نشرة “كنعان”، 8 سبتمبر 2022

كنعان النشرة الإلكترونية

السنة الثانية والعشرون – العدد 6376

8 أيلول (سبتمبر) 2022

في هذا العدد:

ابتهاج الأيتام والعيش في ماضي رمادي، عادل سماره

  • مثقفون بلا مشروع عروبي، لا يُعوَّل عليهم

على هامش الأحداث، عادل سماره

  • الكيان حرب نفسية بين​​ وبجانب عدوان ناري وآخر

“كنعان” تتابع نشر كتاب: أسرار مارنا هاوس … حكايات من غزة”، تأليف لوتا شولركفيست، ترجمة وإعداد وليد الهليس، (الفصل الثالث)

✺ ✺ ✺

ابتهاج الأيتام والعيش في ماضي رمادي

مثقفون بلا مشروع عروبي، لا يُعوَّل عليهم

عادل سماره

بعد هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر وفشل البعث وقع كثير من الناصريين والقوميين في اليُتم فكفروا بالعروبة وضاعوا بين “السعودة والإيرنة/من إيران، والأتركة والأمركة. ذلك لأن هؤلاء كانوا ممغنطين بالتأثير وليسوا مغناطيس ذاتياً.

وبعد تفكك الكتلة الشرقية، ضاع كثير من الشيوعيين عربا وغير عرب، فكان أن قادهم اليُتم إلى “الصييّنة/الصين” لأنهم اعتادوا على سيد خارجي، ولم يدركوا أن بوسع الشخص ان يكون عروبيا وأممياً دون شهادة تصديق من اي شيوعي آخر، وهذه مشكلة شيوعي او ماركسي بلا تجربة نضالية اي بلا تاريخ تضحوي وبالتالي أصبح مُقرئاً لا مفكراً. وذهب إلى “الإيرنة”من إيران” بدل ان يروها حليفاً لأنهم لم ينضجوا ليكونوا على ثقة بالنفس.

حين تكون بلا مشروع من البيئة فأنت قد تؤخر الحركة ومن المؤكد لن تُقدَّمها. قبل خمسين سنة، بل منذ خمسين سنة وصفني المتأثرين بالنظام السوفييتي بأنني black left يسار أسود فقط لأنني عروبي. بقيت انا عروبي شيوعي وكثير منهم تأمرك بعد تفكك السوفييت وكفر حتى باليسار، وحتى لو عادوا اليوم، فليست عودة القناعة.

ارتد بعض المثقفين 1400 سنة إلى الوراء، ويقول انه ماركسي، ليشتبك مؤيدا لعلي ضد معاوية والحسين ضد يزيد مع ان لا أحد منهم اختلف مع الآخر على الدين بل على السياسة. لذا، لا وريثا لعلي ولا وريثا لمعاوية. ولذلك بعد الثورة الإيرانية ودور إيران ضد الكيان استباحوا العراق لإيران! وهذا بالمناسبة أفهم مقتدى الصدر أن يُصبح امريكيا وسعودياً! هؤلاء لا يرون إيران حليفاً بل سيداً! ولذا لم يعودوا حقا من تيار عروبي، كما لم يعودوا ماركسيين لأن إيران بلد سياسياً ضد أمريكا، لكنها اقتصاديا واجتماعيا تتبنى الرأسمالية. نظام رأسمالي طبقي كغيره. فهي لم تتبنى التنمية بالحماية الشعبية ولا فك الارتباط بل لم تتجه شرقا بعد ونتمنى مع الحرب العقابية أن تتجه شرقا. وليست العبرة حتى في الاتجاه شرقاً، لأن الصين وروسيا ليستا اشتراكيتين، ولكنهما بالضبط ليستا في معسكر الرأسمالية الغربية وهذا جميل.

يبدو أنها حقيقة، إن لم تبدأ وطنياً فأنت حالة زلِقة من إيديولوجيا لأخرى وبالتالي لن تُثَمِّر.

✺ ✺ ✺

على هامش الأحداث

عادل سماره

الكيان حرب نفسية بين​​ وبجانب عدوان ناري وآخر


هناك تداول واسع عن لقاء مباشر وغير مباشر بين قيادي من حماس والمخابرات المصرية ومخابرات الكيان. ظهر فيه مخابرات الكيان بشكل متعالي يمُنُّ على حماس بأنهم يعرفون كل شبكاتها المسلحة وبأنهم يريدون بقائها على حساب الجهاد ورام الله…الخ، وبأن الجهاد هي التي بدأت الاشتباك. وهذا كذب.
ومصدر الخبر:” الناشط حمزه المصري حصريا”
آمل أن ينتبه الجميع بأن هذه فبركات مخابراتية قد تكون مشتركة بين بعض مخابرات مصر ومخابرات الكيان، وغالبا لأن مصر أُهينت سواء بخداعها للجهاد أو بمخادعة الكيان لها. . طبعا حماس لها ما لها وعليها ما عليها، ولكن لا أعتقد انها بهذه السذاجة والجاهزية للتطبيع. وهذا أمر تتكفل به الأيام.
كما ان ما لم يتضح في التقرير: هل كانت هذه المحادثة سبب عدم مشاركة حماس ضد العدوان على الجهاد؟ نظام مصر نظام خادم للاستراتيجية الأمريكية والصهيونية. ومن جهة ثانية لو كان الكيان لديه كل تفاصيل مواقع حماس لضربها أمس قبل اليوم فالكيان يعتبر حتى الجاسوس الفلسطيني عدواً. الكيان لا يفكر في غير الحرب. من جهة ثالثة، ورد في التقرير عبارة “بدنا نعيش” حيث زكاها المندوب المفترض لمخابرات الكيان بهدف تشجيع الناس على الفوضى تحت شعار الضيق بينما الضيق خالقه الاحتلال.
“بدنا نعيش” هو شعار إنساني لكن يتولاه ليستغله عدو نازي. المهم الحذر جدا من هكذا تقارير.
لا شك أن الكيان يدير حرباً نفسية بين حرب نارية وأخرى، أو لنقل حرباً نفسية في غزة ونارية في رام الله وحلب، ومما يقصد عودته للقيام بالعدوان دون رادع ليرفع معنويات جيشه وشارعه.
ملاحظة: مفردة ناشط مخيفة فهي من تصنيع الثورات البرتقالية وخدم الأنجزة.

■ ■ ■

في حربه الانتخابية تحول أردوغان إلى اشتباك متعدد فمن جهة لم يوقف عدوان أدواته ضد سوريا. ولم يخرج جنده من احتلال ليبيا وقفز الى ليبيا فور اشتباك أمراء الحرب هناك بينما السيسي في منام وها هو يهدد بغزو اليونان.

نحن بقدر ما نكره تركيا نتشفى بَمازق اليونان التي تتصهين ضدنا. ومتى: بعد أن صار الكيان نموذج الانكشاف والتعري. والتورط نفسه حصل من قبرص اليونانية ضد حزب ذي العمامة السوداء.

