شكوك في نجاح خطة بايدن لخفض التضخم، د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

          تمكّن الرئيس الأميركي، جو بايدن، من تسجيل انتصار سياسي داخلي يعوّل به على وقف تدهور شعبيته، وامتداداً حزبه الديموقراطي، قبل بضعة أسابيع على بدء جولة الانتخابات النصفية. وأعانه الكونغرس “مرحلياً” على إقرار خطة اقتصادية تزيد قيمتها على 430 مليار دولار، منها 370 مليار دولار للبيئة و64 مليار دولار للصحة، عدّها بايدن “انتصاراً للشعب الأميركي الذي سيرى انخفاضاً في أسعار الأدوية والرعاية الصحية وتكلفة الطاقة.”

          نظرياً، تهدف خطة “قانون خفض التضخم” إلى الحد من معدلات العجز المتصاعد في الميزانية العامة، ورفد الخزينة الأميركية بنحو 258 مليار دولار سنوياً، “من خلال فرض ضريبة جديدة بنسبة 15%، كحد أدنى، على الشركات التي تتعدى أرباحها مليار دولار سنوياً”. 

فضلاً عن منح إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات للشركات والصناعات الأكثر تلويثاً للبيئة كوسيلة لضمان تصويت عضوين من الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ إلى جانب المشروع، جو مانشين وكيرستين سينيما.

          بيد أن الحلقة المركزية المفقودة تكمن في تراجع دور الدولة، أو عدم قدرتها على التحكم بموارد الطاقة وتقنين مشتقاتها ومن ثم السيطرة على تسعيرها، ما أدى دوماً إلى استفحال الأزمات البنيوية. فقد تراجعت أسعار النفط الخام من نحو 120 دولاراً للبرميل إلى حوالي 90 دولاراً، لكن لم يشهد المواطن (المستهلك بتعريف الشركات) تقليص أسعار مشتقات الطاقة، أو تراجعها كحد أدنى.

          زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، الذي امتنعت كتلته عن التصويت للمشروع، حمّل الرئيس بايدن وحزبه الديموقراطي مسؤولية ما آل إليه الاقتصاد الأميركي من “تضخم قياسي، والمشروع الموقّع، إذا أصبح قانوناً، يعني فرض ضرائب أعلى (لتمويله) وفواتير أكبر للطاقة”.

          أزمات مركز النظام الرأسمالي من “تضخم يخرج عن السيطرة” ليست فريدة، بل مزمنة وبنيوية، تسعى كل الإدارات المتعاقبة على الترويج لبرامج وخطط من شأنها إبقاء جذوة الأمل مشتعلة عند المواطن العادي بأنها أزمة عابرة سرعان ما يتم التغلب عليها.

          في حقبة “الكساد الكبير”، برزت أزمة نقص حاد في احتياطي الذهب، وأصدر الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت قانوناً رئاسياً يمنع بموجبه المصارف المالية من الدفع أو تصدير الذهب، آذار/مارس 1933، رافقه قانون سنّه الكونغرس، 5 حزيران 1933، يمنع بموجبه مطالبة أصحاب الديون استلام قيمتها بالذهب.

قانون المصرف المركزي، الاحتياطي الفيدرالي، آنذاك، اشترط تغطية احتياط العملة الأميركية بنحو 40% من قيمتها بالذهب. وأسفر الإجراء الرسمي عن رفد المركزي بكميات إضافية من الذهب بسعر 20.67 دولارا للأونصة آنذاك، سرعان ما رفعت الدولة سعره إلى 35 دولاراً للأونصة، وتضخم بذلك احتياطها منه بنسبة 69%.

          لنقفز قليلاً في الزمن لعقد الستينيات والحرب الأميركية على فيتنام، التي تطلبت مبالغ هائلة للإنفاق الحكومي، وسعي المصرف المركزي إلى تطبيق سياسة “التضخم المصرفي” لتمويل ذلك، ما أسفر عن تراجع قيمة العملة الأميركية وزيادة طلب “الحكومات الأجنبية على استبدال ما لديها من الدولار الأميركي بالذهب”.

          مع فشل الحلول المقترحة كافة للسيطرة على “التضخم المصرفي”، واستمرار نزيفٍ عرّض احتياطي العملة الأميركية نتيجة سياسات التصعيد للحروب والهيمنة الاقتصادية على موارد العالم، قام الرئيس ريتشارد نيكسون، 1971، بإصدر قرار بتحرير الدولار من تغطيته بالذهب. وذهب ابعد من ذلك اتساقاً مع تفاقم الأزمات الاقتصادية برفعه سقف الدين العام، والإقلاع الممنهج عن تبني السياسات الاقتصادية الكلاسيكية التي تعادل بين ما يرد إلى الخزينة العامة من موارد متعددة مع معدّلات الإنفاقات الحكومية، كوصفة دائمة للحد من تضخم الأسعار وازدياد العجز في ميزان التبادلات التجارية.

          دشنت سياسات الرئيس نيكسون في 15 آب/أغسطس 1971، وبحسب الخبراء الاقتصاديين، فإن سماحه للمصرف المركزي تضخيم معدل الأوراق المالية المتداولة، من دون تغطية حقيقية، سبب بدء انحسار الطبقة الوسطى، مع دخول خفض قيمة العملة رسمياً، رافقه اتساع عميق للشرخ بين معدلات الدخل. تقلصت القيمة الشرائية للدولار منذئذ بنحو 85%، وبحسب خبراء الاقتصاد، فإن قيمته الحالية لا تتجاوز 15 سنتاً.

