استثمار الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي في حرب أوكرانيا، الطاهر المعز

تلقت أوكرانيا 42 مليار يورو من المساعدات المالية، وأسلحة بقيمة 34 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي، بين شَهْرَيْ شباط/فبراير وتموز/يوليو 2022 ، وفقًا لموقع صحيفة “الغارديان” بتاريخ 29 تموز/يوليو 2022، وأعلنت وزارة الحرب الأمريكية، يوم 27 تموز/يوليو 2022، مساعدة عسكرية لأوكرانيا بمبلغ 7,5 مليار دولار، وأعلنت نفس الوزارة في الثامن من آب/أغسطس 2022، عن حصة جديدة من المساعدات العسكرية لأوكرانيا بقيمة مليار دولار، لترتفع قيمة المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا إلى 9,8 مليار دولار في عهد الرئيس جوزيف بايدن، بينما لا يملك ملايين الأمريكيين الفقراء المال الكافي للطعام والمأوى والرعاية الطبية.

أعلن البنك العالمي، يوم الإثنين الثامن من آب/أغسطس 2022، عن مساعدة إضافية لأوكرانيا بقيمة 4,5 مليارات دولارا، “لمساعدة الحكومة الأوكرانية على تلبية الاحتياجات الملحة التي سببتها الحرب، وضمان الإنفاق الاجتماعي والمعاشات التقاعدية والرعاية الصّحّية، وفقًا لبيان صحفي صادر عن البنك العالمي الذي قدم 13 مليار دولار كمساعدة مالية طارئة لأوكرانيا، خلال ستة أشهُر.

أي كَرَمٍ وأي سخاء أصاب الرأسماليين، فهم “عَقْلانِيُّون” لا يعرفون سوى الإستثمار من أجل جَنْيِ الأرباح، ويجهلون العواطف والقِيَم الإنسانية ومشاعر الوِدّ والتّضامن التِّلْقائي !!!

إن استثمار عشرات المليارارت من الدّولارات، بين أسلحة ودَعْمٍ مالي مُباشر، يُمثّل استثمارًا لنهب ثروات البلاد، بعد انتهاء الحرب، باسم “إعادة الإعمار”، وفق ما تسرّبَ من وَقائِع المؤتمر المُوسّع الذي شمل ممثلي الحكومات وأكبر المصارف والشركات الرأسمالية “الغربية” (بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، إلى جانب ممثلي حكومات وشركات ومصارف الولايات المتحدة وأوروبا)، والأُمم المتحدة والإتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية الإقتصادية وحلف شمال الأطلسي والمُؤسّسات المالية الدّولية… (سويسرا يومَي 04 و 05 تموز/يوليو 2022)، والذي أَقَرَّ الخُطُوط العَريضة لسلسلة من السياسات النيوليبرالية التي بدأت منذ انقلاب 2014، بدعم أمريكي وأوروبي وصهيوني، وسوف يتم فَرْضَهَا على أوكرانيا التي سوف تكون مُنْهَكَة ومُثْقَلَة بالدُّيُون الخارجية، بعد الحرب، ومن بينها تحوير قوانين العمل نحو الأسوأ (بالنسبة للعاملين) و “فتح الأسواق” وخفض التعريفات الجمركية وخصخصة القطاع الصناعي وبيع شركات القطاع العام للقطاع الخاص، بما في ذلك الأراضي الفلاحية الخصبة، بعنوان “الإصلاح الزراعي” !!! ويمكِنُ اعتبار هذا الإجتماع مُواصلة للّقاءات الدَّوْرِية التي بدأها ممَثِّلُو الشركات والحكومات الرأسمالية الإمبريالية، منذ سنة 2017، والتي وضعت برامج للهيمنة على مفاصل الدّولة (اعتمادًا على المليشيات النّازِيّة المُسَلّحة) وعلى الإقتصاد، من خلال فَرْض خفض الإنفاق الحكومي وتجميد التوظيف، وخفض الضرائب على أرباح الشركات والمصارف والأثرياء واستبدالها بزيادة الضريبة على الرواتب ودخل المواطنين من متوسّطي الدَّخْل، وزيادة الضرائب غير المباشرة، كضريبة الإستهلاك، وما إلى ذلك، قبل إدْماج أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي وفي الإتحاد الأوروبي، رغم عدم تَوَفُّر المعايير، فضلاً عن نَصْب الأسلحة والقواعد على حُدُود روسيا، بحسب ما نُشِرَ من وثائق مؤتمر سنة 2018…

