فلسطين وكوبا في الموقع الامامي على خط النار في مواجهة الشرّ والاشرار، نورالدين عواد

 كوبا

بالصدفة وارادة القدر، وفي نفس اليوم والساعة تقريبا مع فارق التوقيت، اي يوم الجمعة الموافق 5 من آب / اغسطس الماضي، تزامن العدوان العسكري الاجرامي الصهيوني على قطاع غزة المقاومة والبطولة، مع “عدوان” وحشي جهنمي واجهته كوبا وشقيقتاها المكسيك وفنزويلا، بتفان وبطولة لا نظير لها.

الكيان الصهيوني واسياده لا يتورعون عن العدوان على البنية التحتية والمدنيين في غزة باستخدام الة الحرب المزودة بأعلى درجات التكنولوجيا الاجرامية، وهذا ما فعلوه على امتداد ثلاثة ايام، تصدت لهم خلالها ثلة من المقاومة الباسلة بما اوتيت من قوة ورباط الخيل ورباطة الجأش. وشرع شعبنا في غزة بترميم الدمار وتضميد الجراح واستخلاص الدروس والعبر من هذه المواجهة المحدودة، مع الاصرار الثابت على نهج المقاومة ومراكمة وسائل القوة والردع، وحرمان العدو من تحقيق اهدافه الخبيثة من عدوانه.  لم يهرع احد للوقوف الى جانب غزة المنكوبة، فقط بيانات وخطابات فارغة.

مدينة ماتانساس الكوبية الواقعة على بعد 90 كيلومتر الى الشرق من العاصمة مدينة هافانا، وقع “عدوان” فريد من نوعه في تاريخ البلد! ضربت صاعقة كهربائية (عاصفة برق) قبة أحد خزانات النفط الكبيرة، مما ادى الى خرقها وإشعال نار جهنم في “قاعدة ناقلات النفط العملاقة” التي تجلب المحروقات الى البلد من الخارج. الخزان واحد من بطارية مخازن مماثلة تتكون من 8 خزانات سعة كل منها 50 ألف متر مكعب (50 مليون لتر) وبنيت بالتعاون بين كوبا وفنزويلا ايام فيديل وشافيس. كان الخزان المنكوب يقع وسط أربعة خزانات بحيث ان هبوب الرياح القادمة من البحر او اليابسة يؤدي الى انتقال الحريق الى الخزانات المجاورة (تقع القاعدة على مدخل ميناء المدينة ذي المياه العميقة). في النهاية احترقت أربعة خزانات كانت تحتوي فقط على 125   مليون لتر وقود نفطي، بكلفة تزيد على 100 مليون دولار. طبعا وقعت وفيات وجرحى ومنكوبين ودمار في البنية التحية للمنشاة وجوارها، وهذا لا يقدّر بالأموال ولا بالدولار.

بينما كانت القوات الكوبية ورجال الاطفاء يكافحون بموارد متواضعة لإخماد السنة اللهب الشديدة ويدفعون ارواحهم ودماءهم وعرقهم في سبيل انقاذ القاعدة ذات الاهمية الاستراتيجية للبلد، وبينما كان الرئيس الكوبي يطلب المساعدة الدولية على الهواء مباشرة، كانت الحكومة الامريكية غارقة في سباتها في الكاريبي، ومنهمكة في تسليح اوكرانيا النازية لمقاتلة روسيا وما تمثله حاليا.

هذا الحريق هو أخطر واشد حريق حصل في تاريخ كوبا، ولم تكن تتوفر الامكانيات التقنية والمادية والخبرة لمكافحته واخماده.  واحد الاسباب الرئيسية لهذا النقص تتمثل في الحرب الاقتصادية والتجارية والمالية المفروضة على كوبا منذ 60 عاما من قبل العم سام. ناهيك عن ان الهدف الاساسي للإمبريالية الامريكية تجاه كوبا يتمثل في قطع راس الثورة واعادة الجزيرة الى حظيرتها ووضع نهاية لوجود الامة الكوبية برمتها.