جميل اشتباك أدوات الناتو ببعضها فقد يخفف من الغدر ضد سوريا. ولكن السؤال المضحك بقصد: حين يشتبك اصلاء الناتو أين يتموضع الناتو العربي. أخشى أن يتجه عبر

تل أبيب إلى دمشق.

■ ■ ■

ان لم تتجر أعلى النقد وقبول ونقد الذات فلن تتجرأ على النصر. حتى اليوم لا أحد توقف عن نقد وشتم احمد سعيد مذيع صوت العرب ايام ناصر والغريب ان كل هؤلاء يعيشون تطريب متعدد كله منفخة. وحين ننقد عنتر ما يصرخ هؤلاء. هل من أحد لا يلوك كلمة فلسطين القضية المركزية للعرب والمسلمين. وهذا كذب ودجل واعفاء للذات. فلسطين يجب أن تعود القضية المركزية. فإن هي المركزية لماذا لم تحرر. ام هي في اللغة والخطاب مركزية. هذا التلطي وراء من يزعمون انها مركزية دون تحرير هو عبادة أنظمة سراب وقوى سراب. تواضعوا رفعكم الله

■ ■ ■

من يعيش الماضي وليس التاريخ لن يثمر ولا يعول عليه. النقد في الوقت المناسب كفورة الطائفية اليوم يحفز الواعي ويزعج العقل الكسو ل والاتكالي. تبا للتبعية ونعم لانتماء عروبي واعي خاصة لأننا في أزمة فالبطولة الحقة لحظة مواجهة الأزمة للبناء وليس للتلطي باي قوي.

■ ■ ■

الصراع بين العرب والعرب وبين المسلمين والمسلمين اليوم طائفي ومذهبي. لكن كيف يمكن لمن ثقفوا الطبقات الشعبية بهذا كرجال دين وخلفهم سياسيون ان يكونوا واعظين بالمحبة وان ينسبوا بحر الدم فقط لدور الغرب. ثم يتلفعون بالقدس والاقصى وفلسطين. أنتم ماكينة الفتنة.

✺ ✺ ✺

“كنعان” تتابع نشر كتاب: أسرار مارنا هاوس … حكايات من غزة”

تأليف لوتا شولركفيست

ترجمة وإعداد وليد الهليس

(الفصل الثالث)

الفصل الثالث

عندما طلبت من باسل الشوا أن يطلعني على ذلك السر الذي أشار اليه بول مارتن، أخذني معه الى منزل خارجي واقع خلف النزل. قبالة البوابة الحديدية الثقيلة توجد غرفة مستطيلة مليئة بالرفوف من الأرضية الى السقف. وقد رصت فوق الرفوف مئات من الصناديق الكرتونية المحشوة بأكياس صغيرة بنية اللون. وفوق الصناديق كتابة باللغة الفرنسية: “فخاريات”، “مستحاثات حيوانية”، “أصداف بحرية”. فتشنا بحذر داخل بعض الأكياس، كان قطع فخارية ورقائق صدفية وقطع صغيرة من العظم.

وفي الغرفة ركنت بصورة متلاصقة عدد من الأكياس داخلها مواد تفتقر الى التصنيف الى جانبها رفوش وفراشي ومناخل وعربات عزق يدوية. كل شيء كان مغطى بطبقات رقيقة من الغبار، تجمعت في السنوات العشر الأخيرة التي مضت بعد أن سارع علماء الاثار الفرنسيين الى المغادرة.

حدث هذا عندما بدأ الطيران الإسرائيلي بقصف غزة بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في خريف العام 2000، مما اضطر علماء الاثار الى وقف أعمال الحفر والتنقيب في منطقة تل السكن، تلك المنطقة التي بقيت مأهولة على مدار نحو خمسة الاف سنة، والتي تقع في بداية المنطقة الجنوبية من مدينة غزة.

من المرجح أن تل السكن كانت أول منطقة معمورة في غزة، بموقعها الاستراتيجي على أقدم طريق دولي، “طريق البحر”، الذي بقي يصل إفريقيا وآسيا وأروبا على مدار ألف عام. ويعتقد ان أقدم مستوطنة عثر عليها هنا، تعود إلى حصن عسكري مصري أقيم خارج الأراضي المصرية. ويقع المكان على مصب وادي غزة، وهو واد نهري جاف في معظم الوقت، كان في ذلك الزمن يشكل ميناء طبيعيا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

لقد اكتشف تل السكن مصادفة عام 1998، عندما شرعت السلطة الفلسطينية في بناء مشروع سكني كبير فوق ذلك المكان. عندما بدأت الآلات بتهيئة الأرض لبناء العمارات الخمسة والعشرين العالية المخطط إنشاءها عثر على كمية من القطع الأثرية المتنوعة. في البداية، حاول القائمون على عملية البناء التكتم على الكشف، بهدف إتمام البناء. لكن رئيس سلطة الآثار الفلسطينية معين صادق علم بالخبر ونجح بدعم من الرئيس ياسر عرفات، وكان رئيسا للسلطة الفلسطينية وقتها، في وقف الإنشاءات لإنقاذ المنطقة الأثرية التي لم تكن معروفة من قبل.

في أواخر صيف 1999 دعي عالم الآثار الفرنسي Pierre de Miroschedji الى غزة ليقوم بدراسة تل السكن عن كثب. وتوصل بسرعة الى ان تلك المنطقة كانت معمورة في العصر البرونزي المبكر.

وقد كان العالم الفرنسي مصحوبا بخمسة عشر من طلابه الفرنسيين، أقاموا جميعهم في مارنا هاوس. يقول باسل الشوا عن اقامتهم التي امتدت لفصلين كاملين بين 1999 و2000:

كانوا ينهضون في الرابعة صباحا، ويتناولون إفطارا سريعاً ثم يستقلون الحافلة إلى موقع التنقيب. بعد بضع ساعات كنت امضي إليهم بسيارتي حاملا إليهم طعام افطارهم الثاني في ذلك النهار. وكان البروفيسور يطلعني كل يوم على ما هم بصدد عمله – لقد كان شيئا مثيرا للغاية. وعند الغداء كانت العصبة تعود ادراجها الى مارنا هاوس حاملة معها كل ما عثرت عليه خلال النهار. وبعد الغداء كانوا يتحلقون حول طاولة كبيرة خلف النزل ويعكفون على فرز وتصنيف اللقى التي عثروا عليها. كانوا يواصلون عملهم حتى السابعة والنصف، وبعد ذلك يتناولون عشاءهم ويسهرون ويمرحون طيلة الليل.

كان لفريق التنقيب عن الآثار أسبابا كافية ليشعروا بالرضى عن عملهم – فقد اكتشفوا ثلاثة مدن مختلفة تنتمي إلى حقب زمنية مختلفة مدفونة تحت الرمال، على عمق ستة، وثمانية، واثني عشر مترا. وحسب رأي البروفيسور de Miroschedji فمن المحتمل وجود سبعة مستويات من البقايا الأركيولوجية، تعود بالزمن إلى عصر الفراعنة المصريين.

