جذورُ الصّراع: ماذا يريد الناتو من ضمّ أوكرانيا؟ محمد حسن خليل

محمد حسن خليل

عضو السكرتارية المركزية للحزب الشيوعي المصري/مصر

مقدّمة:

ترتكزُ الدعايةُ الأمريكيّةُ والغربيّةُ على تصوير الحرب في أوكرانيا باعتبارها ابتلاعًا من الدبّ الروسيّ المعتدي على دولة أوكرانيا الضعيفة، لكن الباسلة في الدفاع عن نفسها، بينما يصفُ لافروف وزير خارجيّة روسيا، الحربَ، في تعليقِهِ على جولةٍ متقدّمةٍ من محادثاته مع وزير الخارجية الأوكراني في تركيا ، بأنّها معركةٌ من أجل مستقبل النظام العالمي، ويتّهم الغرب بالتسبّب في الحرب؛ نظرًا لتجاهله بتعجرف مبادرة الضمانات الأمنيّة التي تقدّمت بها موسكو في ديسمبر. لكن الحرب امتدادٌ للسياسة بطريقةٍ أخرى، كما قال كلاوزفيتز، فيلسوف الحرب الأشهر: سياق الحرب السياسي هو صراعُ سيادةٍ على قمّة النظام العالميّ.

شهدنا في عمرنا الزمني ثلاثَ فتراتٍ متباينةٍ في ميزان القوى العالمي: نشأة النظام العالميّ الثنائيّ القطبيّة بعد الحرب الثانية بين أمريكا وروسيا السوفيتيّة، وشهدنا النظام الأحاديّ القطبيّة تحت زعامة الولايات المتّحدة الأمريكيّة بعد سقوط روسيا، واستمرّ هذا النظام في رأينا حتّى بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حيث بدأ عصر تعدّد الأقطاب.

العولمةُ والعالمُ الأحاديّ القطبيّة:

تميّز هذا النظام اقتصاديًّا بمرجعيّةٍ توافق واشنطن (1989) وعقيدةِ منظّمة التجارة العالميّة (1995)، وهو ما عرف بعهد العولمة، وشهد هذا العصر أبرز أمثلة العدوانيّة الأمريكيّة باحتلال أفغانستان والعراق. كذلك من أهمّ سماته تفتيت الدول كما رأينا في تفتيت كلٍّ من الاتّحاد السوفييتي ويوغوسلافيا، وفي منطقتنا تفتيت السودان ومحاولات تفتيت سوريا وليبيا وغيرهما.

حين توحّدت ألمانيا، وتمّ حلُّ حلف وارسو عام 1990، تعهّد الغرب، شفويًّا، بعدم تمدّد حلف الناتو بوصةً واحدةً إلى الشرق، لكنّه سرعان ما وسّع حلف الأطلنتي على مراحل حتّى أصبح يضمّ الآن ثلاثين دولةً مقابل 16 دولةً عام 1990؛ وتمّ هذا التوسّع على خمس مراحل، أهمّها المرحلة الأولى عام 1999 بضمّ بولندا والمجر وتشيكيا، والمرحلة الثانية عام 2004 بضمّ دول البلطيق الثلاث، لتوانيا ولاتفيا وأستونيا، بالإضافة إلى بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، ثمّ انضمّت أربعُ دولٍ أخرى للناتو بين أعوام 2004 و2020 هي ألبانيا وكرواتيا والجبل الأسود ومقدونيا الشماليّة. ومنذ قمّة الناتو في بوخارست في إبريل عام 2008؛ تعهّد الناتو رسميًّا بمنح العضويّة لكلٍّ من أوكرانيا وجورجيا عندما يتطابقان مع معايير الحلف، ورغم افتقاد الحلف لسبب وجوده بانهيار الاتّحاد السوفييتي، إلا أنّ علّة وجوده الحقيقيّة هي السيطرة على العالم، لهذا ظلّ مستمرًّا ومتوسّعًا باستمرار.

ردّ الفعل الروسيّ:

كان من المنطقيّ أن ترفض روسيا، وأن تفعل المنطق نفسه الذي تتبّعه أمريكا، وكلّ رأسماليّة فيما تسمّيه الدفاع عن أمنها القوميّ ومجالها الحيويّ. منذ تولّي بوتين رئاسة روسيا عام 2000 عمل على إعادة بناء روسيا اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، وتنامت قوّته تدريجيًّا وبدأ في الردّ على ما عدَّهُ إذلالًا قوميًّا. ففي فبراير عام 2007 رفض بوتين، خلال مؤتمر ميونخ للأمن، محاولاتِ مزيدٍ من التوسّع لحلف شمال الأطلنتي، بالذات بضمّ جورجيا وأوكرانيا، ورفض نموذج العالم الأحاديّ القطب، وحذّر من استمرار تمدّد حلف الناتو صوبَ حدود روسيا. 

