متابعة لمحكامة الدكتور عادل سماره: نهاية المحاكمة

المحكمة كتجرية ومعرفة

د. عادل سماره

كانت الجلسة رقم 36 في رام الله برئاسة السيد القاضي عمار سلايمه.

حضر المحامي مهند كراجة والمحامي ظافر صعايده، وأنا نفسي، لم يحضر لا ممثل النيابة ولا الطرف الآخر وحتى المحامي لم يحضر.

قال القاضي: “قررت المحكمة عدم قبول الدعوة جزائياً”. وحين لم يشاهد تغيرا على ملامحي أردف: هذا يعني براءة.

وهذا ما أكده المحاميان مهند وظافر بأن القضية بلا اساس وسيتم ردها لعدم كفاية الأدلة.وهما اللذان مع كل المحبة والشكر وقفا أمامي وليس فقط إلى جانبي طوال السنوات الست رغم ما أُسمعاه من تحريض للتخلي عني!

وللرفاق الشكر والتقدير على جهدهم ووفائهم الدائم والعروبي  حيث حضروا الجلسة الرفاق د. حسن خريشه، ود. عبد العزيز بني عودة والرفاق إحسان سالم ابو عرب، وكامل جبيل والفنان التشكيلي جواد إبراهيم وعناية سماره وسمر سماره ويزن سماره.  وكذلك الشكر للرفاق والرفيقات الذين لم يتمكنوا من حضور هذه الجلسة الرفيق العتيق محمود فنون، والرفيقة سوسن مروة  والرفيقة ديمه امين والرفيق ابراهيم الطرشة والرفيق ابراهم لدعة والرفيق مراد السوداني والرفيق الأسير الشيخ بشير الخيري والشاهد محمد ابو الوليد. الشكر العالي لهذه النخبة الوطنية.

وشكراً عاليا ورقيقا لكل عربي/ة كتب ودافع ودعم سواء بالبيانات أو على صفحات التواصل الاجتماعي، وبالمناسبة كان النشر عن القضية منكم جميعاً بناء سدود ضد التطبيع.

فلنبق بل سنبقى جميعاً ضد التطبيع.

وبعد:

وهذه المرَّة  أيضاً يكن الحدث الذي غالباً لم نتوقعه فلسنا انبياء وبدوره فالحدث يفرض علينا نفسه ويكن السؤال: إن كان لنا أن نفهمه ونحيط به أم لا.

لا تقل أنك خبير وعريق التجربة، ستبقى تُجرِّب إلى أن تصبح أنت تجربة للآخرين.

لست وحدي من جرّب سجون عدة أنظمة مرَّت على فلسطين وبقيت فلسطين، كنت ذات زمن الأصغر في سجن المحطة في عمان وكنت الأقدم سناً في سجن العدو في رام الله. وكنت في سجن السلطة فيما يخص بيان العشرين. بل وأهم من ذلك كله. حين كان الأسرى يُحققون ويُعذبون المشتبه بهم لم أؤيد ذلك ولم اضرب اياً منهم بكلمة. كان رايي أن محمكمة الشعب ستحاكمهم وما علينا سوى نبذهم ومقاطعتهم وليأخذهم قائد السجن إلى إصطبله.

عشت تجربة اغتيال ناجي العلي عن كثب، وفهمت من حينها أن الصراع مع التطبيع قادم وقاس وعلقمي المذاق. لكنني لو أتوقع أن يتشخصن التطبيع في كيدية سياسية يتم إلباسها ضدي في ثوب القدح والذم الشخصي.

والمفارقة التي كانت تؤرقني دَوْم السنوات الست من 29 حزيران 2016 حتى 9 حزيران 2022 أن أُحاكم بزعم شتم إمرأة، وأنا الذي كتبت ثلاثة كتب لصالح المرأة بل انتصاراً لها وخاصة كتابي “تأنيث المراة”.

سألني كثيرون لكثرة ما كتبت عن المحكمة من باب أن لاحاجة لكل هذا.