وقد عاد البروفيسور de Miroschedji عدة مرات بعيد انقطاع التنقيب ليلتقي بشركائه الذين تعاونوا معه من سلطة الآثار وإدارة سوق العمل الذين وضعوا تحت تصرف فريقه بضع مئات من العاملين. كان يأمل بطبيعة الحال في أن تتحسن الأوضاع هنا، بما يمكنه من العودة واستئناف العمل، كما يقول باسل الشوا.

وتوجد الآن جميع مكتشفات تل السكن، داخل مخزن آمن، خلف الأقفال والحواجز، في مارنا هاوس.

من الواضح أن السلطات تثق بنا أكثر من ثقتها بمخازنها الخاصة، فهم يعلمون أن مارنا هاوس هو واحد من أكثر الأماكن أماناً في غزة، يقول باسل الشوا.

الأمان الذي عناه ليس من نوع التجهيزات المادية، مثل الجدران الحصينة أو الأقفال المعقدة، بل التقاليد الاجتماعية. فعائلة الشوا كانت لمئات السنين من بين أبرز العائلات الغزية، عائلة ثرية مالكة للأرض، ولها احترامها في غزة. فقد بقي منصب عمدة غزة لأجيال عديدة داخل عائلة الشوا، المعروفة بكرم الأخلاق والقدرة على حل النزاعات والتوافق مع الجميع.

نحن نقف موحدين داخل العائلة، نساعد بعضنا بعضا وقت الحاجة، ولا نتعارك أبدا، لا بين أبناء العائلة، ولا مع العائلات الأخرى. ليس لدى العائلة مسلحون ولا سلاح، كما هو الحال لدى عائلات كثيرة غيرها، هناك عائلات تملك دباباتها، يقول باسل الشوا.

يلعب الوضع الاجتماعي والعلاقات في غزة دورا هاما، يصعب على القادم من المجتمعات الغربية أن يتخيله. لقد حالت ستة عقود تقريبا، من الاحتلال دون ظهور مجتمع مدني قائم على سلطة القانون، من ذلك الطراز الذي اعتدناه. فالشرطة والنظام القضائي الموكلان بحماية حقوق الأفراد، موجودتان فعلا، من الناحية الرسمية، ولكنهما لا يعملان، في الواقع، بكفاءة مقنعة.

ونتيجة للضغوط الباهظة التي مارسها الاحتلال بشكل متزايد، خلال العقود الماضية، فقد توقف المجتمع المدني في معظم نواحيه، عن العمل، فيما اكتسب الانتساب إلى العشيرة والعائلة أهمية كبرى. ومع ازدياد حدة التنافس في السنوات الأخيرة على القيادة، بين فتح من جهة، وبين حماس وغيرها من المجموعات السياسية من جهة أخرى، حازت مسرح الممارسة السياسية أهمية كبرى. وكان استيلاء حماس على السلطة في صائفة 2007، بمثابة المسمار الأخير في نعش الضمانة القانونية لعدد كبير من أهالي غزة.

ولكن الاضطرابات السياسية التي وقعت في السنوات الأخيرة، لم تؤثر كثيرا على باسل الشوا أو عائلته. فلا نورما، زوجة باسل، ولا ابنته هيفاء، ترتدي حجابا على رأسها عندما تظهر في شوارع المدينة. وبهذا فهما تنتميان إلى فئة قليلة من نساء غزة، تتعرض الآن للتلاشي. وحسب ما قالته نورما، قلما تعرضت لتعليق من أحد بسبب هذا، ولكنها كانت تتجاهل الأمر في مرات حدوثه القليلة.

وكان زياد فريد الشوا والد باسل، قد هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1951.

كانوا عشرة شبان في العشرين من عمرهم، غادروا غزة معاً، بحثاً عن النجاح في أميركا. سافر أبي طريقه كلها؛ من بيتنا في الشجاعية إلى العريش في مصر، على ظهر حماره. وقد خرج كل أهل غزة في وداعهم، مشياً على الأقدام – فقد كانت المرة الأولى التي يسافر فيها غزيٌّ إلى أميركا.

وطأت أقدام المسافرين العشرة بعد شهرين من الإبحار، يابسة نيويورك. شرع زياد الشوا في الدراسة، واقترن لاحقاً بسيدة من كاليفورنيا. وبعد بضع سنوات انتقلا معاً للعيش في الكويت، حيث عمل زياد الشوا في شركة أميركية. وهناك رزق الزوجان بولدين أصغرهما باسل المولود في 1963. بعد أربعة أعوام قررت الأسرة العودة إلى غزة. لكن حرب الأيام الستة اندلعت بعد شهور قليلة من عودتهم، فقررت والدة باسل أن تعود إلى الولايات المتحدة الأميركية ومعها ابنها الأكبر أسد.

بقي باسل في غزة مع أبيه الذي تزوج بعدها بامرأة سورية.

قامت على تربيتي مثل أمي. اسمها هيفاء، الاسم ذاته الذي سميت ابنتي به. سافرت إلى وطنها سوريا في زيارة لعائلتها، وبعدها لم تستطع العودة أبداً إلى غزة بسبب الأوضاع السياسية. وقبل سنوات رحلت، لكنني على اتصال مع بناتها، أخواتي غير الشقيقات.

تزوج والدي للمرة الثالثة، من امرأة فلسطينية من مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية. هذه المرة أيضاً، انفصل الزوجان بسبب التعقيدات السياسية: فقد سافرت الزوجة إلى رام الله لزيارة أقاربها، لكنها علقت في الضفة الغربية بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، ولم تتمكن من العودة بعدها إلى غزة.

بعد وفاة والده، قرر باسل البقاء في غزة، ليدير شؤون العقارات والأراضي الواسعة المملوكة للعائلة. يقع قسم من الأراضي في المنطقة الحدودية التي يسيطر عليها الاحتلال، لكن القسم الأكبر منها يوجد في غزة، قرب الحدود الشرقية. وفي الوقت الحاضر، فإن معظم الممتلكات لا يتم استغلالها لأن إسرائيل أقامت منطقة عازلة على طول الحدود بعرض كيلومتر واحد، حيث يتعرض كل من يقترب من المنطقة إلى إطلاق النار. وقد تم تدمير الاسطبلات ومزارع الأبقار والدفيئات التي وجدت من قبل في تلك المنطقة، نتيجة للانتهاكات العسكرية الإسرائيلية المتكررة.

لكنني لا أذرف الدمع على ما فات. لا يجوز للمرء أن يبقى حبيس الماضي مؤملاً أن يعود كل شيء لسابق عهده من الحسن. المهزومون وحدهم يعلقون على الظروف أسباب خيباتهم، وهذا ليس من شيمتي. وبدلا من الشكوى، فإنني أعمل، وأحاول العثور على الإمكانيات المتاحة ضمن إطار الظروف، يقول باسل الشوا.

وتقف المرونة في مقدمة وصفته الخاصة للنجاح، إنها عامل مهم لتتمكن من التغلب على غياب السيطرة على المستقبل في غزة المحتلة والمحاصرة. وهو يذكر مزارع تسمين الدجاج نموذجا مناسبا للاستثمار، فالفترة التي تستغرقها عملية تسمين الدجاجة لتصير جاهزة للذبح هي ثلاثة شهور، ويمكن للمرء أن يتوقف إذا تغيرت الظروف.

