الفلاح والمرابي، وليد هلس

لا يؤمن الفلاح بشيء مثل ايمانه بالأرض. الأرض هي الرحم الدائم العطاء. منها واليها. وهو يؤمن بالسماء أيضا. ايمانا لا فرار لفلاح منه. رهبة وارتياب. السماء هي الديم السخية وهي أيضا تحاريق الجفاف. ثواب وعقاب يتناوبان علم الغيب المنوط بهيئة تناوب الفصول، يحضران او يغيبان حضور الغلة او غيابها عن الصومعة.

رضى السماء ضرورة لازدهار المواسم ولرضى الفلاح عن ذاته وشعوره بالطمأنينة. والسماء لها بيوت تسكنها القداسة ويحف بها التبجيل وتفتدى بكل غال ونفيس لأنها رمز التواصل بين السماء والأرض، العناية المأمولة من جهة والخضوع، ربما الوحيد، الذي يباهى به، من جهة ثانية.

المرابي لا يؤمن بشيء قدر ايمانه بقدرة المال على عمل أي شيء. وهو يؤمن بالسماء أيضا، انها تظلل رأسه وحده وتحيطه وحده بالعناية. الاخر لا يستحق ان يوجد الا ليحقق سعادة المرابي على الأرض. المرابي يسرق الزمان، والزمان سنين عمر وحياة يستلبها المرابي باقراض من احوجته ظروفه بشروط وحشية. ومن هنا يحول المرابي الزمن الى نقود: قالت العرب قديما: الوقت كالسيف، وأما المرابي فيقول بأن الوقت من ذهب، بلا استعارة ولا مواربة. ورأس المال المالي بالتعبير الماركسي الصائب هو المرابي النهائي، والمصارف هي الكناية المثلى عن الشر. وسرقة الأوطان هي خلاصة الجريمة، أو الجريمة الخالصة. لكن هذا ليس كل شيء.

نحن شعب من الفلاحين في غالبيته. طردنا المرابون من مكاننا ومن زماننا، خارج الوطن وخارج أيامنا الحقيقية، وعاش كلنا في أمكنة وأزمنة مستعارة، او أمكنة وأزمنة مستباحة. سرقوا منا كل شيء، حتى دون ان نستدين منهم فلسا، لكنهم سرقونا لأنهم كانوا قادرين. أخذوا بيوتنا وحقولنا وقطعوا زيتوننا امام عيوننا، واجبرونا على هدم منازلنا بأيدينا، أمام جميع العيون عربية وإسلامية وشرقية وغربية لأنهم ما زالوا قادرين.

لكننا فلاحون لا حيلة لنا في هذا الهوى القاتل. لا ننسى بلادنا لأن ذلك فوق طاقتنا. ولا نغفر سرقة ارضنا منا لأن السرقة في شرعنا جريمة لا غفران لها. وما على الفلاح لوم اذا بات يحلم انه يحرث أرضه ويرتب اثلامها ويبذر في موسم البذار ليحصد في موسم الحصاد بأغانيه الجميلة المليئة بالعزة:

على البيادر التقينا ولاقتنا الخيل

كان صار بارودنا متل المطر والسيل

وحياة من خلاك تطلع يا نجم اسهيل

لنقاتل العدو حتى تصير حالتو بالويل

نحن شعب من الفلاحين والفلاحون يتجملون بالصبر، صبر طويل طويل ومرير، لكننا خلقنا لأجله، ونحن، والأيام تؤكد ذلك، نعرف كيف نحفظ في اصلابنا الصبر والثبات على الوطن والأرض. ابناؤنا وبناتنا يشبهوننا في أشياء كثيرة، وأكثرها شبها بنا هو هذا الصبر وهذا الهوى القاتل،

حتى انهم لفرط حبهم لهذه الأرض بدأوا يعيدون الى الفأس دوره المجيد في بث لواعج حب لا يزيده الحرمان الا توهجا واشتعالا.

مباركة أرض الفلاح الفلسطيني

مباركة يده

وفأسه مباركة

من صفحة الكاتب على الفيس بوك

Wallid Hallis

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.