فلسطين، نموذج الرواية الإستعمارية للتاريخ، الطاهر المعز​​

كانت القوى التّقدّمية العالمية، والمقاومة الفلسطينية مدعومة، خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين، من قِبَل بعض الأنظمة العربية والإتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية وكذلك الصين وغيرها، رغم حُدُود الدّعم وفساد قيادات منظمة التحرير وتأمرها في بعض الملَفّات مع الأنظمة العربية، كما تمكّنت المُقاومة الفيتنامية من كَسْر شوكة الإمبريالية الأمريكية، ولو مُؤَقّتًا، وعمومًا كان ميزان القوى العالمي مُواتيا، لتُصادق الجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 1975، على قرار يعتبر الصهيونية عقيدة عُنْصُرِية، وكان الكيان الصهيوني آنذاك من أكبر الدّاعمين لنظام الميز العُنصري في جنوب إفريقيا وللإستعمار البرتغالي المُباشر بموزمبيق وأنغولا وغينيا بيساو وأرخَبيل الرّأس الأخضر، وعمومًا كان يُشار إلى الصهيونية كفكر وإيديولوجيا، اعتمادًا على ما كتَبَهُ المُنَظِّر المُؤسِّس لها “ثيودور هرتزل” وعلى دعوات الحركة الصهيونية لانسلاخ المواطنين اليهود عن مجتمعاتهم والإنتقال إلى فلسطين لاحتلالها وتأسيس دولة “صافية” (على أراضي وَوَطَن الشعب الفلسطيني) لا يختلط فيها اليهودي بالأغْيار، أي غير اليهود، ولذلك تم وَصْمُ الصّهيونية بالعُنْصُرِية، لكن “المكاسب”، مهما كانت صغيرة، ليست دائمة، بل تُفْقَدُ حالما تتغيّر الظّروف، وخلال عملية انهيار الإتحاد السّوفييتي التي تَلت انهيار جدار برلين، بدأت الولايات المتحدة تكريس عالم “القُطب الواحد” بزعامتها، فتم في السادس عشر من كانون الأول/ديسمبر 1991، قبل أيام من العدوان الهمجي على العراق، بمشاركة جُيُوش العديد من الأنظمة العربية، وتواطؤ من الصّين والإتحاد السوفييتي المُحْتَضِر، إلغاء القرار الذي يعتبر الصهيونية موازية للعنصرية، وبدأت الإمبريالية الأمريكية والأوروبية والكيان الصهيوني رصد أي تصريح أو مقال أو موقف داعم لحقوق (أو حتى بعضها) الشعب الفلسطيني ليتم اتهام صاحبه بالعداء لليهود وبنشر الكراهية، وأقَرّت حكومات وبرلمانات الولايات وأوروبا قرارات ومَراسيم وقوانين تُدِين أي وَصْفٍ لما يحدث من مجازر وقمع في فلسطين، كما ضغطت القوى الإمبريالية والصهيونية لتغيير برامج التعليم العربية (التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية والمدنية…) والعبارات المُتداوَلَة في وسائل الإعلام والتّظاهرات الثقافية، وبلغ الأمر حدّ المُطالبة بحذف بعض الآيات القرآنية، وأذعنت السعودية والإخوان المسلمون وتيارات الإسلام السياسي لأوامر السّيّد الإمبريالي، خصوصًا بعد “مُفاهمات أوسلو” بين الصهاينة وقيادات منظمة التحرير، في ظل ميزان قوى لا يخدم الشعب الفلسطيني ولا الشعوب العربية والشعوب الواقعة تحت الإستعمار والهيمنة، كما لا يخدم الطبقة العاملة والفُقراء في الدّول الرأسمالية الإمبريالية…

