راس المال لماركس في مواجهة راس المال لكل الغرب، د. عادل سماره

تخيلات ثوماس بيكيتي وواقعية كارل ماركس

تنويه: هذه الورقة تطوير جزئي لما ورد في كتابي “الاقتصاد السياسي والطبقة 2017” وخاصة من ص 290 فما بعد.، كما أنني وضعت المراجع داخل المتن لأن وضعه​​ا في الصحافة الإلكترونية في اسفل الصفحات ليس متيسراً، وبالطبع لأن المراجع مهمة في اي بحث.

حظي كتاب  “رأـس المال في القرن الحادي والعشرين /الصادر عام 2014  ” للاقتصادي البرجوازي ثوماس بيكيتي بصخب إعلامي ضخم ومتواصل على مساحة الماكينة الإعلامية الإمبريالية، صخب ربما يتوافق مع حجمه الذي يذكرنا بقول ماركس عن جدل هيجل”الإجهاض الضخم”.

لكن هذا في الحقيقة، لا يقلل من الجهد الذي بذله  الكاتب في جمع بيانات عن تطورات الإقتصاد العالمي منذ منتصف القرن التاسع عشر ، أي تقريبًا منذ نَشَر كارل ماركس وفريدريك إنجلز كراسة “البيان الشيوعي”، مع مقارنة بعض جوانب الحياة الإقتصادية ومستوى معيشة المواطنين منذ بداية الثورة الصناعية إلى اليوم. ولعل العودة بالتدقيق في قراءة تطورات الاقتصاد العالمي هي دليل لفهم هذا النظام بناء على بحث دقيق ومُضني  من حيث نسب النمو، تقدير الأجور، معدل البطالة، توزيع الدخل…الخ. لعل العامود الفقري لأطروحة بيكيت هو الضرائب على الأملاك والأرصدة.

وهذا مشروع يشترط وجود دولة قوية وواسعة لا دولة مختصرة إلى اصغر منزلة عشرية. يفترض على الأقل دولة كينزية، لا دولة ترفض التضبيط. دولة تفرض ضرائب على كبار راس المال لا دولة تعفيهم؟

ولكن، متى؟

في فترة تبنت فيها الدولة نظرية جديدة وهي المعروفة اليوم بالرأسمالية المتوحشة وهي النظرية التي دافعت عنها مدرسة شيكاغو وزعيمها ميلتون فردمان ومن بين منظري هذا التوجه الجديد برز خاصة فريدريك هايك الذي نقد بشدة في كتابه “الطريق إلى العبودية  The Road to Serfdom” واعتبر كل توجه تدخلي للدولة يمهد لعودة التسلط والعبودية ودعا الى العودة الى الليبرالية الصرفة. وانتشرت هذه الافكار في منتصف السبعينات وتبنت مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغن في الولايات المتحدة أطروحات هذا التيار وتم تدشين عهد جديد تم فيه تعميم الخصخصة وتصفية تركة الدولة المتدخلة/الدولة الكينزية بالقضاء على كل المكاسب الاجتماعية التي حققتها الطبقة العاملة والفئات الشعبية وقد أعطى سقوط الاتحاد السوفياتي والديمقراطيات الشعبية دفعا جديدا لهذا التوجه الذي ضاعف في وحشية الخيارات الرأسمالية وقضى على كل المكاسب الاجتماعية وأعاد ممارسات الاعتداء على الشعوب وابتزازها من اجل تركيعها وتدجينها وشدد في وتيرة استنزاف ثروات الشعوب ا=المُخضَعة له في اطار تصور للعولمة يخدم مصالح الاحتكارات الرأسمالية العالمية.

يتواصل، ولن يتوقف، الجدل في المسألة الطبقية. وقد يكون جدل السلاح هو الأوضح من جدل الخطاب. لذا، يكون النصر للأمم وللطبقات التي تتمكن من السلاحين. فمختلف الحروب بين الصغار أو الكبار أو بين الصغار والكبار هي طبقية وإن أُضفيت عليها تسميات مختلفة.

ولكن، بينما يقوم بعض المحسوبين على معسكر الطبقة العاملة أو اليسار وحتى الثورة، بالتهرب من الحقيقة الطبقية، وبالطبع يقوم بنفس التغطية والإعماء كتابٌ برجوازيّون أمثال توماس بيكتي في كتابه الكبير الأخير رأس المال في القرن الواحد والعشرين، يقف عُتاة رأس المال ليفتخروا بطبقيتهم وانتصارهم. أمَّا وقد كذبت الوقائع أطروحات هذا الكاتب المجسدة في كتابه، فأصبح كما كتب ماركس عن جدل هيجل مثابة “إجهاض ضخم”.

صحيح أن عُتاة راس المال وقحون ضد الطبقة العاملة ولكن وضوحهم هذا مثابة صفعة للمساومين والوسطيين ومحترفي إطفاء الحرائق. قال الملياردير الأمريكي وارين بافيت:” من المؤكد أنَّ هناك حرباً طبقية، وإن طبقتي، أي الغنية، هي التي تديرها، وها نحن نربح”.

 المرجع)I.K. MULLINS A Critique of Thomas Piketty’s Capital in the Twenty-First Century, Where we are, What is Next, How Piketty is Right and Wrong, Brief, Concise and to the Point Publishing, 2014, www.ideas-facts-books.com , p.68.

أذكر عام 1993 حينما كنت في مؤسسة UNDP أن تقدم شخص بطلب قرض لشراء مصنع ذي طاقة متواضعة، فاعترض أحد “كبار” الصناعيين من أعضاء مجلس أمناء مركز التطوير الاقتصادي في المؤسسة الذي يملك مصنعا ينتج المنتوج نفسه قائلاً: بأفرمه.  )

 طبعاً لا عجب أن يقول بافيت هذا حينما يملك أغنى 85 شخصاً في العالم ثروة أكثر مما يملك 3.5 بليون شخص!