استغلّت حكومة أوكرانيا الحرب لنهب موارد البلاد وتهريب الأموال إلى الملاذات الضريبية، مع التذكير بوجود أدلّة على تهريب الرئيس “فولوديمير زيلنسكي” للأموال، وامتلاكه حسابات مصرفية عديدة وعقارات في بريطانيا ومُستعمراتها، وفق وثائق “باندورا بيبرز” التي نُشرت في تشرين الأول/اكتوبر 2021) وقدّمت حكومة أوكرانيا قانونًا أقرّه البرلمان في آذار/مارس 2022، يسمح بوقف تطبيق عقود العمل الجماعية (الإتفاقيات القطاعية المُشتركة)، ليتم بعد شَهْرَيْن (أيار/مايو 2022) السماح للشركات التي تُشغّل أقلّ من مائتَيْ عامل، عدم تطبيق قوانين العمل، بذريعة “الظّروف الإستثنائية”، وكان “خُبَراء حكوميون بريطانيون” قد أعدُّوا ( منذ 2021، أي قبل الحرب) مشروع القانون وأشرفوا على تدريب موظفي دولة أوكرانيا (بدعم مالي من الإتحاد الأوروبي)، على أساليب تشويه سمعة النّقابات، تمهيدًا لقَضْمِ وإلغاء ما تبقى من مُكْتَسَبات الأُجراء، وبعضها موروث من حقبة الإتحاد السوفييتي، وقدّم الإتحاد الأوروبي مشروعًا مُستمدًّا من قوانين العمل وقانون الضرائب في بولندا وكوريا الجنوبية، وهي الأسْوأ من منظار الأُجراء والفُقراء، وأقر مُؤتمر 04 و 05 تموز/يوليو 2022 إنشاء “مركز الإنعاش الإقتصادي” بأوكرانيا للبدء بتطبيق برامج الخَصْخَصَة و”برنامج الإصلاح الإداري والتشريعي والإقتصادي” الذي يتضمّن خفض الإنفاق الإجتماعي وخصخصة ما تبقّى من الخدمات الضرورية كالتعليم والصحة، وخَفْض حجم وقيمة المبادلات التجارية مع روسيا وبُلدان المنطقة، والتوجُّه نحو أوروبا، بهدف التحضير “للإندماج بالإتحاد الأوروبي واجتذاب الإستثمارات الأجنبية”، وبذلك تكون الحرب فُرْصَةً لتسريع خُطُوات التخريب الإقتصادي والإجتماعي التي بدأت منذ انقلاب 2014…

أبْدَت المصارف والشّركات الأمريكية اهتمامًا خاصًّا بخصخصة قطاع الفلاحة، وبيع الأراضي الفلاحية الخصبة، وبدأت، منذ سنة 2017، تدرس مشاريع الإستحواذ على هذه الأراضي وطرق “زيادة إنتاجيتها وتعزيز تنافسية الإنتاج الزراعي” الأوكراني (القمح وعباد الشمس…)، وقطاع الصناعات الغذائية، واستغلال العَمالة المُؤَهَّلَة والرخيصة، بحسب تقرير بعنوان “متابعة الإصلاحات بأوكرانيا” (Ukraine Reform Tracker ) الصادر بعد مؤتمر سويسرا (04 و 05 تموز/يوليو 2022)

أقَرّ الكونغرس الأمريكي في التاسع من أيار/مايو 2022 “قانون الدفاع عن الدّيمقراطية بأوكرانيا، عبر الإقراض والتّأجير” (Ukraine Democracy Defence Lend-Lease  )  الذي تم ابْتِداعُهُ خلال الحرب العالمية الثانية، ويسمح للحكومة الأمريكية بتوسيع مجال تسليح نظام أوكرانيا، بواسطة القُروض و”تأجير” قُوَى مُقاتلة غير أمريكية (Lend-Lease )  أي “تأجير العتاد العسكري” ( وإلزام المُسْتَأْجِر بتسديد قيمته إذا حصل إتلاف أو خَلَل) دون لزوم خَوض الحرب مباشرةً من قِبَل الجيش الأمريكي، وبالتالي فإن هذه ترتيبات للإقراض وليست منحًا كما تدعي الدعاية الرسمية، ومن المؤكد أن أوكرانيا لن تكون قادرة على سداد ديونها بنهاية الحرب، مما يعني أن المؤسسات المالية الأمريكية سوف تتمكّن بسهولة من فرض سياسات التكيف الهيكلي النيوليبرالية على أوكرانيا ، وإخضاع اقتصادها لعقود قادمة، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها راكموا خبرات كبيرة في استغلال الديون لإجبار الدول على إقرار  سياسات مُعادية لمصالح شُعُوبها، ومُوالية لمصالح الشركات والمصارف “الغربية”، حيث تضطر الدّول التي تلاقي صعوبات في سداد الدّيون، إلى طَلَبِ ديون جديدة لتعويض عجز الميزانية ولتسديد مبالغ وفوائد الديون السابقة، مما يؤدي بهذه البلدان إلى الوقوع في مصيدة الديون التي يصعب للغاية الخروج منها.

