أدونيس بالتفريط.. … ولم يفُز بالإبل! د. عادل سماره

قرأت ما نشر شخص باسم نازك الملائكة لما كتبه سركيس ابو زيد تلخيصا لمحاضرة القاها أدونيس في القاهرة يوم 24 تموز لهذا العام.

بداية لم أسمع أو أشاهد المحاضرة، ولذا سأعتمد تلخيص سركيس ابو زيد للمحاضرة وإن كان في  التلخيص زيغاً فتلك مسؤولية أبو زيد وحده.

إذا صح التلخيص، فإنني أتسائل: ترى: اين يعيش ادونيس؟ وماذا عن  الذين فاضوا عن سِعَة  قاعة المحاضرة، أي هل ناقش أو جادل أو دحض أحدهم أقوال أدونيس في تخليط هذيانه ووعيه معاً، ليس في ما قال، بل في ما لم يقلْ! اي لماذا لم يقل الكثير المهم، بل الأهم!

الشاعر والناقد الحاد أدونيس لم يسمع لا عن إستهداف الاستعمار/الراسمالية/الإمبريالية/العولمة  ضد العروبة منذ ثلاثماية سنة ولم يتوقف هذا الاستهداف. أليس لهذا دوره في احتجاز تطور الأمة العربية وحتى العالم الإسلامي بل وبلدان المحيط؟ هل يُعقل أن ادونيس لم يسمع بالاستعمار ونهب ثروات الأمم وحتى نهب وعيها؟

لماذا يُعفي أدونيس هذا العدوان المعولم من دوره في تغذية الثورة المضادة في الوطن العربي وبقصد وإصرار وتغذية الطائفية والجهوية والإقليمية واضطهاد الكل وخاصة المرأة.

هل لأنه لم يبلغ النضج بعد منذ أن بدأ عدوان الاستشراق الإرهابي الجاري ضد الأمة العربية وخاصة الجمهوريات أي لم يرى بأن الثورة المضادة قفزت على عنق الانتفاضات العربية فاغتالتها بسلاح قوى الدين السياسي؟

أنا لا أعفي المثقف العربي ولا السياسي ولا حتى المواطن. ولكن ما معنى كل هذا الهجوم على الأمة والتاريخ والمستقبل معاً دون ان ينصفها أدونيس بذكر وحشية وتدخل عدوها! هل يصل الكره والاستكراه إلى هذا الحد؟

الشاعر أدونيس حينما حضر مؤتمر غرناطة 1994 برفقة عزمي بشاره تحت عباءة شمعون بيرس وملك الاستعمار الإسباني لم يكن طفلا حملته أمه على ذراعيها إلى حفلة صهيونية لم يكن يعرف عنها شيئاً. قبل ثمانية وعشرين سنة كان عمر أدونيس فوق الخمسين ، فهل يُعقل أنه لم يصل لحظة البلوغ العقلي؟  بل البلوغ الوطني فلم يفهم أن العدو بيرس هو رئيس وزراء مستوطنين اغتصبوا وطن شعب بأكمله.

حينها سألت عزمي بشاره: لماذا ذهبت إلى مؤتمر غرناطة التطبيعي؟ قال لأسمع ما يريده بيرس!!!أي عزمي لم يسمع بيرس في الوطن المحتل فذهب إلى الأندلس المحتل؟ كم أكره تكرار اسم عزمي بشاره، لكن ما قام ويقوم به من تجنيد أوغاد الثقافة والسياسة وتخليق بدائل للنضال الوطني من طراز تفكير جديد ومسار جديد وتمجيد للمثليين (حتى لو تذرعوا بشتمه للتغطية على تشغيلهم لصالحه) هذا ما  اصطدم به كل يوم أي هُراء موظفيه من جهة ومن جُبن كثيرين يعرفون أكثر مني ولا يقولون شيئاً فيبدو وكأنني أنقده بشكل شخصي!.

ومع ذلك حتى الآن ادونيس في محاضرة غطت 1400 سنة ولم تتوقف لم يرى قرن الاحتلال الصهيوني؟

واليوم فالكيان يصب ناره ونار الإمبريالية الغربية كل الغرب ضد الشعب الفلسطيني في غزة  ونار الأنظمة التي خلقت الكيان والأنظمة العربية التي طبَّعت مع الكيان ونار مثقفي الطابور السادس الثقافي. كل هذه ساهمت بقصد ووعي  في إعاقة بل كبح تطور الوطن العربي الذي يعيب عليه أدونيس كل هذا العيب. هل يُعقل أن ادونيس  يمكن أن يقول كل هذا دون ذكر هذا الكيان؟  وأين؟ في القاهرة عاصمة التطبيع؟ كيف لم يمسك أحد منهم منديلا ليلتقطه به ويرميه إلى المطار؟

حتى مثقفي اللبرالية الغربية يدينون الكيان، ولا يتجاهلون دوره الخطير على الإنسانية، أما أدونيس… ولا حرف! يا للهول والفاجعة!

الغريب حتى المحزن أن أدونيس يصل حد القول:” فضلا عن الإقصاء الذي مارسه العرب و المسلمون على الآخر” .! غريب، لنفرض أن العرب مارسوا ذلك. ولكن لماذا لم يلاحظ عدوان كل الغرب ضد الأمة العربية؟ ألم يقصينا الغرب عن وطننا؟

هل يُعقل أن أدونيس لا يعرف أن الغرب شن ضد الأمة العربية اربعة موجات عدوان:

*         الإسكندر المقدوني

*         الغزو الروماني

*         غزوات الفرنجة

*         وغزوات الأوروبيين منذ القرن التاسع  عشر والتي تبلورت في اغتصاب فلسطين.