نجح الكيان الصهيوني – بفضل الدّعم الإمبريالي، وتخاذل قيادات منظمة التحرير والأنظمة العربية –  في تكثيف حملات الإجرام والقمع ومصادرة الأراضي والإعتداء على الشعب الفلسطيني وشعوب لبنان وسوريا، بالتوازي مع إخماد صوت أي مُعارض أو ناقد لسياساته، بتهمة الكراهية والتحريض على الحقد، وأصبح شعار “مكافحة الارهاب” مُبرِّرًا لنشر الكذب وللتحريض على العنصرية والإعتداء على المهاجرين بالدّول الرأسمالية الإمبريالية وضدّ العرب والمُسلمين، وخَلْق مناخ سياسي واجتماعي وإعلامي وثقافي مُعادي للعرب (والفُقراء منهم بشكل خاص)، وللغة والثقافة والحضارة العربية، وتسلّحت الولايات المتحدة بقانون لِرَصْد جميع الأعمال المعادية للسامية في العالم، من قِبَلِ وزارة الخارجية الأمريكية التي تنشرها ضمن التقرير السنوي عن حقوق الإنسان، ومعاقبة “المُخالفين” الأشْرار، من قِبَل القَضاء الأمريكي واستخبارات الكيان الصهيوني وحلفائه، بسجنهم وتسليط الغرامات ضدّهم وطردهم من العمل ومن النشاط السياسي والإعلامي، ومنع الكُتُب والمنشورات ووسائل الإعلام التي تمارس أي شكل من أشكال حرية التعبير بشأن القضية الفلسطينية، فتوسّعت قائمة ضحايا قوانين “مُعاداة السامية”، في أوروبا وأمريكا الشمالية لتشمل النّاشرِين والأُدباء والفنانين والصحافيين والاعلاميين والسياسيين، ولم تستغل المؤسسات الفلسطينية والعربية والتّقدّمية هذه الإنتهاكات للحقوق الأساسية للإنسان، لكي تقوم بهجوم مُضاد…

اتفقت أحزاب اليمين ومعظم حركات اليسار في الدّول الإمبريالية على عدد من المواقف التي تعتبرها “ثوابت”، ومنها اعتبار الكيان الصهيوني دولة عادية، ضمن دُوَل ما يُسمُّونه “الشّرق الأوسط” أو “الأدْنى”، وهي عبارة من ابتكار الإستعمار البريطاني، أي أن أوروبا هي مركز أو محور العالم، ثم تنطلق منها الإتجاهات نحو الشرق والغرب والجنوب والشمال، كما اتفق الجميع على وُجُود “شعب يهودي” يتشكّل من مجموعات جاءت من بُلدانها الأصلية، خاصة أوروبا ومُستعمراتها، وتحمل مائة جنسية، كما يتفق هؤلاء على أن العرب لا يُشكّلون أُمّة، رغم الإمتداد الجغرافي والتاريخ المُشترك واللغة والثقافة والطّموحات، ينقُصُها التّكامل الإقتصادي، بسبب وجود حُكّام عُمَلاء وُكَلاء مصالح الشركات العابرة للقارت، ويتّفق اليمين، ومعظم قوى اليسار “الغربي” على اتّهام من يُعارض الكيان الصّهيوني برُمّته (ولا يكتفي بذكر “المُستوطنات غير الشرعية” ) بمعاداة السّامية، وساعدت هذه العوامل، المَوْرُوثة من الثقافة الإستعمارية الأوروبية، وحَظْر أي نقد للصهيونية (كإيديولوجية) وحظر أي دعم للشعب الفلسطيني، على تغلغل الكيان الصهيوني في مُؤسّسات الدّولة وفي وسائل الإعلام وفي التّظاهُرات الثقافية والمَعارض، وكذلك في الأوْساط النقابية والشعبية، وتدرُسُ الفقرات الموالية بعض مظاهر الدّعم الأمريكي والأوروبي للكيان الصهيوني، مع تخصيص معظم

الفَقرات للتّغلغل الصهيوني في فرنسا، كنموذج لاندماج الصهيونية بالإستعمار والإمبريالية.

الدّعم الإيديولوجي والسّياسي الأمريكي:

لا تتطرق هذه الفقرة إلى الدّعم العسكري الأمريكي فهو واضح ومعروف

أقر النّواب الأمريكيون قانونًا وقّعَهُ رئيس الواليات المتحدة “بوش الإبن” ( 16 تشرين الأول/اكتوبر 2004) تحت اسم “قانون معاداة السامية”،  يشمل رصد برامج التعليم ودُور العبادة ووسائل الإعلام والمنشورات بأنواعها وتصريحات أعضاء الحكومات والأحزاب والنقابات ومختلف المنظمات، وإصدار وزارة الخارجية تقريرًا سنويًّا بإشراف لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ولجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب، ويُهمل هذا القانون معاداة العرب، ويؤكد على “التعاون مع منظمة الأمن والتعاون الأوروبي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لرَصْد مُعاداة السّامية…”، بينما ترفض الولايات المتحدة محاكمة أي مواطن ( خاصة إذا كان جُنديًّا غازيا) أمريكي خارج الولايات المتحدة، ولذلك لم تُوقِّعْ على المعاهدة الدولية الخاصة بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، واشترطت على سُلُطات الدّول التي تحصل على قُرُوض أو “مُساعدات” عسكرية وأمْنِية “عدم السّعْي لمحاكمة الجنود الأميركيين أمام المحكمة الجنائية الدولية”، وما هذا القانون سوى حلقة من سلسلة قوانين تهدف تأكيد الهيمنة الأمريكية على العالم، بذرائع مختلفة، منها الديمقراطية وحقوق الإنسان، للتدخل في شؤون الدول وفرض سياستها…  

