لماذا سأكتب كما كتبت عن عائشة وعلي: ملاحظات شخصية، حلقة (3) ألأخيرة، عادل سماره

هذا التصدير ، هذه الحلقة لا تتناول الموضوع ولا الردود والمحاورات …الخ، بل وجدتني أمام وجوب شرح نفسي لعلَّ ذلك يُسهِّل على من أحب الإحاطة بتناولي هذا الموضوع الذي رأيته عادياً جداً وبسيطاً جداً وممتعاً جداً ومضيىئاً جداً للحاضر وخاصة في مجتمع يحتل خمسون بالمئة منه الخمسين بالمئة الأخرى فلايبقى من وقت وجهد لا للنضال الوطني ولا القومي ولا الطبقي، وفهم ذلك قد يساهم في تفسير واقعنا المرعب إن لم نقل تغييره، فبسببه ندور كثور الطاحونة/الناعورة على محورنا الذي تتآكل قاعدته فنغوص أكثر.

بينما رآه البعض “إرهابي، مهين لعلي بالمقارنة مع عائشة، جندري، خارج الزمان، غير مادي تاريخي، مثير للفتنة، مزعج للسادة الشيعة المقاومين، لا يُثمِّن نهوض إيران..الخ.

وهنا اقول : كلٌ على رَسْلِه.

لست من القائلين بأن المرء يضع خطة حياة نفسه تماماً ويمضي لتطبيقها، مع أنه في كل مرحلة يضع خطة ما، ولكن في كل مرحلة هناك الواقع الذي يواجهه، يصدمه، يجافيه أو يؤاتيه. إنما العبرة في النهاية: هل هو راضٍ عن نفسه، وإذا كان في خدمة الوطن ، هل يتقاعد، يرتد،يتحول إلى تاجر، أم يواصل مهما اصابته من هزائم؟

سألتني سمر، إبنتي البكر: لو صحَّ لك إعادة تشغيل حياتك، كيف تريدها؟

قلت: كما حصلت، ليس لأنني بلا أخطاء أو خطايا وهزائم، ولكن لأنني في كل موقف اخذته كنت مقتنعاً به في حينه، وبالتالي كنت متمتعاً حتى بمُرِّ النتائج ليس لتعذيب الذات ولكن لأن تجاربنا هي أبناؤنا /الفعل كما ابناؤنا بالدم. وطبعاً كان ما يدور في راس سمر مختَلَف المِحن التي عانيتها والاضطهاد الذي عشته في علاقتي بالحركة الوطنية الفلسطينية بيمينها ويسارها وأكاديمييها وبطريركيتها القمعية والمهزومة معاً ، ناهيك عن معاناة اسرتي.

سأختصر ما أمكن:

قرر مدير مدرسة قريتنا ترسيبي/إعادة السنة الدراسية في الصف الرابع الابتدائي لأن خطي سيئاً (لم يتحسن من حينه) فرفضت وانتقلت لقرية أخرى لأمشي وحدي 4 كم ذهابا وأخرى إياباً في شتاء قاسٍ لكن والدي خاف أن يأكلني الضبع فعدت لنفس المدرسة وأصر المدير على ترسيبي.

بعد ستة اشهر من دخولي حركة القوميين العرب 1963 قلت للمسؤول الحزبي الراحل عزمي الخواجا، أنا سأترك.قال لمااذ؟ قلت أنا انضممت لأدخل الجهاز الفدائي، فتم تحويلي لأبطال العودة مع بقائي في مختلف المجالات الأخرى، أعتقد الرفيق الأسير بشير الخيري واكب ذلك وعلمت أول أمس أن الكيان جدد اعتقاله الإداري.

في سجن الكيان المرة الأولى 12 ديسمبر 1967 كنت نقدياً للطرح السوفييتي وأقرب للماوية فاسماني رفاق “اليسار الأسود Black Left ” . فمن كان ليجرؤ الخروج على موقف الكرملينَ!

حينما انشقت الجبهة الشعبية انحزت للجبهة الديمقراطية فقط لأنها رفعت شعار الماركسية، ولم تكن الشعبية قد تبنته بعد، هذا مع انني لا اعرف حواتمه بل اعرف الحكيم ووديع حداد وعملت مباشرة مع وديع. لاحقاً لم أجد ماركسية لدى الديمقراطية،فكتبت رسالة طويلة وغادرت. ولذا بقيت قومي عربي ومع الطبعة الأولى للشعبية وطبعاً شيوعي. وبهذه الشخصية لم أتمكن من التدريس في اية جامعة محلية، وقد حسبت لو أني وُظفت منذ اربعين سنة لكان دخلي مليون دولار واكثر. كان بوسعي العمل في بريطانيا وأمريكا وأي بلد عربي كما عرض عليَّ “فتى المحرقة” وغيرها، ولكن هذا رحيل (مرفق رد جامعة بيت لحم بوعد دعوتي حين يكون هناك مجالاً ولم يحصل منذ 29 عاماً، الجامعات الأخريات إعتذرن دون وعد!!).