إنني أسعى إلى الأنشطة العملية التي أستطيع السيطرة عليها، ولا أخاطر بخسارتها بسبب الحصار الحدودي أو بسبب حدوث شيء آخر يصعب التنبؤ به. عندما أزمع البدء بمشروع جديد، أشرع مسبقاً بتوفير ما يحتاجه من أشياء وغيرها من مستلزمات. وقبل أن أباشر العمل في بناء ما، هنا في النزل مثلاً، فإنني أجمع لدي كل ما يلزم من مواد البناء. وفي ظل وطأة الظروف الراهنة هنا، يمكن أن يستغرق الأمر شهورا عديدة، لكن هذه هي الطريقة التي يجب على المرء أن يتعامل بها مع هدا الوضع.

ومن مبادئه الأخرى، أن يدفع دائماً نقداً مقابل أي صفقة يقوم بها.

تتعامل جميع الفنادق والمطاعم ببطاقات الائتمان. وهم بهذا يتحملون خسائر كبيرة، فالتجار يسارعون للاتصال بي أولاً، عندما تصلهم بضائع جديدة، لأنهم يعلمون أنني أدفع فوراً. وهكذا، أحصل دائماً على البضاعة الجديدة قبل نفاذها، وفي أغلب الأحيان بسعر أفضل. فلو أرسلت أحد موظفي إلى السوق لشراء الفطر، لوجد أن الباعة قد احتفظوا لنا ببضع صناديق، رغم انهم يقولون لزبائن آخرين بأن الفطر قد نفذ.

في السنوات الأربعة الأخيرة من الحصار الإسرائيلي الخانق، صارت غزة معتمدة تماما على عمليات التهريب الجارية عبر الأنفاق الأرضية على الحدود مع مصر. لقد كانت جميع البضائع المعروضة في الأسواق؛ من مواد غذائية وملابس وأدوات منزلية، تأتي في غالبيتها بتلك الطريقة وتباع بأسعار باهظة، تفوق طاقة الشراء لدى معظم أهل غزة.

لكن لمادا لم ترتفع أسعار الطعام والشراب المقدم في مقهى مارنا هاوس؟ ولا حتى خلال الشهور السبعة التي أعقبت استيلاء حماس على السلطة، حيث كانت الحدود مغلقة تماما، ولم تكن عمليات التهريب قد بدأت بعد. آنئذٍ، ارتفعت الأسعار ارتفاعا سريعا، وكثير من البضائع اختفت تماما.

دائما ما أشتري كميات كبيرة من مختلف الاحتياجات، وفي أغلب الأحيان ما يكفي لعام كامل. فعندما توقف التوريد اختفت الكوكاكولا من السوق العمومية. لكن كان ما يزال لدينا منها مخزونا كبيرا هنا في مارنا هاوس، وعندما شاع هذا الأمر تضاعف عدد الزبائن لدينا ثلاث مرات.

قام باسل الشوا بتقنين بيعها إلى ثلاثة صناديق في اليوم الواحد، مع أنه كان يستطيع أن يبيع أكثر من هذا، لكنه أراد للمخزون منها أن يستمر لفترة أطول. كانت الكولا تقدم فقط مع الطلبات، لم يكن يسمح بالشراء المنزلي. لم يرفع أسعاره ولو حتى شاقلاً، لأنه كان يحقق ربحاً أعلى من خلال الحضور اليومي للزبائن. الناس في غزة يحبون الكوكاكولا، وهم يشربونها ما استطاعوا إليها سبيلا.

ومن أكثر الأشياء المعروفة التي نجمت عن المنع الشامل لتوريد البضائع طيلة نصف عام هو ما حدث من انقطاع تبغ النرجيلة التي تخصص مارنا هاوس بتقديمها، حتى أن باسل الشوا لم يتمكن من توفير ذلك التبغ، مما جعل المقهى خاليا من الزائرين لمدة من الزمن. فقد كان السبب الرئيس وراء زيارة المقهى بالنسبة لكثيرين من أهل غزة، هو الحصول على ساعة من الاسترخاء مع النرجيلة.

عندما بدأ التبغ بالوصول عن طريق الأنفاق، زادت الأسعار بصورة جنونية تماماً؛ فالعلبة التي كانت تكفي لسبعة نرجيلات صغيرة، كانت تكلف أربعة شواقل. أما الآن، فقد بلغ سعرها في السوق السوداء 120 شاقلاً، ثلاثين ضعفا للسعر العادي، كما يقول باسل الشوا، بسخط باد، حتى بعد مرور عامين على ما حدث.

ومع ذلك فقد أوجد حلا خاصا به لهذه المشكلة: طلب إلى زواره أن يعودوا من إسرائيل حاملين كل ما استطاعوا من ذلك التبغ:

يملك الناس الآن حقائب ذات عجلات صغيرة، ولن يكون عبئا عليهم حمل بضع كيلوغرامات زائدة. حتى المساعدات الصغيرة لها دورها…بهذه الطريقة تمكنت من ملئ مخزن من التبغ والاستمرار في تلقي عشرة شواقل ثمنا للنرجيلة، تماما مثلما فعلت من قبل.

علاوة على أسعاره المعتدلة، أدخل باسل الشوا أنواعاً عديدة من البطاقات لاجتذاب عملائه إلى المقهى، ويا حبذا بصورة يومية. فمع كل وجبة أو سندويشة يحصل الزبون على قسيمة تشجيعية، وعندما يصل عدد القسائم إلى عشرة، فإنه يفوز بوجبة أو سندويشة مجانية. ويمكن استخدام القسائم في عملية سحب يانصيب، قد يفوز فيها بهاتف خلوي أو تلفزيون أو بطاقة مجانية للتسوق في واحد من محلات بيع الملابس.

وفي الواقع، كان هذا يؤتي ثماره، كما يقول باسل الشوا، لأن فرص الفوز تضاعف البيع مرات عديدة.

وقد كان اليانصيب بمثابة قرعة منظمة خلال شهر رمضان، حيث قدم المقهى وجبات إفطار وافرة، مترافقة مع مباريات مهمة في كرة القدم، كان المقهى وقتها يصبح مزدحماً بالرجال من جميع الأعمار الراغبين في متابعة ذلك الحدث على الشاشات الكبيرة التي جرى نصبها في الحديقة.

كان باسل وزوجته نورما يعملان في مارنا هاوس، من الصباح الباكر إلى وقت متأخر من المساء. وكانت ابنتهما هيفاء 15 عاما، وابنهما زياد 12 عاما، يجلسان كلاهما في أغلب الأوقات، في صالة الاستقبال الخالية من الموظفين، أو في المكتب ويشتغلون على الوظيفة المدرسية.