إنَّ الصيغة المخففة للصراع الطبقي هي التفارق الطبقي. وهي الصيغة التي لا تُقرأ إلا على أرضية الصراع الطبقي، بغض النظر عن وتيرته. ولننظر التفارق الطبقي حتى في أعقاب الأزمة المالية الاقتصادية 2008 في المركز وحتى في المحيط:

“في عام 2011 حصل تيم كوك مدير في شركة آبل على 378 مليون دولار كراتب، ومكافآت أخرى، وهي تساوي 6258 ضعف متوسط أجور آبل

) المرجعI.K. MULLINS A Critique of Thomas Piketty’s Capital in the Twenty-First Century, Where we are, What is Next, How Piketty is Right and Wrong, Brief, Concise and to the Point Publishing, 2014, www.ideas-facts-books.com. P 26.

“. والسؤال الأهم متى؟ أي في عزّ الأزمة المالية الاقتصادية، حيث قامت الحكومة بضخّ أموالٍ طائلة للمصارف كي لا تنهار، وبالتالي كي تحرك ركود الاقتصاد فكانت النتيجة مكافَأة رموز حصول الأزمة.

وفي دراسة نشرت العام الماضي، استخدم الباحثان نورتون وسورابوب كياتبونغسن، حول كم يجني كبار المديرين التنفيذيين غير الماهرين مقارنة بالعمال الماهرين فهي 354 مقابل واحد..! لكن، وفقط، منذ خمسين عاماً، كانت 20 إلى واحد!

 (المرجع: عن الدراسة التي نشرها الباحثان، شاي دافيداي وتوماس غيلوفيتش، في أوائل عام 2015،

http://kassiounpaper.com/test-all/item/12634-2015-04-11-10-38-54 (الأحد, 12 نيسان/أبريل 2015. )

هذا الوضوح سواء في التفارق الطبقي أو في وقاحة رأس المال، هو غالبا ما سخَّر بيكتي كتابه من أجل تغطيته أو إطفائه. فالكتاب مثابة إطفائية كبرى دورها تهدئة بلدوزر رأس المال كي يدوس الفقراء بعجلات ملفوفة بالحرير، لكنها تبقى عجلات ويبقى هو بلدوزر. يعلن بيكتي أنه ليس ماركسياً بل هو ممن احتفل بتفكك الاتحاد السوفييتي حيث كتب:

” إلى جيل بلغ الثامنة عشرة من عمره ولكنه شهد ثنائية قرنين هما المسافة الزمنية بين الثورة الفرنسية وسقوط جدار برلين. إنني أنتمي إلى جيل أتى في زمن من العمر حيث يستمع لأخبار انهيار الديكتاتوريات الشيوعية ولكنه لم يشعر ولو بالحد الادنى  من الحنين الى تلكم الانظمة  او الاتحاد السوفييتي. ذلك لأنني كنت محصَّناً طيلة حياتي ضد اللغو المبتذل والكسول المضاد للراسمالية، والذي يتجاهل بعضه  الفشل التاريخي للشيوعية والكثير منه ادار ظهره للوسائل الثقافية الضرورية لتجاوزه” ص 31.

لا يشي هذا الخطاب الإيديولوجي بشيء من العلمية والرصانة بقدر ما هو مجرد حالة من التشفي النفسي محفوز بالانتصاروية الرأسمالية على العمل. ولكن المفارقة والطرافة أن هذا الكتاب والذي نٌشر عام 2014، أي بعد  اشتعال وفي خضم الأزمة المالية الإقتصادية في المركز خاصة والمحيط عامة 2007-2008 والتي هزت الراسمالية التي يتفاخر بها من جذورها.

واضح أن بيكيتي عاش فترة العولمة ، إذا اعتبرناها بدأت مع الربع الأخير من القرن العشرين، واتضح تهالكها في قرابة أربعة عقود اي زمنا هو الأقصر بامتياز لعمر نظام اقتصادي اجتماعي مما يدل على هشاشة انتصارها  المزعوم على العمل. والغريب أن بيكيتي لم يأخذ هذه الأزمة بل آثارها الخطيرة،حتى على الرأسمالية، بالإعتبار.

ولعل مأزق بيكيتي اعمق حين نحلل طبيعة السياسات الاقتصادية الاجتماعية ألتي تبنتها الرأسمالية في فترة شبابه ونضوجه المتواكبة مع العولمة وهي السياسات النيولبرالية والتي في جوهرها تناقض مشروع بيكيتي باسره بما هو مشروع النظام الضريبي المعمم  على الأملاك والعقارات والنقود والأسهم…الخ. والذي يشترط لتنفيذه وجود دولة قوية تلتزم التضبيط وتفرض ضرائب شاملة.

فالدولة التي نظَّر بيكيتي في ظلها لتحقق مشروعه هي:

  • بموجب النيولبرالية هي دولة صغيرة، لا كبيرة كما يحتاج مشروعه.
  • دولة تعفي راس المال الكبير من الضرائب وتلقيها على عاتق الطبقات الشعبية،
  • دولة تلتزم عدم التضبيط وليس التضبيط Regulation and De-Regulation
  • دولة تعتبر عدم المساواة أمر عادي بموجب قوانين السوق.
  • دولة رأس المال الاحتكاري المعمم كما كتب سمير أمين.

كل هذه السمات تتناقض مع مشروع بيكيتي الطموح لتنفيذه من خلالها، ومع ذلك أصر على طرح كتابه الذي حظي بتهليل كبير.

من المفيد هنا أن نشير إلى تقاطع بين اطروحة بيكيتي والاقتصادي البرجوازي عن الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة جوزيف ستجليتز، وخاصة من حيث حنين كل منهما للطبعة من الرأسمالية التي مضت. فكليهما يتطلع لاستعادة الدولة القوية حاملة صندوق الرفاه ودرجة من التدخل في الاقتصاد أي الدولة الكينزية وليست دولة آدم سميث التي لا تتدخل إلا لإشفاء مشاريع رأسمالية فاشلة فتقويها وتعيدها إلى الملكية الخاصة.

ل من الأهم هنا أن ستيغلتز نادى بالعودة إلى المنافسة الحرة وإلى اللبرالية الكلاسيكية! ولكن متى؟

في ظل الدولة التي بلغت فيها الراسمالية وضعية الاحتكار المعمم كما كتب سمير أمين، وسيطرت على السلطة فيها الشريحة الأوليغارشية من طراز بافت المشار إليه آنفاً.

