فريضة الارهابين الغائبة أضرت بالإسلام قبل تدميرها للأوطان! د. رفعت سيد أحمد

يمكننا الجزم اليوم ونحن في العام (2022)؛ بأن ماجري من فوضي وخراب في أغلب بلدان العالم العربي والاسلامي خاصة في سنوات ما سمي بسنوات الربيع العربي (التي بدأت في تونس 2010ثم انتقلت منها الي بلدان آخري) يعود بالأساس الي تلك الجماعات التكفيرية مثل القاعدة وداعش وأخواتهم والي سيطرة فكرة أن ما تسمي بالبلاد أو الاوطان ليست سوي (اصناما) ينبغي على (المجاهد!) أن يهدمها لكي تصبح عقيدته صادقة وإيمانه صحيح! ومن هنا إنطلقت سياسات الارهاب والقتل وتفكيك الاوطان والجيوش الوطنية ..وكله بإسم الاسلام …والاسلام قطعا براء .ويحدثنا التاريخ أن تلك الفكرة أو العقيدة الفاسدة في رفض الوطنية ووجوب تفكيك الاوطان تعود كما أشرنا في دراسات سابقة الي جماعة الاخوان في مصر والي سيد قطب ومن تلاه من منظري الجماعات التكفيرية ومنها جماعة الجهاد والجماعة الاسلامية في مصر والتي قتلت الرئيس المصري الاسبق (أنور السادات عام 1981) ولقد ترك المنظر الاول والمخطط الاول لها  وهو (محمد عبدالسلام فرج) وثيقة واحدة غاية في الاهمية والتأثير وهي وثيقة(الفريضة الغائبة والتي نشرناها ورددنا علي أفكارها التكفيرية في كتابنا :النبي المسلح –دار رياض الريس للنشر –لندن -1990) وتعد هي ووثائق جماعة التكفير والهجرة وكتاب سيد قطب (معالم في الطريق ) الاساس التاريخي العقيدي لجماعات القاعدة وداعش  وغيرها من جماعات الارهاب المسلح المنتشرة في شرقنا العربي وسيناء هذة الايام . …فماذا عن وثيقة (الفريضة الغائبة) التي قتلت السادات ولاتزال يتوالي القتل بإسمها في بلادنا العربية التي أبتليت بهؤلاء القتلة؟                                                                                                 *****                                                                                 

فريضة عبدالسلام فرج الغائبة         

تعود نشأة جماعة الجهاد الإسلامي بقيادة محمد عبد السلام فرج الى عام 1979، ولقد مثلت – كما هو معروف – نقطة التقاء ثلاث جماعات كانت تعمل متباعدة قبل عام 1979م، وهي فضلاً عن جماعته، جماعة كرم زهدي بوجه قبلي، وجماعة سالم الرحال الأردني الجنسية ومع عام 1981م تكون مجلس شورى موحد لجماعة الجهاد الإسلامي، وفي 6/10/1981م تم اغتيال رئيس الدولة المصرية أنور السادات على يد أعضاء من هذه الجماعة.

وفقاً لرؤية أمير الجماعة – المهندس محمد عبد السلام فرج – في كتابه الفريضة الغائبة فإن الإسلام لم يعرف (الوطنية) وليس لديه سوى “دار للإسلام” و”دار للحرب” وأن الانتماء الحقيقي يكون إلى الأولى، ومن أجل تحقيق هذا الانتماء لابد من إقامة الدولة الإسلامية، ويصبح قيامها فرض عين على المسلمين، وإذا كانت هذه الدولة لن تقوم إلا بالقتال وجب علينا القتال ().

ثم هو ينفي فكرة (الوطنية) كلية مؤكداً بالمقابل ان المسلمين اجمعوا على فرضية إقامة الخلافة الإسلامية، وإعلان الخلافة يعتمد على وجود النواة وهي الدولة الإسلامية، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية، فعلى كل مسلم السعي وثيقة “الفريضة الغائبة” في د. رفعت سيد احمد: النبي المسلح الجزء الأول، مصدر سابق، ص: 129.) وفي سياق نقده لمفهوم الوطنية والبلاد الوطنية التي تعيش فيها نجده يقول: (ويبدو هنا تساؤل: هل نحن نعيش في دول إسلامية؟ من شروط الدولة أن تعلوها احكام الإسلام، وأفتى الإمام أبو حنيفة أن دار الإسلام تتحول إلى دار كفر إذا توافرت فيها ثلاثة شروط مجتمعة:

1- أن تعلوها احكام الكفر.

2- ذهاب الأمان للمسلمين.

3- المتاخمة أو المجاورة. وذلك بأن تكون تلك الدار مجاورة لدار الكفر بحيث تكون مصدر خطر على المسلمين وسبباً في ذهاب الأمن.

وأفتى الإمام محمد والإمام أبو يوسف صاحبا أبي حنيفة بأن حكم الدار تابع للأحكام التي تعلوها فإن كانت الأحكام التي تعلوها هي احكام الإسلام (فهي دار الإسلام) وإن كانت الأحكام التي تعلوها هي احكام الكفر “فهي دار كفر” (بدائع الصنائع جزء 1) وأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفتاوى الجزء الرابع (كتاب الجهاد) عندما سئل عن بلد تسمى ماردين كانت تحكم بحكم الإسلام ثم تولى أمرها أناس أقاموا فيها حكم الكفر هل هي دار حرب أو سلم؟ فأجاب: ان هذه مركب فيها المعنيان فهي ليست بمنزلة دار السلم التي جرى عليها احكام الإسلام ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحق ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه.. والحقيقة أن هذه الأقوال لا نجد تناقضاً بينها، وبين أقوال الأئمة، فأبو حنيفة وصاحباه، لم يذكروا أن أهلها كفار بالرغم من ان أغلب أهلها مسلمون) ).

