخصيص مبالغ ضخمة لمساعدة أوكرانيا من قبل الولايات المتحدة ومؤسساتها المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي. هل تشرح لنا ذلك؟

ج4- آثار العقوبات ستقع بصورة رئيسة على الأوروبيين، لكن هذا لا يهم الولايات المتحدة والدول التابعة لها. ما يهم واشنطن هو حماية دورها الامبراطوري من التآكل نتيجة اعتماد الأوروبيين على الطاقة والمعادن الروسية. الثمن المفروض على الشعوب الأوروبية هو بالضبط ثمن الحرب التي تشنها واشنطن. إن الشعوب الأوروبية تدفع في هذه الحرب من مستويات معيشتها بدلا من أرواحها.

س5- كيف تنظر إلى قرار الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن الطاقة الروسية والتطلع إلى موردين آخرين كالولايات المتحدة؟ كم هي معقولة هذه الخطة، والأهم هل هي تخدم المصلحة الأوروبية؟

ج5- إنها غير ممكنة. من أين ستأتي هذه الطاقة وبأية تكاليف سعرا ونقلا وتوزيعا؟ ما تريد واشنطن عمله هو طرد روسيا من أوروبا. والتكاليف ستقع على الغير.

س6 – هل لك أن تحدثنا أكثر قليلا عن النتائج الاقتصادية والاجتماعية، قريبة وبعيدة المدى، للعقوبات الروسية؟ هل ستخدم الهدف المعلن لتدمير اقتصاد موسكو أم العكس ستؤذي الغرب بشكل أكبر؟ إذا كانت الأخيرة هي الحال فما هو الهدف من هذه العقوبات؟

ج6- الهدف من العقوبات هو فصل أوروبا عن روسيا. وهي بالنسبة لروسيا هبة من الله. فانسحاب الشركات الغربية يخلق فرص استعاضة هامة جدا للشركات الروسية كي تحل محلها. إنها تلغي الشركات الغربية التي تخرج الأرباح من روسيا، وتلغي قدرة الغرب على التلاعب باستقرار الروبل عن طريق سحب الرساميل من البلاد.
إن الدول الوحيدة التي تحتاج للرساميل الأجنبية هي تلك التي ليس لديها موارد وثروات طبيعية ومهارات علمية وتقنية. ولدى روسيا كل ما هو ضروري للاكتفاء الذاتي، إنها الحالة الأفضل بما لا يقاس لأي بلاد.
الولايات المتحدة كانت مكتفية ذاتيا إلى أن نقلت صناعتها إلى آسيا.

س7- آخذا في الاعتبار مجال روسيا الواسع للعلاقات التجارية الدولية مع بلدان مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها، هل يمكن انتزاع موسكو من العالم اقتصاديا وماليا؟

ج7- هدف واشنطن هو انتزاع أوروبا من روسيا. فواشنطن ليس لديها القدرة على
انتزاع روسيا من العالم.

س8- روسيا لم ترد حتى الآن على العقوبات المفروضة عليها. ماذا يمكن أن
يكون ردها المتوقع؟ وكيف سيكون تأثيره على الشعب في أوروبا والولايات
المتحدة وبقية العالم؟

ج8- بمقدور روسيا أن تحقق أهدافها في أوكرانيا عن طريق وقف تصدير الطاقة والمعادن إلى أوروبا. فألمانيا التي تعتمد على روسيا في الحصول على نصف حاجتها من الطاقة سوف تطالب على الأغلب بالاستجابة لهموم روسيا الأمنية. مع ذلك إن الكرملين يفتقد للدهاء اللازم لاستخدام هذه القوة، لأن لدى روسيا مديرا غير كفء للمصرف المركزي، يعتقد مخطئا أن تطور الاقتصاد الروسي يعتمد على كسب النقد الأجنبي لتمويل التنمية. بشكل آخر يعتقد مديرالمصرف المركزي الروسي أن روسيا من بلدان العالم الثالث التي لا تستطيع
الاعتماد على نفسها.

أنا لا أرى في استمرار روسيا في تزويد ألمانيا بالطاقة رغم السلاح الألماني المرسل إلى أوكرانيا وغيره من السياسات المعادية لروسيا التي تتبعها ألمانيا. لا أرى فيه سلوكا منطقيا من جانب روسيا. ما أفترضه في تفسير ذلك هو أن روسيا ليست متضررة بعد من العقوبات إلى درجة الرد بعقوبات مضادة.

س 9- هل وصلنا إلى نقطة اللاعودة، أم أنه ما يزال هناك فرصة لاستعادة علاقاتنا مع روسيا من حافة الهاوية؟

ج9- لقد دمر الغرب عامدا العلاقات مع روسيا. هذا هو المخطط. استبعاد روسيا من أوروبا. تطويقها بالصواريخ التي يمكن أن تصل موسكو في أربع دقائق لمنع روسيا من تحدي الهيمنة الأمريكية. والخطر الأكبر في سياسة الغرب هذه هو أن الاستفزاز المتمادي لروسيا سيؤدي إلى حرب نووية.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.