نحن نقضي معظم أوقات يقظتنا هنا، مع كل الأسرة. ولا نرجع الى المنزل إلا لننام، كأنما أصبح بيتنا هو النزل. في بعض الأحيان ينتقدنا الأصحاب لأن وقتنا يضيق عن لقائهم، لكن النزل يأتي أولاً، دائماً. نحن أسرة سعيدة، نعمل كل ما في وسعنا لنوفر لأطفالنا حياة طبيعية، بأفضل ما يمكن في الوضع السائد هنا.

سألت باسل إن لم يكن يفكر أحيانا بترك غزة، فالأسرة كلها تحمل جواز سفر أميركي، ولهم أقارب كثيرون في الولايات المتحدة.

كلا، لن نغادر هذا المكان. غزة مكان صعب حقاً، لكن إذا كان المرء مؤمنا بأفكاره يمكنه أن يعيش حياة طيبة هنا. أشعر أنني ملك في هذه البلاد، ولو أنني كنت مقيماً في الولايات المتحدة، لشعرت بأنني ذبابة لا أكثر. أنا معروف جيداً هنا وأدير موقعاً محبوبا من الجميع، وأستطيع مواصلة تطويره. الحياة قاسية في كل مكان، وبأشكال مختلفة، ولكن إذا آمن الإنسان بما يفعل فإنه سيتغلب على معظم الصعوبات.

ومن آخر مشاريعه، بناء شقة جديدة في منزل العائلة، سيكون نجله زياد في حاجة اليها بعد عشر سنوات أو نحوها. وحتى ذلك الوقت، تستطيع حماة باسل أن تسكنها.

وهو يفكر أيضاً في توسيع المقهى وبناء صالة أفراح، فوق سطح النزل، تتسع لمئتين من المدعوين.

______

  • تابعوا “كنعان اون لاين” Kana’an Online على
  • ·      “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org

كنعان النشرة الإلكترونية

السنة الثانية والعشرون – العدد 6376

8 أيلول (سبتمبر) 2022

في هذا العدد:

ابتهاج الأيتام والعيش في ماضي رمادي، عادل سماره

  • مثقفون بلا مشروع عروبي، لا يُعوَّل عليهم

على هامش الأحداث، عادل سماره

  • الكيان حرب نفسية بين​​ وبجانب عدوان ناري وآخر

“كنعان” تتابع نشر كتاب: أسرار مارنا هاوس … حكايات من غزة”، تأليف لوتا شولركفيست، ترجمة وإعداد وليد الهليس، (الفصل الثالث)

✺ ✺ ✺

ابتهاج الأيتام والعيش في ماضي رمادي

مثقفون بلا مشروع عروبي، لا يُعوَّل عليهم

عادل سماره

بعد هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر وفشل البعث وقع كثير من الناصريين والقوميين في اليُتم فكفروا بالعروبة وضاعوا بين “السعودة والإيرنة/من إيران، والأتركة والأمركة. ذلك لأن هؤلاء كانوا ممغنطين بالتأثير وليسوا مغناطيس ذاتياً.

وبعد تفكك الكتلة الشرقية، ضاع كثير من الشيوعيين عربا وغير عرب، فكان أن قادهم اليُتم إلى “الصييّنة/الصين” لأنهم اعتادوا على سيد خارجي، ولم يدركوا أن بوسع الشخص ان يكون عروبيا وأممياً دون شهادة تصديق من اي شيوعي آخر، وهذه مشكلة شيوعي او ماركسي بلا تجربة نضالية اي بلا تاريخ تضحوي وبالتالي أصبح مُقرئاً لا مفكراً. وذهب إلى “الإيرنة”من إيران” بدل ان يروها حليفاً لأنهم لم ينضجوا ليكونوا على ثقة بالنفس.

حين تكون بلا مشروع من البيئة فأنت قد تؤخر الحركة ومن المؤكد لن تُقدَّمها. قبل خمسين سنة، بل منذ خمسين سنة وصفني المتأثرين بالنظام السوفييتي بأنني black left يسار أسود فقط لأنني عروبي. بقيت انا عروبي شيوعي وكثير منهم تأمرك بعد تفكك السوفييت وكفر حتى باليسار، وحتى لو عادوا اليوم، فليست عودة القناعة.

ارتد بعض المثقفين 1400 سنة إلى الوراء، ويقول انه ماركسي، ليشتبك مؤيدا لعلي ضد معاوية والحسين ضد يزيد مع ان لا أحد منهم اختلف مع الآخر على الدين بل على السياسة. لذا، لا وريثا لعلي ولا وريثا لمعاوية. ولذلك بعد الثورة الإيرانية ودور إيران ضد الكيان استباحوا العراق لإيران! وهذا بالمناسبة أفهم مقتدى الصدر أن يُصبح امريكيا وسعودياً! هؤلاء لا يرون إيران حليفاً بل سيداً! ولذا لم يعودوا حقا من تيار عروبي، كما لم يعودوا ماركسيين لأن إيران بلد سياسياً ضد أمريكا، لكنها اقتصاديا واجتماعيا تتبنى الرأسمالية. نظام رأسمالي طبقي كغيره. فهي لم تتبنى التنمية بالحماية الشعبية ولا فك الارتباط بل لم تتجه شرقا بعد ونتمنى مع الحرب العقابية أن تتجه شرقا. وليست العبرة حتى في الاتجاه شرقاً، لأن الصين وروسيا ليستا اشتراكيتين، ولكنهما بالضبط ليستا في معسكر الرأسمالية الغربية وهذا جميل.

يبدو أنها حقيقة، إن لم تبدأ وطنياً فأنت حالة زلِقة من إيديولوجيا لأخرى وبالتالي لن تُثَمِّر.

✺ ✺ ✺

على هامش الأحداث

عادل سماره

الكيان حرب نفسية بين​​ وبجانب عدوان ناري وآخر


هناك تداول واسع عن لقاء مباشر وغير مباشر بين قيادي من حماس والمخابرات المصرية ومخابرات الكيان. ظهر فيه مخابرات الكيان بشكل متعالي يمُنُّ على حماس بأنهم يعرفون كل شبكاتها المسلحة وبأنهم يريدون بقائها على حساب الجهاد ورام الله…الخ، وبأن الجهاد هي التي بدأت الاشتباك. وهذا كذب.
ومصدر الخبر:” الناشط حمزه المصري حصريا”
آمل أن ينتبه الجميع بأن هذه فبركات مخابراتية قد تكون مشتركة بين بعض مخابرات مصر ومخابرات الكيان، وغالبا لأن مصر أُهينت سواء بخداعها للجهاد أو بمخادعة الكيان لها. . طبعا حماس لها ما لها وعليها ما عليها، ولكن لا أعتقد انها بهذه السذاجة والجاهزية للتطبيع. وهذا أمر تتكفل به الأيام.
كما ان ما لم يتضح في التقرير: هل كانت هذه المحادثة سبب عدم مشاركة حماس ضد العدوان على الجهاد؟ نظام مصر نظام خادم للاستراتيجية الأمريكية والصهيونية. ومن جهة ثانية لو كان الكيان لديه كل تفاصيل مواقع حماس لضربها أمس قبل اليوم فالكيان يعتبر حتى الجاسوس الفلسطيني عدواً. الكيان لا يفكر في غير الحرب. من جهة ثالثة، ورد في التقرير عبارة “بدنا نعيش” حيث زكاها المندوب المفترض لمخابرات الكيان بهدف تشجيع الناس على الفوضى تحت شعار الضيق بينما الضيق خالقه الاحتلال.
“بدنا نعيش” هو شعار إنساني لكن يتولاه ليستغله عدو نازي. المهم الحذر جدا من هكذا تقارير.
لا شك أن الكيان يدير حرباً نفسية بين حرب نارية وأخرى، أو لنقل حرباً نفسية في غزة ونارية في رام الله وحلب، ومما يقصد عودته للقيام بالعدوان دون رادع ليرفع معنويات جيشه وشارعه.
ملاحظة: مفردة ناشط مخيفة فهي من تصنيع الثورات البرتقالية وخدم الأنجزة.