وعليه، إذا كان جيل بيكيتي لا يندم ولا يشعر بالرغبة في استعادة ما يسميه “الديكتاتورية الشيوعية”، فإن جيله مشدود بنوستالجيا العودة إلى راسمالية دولة الرفاه أي في محاولة إعادة عقارب الزمن إلى الخلف وهي لا تسير إلا إلى الأمام.

 ولكنه بيكيتي  لم يستطع إلا أن يبدأ من ماركس حيث كتب:

“… فسؤاله الأول هو: هل ديناميكيا رأس المال الخاص ستقود إلى انحصار الثروة بأيدي قلة متضائلة كما قال ماركس في القرن التاسع عشر، أم أن المنافسة والتقدم التكنولوجي وقوى توازن النمو في مراحل لاحقة سوف تقود إلى تقليص عدم المساواة وانسجام أعظم بين الطبقات كما يقول سايمون كوزنتس في القرن العشرين”.

وقبل أن نناقش بيكيتي، لنرى ماذا طرح كوزنتس ايضاً:

 “يفترض كوزنتس بأن الاقتصاد الحر يقضي على التفاوتات الاقتصادية، فقط بآليات السوق الحر و النمو الاقتصادي. حسب كوزنتس، فإن هذا التطور التاريخي يفسر بانتقال العمالة من قطاعات إنتاجية ذات مردودية دنيا (الزراعة) نحو قطاعات أفضل مردودية (الصناعة صيغت الفرضية سنة 1955، انطلاقا من أعمال سيمون كوزنتس حول النمو الاقتصادي لسنوات الخمسينات.”(ويكيبيديا)

حين نقرأ هذا الطرح لا يدفعنا التفكير المقارَن للتذكر بأن ماركس سبق كوزنتس بقرن في هذا الأمر حين طرح نظريته في سلوك راس المال التي اسماها نظرية “الانسحاب والغزو” وملخصها أن راس المال يرحل من المناطق ذات المردود الاقتصادي المتراجع أو الضئيل إلى المناطق التي تبشر وتقدم مردوداً أعلى.

ماذا فعل كوزنتس في هذا المجال؟ عمَّم نظرية ماركس من الصناعة على الزراعة حيث قال بتحول العمالة الزراعية ذات المردود الضئيل إلى الصناعة، اي الانسحاب والغزو.

لكن كوزنتس أخذ نظرية ماركس ليوظفها في الموقع المضاد حيث يفترض كوزنتس بأن الاقتصاد الحر يقضي على التفاوتات الاقتصادية، فقط بآليات السوق الحرة و النمو الاقتصادي، بينما تقوم نظرية ماركس في هذا السياق ومختلف أطروحاته على نقد وتغيير النظام الاقتصادي الرأسمالي القائم على السوق الحرة للوصول إلى الاتشراكية.

وهذه المسألة نفسها نوقشت من فريق من الماركسيين وخاصة في قراءة التحول من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي أو ما اسموه الانتقال من  الإقطاع إلى الراسمالية (أنظر كتاب

( The Transition from Feudalism to Capitalism, Introduction by Rodney Hilton, VERSO 1978).

لكن بيكتي يتعامل مع ماركس من باب رفضه للتصورات والتأملات والنظريات ليزعم بأن قوة بحثه آتية من كونه ركز على الإحصاءات كمرتكز قوة لديه ضد التصورات أو التأملات التي يراها نظرية بحتة ويحصر ماركس فيها. وهو وإن زاغ عن الموديلات الرياضية والمعادلات الجبرية، يبدو أنه رأى في الإحصاء ملاذا مناسباً بحيث يتلافى تعقيد الموديلات النظرية من جهة، والأهم يزوغ بعيداً عن المسألة الاجتماعية الطبقية من جهة ثانية.

في جانب آخر، يأخذ من ريكاردو جوهر نظريته وخاصة تدخل الدولة للتضبيط الاجتماعي ويرفض نتائجه:

“… طالما أنَّ كلاً من الناس والمخرجات يتزايدان بشكل ثابت، فالأرض تتجه باتجاه أنْ تصبح نادرة أكثر وأكثر نسبة إلى السلع الأخرى. وهنا يتضمن قانون العرض والطلب أنَّ سعر الأرض سيرتفع بشكل متواصل، وكذلك الريع الذي يدفع لملاك الأرض. وسيحصل ملاك الأرض على نسبة متزايدة من الدخل القومي بينما حصة بقية الناس تتضاءل، وهذا يحبط الاستقرار الاجتماعي، ولا حلَّ لدى ريكاردو سوى زيادة ضرائب الدخل على ريع الأرض”.

لعلَّ المساهمة التي يقدمها بيكتي مرتكزة على زيادة الضرائب التي نادى بها ريكاردو ولكن بيكتي يعمِّمها على كافة المداخيل العالية وليس على ريوع الأرض. بكلام آخر، يأخذ عن ريكاردو تدخل الدولة ولكنه يوسعه ليس لدعم الصناعيين كما ذهب ريكاردو بل لحماية السوق الحرة والديمقراطية كما يزعم. وهنا يختلف بيكتي مع آدم سميت فيما يخص تدخل الدولة لأنّه يطالب بأن يكون مستمرًّا وإن في حدود، بينما لدى سميث هو تدخل حين الأزمات أو كما أوضحه لينين من أجل إشفاء الشركات المأزومة بمعنى أنَّ الدولة كاراج تصليح مجاني لمشاريع البرجوازية. الدولة “كَنِيْفٌ” بمفهوم عروة بن الورد ولكن بالمعكوس.