بالتوازي مع إعادة البناء السياسيّ والاقتصاديّ لروسيا؛ تنامت قوّتها العسكريّة. في عام 2012 استعادت روسيا التعادل النوويّ الاستراتيجيّ مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ذلك التعادل الذي كانت قد حققته عام 1975 ثمّ فقدته بعد سقوط الاتّحاد السوفيتي، كما أعادت بناء أسطولها البحريّ الذي كان قد تقادمت سفنه وغواصاته واهترأت، وطوّرت روسيا أسلحتها استنادًا إلى تطويرٍ شديدٍ لقدراتها الإلكترونيّة البحثيّة، فنجحت في تصنيع أسلحةٍ لا يملك الغربُ مثلها ولا وسيلة لاكتشاف اقترابها ولا التصدّي لها مثل الصواريخ فرط الصوتيّة والغوّاصات غير المأهولة التي تصل لعمق 450 مترًا، ولا تكتشفها أجهزة السونار وتستطيع حمل صواريخ نوويّة.

دخلت في ثلاث مواجهاتٍ مع الغرب: الأولى في جورجيا عام 2008، حينما بدأت جورجيا الحرب ضدّ إقليم أوسيتيا الجنوبيّة وناجورنو كاراباخ، ونجحت روسيا في إسقاط نظام ساكاشفيلي في جورجيا، وإجهاض ضمّها لحلف الأطلنتي. والمواجهة الثانية كانت عندما حاولت أوكرانيا “تحويل روسيا من قوّةٍ عالميّةٍ إلى قوّةٍ إقليميّةٍ أوروبيّة” على حدّ وصف كيسنجر عن طريق الانقلاب الذي دبّره الغرب ونفّذه الحزب الفاشي في أوكرانيا ضدّ الرئيس المنتخب يانوكوفيتش؛ تمهيدًا لإجلاء روسيا عن قاعدة القرم، فضمّت روسيا القرم إليها بعد استفتاءٍ أجمع فيه السكان على الموافقة على الضمّ. وبدأت المواجهة الثالثة منذ ديسمبر 2021، حينما أنذرت روسيا الغرب بعدم ضمّ أوكرانيا إلى حلف الأطلنتي، وباحترام اتفاقيّات مينسك، لضمان حقوق المواطنين المتحدّثين بالروسيّة في شرق أوكرانيا، وبسحب صواريخ الناتو النوويّة من على حدود روسيا، ورفض الغرب. عندما رفض الغرب، تدخّلت روسيا عسكريًّا في أوكرانيا في 24 فبراير 2022.

الصين أيضًا داخل المعادلة:

وبالطبع لا يمكن فهم هذا النزاع على قمّة العالم بحصر الصراع بين روسيا والغرب، دون ذكر الصين؛ فذلك القطب الصاعد استند إلى التحالف مع روسيا ذات الظروف المشابهة، منذ إنشاء تحالف شنغهاي عام 2001، وتطوّره منذ ذلك الحين. ونلاحظ تبنّي الصين لمنطق اقتصاد السوق السلعي منذ 1978، وتدرّجها في منطق اقتصاد السوق، وانضمامها إلى منظّمة التجارة العالميّة عام 2001، واستفادتها من تحرير التجارة، والاستثمار مع العالم كلّه.

تطوّرت الصين خلال العقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين اقتصاديًّا من الاقتصاد السابع في العالم عام 2000 إلى الاقتصاد الثاني عام 2010، وفي عام 2017 أصبحت الدولة الأولى، وفقًا لنظام تعادل القوى الشرائيّة PPP، وهي تسيّطر على نحو ثلث التجارة العالميّة. كما تطوّر امتلاك الصين للتكنولوجيا المتقدّمة؛ فتصنع صاروخًا فرط صوتيًّا، وترسل محطّة فضاء مداريّة صينيّة. ومنذ عام 2009 غيّرت الصين عقيدتها العسكريّة من عقيدةٍ دفاعيّةٍ إلى عقيدةٍ هجوميّة، وأصبحت الآن تمتلك ثلاث حاملاتٍ للطائرات، كما أصبحت القوّةَ البحريّةَ الأولى في العالم. وطرحت الصين أكبر مشروعٍ تجاريٍّ استثماريٍّ في عصرنا الحديث وهو مشروعُ الحزام والطريق، مع ما يستلزمه من امتداد النفوذ العسكريّ معه تحت دعوى ما يسمّى “حماية المصالح”. وفي إفريقيا تعدّ الصين الأولى عالميًّا من ناحية تصدير رؤوس الأموال، سواءً على شكل استثماراتٍ أو قروضٍ حكوميّةٍ يذهب معظمها لتطوير البنية التحتيّة لزوم نقل سلعها المصدرة، وكذلك المستوردة من الخامات والمعادن، لهذا تنشئ الصينُ قواعدَ عسكريّة، في جيبوتي على مضيق باب المندب عام 2017، ثمّ شبه قاعدة حديثا في غينيا الاستوائيّة على الساحل الغربيّ لإفريقيا المواجه لأمريكا، كما قامت ببناء مائة ميناء في إفريقيا، تصلح من حيث العمق والتجهيزات للاستخدامات العسكريّة. والصين تدير الكثير من تلك الموانئ حاليًا، كما تمتلك بعضها، لهذا تحاول أمريكا حاليًا الفصل بين روسيا والصين، وهي محاولةٌ ليس أمامها أي قدرٍ معقولٍ من النجاح.