الإتحاد الأوروبي حاضن الكيان الصهيوني

يُعتَبَرُ المشروع الصهيوني مولودًا شرعيا للإمبريالية الأوروبية، خلال الرّبع الأخير من القرن التّاسع عشر، ما جعل العلاقات بين الكيان الصهيوني وأوروبا (الإتحاد الأوروبي الحالي) تُصنّف ضمن العلاقات الخاصة والاستثنائية التي تم تكريسها بدعم من ألمانيا وفرنسا وهولندا، على وجه الخصوص، من خلال الاتفاقيات التي تشمل جميع القطاعات، ما يجعل الكيان الصهيوني يتمتع بجميع مزايا الإنتماء للإتحاد الأوروبي دون تحمُّل أي تبعات، وأصبحت قيادات الإستخبارات الصهيونية تُشرف على البرامج الأوروبية “لمكافحة الإرهاب” وتتبنّى أوروبا وجهة النّظر الصهيونية بشأن العديد من القضايا، منها ما عُرِفَ ب”منع تطوير الأسلحة النووية الإيرانية “…  

تم التّركيز على المانيا وفرنسا بصفتهما أكبر الدّول الأوروبية تأثيرًا وقُدْرَةً على فَرْض التّوجّه الأوروبي

ألمانيا:

تُعتَبَرُ ألمانيا من أكبَر مُمَوِّلي الكيان الصهيوني، منذ 1953، بعد ضغْط الولايات المتحدة على الدّائنين الأوروبيين لإسقاط دُيون ألمانيا وتحويلها إلى الكيان الصهيوني، فتطوّرت علاقات التعاون التجاري والاقتصادي والسياسي والعسكري والاستخباراتي، بينهما، إلى أعلى درجة، وفي المجال العسكري والأمني، لا يكل السياسيون الألمانيون من كل الإتجاهات تَعَهُّدَ ألمانيا – التي اضطهدت مواطنيها اليهود بين 1933 و 1945، ولم يبق منهم، سنة 2021، سوى 118 ألف يعيشون في ألمانيا-  “بحماية أمن إسرائيل”، وباعت ألمانيا إلى الكيان الصهيوني سبع غواصات قادرة على حَمْل رُؤُوس نووية بأقل من تكلفة إنتاجها، ليتحمل ساكنو البلاد (من ألمانيين وعُمّال أجانب) ثُلُثَ تكلفة صفقات السلاح الألمانية هذه، وتتذرّع الحكومات الألمانية (ألمانيا الغربية منذ 1953 والموحدة منذ 1991)، بالماضي النّازِي لتبرير الدّعم المُطلق للكيان الصهيوني، رغم أسبقية المؤتمرات الصهيوني على النازية التي اضطهدت ونكّلت بمواطنين ألمانيين، لكن أوروبا نَصّبت الكيان الصهيوني ناطقًا باسم جميع يهود العالم، وضمنهم يهود اوروبا…

اشتهرت ألمانيا بقُوة أحزاب اليمين المتطرف، وريثة النازية، وتعتبر إحصائيات الشرطة الألمانية أن اليمين المتطرف مسؤول عن أكثر من 90% عن الجرائم العُنصرية وعن “معاداة السامية” من 2018 إلى 2021، ويمارس أعضاء هذه الأحزاب عمليات الإعتداء والحرق والقتل ضد الأجانب ومحلات العبادة والتجارة والسّكن، فيما تمنع الحكومات المتعاقبة تظاهرات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وترفض منح تأشيرات الدّخول للعديد من مشاهير الفنانين والأُدباء والصّحافيين من مختلف بلدان العالم، بسبب موقفهم – “المُعتدل” في معظم الأحيان- من القضية الفلسطينية، وبدل مراقبة اليمين المتطرف ومنع نشاطه أمعنت سلطات ألمانيا في مُلاحقة العرب وأنصار الشعب الفلسطيني، وعينت سنة 2018 مندوبًا لشؤون معاداة السامية في البلاد، تتمثل مهمته في رَصْد ومَنْع أي نقد لسياسة الكيان الصهيوني، وأقر البرلمان الألماني، سنة 2019، قانونا ضد حركة المقاطعة ( بي دي إس)، بدعم من جميع الأحزاب السياسية الرئيسية في ألمانيا التي اعتبرت حركة المُقاطعة “معادية للسامية”، ودعا البرلمان إلى قطع أي تمويل أو دعم للمجموعات التي “تشكك في حق إسرائيل في الوجود”.

