التربية بين الدعاية والتدريب على التفكير النقدي، الطاهر المعز

تُشكّل الولايات المتحدة، بصفتها أعْتى قُوّة امبريالية عالمية، خطرا على البشرية جمعاء على المستوى العسكري، وكذلك على المستوى الإيديولوجي والإعلامي والتعليمي، فقد فرض النظام التعليمي الأمريكي نفسه في أوروبا ثم في جميع القارات، بمساعدة وسائل الإعلام والدعاية، ما يُشكّل خَطَرًا على الديمقراطية وعلى التّنَوُّع الثقافي، خصوصًا منذ حوالي أربعة عُقُود، حيث تجلّت بوادر الانزلاق نحو الاستبداد والفاشية من خلال الخطاب السّائد والسياسات التعليمية القمعية التي تدعم الرقابة الاجتماعية، وسيادة الإيديولوجا الفاشية، خصوصًا تلك التي يدعو لها وينفّذها الجناح الأكثر يمينِيّةً وتطرُّفًا داخل الحزب الجمهوري، الذي حَوَّلَ التعليم إلى أداة دعاية لإنتاج وإضفاء الشرعية على النظريات والممارسات العنصرية الدّاعية إلى إقصاء وتهميش الفُقراء والسّود والسّكّان الأصْلِيِّين وأبناء الكادحين، وأصبحت منظومة التّعليم مُجَرّد ثكنة تُعلِّم الإكراه والامتثال وتُرسِّخُ الأصولية الدينية والسياسية والاقتصادية، ما يُهدّد التعليم والبحث العلمي الذي يتطلب هامشًا واسعا من الحرية، وأصبحت المؤسسات التعليمية، في العديد من الولايات الأمريكية، مختبرات لنَشْر الفكر الفاشي، ولِإعادة إنتاج الأساليب التّربوية القمعية التي كانت سائدة في ألمانيا، خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وتَمثّلت مظاهر السياسات التعليمية الرجعية في خَلْقِ شَرْخ بين طاقم التّدْرِيس من جهة والطلاب وأولياء الأمور، من جهة أخرى، من خلال السماح للطلبة بتصوير محاضرات المعلمين دون موافقتهم، مع احتمال العبث بمحتواها لتوريط المُدَرِّسِين، فيما حَظَرَتْ بعض الولايات الكتب التّقدّمية في مؤسسات التعليم وكذلك في المكتبات العمومية، ومطالبة المعلمين بتوقيع قسم الولاء للمُؤسّسة، وإجبارهم على نشر محتوى دُرُوسِهم عبر الشبكة الإلكترونية، وما هذه الممارسات سوى جزء من حرب أكبر ​​ضد التفكير الحُرّ والنقد، بهدف رَدْعِ أي مُحاولة للمقاومة، أو حتى التشكيك في جَدْوى النظام القائم …

إنها مناهج تربوية قمعية تحول المدارس إلى مصانع لإنتاج الدعاية وإلى مؤسسات مراقبة أمنية، ما يُشكّل نمطًا خطيرًا من الاستبداد الذي يُترجَمُ إلى هجوم على حرية التعبير وعلى الحريات الأكاديمية، وصَحِبَ سياسة التعليم القمعية هذه خطاب كراهية عنصري وسياسات قمعية تجاه الشباب السود وأبناء الفُقراء أو المهمشين، قبل توسيع نطاق هذه الهجمات إلى المُدَرِّسِين وأولياء الأمور والشباب والمجموعات التي ترفض وتُقاوم خصخصة التعليم العام، ضمن سياسات خصخصة المرافق الحَيَوِيّة، كما تُشكّل هذه السياسات الرسمية استمرارًا (وإن اختلفت الأشكال) للعنف الهستيري المناهض للشيوعية خلال الحقبة المكارثية في الخمسينيات من القرن الماضي، عندما تم تسريح الآلاف من وظائفهم بسبب الإشتباه في تبنِّهم أفكارًا يسارية، وسُجن العديد منهم، وغادر آخرون الولايات المتحدة نحو أوروبا، كما أن هذا النموذج من السياسة التعليمية الرجعية مستوحى بشكل مباشر من البرامج التعليمية لألمانيا النازية التي حوّلت التعليم إلى آلة دعاية، تَفْرِضُ الطاعة العمياء للقائد، من خلال فرض الرقابة على كتب التاريخ والفلسفة أو كتب علوم التربية التي تحث المُتَعَلِّمين على التفكير والتّمْحِيص والمُناقشة وطرح الأسئلة…

