الإحتلال الصهيوني عُنْصُرِيٌّ بالطّبْع، الطاهر المعز

لم يكن للكيان الصّهيوني أن يتأسّس لولا الرعاية والحماية الإمبريالية، ويمثل هذا الكيان عُصارة تجربة الإمبريالية في مجالات القمع والإقصاء والمُمارسات العُنصرية التي لا تقتصر على عرب فلسطين، وإنما شملت العرب اليهود الذين ساهموا في احتلال فلسطين…

ترصد الفقرات الموالية بعض جوانب العقيدة والمُمارسات الصهيونية، كإيديولوجية استعمارية، وتعتمد على ثلاث مصادر من المطالعة اليومية للصحف أو عَرْض الكُتُب والوثائق والدّراسات، أحدها أوروبي (فرنسي)، يجْمَع بعض شهادات مُقاومين سابقين لنظام الميز العنصري في إفريقيا الجنوبية، بخصوص ما لاحظوا في فلسطين المحتلة، والثاني “عربي يهودي”، يتضمن ما كتبته “إيلا حبيبة شُوحاط” التي تُعرّف نفسها كيهودية عربية، بخصوص “الإستعمار الدّاخلي” الذي تُسلّطه الصهيونية على العرب اليهود، والثالث تاريخي، يهودي غربي، ومُنحاز للكيان الصهيوني، بشكل خَفِي…

■ ■ ■

نَشَر الصحافي الفرنسي “ميشال بول ريشارد”، سنة 2013،  كتابًا ( 134 صفحة) بعنوان “إسرائيل- الميز العنصري الجديد” (Michel Bôle-Richard : Israël – Le nouvel apartheid  ) وكتب ضمنه: “تستخدم (إسرائيل) نفس أساليب الميز العنصري بجنوب إفريقيا، ويظهر ذلك لكل مُراقب، في أي مكان من فلسطين، مع شيء من التّجديد وإعادة ابتكار وسائل القمع والإقصاء وإنكار الآخر، ومَحْوِ الآثار العربية الفلسطينية، والإدعاء بأنها دولة ديمقراطية يهودية… أما من تمكّنوا من البقاء على وطنهم (حوالي 160 ألف)، ولم يشْمَلْهُم الترحيل القَسْرِي، مثل 850 ألف فلسطيني تم ترحيلهم، فعاشوا عشرين سنة تحت قوانين الطوارئ وحظر الجولان، ولا يزالون “مواطنين من درجة ثانية” وربما ثالثة، بعد اليهود الأشكناز، واليهود الشرقيين (سفارديم)، ولم تتمكن (إسرائيل) من ممارسة القمع والإقصاء والعُنصُرية المُؤسساتية والتشريعية، لولا دعم حكومات الدّول (الغربية) التي وتُغطِّي على جرائمها وتَضْمن إفلاتها من المُحاسَبة ومن العقاب…” في شهادة لها بتاريخ تموز/يوليو 2008، أعلنت باربرا هوغان، عضوة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، بعد مُعايَنَةِ الوَضْع في فلسطين: “في جنوب إفريقيا يعيش غير البيض في مناطق منفصلة، ولكن لم يكن هناك طريق منفصل ، أو ما سُمِّيَ جدار أمني، ونقاط تفتيش، ولوحات سيارات مختلفة، وأتساءل إلى أي مدى ستصل الأمور، وما هي النتائج المَرْجُوّة؟…  في شوارع مدينة الخليل، عاينْتُ الظلمَ والكراهيةَ واليأسَ والخوفَ في عيون الأطفال والصمت السّائد في مدينة نابلس المحاصرة وشاهدتُ الجيشَ يُدير الحواجز ويسيطر على كل التلال والمُرتفعات، فلا يمكنك الدخول والخروج كما تريد. ان حال الفلسطينيين اسوأ من جنوب افريقيا، زمن الميز العُنْصُري “.

استغربت السيدة “نوزيزوي مادلالا روتليدج”، النائبة السابقة لوزير الصحة وعضو البرلمان عن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، من “مدى القيود والرغبة في إقامة فصل كامل ووجود الجيش في كل مكان ، وصفوف الإنتظار الطويلة جدًا عند نقاط التفتيش، ومن كثرة غارات الجنود … (وأعلنت ) هذا أسوأ من الفصل العنصري وهو أكثر ضررًا وتعقيدًا … لدي انطباع أننا لسنا في فلسطين، وإنما في جنوب إفريقيا، سنة 1965، عندما اشتد القمع … إن لسكان جنوب إفريقيا البيض واليهود الصهاينة في فلسطين نفس الجذور الإستعمارية، باستثناء أن هدف البيض الجنوب أفريقيين كان استغلال غير البيض، بينما يبقى هدف الصهاينة طرد الفلسطينيين … ولتحقيق هذا الهدف، أنشأت إسرائيل حق العودة لليهود في جميع أنحاء العالم ، لكنها تنكر ذلك على الفلسطينيين “.

