لماذا سأكتب كما كتبت عن عائشة وعلي (حلقة 1)، عادل سماره

ملاحظات على ملاحظات


لو كان لي تلخيص الجدل الناقد وبعضه التهجم حول مقالتي أعلاه، لقلت بأنه يندرج تحت عنوان الفارق بل التناقض بين ” التفكير الحر وحرية التفكير”.وذلك ببساطة لأن التفكير الحر هو السجية الإنسانية الحرة بطبيعتها قبيل الاستدوال والطبقية والملكية الخاصة والعملة  والقمع والسجون والعقائد الجامدة ناهيك عن الطوائف. بينما حرية التفكير هي المدى الذي تسمح به سلطة ما لمن تحكمهم بغض النظر إن كانت كفؤة أم مسلحة بالقمع
والجند والمخابرات ومثقفيها بحيث تسمح  بالتفكير فما بالك بالقول :إلى هنا وعليك أن تتوقف.

في هذه المواقف أتذكر قول المتنبي في قصيدته عن الحُمَّى:

“وما في ظنِّه أني جوادٌ…أضرَّ بجسمه طول الجمامِ

تعوَّد أن يُغبَّر في السرايا …ويدخل من قتامٍ في قتامِ

“فيُمسك لا يُطال له فيرعى…ولا هو في العليق ولا اللجامٍ”

إذا لم نصل بعد كل القمع إلى التفكير الحر حتى بين المرء ونفسه، فهناك علامة سؤال كبيرة ومرعبة، ذلك لأن التفكير والكتابة ما لم تكن مفروضة على الغير، فلا معنى لمنعها ولكن هناك معنىً لنقدها لأن الكتابة هي علاقة جدلية بين الكاتب والناس وحين تصبح خارج شخصه تصبح مشاعاً.

ومع أن هذه العلاقة الجدلية/الديالكتيكية مشروعة بين المتلقي والكاتب، لكن الذهاب بالنص بعيداً وتقويله ما لم يقل ولا يُضمِر، فهو حق إنتهى إلى زًيْغ. ذلك لأن المقالة افتراضية بهدف توظيف صراع بقيادة إمرأة ضد قيادة رجل، وبالتالي لو حصل وانتصرت هل كان سيتبعه اثر ما على المجتمع العربي؟

في مجال الفكر لا توجد صراط مستقيم لأنها في العبادات وحدها. وعليه، فمن رأى في موضوع المقالة خروجاً عن مالوفه فهذا شأنه. فأنت إذا قررت أن لا تنظر إلى أمر ما، او لم  تكن تعرف عنه اصلاً فهذا لا يعني أنه ليس موجوداً، وإلا تكن من مدرسة “المثالية الذاتية” التي لا ترى موجوداً إلا إذا كانت قد أحاطت به!

غضب البعض بأن المقالة تخوض في نبش “الفتنة”. مع انني لا أحب هذاالمصطلح لأنه يعني أن الناس كتلة واحدة كتيمة مصمّتةً وبأن احدهم قد فجَّر فيها تناقضاً ما. ولا أعتقد أن هناك تشكيلة اجتماعية اقتصادية على هذا النحو سوى المشاعية الأولى/البدائية، إن كانت هكذا تماماً.

والغريب أن هؤلاء ،وبعضهم يعيشون في مجتمعات تذبحها ما يسمونها الفتنة كالدم الذي يسيل في الشام وغير الشام على يد إرهاب الدين السياسي. ومن لم يرَ هذا ويحصر عينه في المقالة نقول : “الله يوسِع عليه”.

بل هذه الفئة من المحتجين لا يذكرون بأن ملك الأردن تحدث عن “الهلال الشيعي ” قبيل مذبحة سوريا، ترى ألم يروا في ذلك فتنة بل مشروع تطبيقي تسليحي للفتنة؟ ومع ذلك يقول البعض ، “إنهانائمة”.لا ابدا،  أنت نائم وشخيرك من المحيط إلى الخليج.

ولا ينحصر وجود الفتنة في كل مكان في الدواعش والنصرة وبن سلمان وبن زايد بل كذلك في كل فضائية ويومياً. ولينتبه من أراد إلى كثير من المحللين حيث يستخدمون” المكونات، بدل الطوائف” أو “الطائفة السنية الكريمة”، أو”أنا مضطر لذكر سنة وشيعة” وهو طبعا يذكرها ولو بغلاف سوليفان صنع أمريكي. يزعم انه يربأ بنفسه عنها مع انها مكوِّن اساسي في خطابه.

ماذا نسمي الاستعصاء “البرلماني” في العراق ولبنان غير أنه هيمنة الفتنة بل دسترة الفتنة التي تسمون على كل البلدين، ناهيك عن غيرهما؟

بمحض الصدفة دخلت على موقع عراقي اسمه “موقع تحليلات العصر الدولية 074” لا سطر فيه إلا طائفي شيعي بوضوح وفجاجه وفيه يومياً عشرات المقالات بالنص. فهل يختلف عن محطات العربية والجزيرة؟

والغريب، أن هؤلاء المحتجين لم يروا ان المقالة ضد الطائفية وحصروا محتوياتها المتعددة في هذا البرزخ الأسود.