(المرجع: قد يكون الشاعر العربي قبل الإسلام عروة بن الورد أول اشتراكي بالمفهوم الماديالفطري للفكرة دونما وعي طبقي بالطبع. كان يجمع الفقراء المتهالكين جسديا ويضعهم في أماكن يسميها الأكناف. وكان هو والصعاليك أمثاله يُغيرون على أملاك الأغنياء ويطعمون الفقراء حتى يبلُّوا، أي يصِّحوا، ويطلقونهم أو ينضموا إليهم. يقول:

                        ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم

…  كما الناس لما أمرعوا وتموَّلوا

ويقول ايضا:

وإني امرُؤٌ عافي إنائي فرقةً…  وأنت امرُؤٌ عافي إنائك واحدُ

أُقسِّم جسمي في جُسوم كثيرةٍ… وأحسوا قُراح الماء والماء باردُ. )

من جهة أخرى، يرى بيكتي أنَّ ريكارو مخطِئ لأنَّ ما حصل أنَّ قيمة الأرض المزروعة تراجعت مقارنة بمصادر الثروة الأخرى حيث إنَّ حصة الزراعة في الدخل القومي تناقصت. وبأن ريكاردو لم يلاحظ دور التقدم التكنولوجي، وهذا يقرب بيكتي من مالثوس فيما يخص الاعتماد على طبقة الصناعيين، ولكنه يرفض مالثوس ويونغ بمعنى أنهما لم يتخيلا قدرة البشرية على التحرر من الحتمية الغذائية.

كما يزعم أنَّ قانون العرض والطلب يوصلنا دائما إلى حلّ. وبأن ارتفاع سعر سلعة يدفعنا لشراء أخريات كبدائل.

لعلَّ إحدى مرتكزات بحثه في الإحصاءات الوفيرة التي اشتغل عليها وضمن ذلك عالج فترات كساد الأجور باعتبارها محركات التراكم لرأس المال، وهي لا شكَّ الهجمة الطبقية الأولى للتراكم داخل البلد الواحد قبل الغزوة الكبرى الاستعمارية التي تحقّق فرص تراكم موسع لرأس المال. لكن المهم أنَّه لا يهتم قط بأن كساد الأجور ليس مجرد مسألة إحصائية رقمية بقدر ما هي استغلال فاحش للطبقة العاملة يتوالد منه الفقر والمرض للأكثرية الشعبية.

يرى أنَّ ماركس مثل ريكاردو بنى تحليله على تناقضات المنطق الداخلي للنظام الرأسمالي. وعليه فقد ميَّز نفسه عن الاقتصاديين البرجوازيين (الذين رأوا أنَّ السوق هو نظام تنظيم أو تضبيط ذاته، أي أنَّه نظام قادر على تحقيق التوازن بذاته دونما انحرافات كبيرة، فطبقا لآدم سميث “اليد الخفية” وبالنسبة لـ”قانون” جان باتيست ساي أنَّ الإنتاج يخلق طلبه الخاص، والاقتصاديين الطوباويين والبرودونيين، الذين برأي ماركس طالما نقدوا إفقار الطبقة العاملة دون أنْ يطرحوا تحليلاً علمياً حقيقياً للعمليات الاقتصادية المسؤولة عن ذلك. لقد أخذ ماركس موديل ريكاردو في سعر رأس المال ومبدأ الندرة كأسس لتحليل معمق لديناميكيات رأسمالية في عالم صار فيه رأس المال غالباً صناعياً ماكينات شركات الخ، وليس ملكية أرض، وهذا تطور يعني أنْ لا حدود لكمية رأس المال الذي يتراكم. وعليه فإن نبوءة ماركس بأنه إما أنَّ عائد رأس المال سوف يتناقص بشكل متواصل (مما يقتل ماكينة التراكم ويقود إلى صراع عنيف بين الرأسماليين) أو أنَّ حصة رأس المال من الدخل القومي ستتزايد بشكل دائم (والذي عاجلاً أو آجلاً يوحد العمال للثورة). وفي الحالتين لا يمكن أنْ يحصل توازن سياسي اقتصادي اجتماعي في أيّ منهما”.

لكنه يردّ على ماركس بأن الأجور مع نهايات القرن التاسع عشر زادت. بهذه الطريقة يتعاطى الكاتب مع المسألة إحصائيا لا إنسانياً، بمعنى أن نقص الأجور لا يقرأه كاستغلال، ومن ثم فقر ومرض للعمال وأسرهم؟

تتخذ الأزمة، كما يشرح بيكتي، في المركز وضعية تدني الأجور منذ 40 سنة، مما ورّط المواطن في الاعتماد على بطاقات الاعتماد. كريدت كاردس. فتدني الأجور يقلل الشراء، ولا بدَّ من فتح باب المديونية الشخصية بالكريدت كارد ليصبح المجتمع تابعا لهذه البطاقات أو عبرها في الحقيقة.

في هذه العقود الأربعة، كانت النيولبرالية مثابة انتصار رأس المال على العمل، وبالتالي قلصت الأجور مما أحلَّ نظرية العرض (فريدمان) محلّ الطلب الذي بناه فورد وكينز. وبدوره لعب التضخم دوراً كبيراً في التهام الأجور وتراجع نظرية الطلب لصالح نظرية العرض.

ويعود بيكتي ليتّهم ماركس بأنه أهمل العامل التكنولوجي الذي برأيه يحلّ مشكلة تفاوت الدخل، عبر زيادة الإنتاجية بما هي قوة تخدم إلى حدّ ما في موازنة أو مواجهة عملية التراكم وتركز رأس المال الخاص. هذا مع أن ماركس ركز على هذه المسألة وخاصة حلول الآلة محلّ العامل، وبالتالي تزايد عدد جيش العمل الاحتياطي. وهو الجيش الذي أشرنا في موضع سابق إلى اشتماله على مئات الملايين من قوة العمل الفلاحية المطرودة من الأرض بسبب المشاريع الزراعية الشركاتية الكبرى.

ولكن ماركس أبداً لم يهمل العامل التكنولوجي، فماركس الذي طرح “نظرية التعويض” أي إحلال الآلة محل العامل كي تقل الأجور التي يدفعها الراسمالي ويحصل من الماكينة الجديدة على دخل أعلى ثم بسبب المنافسة يرميها إلى الخردة ليشتري ماكينة أحدث وهذا طبعاً إهلاكا  أو إتلافا للثروة.