قالت الكاتبة الجنوب أفريقية نادين غورديمر (1923 – 2014)، الحائزة على جائزة نوبل للآداب والمعارضة لنظام الفصل العنصري، في أيار/مايو 2008: “الإذلال وطرد الناس من منازلهم والجدران العازلة وتدمير المحاصيل، كلها ممارسات تسمح لنا بمقارنة (إسرائيل) بجنوب إفريقيا زمن الميز العنصري. »

روني كاسريلز (وُلِد سنة 1938 ولا يزال حيا)، وزير جنوب أفريقي سابق، يهودي، شيوعي، معارض للفصل العنصري، ومنتمي لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، قضى 27 عامًا في المنفى، استشهد بالتصريح التالي لديفيد بن غوريون ، مؤسس الكيان الصهيوني، الذي أعلن في الخمسينيات: “ما الداعي ليوقع العرب معنا اتفاقية سلام؟ لو كنت زعيما عربيا لما عقدت صفقة مع إسرائيل. إنه أمر طبيعي: لقد أخذنا بلادهم. بالطبع ، لقد وَعَدَنَا اللهُ بذلك، لكن بالنسبة لهم، هذا ليس شأنُهُم، فإلهنا ليس إلههم. نحن شعب إسرائيل، منذ ألفي عام، هذا صحيح، وماذا يعني ذلك لهم؟ كُنّا ضحيةَ معاداة السامية من قِبَل النّازيين وهتلر والإعتقال في محتشد أوشفيتز، وما إلى ذلك… لكن هل كانوا مسؤولين عن أي شيء من ذلك؟ الشيء الوحيد الذي يرونه هو أننا أتينا إلى هنا وسَرَقْنَا بلادهم. لماذا يجب أن يرْصوا بذلك ويقبلوا بالأمر؟ »

■ ■ ■

عنصرية الأشكنازيم ضد السفارديم أو المِزْراحِيم

نشأت الإيديولوجية الصهيونية، في عصر الرأسمالية، ومرحلة الإمبريالية، في أوروبا، مهد الإمبريالية، ولذلك كان الأشكنازيم (اليهود الأوروبيون) يَقُودون الحركة، ثم الدّولة الصهيونية، حتى سنة 1977، ويُمارسون العنصرية ضد العرب (الأغيار، أو غير اليهود) ولو كانوا يهودًا، وتم الكشف عن بعض الوثائق بخصوص المُعاملات العنصرية ضد اليهود اليهود العرب، ووصفت الباحثة “إيلاَّ حبيبة شُوحَاط” (جاء والداها من العراق)، في مُؤلّفاتها، العديد من المُمارسات العدوانية والعنصرية والمُهينة ضد العرب اليهود الذين تحوّلوا إلى مُستوطنين، إما بمحض إرادتهم، أو من خلال صفقات بين الحركة الصهيونية والنظام العراقي أو المغربي، أو من خلال التفجيرات التي نفذتها الإستخبارات الصهيونية بهدف دفع اليهود نحو مغادرة بلادهم والمشاركة في استعمار فلسطين، وغادرت “إيلا حبيبة شوحاط” فلسطين نهائيا، واستقرت في الولايات المتحدة، وهي أُستاذه الدّراسات الثقافية حول حقبة ما بعد الإستعمار بنيويورك، ونشَرت كتابًا حول التقاطعات الثقافية بين “الشرق الأوسط” وأمريكا الجنوبية، ويَجْمَعُ كتابها “ذكريات ممنوعة، أصوات منفية” (مُتَرْجَم للعربية)، مجموعة مقالات (12 مقالا) تُوثِّق عبر أكثر من عقدين، الآثار العميقة لهيمنة الفكر الإستعماري الأوروبي، وتأثيره في فلسطين التي يُعاني شعبها النّفي والتّشريد (في الدّاخل وفي الخارج)، ومحاولات مَحو ذاكرته الجماعية التاريخية، وتُعَرِّفُ نفسَها كعربية يهودية، تعتبر أنها عانت من القَمْع والإضطهاد من قِبَل الصهيونية الإشكنازية المُهيمنة التي قمَعَت الفلسطينيين واليهود العرب (المِزْرَاحِيم)، وإن لم يكن القمع بنفس الدّرَجَة، ومن نتائج هذا القَمْع، القضاء على الثقافة الشرقية اليهودية، كما نَشَرت، قبل حوالي 25 سنة كتاب صغير الحجم، بعنوان “اليهود الشّرقِيُّون في إسرائيل- الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها اليهود” (تُرْجم إلى العربية سنة 1998)، وتُؤَكِّدُ “شوحاط” أن الأشكناز (اليهود الأوروبيين) يُهيمنون على الفلسطينيين، ويعتبرون اليهود العرب “المزراحيم” يهودًا من درجة دُنْيا، لكن منزلتهم أعلى من الفلسطينيين، وتعتبر أن المزراحيم ضحايا الصهيونية الأشكنازية التي تضطهدهم داخل الدّولة الصهيونية وتستخدمهم ضد الضحية الأولى أي ضد الفلسطينيين…