في المجال الاقتصادي رُتِّبَتْ ألمانيا كثاني أهم شريك تجاري لدولة الإحتلال الصهيوني، بعد الولايات المتحدة، وبلغت قيمة المبادلات التجارية المُعْلَنَة حوالي ثمانية مليارات دولارا سنة 2018، وقرابة عشرة مليارات دولارا سنة 2021، ولا تتضمن هذه الأرقام صفقات السلاح والتّجسّس والأمن، “لتعزيز حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بحسب وزير الخارجية الألماني السابق “هايكو ماس”، فيما تعدّدت تصريحات المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل “إن أمن دولة إسرائيل يعتبر من أسس السياسة الألمانية”، ويحاول المستشار الحالي “أولاف شولتز” المُزايدة على ميركل، وبشكل عام، تتفق الأحزاب البرلمانية الألمانية، بما فيها “الخُضْر” و “دي لينكه” على “ضرورة تَعَهُّد ألمانيا بالدفاع عن أمن إسرائيل وتدعم احتياجاتها الأمنية”، بحسب موقع دويتشه فيلله، على أن لا تعترف ألمانيا أبدًا بسلطة أوسلو (رغم الطابع الشكلي الصّرف لهذه “السّلطة”) سوى بموافقة الكيان الصهيوني، وبدل مكافحة الجرائم العنصرية لليمين المتطرف، تُلاحق سلطات ألمانيا الحركات السّلْمية المساندة لبعض حُقُوق الشعب الفلسطيني…

فرنسا:

أقامت فرنسا الإستعمارية، منذ العام 1949، علاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني، وأقرّت عددًا لا يُحصى من القوانين والإجراءات المُعادية للعرب، بذريعة “محاربة معاداة السامية “، وأهمُّها إقرار البرلمان الفرنسي ( على غرار مجالس النواب بالولايات المتحدة وألمانيا) في الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2018، مُساواة معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، لأسباب عقائدية استعمارية، وكذلك لأسباب انتخابية، إذْ تضم فرنسا أكبر جالية يهودية في أوروبا، بسبب عملية تجنيس يهود المغرب العربي، خلال فترة الإحتلال، وخاصة يهود الجزائر الذين غادر معظمهم بلادهم، بعد اختيارهم الوقوف مع المُستَعْمِر، وكانت فرنسا بالنسبة لبعضهم محطة تلتها مرحلة أخرى تمثلت في المُساهمة القوية في احتلال فلسطين والمحافظة على الجنسية الفرنسية، مثل حوالي 90%  من المستوطنين الصهاينة الذين جاؤوا من مائة دولة، وحافظوا على جنسيات بلدانهم الأصلية.

تعتبر حكومات فرنسا، مهما كان اسم الحزب الحاكم (كما ألمانيا) أنها مُلْزمة “بضمان أمن إسرائيل” الذي تعتبره “أوْلَوِيّةً مُطْلَقَة، وجزء من السياسة الفرنسية في منطقة الشرق الأوسط.”، وفق خطاب الرئيس “إيمانويل ماكرون في العشاء السنوي لأكبر منظمة فرنسية مُدافعة عن سياسات الكيان الصهيوني، وكثفت حكومات فرنسا التعاون الأمني والعسكري مع دولة الإحتلال، في مجالات قمع الإحتجاجات في الأحياء الشعبية وتطوير وسائل المراقبة المُستمرة، ويُشارك الجيشان في مناورات عسكرية عديدة، وتتعاون أجهزة مخابراتهما لتبادل المعلومات حول المواطنين العرب في فرنسا وفي المشرق العربي، وحول سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان وغيرها.  

تحتل فرنسا المرتبة الثالثة بين الدول الأوروبية المصدرة للكيان الصهيوني، فضلا عن تجارة السلاح والتعاون العسكري والاستخباري والأمني، بذريعة “مكافحة الإرهاب”، ولا توجد بيانات ذات مصداقية للحجم الإجمالي للتجارة الثنائية، لكن قدرت منظمة أرباب العمل الفرنسية حجم استثمارات حوالي مائة مؤسسة من القطاع الخاص الفرنسي بفلسطين المحتلة بأكثر من ثلاثة مليارات يورو، سنة 2017، كما أعلنت نقابة أصحاب الفنادق “إن فرنسا من أهم الأماكن السياحية المفضّلة للسائحين الإسرائيليين”…