ويشن اليوم غزوة مشتركة أي الاستشراق الإرهابي.

ومع ذلك لا يرى أدونيس كل هذا! ويتهم العرب بإقصاء الآخر. ولم يلاحظ أن الآخر يمارس ضدنا الإفناء! ألهذا الحد يصل جنون الكراهية أو الشبق لاعتراف به  ولن يحصل.

هل أخذه شبق الاعتراف به حد العمى عن رؤية ورطة محمود درويش في بحثه عن اعتراف الغرب ولم يحصل ؟  وهل تستحق”نوبل” وهي مضمخة بالكذب وخدمة الإمبريالية كل هذا الهوان؟

ثم يقول: “و موضحا أن الإرهاب الحالي ليس سوى تنويع على إيقاع إرهاب قديم.”

دعنا نقول أن هناك إرهاب قديم، وكل الأمم افرزت وعاشت وعايشت الإرهاب الداخلي والذاتي. إرهاب داخلي ذاتي. ومن لم يسمع عن إرهاب القرون الوسطى في أوروبا  كم كان هائلاً قتل أمريكا عشرات ملايين أهل امريكا الأصليين ناهيك عن الأفارقة المستجلبين بالقوة إلى أمريكا البيضاء.  ولكن، هل يعقل أن ادونيس لم يفهم أن إرهاب اليوم هو تصنيع غربي مادته إرهابيون عربا ومسلمين.

الأمريكيون حتى الرسميين منهم يقولون: صنعنا القاعدة وداعش والنصرة، وأما أدونيس فيرد كل هذا بأنه توليد محصور عربياً! هل يُعقل أن يصل العمى بالمرء إلى هذا الحد؟ فاية رسالة يريد الشاعر الكبير أن يوصلها؟ هل هي أكثر من لطمة على وجه العروبة، وحدها العروبة؟ لا سيما وهو يُمالىء الدين بخبث وجُبن.

وهل يعقل أن يضع كافة الأنظمة العربية في كفة واحدة؟ هل يعقل وضع الجمهوريات مع أنظمة النفط والممالك وهي الأنظمة التي تقوم بدور استعمار و أمبريالية ضد الذات نيابة عن الاستعمار والإمبريالية؟ لا يقع في هذا سوى أعمى بقصد.

 “و وصف أدونيس المثقفين بأنهم موظفون”

أكيد هناك الكثير من المثقفين الموظفين في الوطن العربي، بل هناك مثقفون يوظفون مثقفين كما يفعل عزمي بشاره بآلاف الضحايا التافهين/ات من حَمَلة الدكتوراة حيث يحجون عنده بكل ذلك الذل! وهناك طوابير منهم/ن ينتظرون أن يُؤتى بهم/هن!

 ولكن لماذا كل هذا التعميم بأن “المثقفين” موظفين وليس “مثقفين” موظفين؟

نعم هناك مثقفو الطابور السادس الثقافي والمثقف المنشبك والمثقف  العمومي كما يصف عزمي بشاره نفسه (تكسي عمومي) لمن يأخذه حسب الطلب، وها هو أدونيس يكشف أنه مثقف أو فتى الاعتراف!

يذكرني أدونيس في ما كتبه هو وصادق جلال العظم ضد بعضهما وضد إدوارد سعيد.

كتب ادونيس بأن صادق العظم شكك في إدواردسعيد بأنه مخبر للأمريكين فكتب أدونيس بأن العظم هو ايضا بما كتبه عن إدوارد هو  مخبر  للمخابرات العربية !. (انظر  كتاب ذهنية التحريم : سلمان رشدي وحقيقة الأدب ، تأليف: صادق جلال العظم منشورات الريس/لندن قبرص 1992  ص  135).

طبعاً، رحل سعيد الذي وصف نفسه بالمثقف الإنساني وقدم مرونة هائلة ليحصل على الاعتراف، ولم يحصل، ورحل خصمه صادق جلال العظم ولم يحصل على الاعتراف بل رحل وقد وهوى تحت أقدام الطائفية والوهابية! فهل يحلم أدونيس بالاعتراف مقابل كل هذا الحقد على العرب؟

و دعا أدونيس إلى “إحداث قطيعة معرفية مع الماضي”

هكذا إذن ، يُحل ادونيس نفسه محل التاريخ، ينفي التاريخ وكأننا كنا أمة بلا تاريخ! بل وهل حقاً هناك أمم بلا تاريخ! كما زعم هيجل الأب الفلسفي للنازية. هل هناك أية إمكانية للقطع مع التاريخ؟ بل هناك إمكانية لنقد التاريخ، لتقييم التاريخ، أما نفي التاريخ والتاريخ وهو حدث ورائه بشر فهذه سوريالية أشد عمىً من السوريالية الأم حيث القطع مع كل ما سبق. فإنسانها لا تاريخي.

*و خلص أدونيس الى استحالة قيام ديمقراطية عربية في ظل الأوضاع الراهنة.*”

نعم، لن تكن هناك ديمقراطية في ظل الأنظمة الراهنة، وهذا لا يعني أن ينطوي المرء ممروراً باكيا كما يفعل ادونيس، بل  وجوب إيجاد دور للمرء في الثورة.

الصدق مهم للمثقف إلا إذا كان من طراز أدونيس، وصادق العظم، وجلبير اشقر وعزمي بشاره وسماح إدريس ويطول المسلسل.

ملاحظة: حينما كان يكسب شخصاً في خصام أو جدال كانت تقول العرب “وفاز بالإبل”هذا إن كانت ذاكرتي دقيقة.

(س. أبو زيد.)

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.