واحتجاجهم صحيح، ولكن لم يكن امامي سوى إثبات حقي في أن المحكمة كيدية سياسية وبأن جوهر موقفي ضد التطبيع، وبأن كل حيثياتها لا علاقة لها بأي شتيمة لإمرأة ولا حتى لشخص فرد بمفرده بل قضية وموقف منها ولها. وأعتقد أنه كان لي هذا، ولذا، حتى لو لم يكن الحكم نفي القضية ما كنت لأندم لأنني برهنت أن  أساس القضية كيدي سياسي تماماً.

قد يستغرب الكثيرون إن قلت أن الخصم ليس المحكمة والمحاكمة …الخ.

كان خصمي أولئك الذي يجلسون خلف الكواليس من اليمين ومن اليسار والذين كانوا يحرضون ويتلذذون بإزعاجي مع أنني لم تكن لي مع معظمهم أية إشكالية، هذا مع انني اعلم انك وأنت تقدم نفسك كعروبي شيوعي فلن ترضى عنك قوى الدين السياسي ولا قوى التطبيع ولا قوى مغادرة القومية والماركسية.

ولم أكن أنشد رضاهم ولا أحتقر مواقفهم، لكنني كنت ولا زلت أرى حقي في أن أكون كما أنا. لا بطلاً ولا رمزا ولا اسطورة، ولكن وطني في الأساس  وحتى النهاية.

كم قال لي أحبَّةً: لِمَ لا تغادر هذا البلد الذي لم تأخذ منه ما يأخذه حتى عصفوراً، أليس الرحيل أجدر!

كم كان يجرحني هذا من الداخل. وهل ارحل بعد هذا العمر وإلى أين؟ ولأي سبب؟ بعض السجن، فليس جديداً وهل نستبدل الوطن بايام متبقية من العمر؟

وكم استذكرت قول ابي فراس الحمداني:

“وقال أُصيحابي الفرار أو الردى…فقلت هما أمران أحلاهما مُرُّ

ولكنني أمضي لما لا يعيبني….. وحسبك من أمرين خيرهما أسرُ”

قيل ارحل فأنت تحمل الجنسية الأمريكية وبوسعك أن تجوب العالم بلا تاشيرة وتعمل استاذا في جامعات السيد الغربي وتؤلف  كتباً…الخ. نعم هذا ممكن، ولكن لم يتنبهوا بأنني حين أرحل قصداً لا قسراً  أفقد عروبي وفلسطينيتي فما قيمة جواز سفر لا احبه اصلاً . لم افكر في الحصول عليه إلا بعد ربع قرن من تاريخ حقي فيه حيث قلت لنفسي: ماذا لو طٌردت! .

سألني أمس صديق شاهد الفيديو الذي نشرته عن المحكمة وذكرت فيه أنني أحمل الجنسية الأمريكية قائلا: لماذا تقدم لمن لا يحبونك مادة ضدك؟

قلت له بل أقصد ذلك. فما أكثر العرب الذين هم عرب بالتابعية والدم وهم خونة بالمطلق والعدم.

وذكرت له إسم وغدٍ يزعم أنه قومي عربي كتب “إن عادل سماره حصل على الجنسية الأمريكية في ظروف غامضة”. وهو يعرف عناية زوجتي شخصيا ويعرف أنني حصلت على الجنسية من خلالها وبعد حرب مع القنصلية الأمريكية. أنا لا أرى هذا إلا عميلاً وستبدي لكم الأيام.

 هذا الذي حل في قصور الشام محل فتى الموساد واثخن الصحف بخطاب قومي وصل حد إنكاره للمحرقة في خدمته للكيان وهو الذي أدخل الأفاعي إلى الشام.

صفحة طُويت، وتجربة حية بلا شك. وكما بدأت اقول: الحدث سواء كان فرديا أو عاماً أو متداخلا بهما وبينهما إلا أنه بالتأكيد لا يستشيرنا.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.