تعود ضبابية بيانات المبادلات الإقتصادية والتجارية إلى أهمية التعاون الأمني وعدم الرغبة في كَشْفِ حجمه، فهو تعاون تاريخي يعود إلى منتصف القرن العشرين، ونشرت بعض وسائل الإعلام، بنهاية آذار/مارس 2021، تلميحات بخصوص “التعاون السّرِّي الأمني والعسكري”

لا يقتصر الدّعم الفرنسي للصهيونية على الحكومة بل يُغالي العشرات من مجلسي النّواب والشّيُوخ في إعلان صهيونيتهم، والمُزايدة على الحكومة أحيانًا، وتكثّفت زياراد وُفُود النُّواب الفرنسيين إلى فلسطين المحتلة، خلال العِقْدَيْن الماضيّيْن، وزاد معها دعم الإحتلال، وعلى سبيل المثال، أقرّ مجلس النّواب الفرنسي سنة 2019، قانون “معاداة الصهيونية كشكل من مُعاداة السّامِيّة”، وحَرّر المشروع مشاهير النواب الصهاينة في فرنسا، باتفاق مع إيمانويل ماكرون، وحكومته التي ساهم وُزَراؤها في تبرير العداء للمهاجرين العرب والأفارقة وحَظْر جمعيات “المُسلمين”، وإغلاق محلات العبادة (وهي عبارة عن مُستودعات فارغة من أي أثاث، يتكفل المُصَلُّون بتأجيرها) وطَرْد الأئمة، وهَدّدَ “إيمانويل ماكرون” ( الذي تعرّض هاتفه للتجسس، ضمن برنامج “إيغاسوس” الصهيوني) منظمة العفو الدولية (دون ذكر اسمها) بعد نشر تقريرها، في بداية شهر شباط/فبراير 2022، حول “سياسة الفصل العنصري -أبارتايد- التي تنتهجها إسرائيل تجاه الفلسطينيين”، والذي نُشر في بداية فبراير/ شباط 2022، مُدّعيًا أن التّقرير مُنافي للحقية وللواقع، لأن “إسرائيل دولة ديمقراطية”، بحسب زَعْمِهِ، كما زادت حدّة التَّشْهِير بمنظمة العفو الدّولية بعد إدانتها حلّ جمعيتين صغيرتين فرنسيّتَيْن، هما “فلسطين ستنتصر” (بمدينة تولوز) و”لجنة العمل الفلسطيني” (بمدينة بوردو)، وأعلن الرئيس ماكرون، في خطاب تمت قراءته نيابة عنه بسبب تواجده في بروكسل، أمام حوالي ألف من السياسيين (بمختلف مشاربهم) والإعلاميين المدعُوّين للعشاء السنوي لمنظمة “كريف” الصهيونية جدا جدا، في 24 شباط/فبراير 2022، في باريس:“لم أكِلّ من ترديد إن القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي…”، وتَتَداول الأوساط السياسية والإعلامية بباريس علاقات الرئيس ماكرون الحميمة مع الأوساط الصهيونية في فلسطين المحتلة وفي فرنسا، فقد كان مُديرًا في مجموعة “روتشيلد” المَالِيّة، وصداقاته مع زعماء الشبكات السياسية والاقتصادية والثقافية الدّاعمة للكيان الصهيوني في باريس.

دعم الإحتلال على الجبهة الثقافية

يندرج تعزيز العلاقات الأوروبية – الصهيونية ضمن الإيديولوجيا والثقافة والسياسات الإستعمارية المُشتَرَكَة، فما الصّهيونية سوى فَرْع من الإمبريالية الأوروبية (والعالمية) منذ نشأتها في القرن التاسع عشر، ويندرج العداء المُشترك لكل ما هو عربي، ضمن ازدراء الشُّعوب المُضْطَهَدَة وتاريخها ولُغتها وثقافتها، وفي ما يلي بعض النّماذج من التعاون الفرنسي – الصهيوني في مجال احتقار العرب، بمن فيهم العرب اليهود.   