وكما كتبت وأكرر بأن المقالة تتسائل: لو انتصرت عائشة، هل كان سيكون له اثره على مجتمعنا؟

السؤال فرضية ذهنية تحاول ملامسة الأرض.

رأى البعض أن هذا انحياز للأرستقراطية على حساب “بروليتاريا” علي.
والمقالة لم تقل قط أن الكاتب مع عائشة وضد علي ولا بأي معنى! إن تقديري للإمام علي وللسيدة عائشة وكل التراث لا يصل إلى أن أحاصر نفسي هناك بدلً بل أوظف التراث  كجزء من قراءة الواقع واستشراف المستقبل بقدر تقدمية مضمونه وإلا أكون “سلفي /ماركسي” . بالمناسبة أقول للعرب المبهورين ب تشومسكي بانه “لبرالي/سلفي صهيوني”.

فما سر تلبيس المقالة كل هذا؟ لم تنتصر المقالة لأحد بل طرحت السؤال.
وكان بالإمكان طرح الأمر بشكل آخر بمعنى :كانت نتيجة الصراع السياسي القيادي بين الطرفين هزيمة عائشة ولكن لاحقاً هزم التيار الآخر علياً.

لكن ما لفت نظري أن البعض اعتبره من قبيل الكفر أن يقوم أحد بوضع عائشة في تناقض مع مستوى علي! وأنا لست في هذا الوارد قط، بل ذكرت واقعة حصلت، ولا أعتقد ان أحداً ينكر وقوعها.

بينما يسيطر الشك على أو ضد مختلف المرويات والأحاديث مما يجعل التاريخ نفسه محط شك. ولذا ركزت على الواقعة وليس على المستوى الفكري لأي منهما وفي حدود إطلاعي أن علياً أعمق واشمل لكنني لم اعرض هذه المسألة بل جرى تلبيسها للمقالة.

ومع ذلك، من الذي يؤكد أن كل ما نُسب للإمام علي هو قوله؟ من يمكنه إثبات أن 600 ألف حديث هي للرسول الكريم؟ وماذا عن كتاب “حديث الأربعاء” لطه حسين في الشعر العربي ما قبل الإسلام الذي يُسمَّى الشعر الجاهلي” هل الشعراء جهله؟

لذا، لن أجادل في تجنيد هذا أو ذاك لمرويات عن هذا أو ذاك لأنني لا أجرؤ على تبني أياً منهما، ولا أعتقد أن هذه مهمة عليَّ التخصص فيها.

وضعني التعالي لصالح علي والاحتقار لعائشة أمام تساؤل: هل يمكن ل ماركسي أن يكون إلى هذا الحد مع تيار ديني وحتى ديني اجتماعي حتى لو ثوري في حينه ليبدو حقاً أنه هناك وليس هنا. هل هذا توظيف للتراث أم تعلق سلفي به!

الإمام علي مسلم يؤمن بالملكية الخاصة بلا جدال، فهل يمكن لماركسي اليوم أن يكون كذلك. نعم يمكن، ولكن عليه ان يكون أحدهما لا كليهما.

ما نبغيه في هذا العصر هو الوصول إلى الإشتراكية، فهل الدين منهج اشتراكي؟ أحب أن يكون كذلك. ولكن، هل نسبة الزكاة تغني عن التأميم وإلغاء المليكة الخاصة؟ وهل حصة المرجعيات في العراق من مال تابعيها هي من الإشتراكية أو العدالة في شيء؟

رأى البعض أن قادة الطرف المضاد لعلي قد استخدموا عائشة ومن ثم قتلوها.

بدوري لا ادري ما صحة القتل، ولكن ما يهمني أن مجرد حدوثه  يعني أنها كانت لها شخصيتها وحضورها وبأنها لم تكن صفراً ومجرد أداة ولذا تآمروا عليها وهذا يجعل مقارنتها بعلي مقبولة. ومع ذلك لم اقارنهما ابداً لأن هدفي كان أثر المرأة ودورها وقراءة موقع نساء مهمات في التاريخ ومدى خدمة هذا للثقافة الحالية.

ذهب كثيرون للقول، ولماذا لم تذكر المقالة السيدات خديجة والزهراء …الخ!!

أي عجب هذا؟ وهل المقالة في دراسة الشخصيات النسائية في تاريخنا. أم أن كثيرين يقرؤونك كما يريدون. وهذا حقهم، ولكن هذا لا يعني أنهم على حق!

كتب البعضن أن هذا لا يُناقش “بهيك أجواء”!يا للهول، وما هي الأجواء في وطننا غير هذا العفن الطائفي. هل نحن في يوتيوبيا.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.