وأبعد من هذا،يأخذ الكتاب البرجوازيون على ماركس أنه توقع أن تنتقل إلى الإشتراكية البلدان المتقدمة صناعيا، أي تكننولوجياً. اي يرونه بالغ في التركيز على التكنولوجيا، بعكس ما يقوله بيكيتي! بدوره فإن لينين كتب بوضوح “الإشتراكية هي التصنيع وكهربة البلاد”.

ينتهي الكاتب إلى تبني موقف كوزنتس في القرن العشرين بأن مشكلة عدم المساواة تتعدل في النهاية أوتوماتيكيا بمعنى أنَّ عدم المساواة تتضاءل في الاقتصادات المتقدمة بمعزل عن خيارات السياسة الاقتصادية إلى أنْ تستقر على مستوى مقبول، وبأن النمو هو تيار متصاعد يرفع كل القوارب “وبأنَّه حسب روبرت سولو فإنَّ جميع الجماعات سوف تستفيد من النمو بنفس الدرجة وبدون انحرافات كبيرة عن القاعدة أو المعيار” ( ص  من كتاب بيكيتي11). (المرجع: Robert Solow, “A Contribution to the Theory of Econonic Growth” Quarterly Journal of Economics 70, no. 1 (February 1956): 65-94)

ولا يخفى أن هذا الحديث هو حديث الكهان إذ لا علاقة له بالعلم والتطبيق الاجتماعي، كما أنّه تكرار لأطروحة ريكاردو في المنفعة المقارنة/النسبية Comparative Advantage بأنَّ التبادل بين أيّة دولة وأخرى مفيد للطرفين، في حين أنه في الحقيقة تبادلٌ لامتكافئ Unequal Exchange.

كما يزعم أنَّ اللامساواة تتزايد في بداية التصنيع لكن لاحقًا تتناقص اللامساواة أوتوماتيكيًّا حيث إنَّ أجزاء أكثر وأكثر من السكان تحصل على نتائج النمو الاقتصادي. (المرجع Kuznets, Shares of Other Income Groups in |Income and Savings, (Cambridge. M A: National Bureau of Economic Research, 1953)

ولكن هذا لا نراه اليوم في الأزمة المالية الاقتصادية الجارية بمعنى أن من يستفيدون هم قلة تتضائل عدديا. هذا الحدث الذي لا يمكن تجاهله أي الأزمة الجارية منذ 2008 وخاصة أين ذهبت النقود التي بدا أنها ذابت مع الأزمة؟ وهذا حصل أمام عينيْ بيكيتd وهو يجهزكتابه المذكور!

لقد تسربت في ثلاث قنوات: خزائن المصارف، وأرصدة الشركات وحسابات أفراد. والغريب أن بيكيتي لم يتعرض لهذا اللهف رغم أنَّ  بنك الاحتياط الفدرالي، الذي يقوم بدور البنك المركزي لأمريكا بل لمختلف دول العالم ما عداالصين خاصة(أنظر كتابنا: صين إشتراكية أم كوكب إشتراكي، 2022) قد دعم هذا البنك مختلف البنوك/المصارف وسوق الأسهم والسندات إلا أنَّ هؤلاء لم يستثمروا بل حتى لم يُقرضوا بعضهم بعضاً. كان تبرير رجال البنوك في الولايات المتحدة لعدم دعم بعضهم بعضاً، أن إدارة كل مصرف لم تكن على ثقة بأن المصرف الآخر قد لا يعلن إفلاسه غداً! ولذا، احتفظ كل مصرف بما حظي به من الدولة، وبالطبع، هذه البنوك لم تقرض الناس. ولعل أشد افتئات على الشعب كان في تركيز السلطات الأمريكية في الدعم على ولصالح البنوك الكبرى بتبرير :” إن هذا أكبر من أن ينهار”!

لعلَّ أوضح موقف إيديولوجي/سياسي لدى بيكتيي هو تمسّكه بموقف كوزنتس ببقاء “العالم المتخلف” ضمن العالم الحرّ. (ص 14).

فهو من حيث الخطاب يظلّ عنصرياً بتسمية المحيط بالعالم المتخلف من جهة ومن جهة ثانية لا يطرح مخرجا لـ”تخلف” العالم هذا! ربما لأنه لا يرى المخرج سوى في الشيوعية، لذا يتجنب الحديث فيها برفضها بكلمات معدودة.، ومن هنا موقفه في الخلاصة بمعاداة الشيوعية سواء بالاغتباط على سقوط جدار برلين أو عدم الشعور بأيّ ألم لتفكك الاتحاد السوفييتي.

ويرى بيكتي أنَّ صعود الصين يعني تقاسم الأغنياء فيما بينهم مع هبوط نسبي في حصصهم، لكنه لا يهتم بتزايد الفقر عالميا. (ص 15).

لكنه هنا يتناقض مع الرأسمالية التي يدافع عنها حتى العبادة. فالأغنياء لا يتقاسموا مع غيرهم ولا مع بعضهم، بل يتنافسون داخل البلد  الواحد ويتحاربون على الصعيد العالمي، ولا شك أن بيكيتي يعلم ما هنَّ الحربين الإمبرياليتين الأولى والثانية. لذا أدت المنافسة إلى تصفية الصغار والمتوسطين ووصلت الراسمالية إلى الاحتكار حيث حكم وامتلاك القلة.

وحيث يعتقد بيكيتي أن الأغنياء يتقاسمون، فهو يأخذ نظرية التحريفي كارل كاوتسكي فيما ما اسماه “ما فوق/أو مابعد الإمبريالية” أي أن الرأسمالية في مرحلة ما بعد الإمبريالية لا تتصارع بل تتعاون. وربما إرتكز كاوتسكي في هذا على الاستشناء الذي ذكره ماركس عن الرأسماليين في حالات أسماها “تآخي اللصوص”.

ولكن، من يتابع كتابات كثير من الاقتصاديين ورجال السلطة في الغرب الراسمالي فهم يركزون على ضرورة لجم تطور الصين حتى لو بالحرب. وتفسيرهم لهذا بأنهم كانوا يعتقدون أن صين ما بعد ماو ستذهب إلى تبني الراسمالية ولكنها لن تتمكن من اللُحاق وبالتالي ستكون ضمن هيمنة الغرب اقتصاديا وبالطبع ساسا وحتى ثقافياً. لكن كثيرون منهم يقولون لم نتوقع هذا التطور الصيني.