الأساسُ الاجتماعيُّ للانقسام السياسيّ الداخليّ الأوكرانيّ:

أساسُ الحرب هو الانقسامُ الاجتماعيّ داخل أوكرانيا: الشرق الأوكرانيّ صناعيٌّ متحضّر، وبه كثرةٌ سكانيّةٌ روسيّة، أما الغربُ فهو فلاحي، يمد الفاشية المتصاعدة بأساسها الاجتماعي، ويدعم الغرب تلك القوى الفاشية، ويدرب ميليشياتها العسكريّة مثل أزوف، ونظّم معها الانقلاب الفاشي عام 2014. ردًا على الانقلاب أعلن انفصال أقاليم الشرق، دونيتسك ولوجانسك، مستهدفًا الحكمَ الذاتي كحد أدنى، أو الانفصال كحد أقصى. تم التوصّل، بوساطة ألمانيا وفرنسا ووجود روسيا، إلى اتفاقي مينسك 1 و2 أعوام 2014 و2015، لكن تنصّل الحكم في أوكرانيا من تنفيذها حتّى الآن.

ويتّضح نفاق الغرب حينما يصمت تمامًا عن فظائع الفاشية الأوكرانيّة، التي حرمت استخدام اللغة الروسيّة، وهجمت على الشرق عسكريًّا بعد توقيع اتفاقيّة مينسك 1 واحتّلت جزءًا من محافظاته، وقتلت نحو 14 ألفًا من السكان، وارتكبت من الفظائع وقتل المدنيين وحرق السكان وهم أحياء، وتدمير البنية التحتيّة، وتكرّرت الفظائع مؤخّرًا، فاستخدمت الصواريخ التي تحمل قنابلَ عنقوديّةً محرّمةً دوليًّا، ونصبت الأسلحة الثقيلة وسط المناطق المدنيّة، واستُخدِم المدنيّون دروعًا بشريّة.

خلاصةٌ واستنتاجات:

يتّضح مما سبق، أنّ الحربَ الدائرةَ حاليًا في أوكرانيا هي حلقةٌ في صراعٍ للقوى العظمى في العالم، بالذات بين طرفٍ أمريكيٍّ غربيٍّ يدافعُ عن استمرار نفوذ طرف أحادي القطبيّة ويقهر بقيّة العالم، وبين روسيا أساسًا، لكن أيضًا الصين، كأطرافٍ جديدةٍ ترفض منطق الهيمنة والإذلال. لكن أمريكا أيضًا تستهدف من تلك الحرب حلَّ الأزمة الاقتصاديّة بالعسكرة، كما تستهدف إخضاع أوروبا، وإجهاض محاولات تكاملها الاقتصاديّ مع روسيا، وبالطبع قبل كلّ هذا تهدف إلى شيطنة روسيا وتصويرها قوّةً طاغيةً استعماريّة.

وإذا كنّا نرفض العصر الأحاديّ القطبيّة الذي ذقنا ويلاته، وإذا كنّا ندرك أنّ تعدّد الأقطاب يمنحنا فرصًا أفضل للمساعدة في نيل استقلالنا، إلا أنّنا نرفض استراتيجيًّا منطق الهيمنة الرأسماليّة باقتصادها الليبراليّ الجديد الذي يسعى يستعبدنا وبعسكرتها وحروبها المعادية للإنسانيّة. 

 الهوامش

* “حلف شمال الأطلسي” موسوعة ويكيبيديا بالعربية على الرابط:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D9%84%D9%81_%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%84%D8%B3%D9%8A

* “أهم مراحل وتطورات المواجهة بين روسيا والغرب” على موقع روسيا اليوم، على الرابط:

https://arabic.rt.com/world/1324601-%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D9%85%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%AE-%D8%A3%D9%87%D9%85-%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%BA%D8%B1%D8%A

8/

* “15 عاما على خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن”. عن موقع قناة روسيا العربية على الرابط:

https://arabic.rt.com/features/1326170-15-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D9%85%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%AE-%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86/

* “أهم مراحل وتطورات المواجهة….” مرجع سابق

  تشاو كه يوان: “ما مدى إمكانيات تواصل نمو الاقتصاد الصيني؟” الباب الثاني من كتاب الاقتصاد الصيني العقبات والحلول للكاتب الصيني هان باو جيانج (محرر ومؤلف مشارك). 2013

  الصين نحو إنشاء أول قاعدة عسكرية على الساحل الأطلسي. صحيفة الإندبندنت العربية في 9 ديسمبر 2021.  على الرابط: 

https://www.independentarabia.com/node/284366/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%A5%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%A1-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%84%D8%B3%D9%8A

* المواقع المحتملة للقواعد العسكرية الصينية حول العالم. موقع الجندي الإماراتي بتاريخ 14 فبراير 2021 على الرابط:

:::::

بوابة الهدف الإخبارية، 23 ابريل 2022

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.