ترجمت صحيفة “الغد الأردني” (الإربعاء 01 كانون الثاني/يناير 2014) مقالاً كتبته “إيلا شوحاط” بالإنغليزية، بعنوان “تاريخيَ المُمَزَّق”، حيث تعتبر العراقيين اليهود والعرب “أبناءً للثقافة العربية التي يتحدثون لغتها وينتجون بها ويتواصلون بها… ( ولا يختلفون سوى بعقيدتهم الدّينية التي تبقى ) داخل الثقافة الواحدة مثل مواطنيهم: عربي مسلم، عربي مسيحي، عربي يهودي…”، واجتثَّتْهُم الصهيونية من مدنهم وقُراهُمْ ومَواطِنِهم، فأصبحوا يحملون هوية مشوشة، ويتعرضون للتمييز أيضاً داخل فلسطين حيث تتميز التركيبة الإستعمارية للدولة الصهيونية (ذات المنشأ الأوروبي) بالعداء الشديد للعرب، ولثقافتهم (بالمفهوم الواسع للثقافة)، مهما اختلفت عقائدهم الدّينية، وتتميز “الثقافة” الصهيونية الإشكنازية والغربية، على حد السّواء، بإنكار الأصوات اليهودية العربية (السفارديم)، وتعتبر “شوحاط” أن العروبة تشير إلى “الثقافة المشتركة واللغة المشتركة، بالرغم من مع الاختلافات الدينية، لكن من الصعب علينا إيصال فكرة أننا عرب، ويحق لنا مع ذلك أن نحتفظ باختلافنا الديني، مثل العرب المسيحيين والعرب المسلمين… إننا عرب يهود، نتحدث العربية، وليس اليديشية؛ أن إبداعنا الثقافي، العلماني والديني، وجد تعبيره لآلاف السنين بالعربية، ولم نمارس أبداً تلك القواعد الطقوسية- الإيمائية والرموز اللباسية التي تفضل الألوان الداكنة على طريقة بولندا قبل قرون، ولم تكن النساء يضعن الشعر المستعار أبداً، فكانت أغطية شعرهن تتألف من أشكال مختلفة من الملابس الإقليمية (في أعقاب الإمبريالية البريطانية والفرنسية، ارتدى العديد الملابس غربية الطراز)… في معابد اليهود الشرقيين، حتى في نيويورك ومونتريال وباريس أو لندن، تسمع نغمات “ربع التون” الموسيقية الشرقية في موسيقانا وتراتيلنا، وكأنك في مسجد، ولا يزال بعضُنا يرفضون الذوبان، وكنتُ خائفةً، خلال قَصْف الصواريخ الأمريكية على العراق، على الضحايا، حيث لدي أقارب في العراق أيضاً… هناك ضغط يفرض على المرء الاختيار بين كونه يهودياً وكونه عربياً. لقد فرضُوا علينا تَقَمُّصَ هوية يهودية أوروبية، جاءت بها الصّهيونية من روسيا وبولندا وألمانيا، فتم، للمرة الأولى في تاريخنا، فَرْضُ مَفْهُومَيْ “العروبة” و”اليهودية” كمتضادات، حيث لا تعترف الصهيونية (كثقافة أوروبية خالصة) بالثقافة اليهودية-الإسلامية- العربية، بل صوّرت الصهيونية “التجربة اليهودية في العالم المسلم على أنها كانت كابوساً لا نهاية له من القهر والإذلال”…. كان اليهود العراقيون (والعرب عمومًا) سكاناً أصليين للبلاد، أو هاجروا فارّين من القهر في أوروبا (بعد سقوط غرناطة) ويشكلون جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية، ويستخدمون اللغة العربية في الحياة اليومية وفي التراتيل والطقوس الدينية، ونشطوا في كل ميادين الحياة السياسية (نواب ومستشاري مجالس محلية وقُضاة) والثقافية والإجتماعية، في العراق وسوريا ولبنان ومصر والمغرب وتونس وغيرها.