والمهم أنهم قرروا، بعكس توقعات بيكيتي ان لا يتعاونوا ولا يتقاسموا مع الصين وروسيا  بل أن يحاروا  البلدين وهما راسماليتين. هل يمكننا القول هنا أن بيكيتي لم يفهم الراسمالية؟ هذا موجه إليه. ما يهمنا أكثر أن الغرب الراسمالي ونتيجة لأزمته في السبعينات والدخول في تدني معدل الربح طبَّق قانون ماركس “الإنسحاب والغزو” على صعيد عالمي بدل أن ناقشه ماركس على صعيد مشاريع في الدولة الواحدة وأخذه كوزنتس/ دون إشارة لماركس، ليطبقه على قطاعات الإنتاج في البلد الواحد. لذا، نقلت كثير من الشركات الغربية ماكيناتها إلى الصين التي، صحيح مررت استغلالاً فاحشاً لعمالها لكنها ايضاً اشترطت اكتساب   التقنية والتصميم الفني The Know-How ووافقت الشركات العربية على ذلك لأنها مقودة بجشع تحصيل أعلى تراكم ممكن. أي بكلام آخر، كان هؤلاء يعلمون أن الصين تتطور، لكنهم عجزوا عن لجمها. (أنظر كتابنا صين إشتراكية أم كوكب إشتراكي 2022).

إن حرب الدفاع الروسية في أوكرانيا أي ضد الناتو وتخندق كامل الغرب ضد روسيا وضد الصين تحوِّل كتاب بيكيتي حقاً إلى إجهاض ضخم، وتنهي الاحتفاء البرجوازي به إلى غبار.

لقد كشفت جائحة كوفيد 19 عن جشع أنظمة الغرب وتفريطها ببعضها حيث وصلت إلى قرصنة سرقة دولة علاجات موجهة إلى أخرى وأغلقت كل دولة على نفسها غير آبهة بغيرها، بينما قدمت الصين العلاجات ضد الوباء مجانا للعديد من دول العالم وخاصة إلىى إيطاليا التي أهلكها الوباء.كما اتضح الفارق بين الصين والغرب من طبيعة الخدمات والحماية التي وفرتها الصين لشعبها رغم عدد سكانها الهائل وهي حماية وضمانات تم التخطيط لها سلفاً.

وهكذا، فإن الأزمات المتلاحقة للرأسمالية التي يكاد بيكيتي ينظم فيها شِعراً تنتقل من أزمة إلى أخرى، من أزمة 2008 إلى أزمة كوفيد19 إلى الحرب ضد روسيا والتخطيط علانية للحرب ضد الصين، آخذة العالم إلى كارثة مما يجعل ويؤكد أن الحرب في اوكرانيا ستغير النظام العالمي الحالي بلا شك.

ولعل ما يدفعنا للشفقة على شعوب الرفاهية في غرب أوروبا، أنها اليوم وبسبب دعم حكوماتها للنظام النازي في أوكرانيا تتلظى من الحر اليوم، وتجهزابدانها وخاصة الفقراء لقشعريرة الشتاء وذلك لأن روسيا تمكنت بحرب الريع “سواء النفط والغاز والقمح واشباه الموصلات…الخ” من محاصرة محاصريها. ولا نعتقد أن الخطاب الغوغائي السياسي للساسة البرجوازيين في الغرب عن التحمُّل وما تسمى المواقف المبدئية سوف تُقنع شعوباً عاشت على حساب الأمم الأخرى بأن تضحي برفاهها إلى أمد طويل، وإن فعلت سيكون ذلك:

  • إما نظراً لوعيها بأن راسماليتها التي حققت لها الرفاه كانت قد نهبت العالم ولا تزال تنهبه عبر التبادل اللامتكافىء، ولذا، فإن نزول هذه الرأسماليات عن العرش النهبوي سيجعل  وضع هذه الشعوب وخاصة الطبقات الراسماليةأكثر سوءاً فتختار أهون الشرين.
  • و/أو لأنها لم تتخلص بعد لا من العنصرية البيضاء ولا من الكبرياءالمركزانية الأوروبية/الغربية الفارغة.

 وفيما يخص الطبقات، يلجأ بيكتيي إلى طريقة التوائية لنفي الطبقية مرتكزاً على النظرية الذرية في علم الاجتماع البرجوازي وبالطبع مضمونها اللبرالي إذ يرى أنَّ هناك اعتقاداً متفائلاً آخر هو:

“…أن العقلانية بمعنى ما ستقود إلى شكل من العقلانية الاقتصادية … وأن “الحرب الطبقية” تخلي السبيل أوتوماتيكياً بناء على التزايد الجديد في توقعات الحياة لـ”حرب الأجيال” والتي هي أقل حسماً لأنَّ كلَّ شخص يبدأ أولاً صغيراً ثم يصبح هرماً. إنَّ هذه الحقيقة البيولوجية التي لا مناص منها يُفترض أنْ تتضمَّن بأن تراكم وتوزيع الثروة لم تعد نذير صراع حتمي بين سلالات الريع وسلالات عدم الملكية التي لا تملك سوى قوة عملها. إنَّ المنطق المتنامي هو أنَّ الفرد يدَّخر لدورة الحياة. يراكم الناس الثروة في صغرهم، لتخدمهم في الهرم. إنَّ التقدم في الدواء مع تحسن مستوى المعيشة سيحسن شروط الحياة، وبناء على ذلك تحول كليا جوهر رأس المال” . ( ص ص 20-21).