معرض معهد العالم العربي

نَظّم معهد العالم العربي بباريس، الذي يرأسُهُ وزير سابق لفرانسوا ميتران (وهو مؤسسة فرنسية، تعكس وجهة نظر الدّولة الفرنسية ولا يعلم بوجودها معظم العرب المقيمين بفرنسا) معرضا، بعنوان “يهود الشّرق”، امتد من نهاية 2021 إلى 2022، “في إطار اتفاقيات أبراهام”، بحسب دعاية المؤسسة، ما أثار العديد من الإحترازات، اختزلتها عريضة احتجاج عربية على استعارة المعرض عددًا من القطع المعروضة من الكيان الصهيوني الذي نَهَبَها وادّعى أنها تراث “إسرائيلي” (“لوموند” 27 كانون الأول/ديسمبر 2021)، ويتَبَنّى المعرض الرواية الرسمية الصُّيونية حول اليهود العرب، الذين تمت إعادة تسميتهم “يهود الشرق”، ويُنْكر المعر طرد الفلسطينيين من وطنهم، مُدّعيا “مُغادرتهم” فلسطين، في حين يدّعي “طَرْد” العرب اليهود من بلادهم، وتُشير الوثائق التاريخية، بما فيها الوثائق الصّهيونية، إلى عملية التهجير القسرية التي نَظّمتها الحركة الصهيونية واستخباراتها، بالتواطؤ مع الأنظمة العربية، ومنها تهجير يهود اليمن (1949-1950) والعراق (1950-1952)، والمغرب (1961-1964) ما شكّل عملية اجتثاث مجموعات سُكّانية كانت جزءا من النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي العربي، وفق كتابات نشرها أبناء اليهود العراقيين والمغاربة (شمعون بلاص وسمير النقاش وسامي ميخائيل وإيلا شوحاط وغيرهم)، وأشارت منشوراتهم إلى هذا الإجتثاث وإلى العنصرية التي مارسها ضدهم اليهود الأشكيناز (يهود أوروبا)، في فلسطين المحتلة حيث فُرِضَ عليهم التّخلِّي عن ثقافتهم ولُغتهم وعاداتهم…

 حقائق عن هجرة اليهود العرب والإيرانيين، أو “يهود الشرق”، وفق لُغة الإستعمار:

تُشير الوثائق العربية، منذ منتصف القرن العشرين، ثم الوثائق الصهيونية التي نشرها تيار “المُؤرخين الجدد”، بداية من عقد الثمانينيات من القرن العشرين إلى تنظيم الكيان الصهيوني، منذ تأسيسه حملات لتهجير اليهود العرب، ليقوم معظمهم بالأعمال اليدوية، مكان العُمّال العرب الفلسطينيين الذي لا يجب أن يجدوا عملاً لكي يضطرّوا إلى مغادرة وطنهم، باستثناء المُثقفين العراقيين الذين أشرفوا على برامج التعليم باللغة العربية، وكانوا واسطة بين من تبقى في وطنه من الشعب الفلسطيني وجهاز الدّولة الصهيونية، كما يندرج تهجير المواطنين العراقيين والمغاربة والمصريين واليمنيين اليهود في إطار احتلال القُرَى والمزارع والمُمتلكات التي تَمّ تهجير أهْلِها، وعلى سبيل المثال تم تنظيم رحلات عديدة لتجميع اليهود اليمنيين في مخيمات عبور، ثم نقلهم إلى فلسطين المحتلة، بين سنتَيْ 1949 و 1950، وأشْرَفَت الحركة الصهيونية على تفجير وتدمير الأحياء والأماكن التي يرتادها اليهود في مصر والعراق وغيرها، والإدّعاء (بدعم إعلامي أوروبي وأمريكي ) إنها من فعل المواطنين العرب، وهو نفس الأسلوب (التّفجير ) الذي استخدمته المليشيات الصهيونية لإجبار الفلسطينيين على مُغادرة أحيائهم وقُراهم ووطنهم، وروى بعض أبناء اليهود العراقيين واليمنيين بعضًا من مُعاناة اليهود العرب من قمع واضطهاد بلغ حدّ ادّعاء تسليم المواليد الجُدُد أو الأطفال الذين يُعالجون في المستشفيات، من أبناء اليهود العرب، إلى عائلات صهيونية اشكنازية (من أوروبا الشرقية ) تتَبَنّى هؤلاء الأطفال وتُربّيهم تربية صهيونية مُناقضة للثقافة والعادات والتقاليد العربية…      