■ ■ ■

في حربه الانتخابية تحول أردوغان إلى اشتباك متعدد فمن جهة لم يوقف عدوان أدواته ضد سوريا. ولم يخرج جنده من احتلال ليبيا وقفز الى ليبيا فور اشتباك أمراء الحرب هناك بينما السيسي في منام وها هو يهدد بغزو اليونان.

نحن بقدر ما نكره تركيا نتشفى بَمازق اليونان التي تتصهين ضدنا. ومتى: بعد أن صار الكيان نموذج الانكشاف والتعري. والتورط نفسه حصل من قبرص اليونانية ضد حزب ذي العمامة السوداء.

جميل اشتباك أدوات الناتو ببعضها فقد يخفف من الغدر ضد سوريا. ولكن السؤال المضحك بقصد: حين يشتبك اصلاء الناتو أين يتموضع الناتو العربي. أخشى أن يتجه عبر

تل أبيب إلى دمشق.

■ ■ ■

ان لم تتجر أعلى النقد وقبول ونقد الذات فلن تتجرأ على النصر. حتى اليوم لا أحد توقف عن نقد وشتم احمد سعيد مذيع صوت العرب ايام ناصر والغريب ان كل هؤلاء يعيشون تطريب متعدد كله منفخة. وحين ننقد عنتر ما يصرخ هؤلاء. هل من أحد لا يلوك كلمة فلسطين القضية المركزية للعرب والمسلمين. وهذا كذب ودجل واعفاء للذات. فلسطين يجب أن تعود القضية المركزية. فإن هي المركزية لماذا لم تحرر. ام هي في اللغة والخطاب مركزية. هذا التلطي وراء من يزعمون انها مركزية دون تحرير هو عبادة أنظمة سراب وقوى سراب. تواضعوا رفعكم الله

■ ■ ■

من يعيش الماضي وليس التاريخ لن يثمر ولا يعول عليه. النقد في الوقت المناسب كفورة الطائفية اليوم يحفز الواعي ويزعج العقل الكسو ل والاتكالي. تبا للتبعية ونعم لانتماء عروبي واعي خاصة لأننا في أزمة فالبطولة الحقة لحظة مواجهة الأزمة للبناء وليس للتلطي باي قوي.

■ ■ ■

الصراع بين العرب والعرب وبين المسلمين والمسلمين اليوم طائفي ومذهبي. لكن كيف يمكن لمن ثقفوا الطبقات الشعبية بهذا كرجال دين وخلفهم سياسيون ان يكونوا واعظين بالمحبة وان ينسبوا بحر الدم فقط لدور الغرب. ثم يتلفعون بالقدس والاقصى وفلسطين. أنتم ماكينة الفتنة.

✺ ✺ ✺

“كنعان” تتابع نشر كتاب: أسرار مارنا هاوس … حكايات من غزة”

تأليف لوتا شولركفيست

ترجمة وإعداد وليد الهليس

(الفصل الثالث)

الفصل الثالث

عندما طلبت من باسل الشوا أن يطلعني على ذلك السر الذي أشار اليه بول مارتن، أخذني معه الى منزل خارجي واقع خلف النزل. قبالة البوابة الحديدية الثقيلة توجد غرفة مستطيلة مليئة بالرفوف من الأرضية الى السقف. وقد رصت فوق الرفوف مئات من الصناديق الكرتونية المحشوة بأكياس صغيرة بنية اللون. وفوق الصناديق كتابة باللغة الفرنسية: “فخاريات”، “مستحاثات حيوانية”، “أصداف بحرية”. فتشنا بحذر داخل بعض الأكياس، كان قطع فخارية ورقائق صدفية وقطع صغيرة من العظم.

وفي الغرفة ركنت بصورة متلاصقة عدد من الأكياس داخلها مواد تفتقر الى التصنيف الى جانبها رفوش وفراشي ومناخل وعربات عزق يدوية. كل شيء كان مغطى بطبقات رقيقة من الغبار، تجمعت في السنوات العشر الأخيرة التي مضت بعد أن سارع علماء الاثار الفرنسيين الى المغادرة.

حدث هذا عندما بدأ الطيران الإسرائيلي بقصف غزة بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في خريف العام 2000، مما اضطر علماء الاثار الى وقف أعمال الحفر والتنقيب في منطقة تل السكن، تلك المنطقة التي بقيت مأهولة على مدار نحو خمسة الاف سنة، والتي تقع في بداية المنطقة الجنوبية من مدينة غزة.

من المرجح أن تل السكن كانت أول منطقة معمورة في غزة، بموقعها الاستراتيجي على أقدم طريق دولي، “طريق البحر”، الذي بقي يصل إفريقيا وآسيا وأروبا على مدار ألف عام. ويعتقد ان أقدم مستوطنة عثر عليها هنا، تعود إلى حصن عسكري مصري أقيم خارج الأراضي المصرية. ويقع المكان على مصب وادي غزة، وهو واد نهري جاف في معظم الوقت، كان في ذلك الزمن يشكل ميناء طبيعيا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

لقد اكتشف تل السكن مصادفة عام 1998، عندما شرعت السلطة الفلسطينية في بناء مشروع سكني كبير فوق ذلك المكان. عندما بدأت الآلات بتهيئة الأرض لبناء العمارات الخمسة والعشرين العالية المخطط إنشاءها عثر على كمية من القطع الأثرية المتنوعة. في البداية، حاول القائمون على عملية البناء التكتم على الكشف، بهدف إتمام البناء. لكن رئيس سلطة الآثار الفلسطينية معين صادق علم بالخبر ونجح بدعم من الرئيس ياسر عرفات، وكان رئيسا للسلطة الفلسطينية وقتها، في وقف الإنشاءات لإنقاذ المنطقة الأثرية التي لم تكن معروفة من قبل.

في أواخر صيف 1999 دعي عالم الآثار الفرنسي Pierre de Miroschedji الى غزة ليقوم بدراسة تل السكن عن كثب. وتوصل بسرعة الى ان تلك المنطقة كانت معمورة في العصر البرونزي المبكر.