بهذا يقطع بيكيتي الطريق على أي تجاوز أو تحول جماعي، ويعود ليرتكز على فردانية الفرد التي تتناقض مع أي تماسك أو نضال طبقي. ربما يثير الضحك ما قاله بيكيتي  عن “التقدم في الدواء”! نعم هناك تقدم في صناعة الدواء، طبعاً لم يقل في توزيعه بسعر ضئيل أو مجاناً، وقد كشفت جائحة كورونا أو كوفيد 19 هذا النفاق حيث بخُلت كل دولة على جاراتها وكل طبقة على طبقات مجتمعها ولم تتبرع لغيرها سوى الصين وكوبا! وحفر الأثرياء بفلوس وجهد العمال ملاجىء تحت الأرض لا يطالها النووي مجهزة بما هو أكثر من جنات النعيم.

إن الانبهار بالتطور التكنولوجي خطير إذا لم نربطه بمدى خدمته أو خدمة منتجاته للبشر وليس تخصيصها لتحصيل اعلى تراكم ممكن.

في هذا السياق، قد لا يُفاجَىء القارىء بسقوط اقتصادي كبير هو ديفيد هارفي في امتداح قدرة الدولة الأمريكية، اي الشركات والطبقة الحاكمة المالكة على تصنيع الأدوية، حيث يبالغ في دور الميزة التكنولوجية لدرجة أنه فقد التحليل السياسي الطبقي والصراع الطبقي وانتهى بالمصالحة مع الدولة البرجوازية ، أي الولايات المتحدة.

 في تحليله للحرب الحالية بين روسيا والغرب ، ينتقد الماركسي ديفيد هارفي https://youtu.be/rIr187kBwXs روسيا ، ويتجاهل تهديد الناتو لروسيا ، ويشيد بدور السلطة في الولايات المتحدة في تطوير التكنولوجيا باعتبار ان من يمكن ان  تقوم بذلك هي الدولة ذات الإمكانيات دون أن يقل من اين الإمكانيات! اليس معظمها من النهب!. ويرى أن التكنولوجيا يجب أن تؤدي إلى رفاهية المجتمع بأسره! لسوء الحظ ، فقد هارفي تاريخه الطويل في التحليل الطبقي، يقول:

“دولة غنية جدًا فقط هي التي يمكنها تحمل ما يكفي من المال كي تنفقه للحفاظ على ميزتها التكنولوجية ، ولكن الميزة التكنولوجية تعني أنك تحصل على قدر هائل من فائض القيمة يتدفق في بلدك. لذا ، فإن الميزة التكنولوجية مهمة للغاية للرفاهية النسبية لسكان الولايات المتحدة. ورفاهية الشركات التي تعمل هنا في الولايات المتحدة ، لذا فإن الميزة التكنولوجية هي أمر من الواضح أن الدولة تشارك فيه “.

 لم يقل لنا من أين توفر فائض القيمة لتلك الدولة؟ ولم يقل لنا من أين توفرت الأموال داخل تلك الدولة؟ من الذي أنتجها؟ هل من الصحيح أن الميزة التكنولوجية توفر حقًا الرفاهية لجميع الطبقات في الولايات المتحدة للمنتجين وللرأسماليين ، وماذا عن وجود فجوة كبيرة بين حصص الطبقتين. في حين أن نصيب المنتجين ضئيل للغاية بالمقارنة مع مكاسب الرأسماليين ، فإن عملية الإنتاج بأكملها تحتوي على اغتراب المنتجين الحقيقيين عن منتجاتهم.

هذا دون مناقشة حقيقة أنه عندما حدثت  جائحة Covid-19 ، فإن الميزة التكنولوجية التي مولتها الدولة عبر تمويل الشركات الأمريكية لم تساعد غالبية سكانها ، بينما كانت الحالة في الصين عكس ذلك.

 هنا ، ترك الماركسي هارفي الماركسية كنظرية في الصراع الطبقي ، وتجاهل الاقتصاد السياسي الماركسي. علاوة على ذلك ، أنهى هارفي خطابه بإجراء مصالحة طبقية بين الدولة والرأسمالية وبقية الطبقات الاجتماعية الأمريكية!

 يركز هارفي على الميزة التكنولوجية لدرجة أنه يبرر قيام الدولة بدفع أموال/فوائض مسلوخة من جهد الطبقة العاملة  للشركات الكبرى لتطوير صناعاتها ، على سبيل المثال صناعة الأدوية ، ويسعده أن النتيجة النهائية هي رفاهية الدولة والشركات و الناس بشكل عام! لكن هذا ليس حقيقياً.

لكن بيكيتي يرى أنَّ هذه الاحتمالات ضئيلة فرصة التحقق. ولذا الأمل حسب رأيه في نشر المعرفة والمهارة (ص 22) وكأنه هنا يعود إلى الحلول الطوباوية المالثوسية فيما يخص أهل الصناعة.

في نهاية كتابه يتبنى بيكتي خط دفاع جديد عن الرأسمالية. هو تحشيد كل ما يمكن أن يطمس الواقع الطبقي على الأرض. أمّا سلاحه فهو اعتبار تفوق عائد رأس المال على درجة النمو هو المشكلة ومنه يستنبط الحل. أي حلّ مشكلة تراكم رأس المال وتفوقه على المخرجات والأجور. وطبقا لما جمعه من إحصاءات، فإنَّ فترة الحربين هي التي قللت عائد رأس المال. (ص 572).

لذا يرى أنَّ الضريبة التصاعدية هي الحلّ. ولكنه يضعها ضمن تضبيط حكومي مبرراً ذلك بأنَّ الإفراط فيها يوقف النمو. لذا يقترح ضريبة تصاعدية سنوية على رأس المال. وهنا المشكلة كما اشرنا هي في غياب الدولة التي تبنى وتطبق ما يطرح، ومع ذلك لو حصل، يبقى بيكيتي راسماليا طبقيا بامتياز.

ويضيف بأن المنافسة البحتة والكاملة لا توقف عدم المساواة الناتجة عن كون ( ر) أي عائد رأس المال، أكبر من (ن) النمو.

في النهاية فإن بيكتي يغادر بوضوح آدم سميث الأب الكلاسيكي للاقتصاد السياسي للرأسمالية.