ما ينطَبق على العرب اليهود ينطبق كذلك على يهود إيران، حيث رفض أغلب المواطنين اليهود الهجرة إلى فلّسطين، إثر النّكبة، لكن غادر العديد منهم إيران بعد سُقُوط حُكم الشاه، في شباط/فبراير 1979،  وبعد مرور أربعين سنة، نظّم الكيان الصهيوني، سنة 2019، معرضًا في تل أبيب بعنوان “رحلة بلا رجعة”، يُقدّم رواية مُخْتَلَقَة عن وضع اليهود العرب والإيرانيين، وأسباب مُغادرتهم بُلدانهم الأصلية (سِرًّا) وعن تثبيتهم كمُستعمِرِين مُستوطِنِين في فلسطين المحتلة، في وطن وأراضي وقُرى وأحياء ومساكن الفلسطينيين، وأثارَ آنذاك بعض المؤرخين في مناطق عديدة من العالم (في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والوطن العربي وإيران ) عددًا من التساؤلات عن تزييف الوقائع المَعْرُوفة والمُوَثَّقَة، ومن بينهم مؤرخون وصحافيون وسياسيون وأكاديميون وفنانون يهود، لم يشتهروا بمعارضتهم للمشروع وللكيان الصهيونيَّيْن، بل بدعم السّرْدِيّة الصهيونية، من خلال ادّعاء “انفتاح المجتمع الإسرائيلي”، ولكنهم رفضوا ادّعاءات منظّمي المعرض، التي تفتقر إلى الوثائق، بشأن “معاناة اليهود في مجتمع مسلم”، ويُقِرُّ بعض هؤلاء بتورط المؤسسات الصهيونية في انفجارات الأحياء والمحلات اليهودية في مصر أو العراق

نظم الكيان الصهيوني العديد من المؤتمرات والندوات والمَعَارض عن “الهجرة والترحيل من البلدان العربية وإيران”، بالتّوازي مع التنديد بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وديارهم، ومع مُطالبة الدّول العربية بتعويضات مالية ثمنًا لممتلكات اليهود الذين غادروا وطنهم، ولتبرير أو ترسيخ المُوازاة بين “تهجير اليهود” و “مُغادرة الفلسطينيين” (بحسب عبارات الدّعاية الصهيونية) يتم تكثيف الدّعاية والتّظاهرات، بدعم من حكومات وإعلام وبرلمانات ومراكز البحوث والدّراسات و”الإستشراق” بالدّول الإمبريالية، ودعم العديد من الباحثين والمُؤرخين، منهم بنيامين ستورا (وهو من أبناء عائلة جزائرية يهودية) الذي قَدّم تقريرًا كلفه به الرئيس إيمانويل ماكرون، فكان التقرير بائسًا ومُزيّفًا للوقائع، بخصوص الفترة الإستعمارية بالجزائر، وساهم معرض تل أبيب بعنوان “رحلة بلا رجعة” في تزييف التاريخ والوقائع والحقائق، مع الإشارة إن كافة البلدان العربية كانت مُستعمَرَة بشكل مُباشر، (خصوصًا من قِبَل فرسا وبريطانيا)، ما يُمكّن الإستعمار من التّحكّم في كل كبيرة وصغيرة، خلال مرحلة تكثيف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وثورة 1936 والنكبة…

بثّ التلفزيون الصهيوني، وكذلك شبكة “آب لتي في + ” الدّولية، سنة 2020، مسلسلاً عن الإيرانيين اليهود (كانوا حوالي مائة ألف حتى سنة 1979)، بعنوان “طهران”، تم تصويره في أثينا، عاصمة اليونان، وهي يندرج ضمن الدّعاية الصهيونية، باستثمارات ضخمة، بهدف التّضليل وتزييف تاريخ وواقع الإيرانيين اليهود الذين لهم حاليا مُمثلون بالبرلمان مثل مجمل الأقليات الدّينية والأثنية، وتشويه صورة المجتمع الإيراني، دون الإشارة إلى دعم الكيان الصهيوني لنظام الشّاه (كما لنظام المَيْز العنصري بجنوب إفريقيا) إذْ يتمحْوَرُ حول عميلة للإستخبارات الصهيونية (الموساد )، فَبَطَل المسلسل جاسوسة أرسَلها الموساد إلى طهران، بذريعة “إنقاذ اليهود” الذين يُشكّلون جزءًا من المجتمع منذ آلاف السّنين، لتتمكّن الدّعاية الصّهيونية من تبرير العِداء المَرَضِي للنظام الإيراني الحالي الذي أبْقَى على تمثيل الأقليات في البرلمان وعلى حرية ممارسة الشّعائر الدّينية، وهي حُرِّيّة نسبية، بهامش أَوْسَع بكثير مِمّا يحصل في فرنسا على سبيل المثال، حيث تُيسِّر، وتدعم الدّولة الفرنسية ممارسة الشعائر الدّينية لليهود وتعليم العبرية، وتدعم معابد وطقوس الهندوس (يتم إغلاق شوارع جزء من الدّائرة الثامنة عشر بباريس، بمناسبة يوم الإحتفال بالإله “غانيش”) فيما تُعسِّرُها على المسلمين…