جَرّدت الصهيونيةُ الفلسطينيين من وطنهم وممتلكاتهم وجرّدت اليهود العرب من ممتلكاتهم وأراضيهم وتجذرهم في البلدان العربية، فأاقتُلِعَت عائلة “إيلاّ حبيبة شوحَاط” من جُذُورِها وأُجْبِرَتْ على ترك كل شيء وراءها والتخلي عن جوازات سفرها العراقية، ليحتلوا مرتبة غامضة في الكيان الصهيوني، تُسَمِّيه الكاتبة “الاستعمار الداخلي”، فأصبحت بعض النساء الشرقيات من السفارديم تصبغ الشعر الأسود الداكن بالأشقر، في حين تم اعتقال الرجال اليهود الشرقيين أو ضربهم أكثر من مرة عندما تم اعتبارهم فلسطينيين، بسبب لون بُشْرتهم ومظْهَرهم الخارجي، بينما تُرَدّد الدّعاية الصهيونية أُسْطُورَة “الشعب الواحد الذي التأم شمله في وطنه القديم”…

من مؤلفات إيلا حبيبة شوحاط”:

On the Arab-Jew, Palestine, and Other Displacements: Selected Writing,-  Israeli Cinema: East/West and the Politics of Representation, – Taboo Memories, Diasporic Voices.

■ ■ ■

نشرت صحيفة “الأخبار اللبنانية” (18 أيار/مايو 2022) عرضًا لكتاب “جواسيس بلا وطن”، من تأليف “ماتي فريدمان”، مراسل وكالة “أسوشييتد برس” السّابق في الشرق الأوسط، ويوثّق لتجنيد الحركة الصهيونية يهودًا عربًا لاستخدامهم كجُنود مُقاتلين وجواسيس، بين سنتَيْ  1941 و 1948، ضمن وحدة “البلماح” (الصاعقة)، بعد سنوات من تجاهل الصهاينة الأُوروبيين (المُستوطنين الأوائل) لليهود العرب ورفضوا الإختلاط بهم في الكيبوتسات وفي الحياة اليومية.

أورد عَرْض صحيفة الأخبار الفقرة التالية: يُشير ماتي فريدمان إلى مقال نُشر في نيسان/ابريل 1949 في صحيفة «هآرتس»، يصف فيه الصحافي أرييه غيلبلوم، الذي عمل مراسلاً في أحد المعسكرات التي تؤوي يهوداً يتحدّثون العربية من شمال أفريقيا، بأنّ يهود العالم العربي لديهم «غرائز بدائية وحشية» و«ليس لديهم القدرة على فهم أي شيء فكري، ومستوى ذكائهم أدنى حتى من مستوى العرب الفلسطينيّين»

استخدمت الحركة الصهيونية (ودولتها فيما بعد) اليهود العرب (المزراحيم) كجواسيس في مصر وسوريا والأردن واليمن ، لأنهم جاؤوا مِن المجتمعات الإسلامية ويتحدّثون العربية ويُمارسون طقوسهم الدّينية على الطريقة الشرقية، وبذلك تمكنت الصهيونية من إنشاء شبكة تجسس قريبة من السكان المحليّين العرب، وتمكّن عناصرها من تنفيذ مهام سرية داخل عواصم عربية عديدة، منها بيروت ودمشق والقاهرة  وعَمّان، فضلا عن عمليات في إيران وتركيا وأوروبا…

تمّ تهجير اليهود العرب، من المغرب إلى العراق، ليدعموا حركة الإستعمار الإستيطاني، بدعم الوكالات والمُؤسّسات الصهيونية التي تَنَوّعت أساليبُها لبلوغ نفس الهدف: تكثيف الإستيطان في فلسطين، بمساعدة وكلاء الهجرة السريّين الذين وَفَّرُوا السفن والطائرات، وكانت خيبة أمل العرب اليهود كبيرة عندما تمّ رَشُّهُم بمادة “دي دي تي”، عند وُصُولهم إلى فلسطين، واختطاف أبنائهم الرُّضّع وبدأ تَغْرِيب البالغين في “معسكرات الهجرة”، حيث حُظِرت اللغة والموسيقى العربية واللّباس العربي، وتحوّل العرب اليهود تدريجيًّا إلى “صهاينة أصيلين” يتَفَنَّنُون في قمع بني جلدتهم من الفلسطينيين الذين كانوا ولا يزالون ضحية الإمبريالية والصهيونية، وكذلك الأنظمة الرجعية العربية والعُملاء العرب…

إن السؤال الوحيد الذي وجب طرحه هو: كيف يستعيد الشعب الفلسطيني بمختلف شرائحه ومهما كان مكان إقامته، وَطَنَهُ؟

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.