“… إنَّ السياسة كلية الوجود، وبأنَّ التغيرات الاقتصادية والسياسية لا مفر من تداخلها، ويجب دراستها مع بعضها. وهذا يرغم الشخص على دراسة الدولة، الضريبة، والدَْين، بطرق دقيقة وبأن يهمل المفاهيم التبسيطية والمجردة، للبنية التحتية الاقتصادية وللبنية الفوقية السياسية” (ص 577)

ربما يجوز لنا الإشارة إلى تلاقٍ غير مقصود بين بيكتيي ونيجري رغم اختلاف المداخل والأهداف. فبيكتي مهموم بالحفاظ على الرأسمالية بمضمونها الديمقراطي وسوقها ويدعو إلى عولمة الضربية التصاعدية وبقاء المحيط تابعا لما يسميه العالم الحر متجاهلاً المسألة الطبقية كلياً لكنه وضع “أسساً” الهدف منها الحيلولة دون الانتفاضات الطبقية.

بدوره، فإن نيجري يتجاوز المسألة الطبقية كذلك مرتكزاً على قوى غير الطبقة العاملة وغير العنف الثوري ليصل إلى الشيوعية. وهنا يكون السؤال، ألا تتقاطع مثالية وطوباوية نيجري التي عمليا تساهم في خصي الثورة أي بقاء الإمبراطورية مع الخطة البرجوازية الواعية طبقياً في تمويه الطبقات!

فنيجري يرى أنَّ تفكيك الامبراطورية يأتي عبر الحركات الشعبية التي يقودها الأفراد أو الجماعات تترك إطار الدولة الوطنية وراءَها وتستهدف الحقوق المدنية الكونية وإلغاء الحدود الجغرافية … كما إنَّ ما يفرزه النظام من داخله من تناقضات وأزمات وكوارث وأيضا فَعَلَةً جدداً – بدءا من موجات الهجرة انتفاضات وثورات الجوع ومروراً بالشركات المعولمة ونشطاء حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية – يؤدي إلى تدمير الامبراطورية الذاتي. وهذا يحمل بعدا نحو الشيوعية! هذا التصور متقاطع تماما مع ثورة التروتسكيين الدائمة المافوق قومية وهو ما تلاقحوا به مع المحافظية الجديدة. (أنظر كتابنا: المحافظية الجديدة و ظلال يهو/صهيو/تروتسكية، 2014)

وفي حين يرتكز نيجري على فعلة غير فاعلين حقيقة أو على الأقل يعانون من غياب استراتيجية وانتظام جماعي دون أنْ نسميه طبقياً، فإن روكفلر

(المرجعWho Tells Us What To Think? Does The Mainstream Media = The Matrix? By Michael Snyder
 February 15, 2015

The following is what David Rockefeller is alleged to have said during a Bilderberg Group meeting back in 1991…We are grateful to The Washington Post, The New York Times, Time magazine and other great publications whose directors have attended our meetings and respected their promises of discretion for almost forty years. It would have been impossible for us to develop our plan for the world if we had been subject to the bright lights of publicity during those years. But, the world is now much more sophisticated and prepared to march towards a world government. The supranational sovereignty of an intellectual elite and world bankers is surely preferable to the national auto-determination practiced in past centuries.

This article was originally posted at The Economic Collapse

)، يتحدث عن آليتين للدولة العالمية التي لم يرَها نيجري، بل حسب أنها سوف تتقوَّض بالقوى التي راهن عليها. بكلام آخر: نحن أمام طوبى مقابل واقع. أمام تفككات طبقية مقابل تماسك ووعي طبقي لدى روكفلر:

الآلية الأولى لدى روكفلر، هي الطبقة الرأسمالية التي تتصرف كدولة فعلية على صعيد العالم “بيلدربيرج”، والآلية الثانية أداتها في اختراق وعي الطبقات الشعبية والعاملة، أي الإعلام.

لذا، فهو يدين بالجميل الدائم للصحف الأمريكية الرئيسية في خدمتها لرأس المال (نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وذي مجازين؟ يرى روكفلر أن هذه الماكينات الإعلامية قد خدمت السيادة المافوق قومية للنخبة المثقفة وللمصارف العالمية وبأنها الأفضل من الممارسة الموجهة قوميا في القرون الماضية.

هذه إذن الإمبراطورية الحقيقية المتجسدة على الأرض وهذه قواها، وليست تخيلات نيجري المشار إليها أعلاه.

يمتد الموقف الضد-طبقي أيضاً إلى الجماعات الأنارخية (تترجم خطأً بالفوضوية) والتي تلعب دوراً قوياً في الشوارع ضد رأس المال بدءاً من سياتل وصولاً إلى جنوا وغيرها. ولكن نشاطاتهم الشجاعة لا تثمر طالما هم بلا وعي والتزام طبقي، فهم الطبعة الشرسة ضد السلطة مقابل الطبعة الوعظية لرجال المؤسسات الدينية. كلاهم ينقد سلطة رأس المال بطريقته ولكنه لا يهدمها.

كتبت بربارا إبستين:

” على أية حال، فإن الأنارخية جذابة كبديل عن الطبعة الراديكالية الموسوم بها اليسار القديم والاتحاد السوفييتي. إن الكثير من النشطاء في الحركة المضادة للعولمة لا يرون الطبقة العاملة على أنَّها القوة القائدة للتغير الاجتماعي. “فنشطاء الحركة يربطون الأنارخية بكل من المناضلين، والاحتجاج الغاضب والمنظمات القاعدية، والديمقراطية اللامقودة، وبجماعات صغيرة ضعيفة الترابط”.(المرجع Barbra Epstein, Anarchism & Anti-Globalization, Monthly Review, Sep 2001 p. 11. )

لعل هذا الخطاب يشرح نفسه بمعنى أنَّ الأنارخية تمثل غضبا عارماً ضد السلطة، أية سلطة. ولكنها في الوقت نفسه تنزع أو تمتص من الغاضبين تحولهم أو تكثيف غضبهم واحتجاجهم في مشروع عملي كي يُنتج تغييراً. وقد يبيّن هذا طبيعة من يحتجون ضده، أي الدولة، التي لديها الجيش والشرطة والمخابرات وجميعها منظمة ومدربة وموظفة بشكل خاص ضد الاحتجاج والثورة سواء كانت منفلتة أو طبقية منظمة.

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.