ساهم جيل الشباب من اليهود الإيرانيين اليهود، كمواطنين في الاحتجاج ضد نظام الشّاه، وكان بعضهم مُنْتَمِيًا لمنظمات وحركات سياسية تهدف الإطاحة بنظام الشاه، وفي باريس، سنة 1978، قبل انهيار نظام الشاه، التقى وفد من يهود إيران آية الله روح الله الخميني، للتّأكيد على “تأييد الإيرانيين اليهود للثورة”، ولمّا سيطر الإسلام السياسي على السُّلْطة، تعرّض المُعارضون، بدون تمييز، للقمع والإضطهاد والسّجن والإعدام، من ذلك إعدام المناضلة الماركسية “إدنا ثابت”، سنة 1982، وكانت عضوة في منظمة “بيكار” الشيوعية السرية التي انشقت عن منظمة مجاهدي الشعب، فهاجر العديد من اليهود من الفئات الوُسْطى، كما غير اليهود، ليس إلى فلسطين المحتلة، بل إلى أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) وأوروبا، لينخفض عدد الجالية اليهودية بإيران إلى نحو 35 ألف مواطن، سنة 1989، بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ويُحاول هذا المُسلسل أن يُزيّف الحقائق ويُشوّه التاريخ…   

خاتمة:

إن الصهيونية إيديولوجية سياسية ظهرت في القرن التاسع عشر ونظّر لها الكاتب المجري-النمساوي تيودور هرتزل. وتهدف إلى تشجيع إنشاء وطن قومي يهودي في أرض إسرائيل. فساند هرتزل، الذي أثرت فيه قضية دريفوس، فكرة أنه لا يمكن لليهود الاندماج في بلدانهم وأنه يجب إعطاءهم دولة ليتجمعوا فيها.

هناك خلط مُتعمّد بين مفهوم معاداة الصهيونية والعداء للسّامية، وتذرّعت السلطات الحاكمة بألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها ب”احتمال رفع شعارات مُعادية للسّامية” لِمَنْع العديد من تظاهرات مُساندة الشعب الفلسطيني، والتنديد بالقصف الصهيوني لغزة المُحاصرة منذ 2005، أما في الولايات المتحدة فقد سمحت السلطة لنفسها بسن قوانين تسمح لها بمتابعة ومُحاكمة وإدانة ما تعتبره “عداء للسامية” في كافة أنحاء العالم، ما يجعل القوانين الأمريكية عابرة للقارات، كشركاتها، وفوق القوانين الدّولية…

من جهتها، تُؤدّي وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية السائدة دَوْرًا هامًّا في تَمجيد الإحتلال عبر التّأكيد على “الدّور الحضاري” للإحتلال الصهيوني، ما يجعلها طرفًا مُنحازًا ومُناهضًا لتحرّر الشعب الفلسطيني، وشعوب العالم والفئات الكادحة، فخلال آخر عدوان على فلسطينيِّي قطاع غزة، أكّدت معظم الصحف “الغربية” على “أمن إسرائيل، وحقها في الدّفاع عن النّفس” لتبْرِير الإغتيال والقتل وتدمير المنازل والمَزارع (نيويورك تايمز 06 آب/أغسطس 2022، أو بي بي سي و “فرنسا 24” 16 آب/أغسطس 2022، على سبيل المثال)، لتتحول معظم وسائل الإعلام (سواء كانت قطاعًا عامًّا أو مملوكة للشركات العابرة للقارات) في الدّول الرأسمالية المتطورة، إلى أبواق دعاية للإحتلال، وإلى أعداء للشّعب الفلسطيني، تلعب دَوْرًا مُكَمِّلاً للأسلحة (الأمريكية والألمانية والفرنسية…) وللدّعم السياسي، في إطار “الإلتزام بالدّفاع عن أمن إسرائيل”، كما يُصرّح الزعماء السياسيون للولايات المتحدة ولإتحاد الأوروبي. أما قوانين تجريم معاداة الصهيونية فهي تعبيرٌ عن اتجاه استبدادي، يُحاول فَرْض الرّأي الأوْحَد وفَرْض التّاويل الرسمي للتّاريخ، شبيه بالقانون الفرنسي (شباط/فبراير 2005) الذي يَفْرِضُ على المناهج التّعليمية إبْراز “محاسن (أو مزايا) الإستعمار”، وبَرّر الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” هذا الإتجاه الإستبدادي قائلا (سنة 2017، أمام رفيقه بنيامين نتن ياهو) “إن معاداة الصهيونية هي الشكل الجديد من معاداة السامية”

يُرجى مراجعة الدّراسة المُطَوّلة، من جُزْأيْن، بعنوان “دَوْر الشّبكات الصهيونية في فرنسا” – الطاهر المعز، بداية أيلول/سبتمبر 2012  

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.