          “قانون خفض التضخم” بنسخته الحالية يشكل حجر الأساس في ما أطلق عليه “النظرية المالية الحديثة”، التي تتبناها النخب السياسية والاقتصادية الأميركية على الرغم من عدم اختبار فعاليتها، حتى نظرياً، وخصوصاً لتنافيها مع بديهيات علم الاقتصاد التي تعرف التضخم بفارق الهوة بين الطلب والعرض. لكنها توفّر مسوّغات اقتصادية لاستمرارية طبع الأوراق المالية وترفع سقف الديون العامة، وكلفتها المتراكمة أيضاً نتيجة ارتفاع معدلات الفائدة عليها، ما يضخ أموالاً هائلة دائمة في المصارف المالية الكبرى.

          تخلّي أكبر اقتصاديات العالم عن معيار الذهب لدعم العملة الوطنية، في محصلة الأمر، سمح للزعماء السياسيين بأطيافهم وميولهم الحزبية كافة تبنّي برامج ومشاريع عالية الكلفة لكسب تأييد قواعد انتخابية، ورفد المصارف الكبرى بأموال تغطيها الدولة في دوامة مستمرة يستهلك سداد الفائدة عليها موارد أساسية على حساب برامج تنموية حقيقية.

          لنأخذ مثالاً من السياسات الراهنة، فقد بلغ معدل الدين العام على الحكومة الأميركية أكثر من 30 ألف مليار دولار، 30 تريليون ونيّفاٍ، من دون احتساب التزامات الدولة لبرنامج الرعاية الاجتماعية.

سياسات الحروب الدائمة، منذ فيتنام ومروراً بالحرب الأميركية على “الإرهاب” وامتداداً تمويل الحرب الأوكرانية ضد روسيا، كان لها نصيب الأسد في ميزانيات الإنفاق العام.

          يحسب لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما رفعه معدل الدين العام، أي مستوى عجز الميزانية، إلى 8 آلاف مليون دولار، 8 تريليونات، بزيادة تعادل نحو 70% عن أسلافه. الرئيس السابق دونالد ترامب رفع السقف مرة أخرى إلى نحو 8 تريليون. أما الرئيس جو بايدن، وهو في منتصف ولايته الرئاسية زمنياً، فقد أضاف نحو 2 مليار دولار.

          يعرب كبار الخبراء الاقتصاديين عن شكوكهم في قدرة وصفة الدولة الراهنة، لمزاوجة معدلات العرض بالطلب، بل يجادلون بأن سقف العرض لن يواكب سرعة ارتفاع معدلات التضخم للسيطرة عليه، أو الحد منه. معدلات نمو الاقتصاد الأميركية لسنوات طويلة من 1992 وإلى 2021 بلغت نحو 2.4%. في المرحلة المقبلة، سيتراجع معدل النمو إلى 1.7% لعام 2022 وإلى 2052، بحسب بيانات “مكتب موازنة الكونغرس” الرسمية.

          لمقاربة المعضلة الاقتصادية، لن يستطيع الاقتصاد الأميركي بما يقدمه من موارد وخدمات مواكبة زيادة الطلب نتيجة ارتفاع معدلاته الناجمة عن الإنفاق الحكومي المتزايد، ونتيجة مباشرة لـ “النظرية المالية الحديثة”.

          للدلالة على ما سبق من استنتاجات مؤلمة، أجرت كلية وارتون للأعمال، التابعة لجامعة بنسلفانيا المرموقة، دراسة مفصلة لقانون خفض التضخم أثناء فترة تداوله بين أعضاء الكونغرس، جاء في جزء منه أن “القانون سيرفع قليلاً معدلات التضخم لعام 2024، وتقديرنا أنه لن يترك أثراً (إيجابياً) على الناتج الداخلي العام”، بل ستتقلص مسوّغات العمل وحوافزه ما سيؤدي إلى انخفاض معدلات ساعات العمل وخفض حجم عرض الموارد المطلوبة (دراسة بعنوان “قانون خفض التضخم: تقديرات أولية لتاثيرات الميزانية والاقتصاد الشامل”، تموز/يوليو 2022، كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا).

          معظم الخبراء ممن له مصلحة في كبح جماح عجلة التضخم في الشأن الأميركي يناشد صنّاع القرار باعتماد سياسة نقدية أكثر واقعية، واستخلاص الدروس القاسية من قرارات الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، والتي لا زالت مستمرة من دون إبطاء، ولجم معدلات الإنفاق وترشيد الأموال إلى اولويات التنمية.

بعبارة أخرى، يناشدونهم العودة إلى تغطية العملة الوطنية بالذهب ما من شأنه وضع حد لطباعة الأوراق المالية من دون تغطية حقيقية. ويحذرون من تنامي معدلات الدين العام التي بلغت نحو 30 ألف مليون دولار (30 تريليوناً)، ما يعادل 130% من حجم الاقتصاد الأميركي برمته، بينما بالمقارنة بلغ معدل الدين العام في عام 1960 “أكثر بقليل من نصف الاقتصاد الأميركي”.

:::::

مركز الدراسات الأميركية والعربية، واشنطن

الموقع الإلكتروني:

http://thinktankmonitor.org/

ينشر بالتعاون مع “الميادين”

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.