تمت الإطاحة بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش ، المنتخب ديمقراطياً ، (بمساعدة أمريكية وأوروبية وإسرائيلية لانقلابِيِّي اليمين المتطرّف، المُسلّح) بسبب رفضه شروط صندوق النقد الدولي (تخفيض الإنفاق الاجتماعي والرواتب وإلغاء دعم البنزين …). يعتبر الاتحاد الأوروبي تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي شرطًا أساسيًا للدخول إلى الاتحاد الأوروبي، وتمت الإطاحة بالرئيس يانوكوفيتش بسبب رفضه لهذه الشروط القاسية، وخصوصًا بسبب الاتفاقية الاقتصادية البديلة التي وقعها مع روسيا، وأصبحت أوكرانيا التي يحكمها اليمين المتطرف، منذ 2014، أفْقَر دولة أوروبية (أكثر فقرًا من ألبانيا وكوسوفو والبوسنة !!!)، بعدما كانت أكثر دول الإتحاد السوفييتي تصنيعًا وثراءً حتى سنة 1991، وهاجر رُبع السّكّان، منهم الشباب المُتعلِّم، بحثًا عن حياة أفْضَل، خصوصًا في روسيا…  

ارتفعت أسعار الغذاء، وخاصة الحبوب والزيوت النباتية، بِتِعِلَّةٍ واهية مفادها أن الحرب قطعت الإمدادات، والواقع أن صادرات روسيا وأوكرانيا تُقدّر بثُلُث إجمالي صادرات الحبوب بالعالم، وتمتلك الشركات الإحتكارية والدّول مخزونات هائلة، لكن الشركات العابرة للقارات تمارس، بطبيعتها، الإحتكار والمُضاربَة، بهدف تضخيم أرباحها، وهذا أحد أهدافها الرئيسية.

من جهة أخرى اهتمت الشركات الأمريكية بشكل خاص بالهيمنة على الأراضي الزراعية وقطاع الفلاحة الأوكرانية، خصوصًا بعد استجابة حكومة وبرلمان أوكرانيا لضغوطاتها، وإقرار، سنة 2021، قانون السّماح بِبَيْع الأراضي الصالحة للزراعة إلى الشركات الأجنبية، رغم مُعارَضَة 81% من السّكّان (يُحدّثونك عن الديمقراطية ! )، ما مَكّن ثلاث مجموعات احتكارية أمريكية ( كارغيل و دوبون و مونسانتو )  من الإستحواذ على ثُلُث مساحة الأراضي الزراعية بأوكرانيا، أو مساحة تزيد عن حجم إجمالي الأراضي الزراعية بإيطاليا، خلال أقل من سنة واحدة، بحسب المجلة الوطنية الأسترالية (Australian national review  ) تموز/يوليو 2022، أي إن الشركات الإحتكارية الأمريكية تُسيطر على إنتاج وتجارة الحبوب، والمواد الفلاحية الأوكرانية، خلافًا لما تُروّجه وسائل الإعلام المأجورة بأوكرانيا أو أوروبا أو أمريكا الشمالية من هيمنة (مزعومة) صينية وعربية على الأراضي الصالحة للزراعة بأوكرانيا…    

هَيّأت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي كافة الظّروف لتدمير وتركيع أوكرانيا، لكي تقبل الشروط التي رفضها الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، وسوف تكون عملية إعادة إعمار أوكرانيا وإعادة تأهيل اقتصادها، فُرْصَةً للمصارف وللشركات العابرة للقارات للسّيْطَرَة على قطاع الطاقة والمناجم والصناعة، حيث سوف تكون حكومة أوكرانية مُضطرّةً، في فترة ما بعد الحرب إلى قبول التنازلات المهينة والخطيرة، وسوف تكون بمثابة ساحة اختبار لأسلحة جديدة خطيرة، ومراكز عمليات سرية أمريكية مشبوهة (ضد روسيا وغيرها)، ولِتثشكّلَ أوكرانيا ما بعد الحرب بيئة مواتية للتهرب الضريبي والأنشطة الإجرامية، وما هذه سوى بعض أسباب معارضة الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي أي مفاوضات ومحادثات السلام التي اقترحتها روسيا مِرَارًا، منذ 2015، وأي حل دبلوماسي للصراع، كما يحرم استمرار الحرب، كلاًّ من روسيا وأوكرانيا من تركيز مواردهما على الانتعاش الاقتصادي، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يضحيان بأوكرانيا لتحقيق مصالحهما الجيوسياسية، أما مصارفهما وشركاتهما العابرة للقارات فتستفيد من حالة الحرب ومن إعادة الإعمار بعد نهاية الحرب.

________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.