هل هي بداية النهاية للقوة الأمريكية؟ الطاهر المعز

كان اندلاع الحرب في أوكرانيا فُرصَةً لزيادة الميزانية الحربية الأمريكية بقيمة 14 مليار دولارا، خلال شهر آذار/مارس 2022، ثم بقيمة أربعين مليار دولارا، في أيار/مايو 2022، وارتفع حجم الدّعم العسكري الأمريكي إلى أوكرانيا بقيمة 54 مليار دولارا، فضلاً عن الدعم العسكري الأوروبي والأطلسي لأوكرانيا، وعلى سبيل المُقارنة، ففي سنة 2021، بلغت قيمة الميزانية العسكرية الفرنسية 56,6 مليار دولارًا وألمانيا 56 مليار دولارا واليابان 54,1 مليار دولار وأُستراليا 31,8 مليار دولارًا، وهي مبالغ تم اقتطاعُها من مال الشُّعُوب، كان يمكن استثمارها في السّكن والنّقل العام والتعليم والرعاية الصّحّية، بدل استثمارها في صُنْع وشراء وصيانة معدات فتاكة غير منتجة، لأن الوظيفة الطبيعة للسّلاح هي القَتْل والتّدمير، وبَرعت الولايات المتحدة في إنتاج وتصدير أدوات المَوْت والدّمار، ولم تشتهر الولايات المتحدة في تاريخها القصير، وخاصّة مُذْ أصبحت دولة رأسمالية امبريالية، بدعم حركات التحرر واستقلال البلدان والشُّعُوب، لذلك فإن الأسلحة والمُعدّات التي تسلّمتها أوكرانيا، ليست مجانية، بل مَشْرُوطة، ويُسدّد الشعب الأوكراني والرّوسي وكذلك الأمريكي ثمنها بشكل أو بآخر، وتراوحت بين صواريخ ستينغر وجافلين، وأنظمة مُضادّة للطائرات ومروحيات وطائرات آلية، فضلاً عن تدمير هذه الأسلحة للبيئة وسُبُل عيش المواطنين.

بلغت قيمة ميزانية الحرب للولايات المتحدة، سنة 2021، أكثر من 800 مليار دولارا (مُعْلَنَة)، أو أكثر من ميزانية الدّول التسعة التي تليها في ترتيب الإنفاق على التّسلّح (الصين والهند وبريطانيا وروسيا وفرنسا وألمانيا والسعودية واليابان وكوريا الجنوبية ) بحسب  تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لسنة 2021.​​

من جهتها استفادت الولايات المتحدة من ارتفاع أسعار القمح بنسبة 38% خلال موسم 2022، مقارنة بالموسم السّابق، كما استفادت من مُقاطعة أوروبا لغاز روسيا وارتفاع أسعار المحروقات، وزاد حجم مبيعات الغاز الصّخْرِي الأمريكي (الأغلى ثمنًا والأقل جَوْدَةً من الغاز الرّوسي) إلى أوروبا، وتهدف الولايات المتحدة من وراء حرب أوكرانيا إضعاف روسيا، أكبر دُوَل العالم مساحةً، لكنها سُكّانها لا يُشكّلون سوى 2% من سُكّان العالم، مقابل 5% للولايات المتحدة، وتحتوي أراضي روسيا على كميات ضخمة من المحروقات (النفط والغاز)، ومن المعادن كالنحاس والرصاص وخام الحديد والزنك والبوكسيت والنيكل والقصدير والزئبق واليورانيوم والمغنيسيوم والذهب والفضة والبلاتين والتنغستن والتيتانيوم والماس، كما تمتلك مساحات شاسعة من الغابات،  تُمثّل نحو 20% من موارد الغابات في العالم…

حاول الجيش الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت ( 1769 – 1821 )، كما حاول الجيش الألماني بقيادة أدولف هتلر ( 1889 – 1945 ) احتلال روسيا، فكانت الهزيمة التّاريخية لكل منهما، على عتبات الأراضي الروسية. أما الولايات المتحدة فتعتمد على تَوْرِيط حُلفائها من حلف شمال الأطلسي (وتُشكّل أوروبا ركيزة الحِلْف الأساسية) لفَتْح عدّة جَبَهات متزامنة، في “أُوراسيا”، أي في آسيا، باستفزاز الصّين وفي أوروبا باستفزاز روسيا، فهل تكون تلك بداية النهاية للإمبريالية الأمريكية، وإن كانت بطيئة، وقد لا تستفيد الشُّعُوب المُضْطَهَدَة من إنْهاك القوة الأمريكية، إذا لم تستعدّ للدّفاع عن حُقُوقها…   

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.