وقد كان العالم الفرنسي مصحوبا بخمسة عشر من طلابه الفرنسيين، أقاموا جميعهم في مارنا هاوس. يقول باسل الشوا عن اقامتهم التي امتدت لفصلين كاملين بين 1999 و2000:

كانوا ينهضون في الرابعة صباحا، ويتناولون إفطارا سريعاً ثم يستقلون الحافلة إلى موقع التنقيب. بعد بضع ساعات كنت امضي إليهم بسيارتي حاملا إليهم طعام افطارهم الثاني في ذلك النهار. وكان البروفيسور يطلعني كل يوم على ما هم بصدد عمله – لقد كان شيئا مثيرا للغاية. وعند الغداء كانت العصبة تعود ادراجها الى مارنا هاوس حاملة معها كل ما عثرت عليه خلال النهار. وبعد الغداء كانوا يتحلقون حول طاولة كبيرة خلف النزل ويعكفون على فرز وتصنيف اللقى التي عثروا عليها. كانوا يواصلون عملهم حتى السابعة والنصف، وبعد ذلك يتناولون عشاءهم ويسهرون ويمرحون طيلة الليل.

كان لفريق التنقيب عن الآثار أسبابا كافية ليشعروا بالرضى عن عملهم – فقد اكتشفوا ثلاثة مدن مختلفة تنتمي إلى حقب زمنية مختلفة مدفونة تحت الرمال، على عمق ستة، وثمانية، واثني عشر مترا. وحسب رأي البروفيسور de Miroschedji فمن المحتمل وجود سبعة مستويات من البقايا الأركيولوجية، تعود بالزمن إلى عصر الفراعنة المصريين.

وقد عاد البروفيسور de Miroschedji عدة مرات بعيد انقطاع التنقيب ليلتقي بشركائه الذين تعاونوا معه من سلطة الآثار وإدارة سوق العمل الذين وضعوا تحت تصرف فريقه بضع مئات من العاملين. كان يأمل بطبيعة الحال في أن تتحسن الأوضاع هنا، بما يمكنه من العودة واستئناف العمل، كما يقول باسل الشوا.

وتوجد الآن جميع مكتشفات تل السكن، داخل مخزن آمن، خلف الأقفال والحواجز، في مارنا هاوس.

من الواضح أن السلطات تثق بنا أكثر من ثقتها بمخازنها الخاصة، فهم يعلمون أن مارنا هاوس هو واحد من أكثر الأماكن أماناً في غزة، يقول باسل الشوا.

الأمان الذي عناه ليس من نوع التجهيزات المادية، مثل الجدران الحصينة أو الأقفال المعقدة، بل التقاليد الاجتماعية. فعائلة الشوا كانت لمئات السنين من بين أبرز العائلات الغزية، عائلة ثرية مالكة للأرض، ولها احترامها في غزة. فقد بقي منصب عمدة غزة لأجيال عديدة داخل عائلة الشوا، المعروفة بكرم الأخلاق والقدرة على حل النزاعات والتوافق مع الجميع.

نحن نقف موحدين داخل العائلة، نساعد بعضنا بعضا وقت الحاجة، ولا نتعارك أبدا، لا بين أبناء العائلة، ولا مع العائلات الأخرى. ليس لدى العائلة مسلحون ولا سلاح، كما هو الحال لدى عائلات كثيرة غيرها، هناك عائلات تملك دباباتها، يقول باسل الشوا.

يلعب الوضع الاجتماعي والعلاقات في غزة دورا هاما، يصعب على القادم من المجتمعات الغربية أن يتخيله. لقد حالت ستة عقود تقريبا، من الاحتلال دون ظهور مجتمع مدني قائم على سلطة القانون، من ذلك الطراز الذي اعتدناه. فالشرطة والنظام القضائي الموكلان بحماية حقوق الأفراد، موجودتان فعلا، من الناحية الرسمية، ولكنهما لا يعملان، في الواقع، بكفاءة مقنعة.

ونتيجة للضغوط الباهظة التي مارسها الاحتلال بشكل متزايد، خلال العقود الماضية، فقد توقف المجتمع المدني في معظم نواحيه، عن العمل، فيما اكتسب الانتساب إلى العشيرة والعائلة أهمية كبرى. ومع ازدياد حدة التنافس في السنوات الأخيرة على القيادة، بين فتح من جهة، وبين حماس وغيرها من المجموعات السياسية من جهة أخرى، حازت مسرح الممارسة السياسية أهمية كبرى. وكان استيلاء حماس على السلطة في صائفة 2007، بمثابة المسمار الأخير في نعش الضمانة القانونية لعدد كبير من أهالي غزة.

ولكن الاضطرابات السياسية التي وقعت في السنوات الأخيرة، لم تؤثر كثيرا على باسل الشوا أو عائلته. فلا نورما، زوجة باسل، ولا ابنته هيفاء، ترتدي حجابا على رأسها عندما تظهر في شوارع المدينة. وبهذا فهما تنتميان إلى فئة قليلة من نساء غزة، تتعرض الآن للتلاشي. وحسب ما قالته نورما، قلما تعرضت لتعليق من أحد بسبب هذا، ولكنها كانت تتجاهل الأمر في مرات حدوثه القليلة.

وكان زياد فريد الشوا والد باسل، قد هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1951.

كانوا عشرة شبان في العشرين من عمرهم، غادروا غزة معاً، بحثاً عن النجاح في أميركا. سافر أبي طريقه كلها؛ من بيتنا في الشجاعية إلى العريش في مصر، على ظهر حماره. وقد خرج كل أهل غزة في وداعهم، مشياً على الأقدام – فقد كانت المرة الأولى التي يسافر فيها غزيٌّ إلى أميركا.

وطأت أقدام المسافرين العشرة بعد شهرين من الإبحار، يابسة نيويورك. شرع زياد الشوا في الدراسة، واقترن لاحقاً بسيدة من كاليفورنيا. وبعد بضع سنوات انتقلا معاً للعيش في الكويت، حيث عمل زياد الشوا في شركة أميركية. وهناك رزق الزوجان بولدين أصغرهما باسل المولود في 1963. بعد أربعة أعوام قررت الأسرة العودة إلى غزة. لكن حرب الأيام الستة اندلعت بعد شهور قليلة من عودتهم، فقررت والدة باسل أن تعود إلى الولايات المتحدة الأميركية ومعها ابنها الأكبر أسد.

بقي باسل في غزة مع أبيه الذي تزوج بعدها بامرأة سورية.

قامت على تربيتي مثل أمي. اسمها هيفاء، الاسم ذاته الذي سميت ابنتي به. سافرت إلى وطنها سوريا في زيارة لعائلتها، وبعدها لم تستطع العودة أبداً إلى غزة بسبب الأوضاع السياسية. وقبل سنوات رحلت، لكنني على اتصال مع بناتها، أخواتي غير الشقيقات.

تزوج والدي للمرة الثالثة، من امرأة فلسطينية من مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية. هذه المرة أيضاً، انفصل الزوجان بسبب التعقيدات السياسية: فقد سافرت الزوجة إلى رام الله لزيارة أقاربها، لكنها علقت في الضفة الغربية بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، ولم تتمكن من العودة بعدها إلى غزة.