حاولت عام 1974 ، بعد السجن إكمال الدراسة في جامعة بير زيت، صمدت يوماً واحداً. في محاضرة للسيدة يسرى القواسمي عن الأدب “الجاهلي” سألتها هل يُعقل أن تسمي أمة أجدادها بالجهلة؟ قالت: مش عاجبك ؟ قلت لا، قالت الباب مفتوح. خرجت. في المحاضرة الثانية ل د. بندلي، كان يقارب الثمانين من عمره، أعتقد اسمه الثاني “جوزي” قال: متى وُلد لويس الرابع عشر؟ قلت، وهل يعنينا هذا بل تعنينا سياساته وإصلاحات البارون ريشيلليو الاقتصادية؟ قال، مش عاجبك أخرج، خرجت ولم أعُد.

لم أكن معجباً قط بمنظمة التحرير الفلسطينية حتى وأنا ضمن أحد فصائلها وقد نقدتها عديد المرات ولكن حين كنت أكتب لجريدة الفجر كنت ربما اشد المدافعين عنها ضد النظام الهاشمي، وتوقعت تكويعها وخاصة منذ 1977،ولذا فُصلت من جريدتها “الفجر” مع زملائي اليساريين. وقبل أوسلو كتبت عام 1991 ان م.ت.ف ستصبح قيادة بديلة لنفسها كما طلب الكيان وحصل (أنظر كتابي :الراسمالية الفلسطينية من النشوء التابع إلى مأزق الاستقلال 1991 ص ص 294-95).وثبتت صحة كل ما قلت.

أقمت مزرعة دواجن صغيرة في القرية وكنت البنِّاء والعامل والمسوِّق والمنظِّف ما بين 1973-2000 . احرقها المستوطنون في انتفاضة عام 1987 وشاركت القرية في إطفاء الحريق، وحينما أغلق الاحتلال مداخل القرى بالتراب في انتفاضة عام 2000 ألغيتها حيث لم يعد أمامي تسويق البيض سوى للمستوطنة المقامة على أرض القرية وكان المستوطنون يدفعون ثلاثة اضعاف السعر.

أبقيت المزرعة بعهدة صهري جميل سماره وسافرت من بين 1984-87 للدراسة في لندن وعدت يوم 4 أكتوبر 1987، وحينما أُغتيل ناجي العلي 22 تموز 1987 كنت من قِلًّة اعترضت لأجله وهُدِّدت بالقتل.

لذا اسماني البعض بالمثقف الانتحاري وهو التحدي الذي قادني لصياغة المثقف المشتبك ولم أقصد به نفسي.

عُرِضت عليَّ إدارة شركة الاتصالات الفلسطينية عام 1991 أي قبل أن تبدأ ورفضت لأنها إمتياز لشركة بيزك الصهيونية.

عرض علي د. محمد شديد العمل مع مؤسسة التعاون للبرجوازية الفلسطينية فقلت له: لا تتعب نفسك، لن أُغيركم ولن تغيرونني” ولم يكن لي عملاً حينها.

تقدمت للعمل في يو. أن.دي.بي ولعب معظم الحركة الوطنية ضد توظيفي، ولكنني حصلت على الوظيفة، لا أدري إن كنت الأفضل أم كانت شَرِكاً لتدجيني أم لا، عملت ثلاث سنوات وكنت أكتب عن فسادها في جريدة الشعب وأنا على راس عملي واستقلت بسبب فسادها مع أن 99 بالمئة من الناس قالوا لي: ومين يلومك حتى تستقيل!

كنت ذات مرة على إحدى الفضائيات مستلاً سيف النقد على الإمبريالية، فتذكرت للحظة ان في جيبي أقل من دولار، فتبسمت. سألني الصديق بسام الكعبي :غريب!! كنت منفعلاً وتهاجم الإمبريالية ثم تبسمت: شو مخك ضارب؟ قلت له السبب.

وأخيراً، منذ ست سنوات أُحاكم لأنني تصديت لدُعاة دولة مع المستوطنين ولم يقف معي أي فصيل أو نقابة أو أكاديميا أو إتحاد …الخ سوى مجموعة من الرفاق/ات الصامدين الذين لم يستدخلوا الهزيمة وكم أُكبر لهم موقفهم/ن. لست أفضل مُحلِّل لكن جميع الفضائيات استغلتني لمقابلات ، طبعاً لم أقبل فلساً من أي منها، مع انني أحيانا لم املك سوى أجرة المواصلات، ولذا قاطعتها جميعها لأن اياً منها لم تجرؤ على مقابلة عن قضيتي ولو لدقائق رغم أن القضية ضد التطبيع وسأبقى هكذا لما بعد الحكم.

سُقتُ هذا لأبيِّن لمن نقد أو اتفق مع المقالة بأنني هكذا، لن أغيِّر نهجي والذي في كثير كان صحيحاً. ليست هذه الحلقات عناداً أو تقليل من نقد الآخرين لي، لكنني أعتقد أن من حقي الرد مع احترامي لهم/ن جميعاً.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.