ثم هو يتقدم خطوات في نقده لجميع الأحكام التي تعلو المسلمين والتي يقوم على أساسها الانتماء الوطني فنجده يؤكد: (والأحكام التي تعلو المسلمين اليوم هي أحكام الكفر بل هي قوانين وضعها الكفار وسيروا عليها المسلمين ويقول الله سبحانه وتعالى: (.. ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون)، فبعد ذهاب الخلافة نهائياً عام 1924م، واقتلاع احكام الإسلام كلها واستبدالها بأحكام وضعها كفار.. أصبحت حالتهم هي نفس حالة التتار كما ثبت في تفسير ابن كثير لقوله سبحانه وتعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) ().

هذا، وبمطالعة (الفريضة الغائبة) نلحظ تأثر محمد عبد السلام فرج بفتاوى ابن تيمية بشأن التتار والأحكام التي علت بلاد المسلمين وقتها، وقيامه بإسقاطها على واقع المسلمين اليوم وبمناظرة هذه الاحكام بعصرها، وبوقائعه واحداثه نلحظ أنها تدفع الفكر دفعاً الى رفض كل المفاهيم التي تناقض الولاء للاسلام وللقرآن (كما يفهمه هو وليس كما أنزله الله سبحانه وتعالي )، بل وتكفير أصحابها، وعليه فإن إشكالية (الوطنية) – على سبيل المثال – مرفوضة كلية عند ابن تيمية لانها أتت من قِبل التتار، فكراً، وممارسة ومن ثم رُفضت لديه، وتبعه محمد عبد السلام فرج في الرفض والتكفير معاً(67)، هذا، ولقد اتفق مع محمد عبد السلام في نهاية السبعينيات كل من عبود الزمر، وعمر عبد الرحمن، وطارق الزمر، وكرم زهدي وغيرهم ممن أسسوا لاحقا في زمن ما سمي بثورات الربيع العربي وفي فترة حكم الاخوان لمصر (2011-2013) أحزابا تحمل ذات الفكر المنغلق  الكاره ليس فقط للوطن بل وللاسلام المحمدي السمح ..وثبت لاحقا أن هولاء القتلة تواصلوا ونسقوا(بالمال والسلاح والفكر التكفيري ) مع جماعات الارهاب في سوريا والعراق وليبيا                          *******                                                                                            خلاصة القول  بشأن رفض قيمة (الوطن ) لدي تلك الجماعات التي أستعرضنا تاريخها منذ نشأة جماعة الاخوان في مصر (1928)  أن هذة العقيدة فاسدة أو هي كما خلص المستشار محمد سعيد العشماوي في كتابه الاشهر (الاسلام السياسي –دار سينا للنشر – القاهرة1987)  :دعوى عدمية فوضوية لأنها تهدم ولاء المصريين لمصر (وكذلك الدول العربية الاخري )وتدعوهم إلى تحطيم الوطن وإشاعة الفرقة والفوضى فيه، فلا طاعة لحكومة ولا تضامن مع المواطنين ولا سداد للضرائب ولا أداء للجندية ولا ممارسة للخدمة العامة ولا مباشرة للالتزامات الاجتماعية، وهكذا. وحتى على فرض أن جماعة المسلمين –التي يدعيها هؤلاء التكفيرين -لها كيان ظاهر موحد وثابت – وهو مجرد فرض – فإن نقل الولاء من الوطن إلى هذه الجماعة يقتضي وقتا ويتطلب تمهيداً ويستلزم عملا، أما التضحية باليقين في سبيل المشكوك فيه وتهديم الكائن تطلعاً إلى المجهول، فهو عمل يدعو الى الفوضى ولا يكّون الدولة الإسلامية التي يدعون إليها،).

إن هذه الدعوى –يؤكد العشماوي-عدمية فوضوية تهدم ولا تنشىء، تقوض ولا تبني، تخلع ولا ترفع؛ وإن نظرة واحدة إلى التاريخ الإسلامي تبين أنه حتى في العصور الزاهية كانت المحليات قائمة ومعتبرة، وكان للوطن قيمة وولاء، هذا فضلا عن أن دولة الإسلام كانت في الحقيقة تجميعا لكيانات عديدة وأشتات متفرقة ودويلات متفاصلة وحكام شبه مستقلين. -كتاب الاسلام السياسي –ص 20)

وهنا نعيد التأكيد على أنه لولا يقظة الجيوش الوطنية في مصر وسوريا والعراق وتضحياتهم الكبيرة.. لولا ذلك .. لاصبح هؤلاء القتلة في سدة الحكم مرة آخري ولحل الخراب مجددا بالاسلام قبل الاوطان .لاننا لم نكن عبر هذا التاريخ الطويل لتلك الجماعات الارهابية ..أمام جماعات إسلامية بل أمام (جماعات وظيفية ) تحمل في خدمةوبإشراف غربي من خارج الحدود  ومن قبل أعداء يريدون  تخريب وتفكيك الدول المركزية القوية في المنطقة .

والله أعلم.

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.