الامريكيون يدركون ويعلمون ان “كعب أخيل” في الوضع المعيشي الكوبي حاليا يتمثل في قطاع الطاقة / النفط لدوره الحاسم في توليد الطاقة الكهربائية لعموم المجتمع. يوم نشوب الحريق قال الرئيس الكوبي “لقد ضربتنا الصاعقة في المكان الذي يؤلمنا أكثر من غيره”! فاذا اضيف نقص الكهرباء، في ظل حرارة صيف شديدة مشبع بالرطوبة، الى نقص المواد الغذائية والادوية وووووكل شيء، الا الارادة في الحياة والتصميم على الصمود والاستقلال والسيادة، يغدو المشهد الداخلي الكوبي متأزماً الى درجة التهديد بوحدة المجتمع والتفافه على مشروعه التاريخي الحرية والاستقلال والسيادة في ظل محاولة بناء الاشتراكية. وهل هناك وضع أفضل من هذا الوضع لخدمة المشروع الامبريالي تجاه كوبا؟ بالتأكيد لم ولن يساعدوها مهما حصل. وهذا مفهوم ويجب ان لا يغتر أحد بابتسامة العم سام فهو يكشر عن انيابه للافتراس لا غير!

جدير بالذكر انه في عام 2005عندما ضرب اعصار كاثرينا الساحل الجنوبي للولايات المتحدة الامريكية (في نيواورليانز) جهزت كوبا بأمر من قائد الثورة التاريخي الخالد فيديل كاسترو فريقا طبيا كبيرا بكل ما يحتاجه لإغاثة المنكوبين بمجرد ان تطلب امريكا ذلك او توافق عليه. الا انها لم توافق على مساعدة “الشيوعيين” لإنقاذ حياة فقراء واثرياء امريكا! هكذا هي العجرفة الامبراطورية.

فقط هرعت المكسيك وفنزويلا بالرجال والتقنيات والموارد وحاربتا نار جهنم كتفا الى كتف مع الاشقاء الكوبيين وتمت السيطرة على الكارثة واخمادها نهائيا. طبعا هبّت مختلف بلدان المنطقة وغيرها بالتضامن المادي والمعنوي مع شعب كوبا وحكومته. وللعلم والانصاف التاريخي، لم تتوان كوبا ابدا عن تقديم كافة اشكال الدعم والتضامن المادي، حسب امكانياتها، مع شعوب القارة وغيرها وصولا الى الهيمالايا في زلزال باكستان، حتى مع دول كانت تعاديها ولا تقيم معها اية علاقات. فالناظم الاخلاقي المبدئي للثورة الكوبية يقول بلسان فيديل كاسترو “ان امميتنا هي سداد دَيننا تجاه البشرية”!

اثناء كتابة هذه السطور تمخر عباب المحيط قادمة من روسيا أكبر ناقلة نفط عملاقة في العالم وعلى متنها حمولة 700 ألف برميل من النفط الروسي بأمر من ابي علي بوتين، هدية الى الشعب الكوبي للتخفيف عليه من محنته. وهذا السلوك ليس غريبا على روسيا نظرا لعلاقاتها التاريخية مع الثورة الكوبية، والعلاقات الودية والتعاونية المتنامية راهنا.

هناك على شاطئ المتوسط، غزة العزة ومعها ضفة المقاومة المسلحة، تتألم وتتعافى وتكافح وتصمد وتنتصر على ألدِّ اعداء الانسان في كل مكان من صهاينة ورجعيين وخونة. وهنا في الكاريبي المتمرد، كوبا الكرامة تتألم ايضا وتكافح وتصمد وتنتصر على ألدِّ اعداء البشر من إمبرياليين وصهاينة وخونة وان حالفتهم الطبيعة بصاعقتها البرقية هذه المرة.

كوبا وفلسطين ترمزان بحكم الواقع المعاش والقدر الى حقيقة واحدة: ألمٌ وأملٌ! واصرار على تحرير الارض وانعتاق الانسان.

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.