انتشرت نظرية “استبدال البيض” ( أي أن البيض مُهدّدون بغزو الأجناس الأخرى لأوروبا وأمريكا الشمالية) في الولايات المتحدة وأوروبا، بالتوازي مع انتشار أفكار اليمين المتطرف، وترويجها من قِبَلِ وسائل الإعلام والهيئات المنتخبة وجهاز الدولة، وتؤيدُ الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة الأمريكية والأوروبية شرعية، بل ضرورة سيادة البيض على أرجاء العالم “لِنَشْر الحضارة والقضاء على الهمجية”، عبر “حُجَج” وتعليلات تذكرنا بتمجيد “العرق الآري” في ألمانيا النازية، وصاحَبَ هذا التوجه الأيديولوجي والسياسي لليمين المتطرف، تبرير الإستعمار في الماضي والحاضر (تبرير احتلال فلسطين، على سبيل الذّكر) وشَرْعَنَةِ استغلال ونهب ثروات شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ضمن حملة لإدراج تمجيد الإستعمار في كُتُب تعليم التاريخ التي تميّزت منذ القرن التاسع عشر بتزوير تاريخ الأمم والشعوب …

يمكننا الوقوف على عواقب غسيل الأدمغة الذي قام به النظام التعليمي الأمريكي والأوروبي والدعاية الإعلامية في غياب رؤية نقدية للحروب العدوانية التي يَشُنُّها حلف شمال الأطلسي أو الإمبرياليات الأمريكية والأوروبية، وفي تمجيد السياسات الاستعمارية والعنصرية، وحَجْبِ تاريخ السكّان الأصليين بأمريكا، شمالها وجنوبها، وفي الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني، وفي الدعاية الكاذبة التي تشوه الحقائق التاريخية، والتي تُشَيْطِنُ أي معارضة للنظام الرأسمالي، خُصوصًا من قِبَلِ حركة التحرر الوطني والشعوب المستعمَرة والمضطَهَدة …

لا تختلف منظمات الإسلام السياسي في انتهاج أُسْلوب الدّعاية الفاشية، فهم (خلافًا لليسار في البلدان ذات الأغلبية المسلمة) يتمتعون بمحلاّت مجانية (المساجد) ليعقدوا بها اجتماعات دورية (خمس مرات في اليوم) لنشر دعايتهم، بالإضافة إلى تجمُّع كبير كل جمعة، وأيام الأعياد الدّينية، فيما يُحْرَمُ التقدميون والشيوعيون في بلدان العرب والمسلمين من مثل هذه الوسائل “القانونية”، ما يفرض علينا كتقدّميين واشتراكيين إيلاء اهتمام خاص بالتربية والتعليم، سواء في البرامج المُستقبلية أو في المُمارسة اليومية، بدءًا بنقد الأيديولوجية السائدة والسياسات التعليمية، كخطوة للتفكير في إنتاج الأدوات التعليمية والأنشطة الترفيهية وألعاب فيديو، وإنشاء مجموعات نقاش وأدوات أخرى لمكافحة الجهل وتعزيز الانفتاح والمعرفة والتفكير النقدي والعقلاني وتعزيز الأفكار والقيم التقدمية المتعلقة بالفرد والمجتمع، ويمكن للمدرسين والطلاب التقدميين المشاركة بنشاط في تطوير التفكير التحليلي والتنويري، في كافة مراحل التعليم، خاصة بالجامعة (وكذلك خارج مؤسسات التعليم)، لتزويد الطلاب بالمعرفة الأساسية والمهارات والقيم والشعور بالمسؤولية الاجتماعية التي تمكنهم من أن يكونوا مواطنين مطلعين وناقدين ومشاركين مع العمال و الكادحين والفُقراء في عملية بناء مجتمع يعزز العدالة الاجتماعية والمساواة.

يجب علينا تعزيز الثقافة الجماهيرية (على عكس الثقافة النخبوية)، في إطار برنامج سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي يلبي احتياجات الناس، ونحن (كتقدّميين أو اشتراكيين) لدينا الإمكانيات والقدرات لإنشاء المؤسسات الأهلية (بدون تمويل أجنبي، أو حتى حكومي محلي) التي تحاول خلق شكل من أشكال “الهيمنة الثقافية” (على رأي أنطونيو غرامشي 1891 – 1937) في إطار الإجابات على سؤال “في أي نوع من المجتمعات نريد أن نعيش” وفي إطار التفكير بأدوات ووسائل تحقيق أهدافنا..

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.