بعد وفاة والده، قرر باسل البقاء في غزة، ليدير شؤون العقارات والأراضي الواسعة المملوكة للعائلة. يقع قسم من الأراضي في المنطقة الحدودية التي يسيطر عليها الاحتلال، لكن القسم الأكبر منها يوجد في غزة، قرب الحدود الشرقية. وفي الوقت الحاضر، فإن معظم الممتلكات لا يتم استغلالها لأن إسرائيل أقامت منطقة عازلة على طول الحدود بعرض كيلومتر واحد، حيث يتعرض كل من يقترب من المنطقة إلى إطلاق النار. وقد تم تدمير الاسطبلات ومزارع الأبقار والدفيئات التي وجدت من قبل في تلك المنطقة، نتيجة للانتهاكات العسكرية الإسرائيلية المتكررة.

لكنني لا أذرف الدمع على ما فات. لا يجوز للمرء أن يبقى حبيس الماضي مؤملاً أن يعود كل شيء لسابق عهده من الحسن. المهزومون وحدهم يعلقون على الظروف أسباب خيباتهم، وهذا ليس من شيمتي. وبدلا من الشكوى، فإنني أعمل، وأحاول العثور على الإمكانيات المتاحة ضمن إطار الظروف، يقول باسل الشوا.

وتقف المرونة في مقدمة وصفته الخاصة للنجاح، إنها عامل مهم لتتمكن من التغلب على غياب السيطرة على المستقبل في غزة المحتلة والمحاصرة. وهو يذكر مزارع تسمين الدجاج نموذجا مناسبا للاستثمار، فالفترة التي تستغرقها عملية تسمين الدجاجة لتصير جاهزة للذبح هي ثلاثة شهور، ويمكن للمرء أن يتوقف إذا تغيرت الظروف.

إنني أسعى إلى الأنشطة العملية التي أستطيع السيطرة عليها، ولا أخاطر بخسارتها بسبب الحصار الحدودي أو بسبب حدوث شيء آخر يصعب التنبؤ به. عندما أزمع البدء بمشروع جديد، أشرع مسبقاً بتوفير ما يحتاجه من أشياء وغيرها من مستلزمات. وقبل أن أباشر العمل في بناء ما، هنا في النزل مثلاً، فإنني أجمع لدي كل ما يلزم من مواد البناء. وفي ظل وطأة الظروف الراهنة هنا، يمكن أن يستغرق الأمر شهورا عديدة، لكن هذه هي الطريقة التي يجب على المرء أن يتعامل بها مع هدا الوضع.

ومن مبادئه الأخرى، أن يدفع دائماً نقداً مقابل أي صفقة يقوم بها.

تتعامل جميع الفنادق والمطاعم ببطاقات الائتمان. وهم بهذا يتحملون خسائر كبيرة، فالتجار يسارعون للاتصال بي أولاً، عندما تصلهم بضائع جديدة، لأنهم يعلمون أنني أدفع فوراً. وهكذا، أحصل دائماً على البضاعة الجديدة قبل نفاذها، وفي أغلب الأحيان بسعر أفضل. فلو أرسلت أحد موظفي إلى السوق لشراء الفطر، لوجد أن الباعة قد احتفظوا لنا ببضع صناديق، رغم انهم يقولون لزبائن آخرين بأن الفطر قد نفذ.

في السنوات الأربعة الأخيرة من الحصار الإسرائيلي الخانق، صارت غزة معتمدة تماما على عمليات التهريب الجارية عبر الأنفاق الأرضية على الحدود مع مصر. لقد كانت جميع البضائع المعروضة في الأسواق؛ من مواد غذائية وملابس وأدوات منزلية، تأتي في غالبيتها بتلك الطريقة وتباع بأسعار باهظة، تفوق طاقة الشراء لدى معظم أهل غزة.

لكن لمادا لم ترتفع أسعار الطعام والشراب المقدم في مقهى مارنا هاوس؟ ولا حتى خلال الشهور السبعة التي أعقبت استيلاء حماس على السلطة، حيث كانت الحدود مغلقة تماما، ولم تكن عمليات التهريب قد بدأت بعد. آنئذٍ، ارتفعت الأسعار ارتفاعا سريعا، وكثير من البضائع اختفت تماما.

دائما ما أشتري كميات كبيرة من مختلف الاحتياجات، وفي أغلب الأحيان ما يكفي لعام كامل. فعندما توقف التوريد اختفت الكوكاكولا من السوق العمومية. لكن كان ما يزال لدينا منها مخزونا كبيرا هنا في مارنا هاوس، وعندما شاع هذا الأمر تضاعف عدد الزبائن لدينا ثلاث مرات.

قام باسل الشوا بتقنين بيعها إلى ثلاثة صناديق في اليوم الواحد، مع أنه كان يستطيع أن يبيع أكثر من هذا، لكنه أراد للمخزون منها أن يستمر لفترة أطول. كانت الكولا تقدم فقط مع الطلبات، لم يكن يسمح بالشراء المنزلي. لم يرفع أسعاره ولو حتى شاقلاً، لأنه كان يحقق ربحاً أعلى من خلال الحضور اليومي للزبائن. الناس في غزة يحبون الكوكاكولا، وهم يشربونها ما استطاعوا إليها سبيلا.

ومن أكثر الأشياء المعروفة التي نجمت عن المنع الشامل لتوريد البضائع طيلة نصف عام هو ما حدث من انقطاع تبغ النرجيلة التي تخصص مارنا هاوس بتقديمها، حتى أن باسل الشوا لم يتمكن من توفير ذلك التبغ، مما جعل المقهى خاليا من الزائرين لمدة من الزمن. فقد كان السبب الرئيس وراء زيارة المقهى بالنسبة لكثيرين من أهل غزة، هو الحصول على ساعة من الاسترخاء مع النرجيلة.

عندما بدأ التبغ بالوصول عن طريق الأنفاق، زادت الأسعار بصورة جنونية تماماً؛ فالعلبة التي كانت تكفي لسبعة نرجيلات صغيرة، كانت تكلف أربعة شواقل. أما الآن، فقد بلغ سعرها في السوق السوداء 120 شاقلاً، ثلاثين ضعفا للسعر العادي، كما يقول باسل الشوا، بسخط باد، حتى بعد مرور عامين على ما حدث.

ومع ذلك فقد أوجد حلا خاصا به لهذه المشكلة: طلب إلى زواره أن يعودوا من إسرائيل حاملين كل ما استطاعوا من ذلك التبغ:

يملك الناس الآن حقائب ذات عجلات صغيرة، ولن يكون عبئا عليهم حمل بضع كيلوغرامات زائدة. حتى المساعدات الصغيرة لها دورها…بهذه الطريقة تمكنت من ملئ مخزن من التبغ والاستمرار في تلقي عشرة شواقل ثمنا للنرجيلة، تماما مثلما فعلت من قبل.

علاوة على أسعاره المعتدلة، أدخل باسل الشوا أنواعاً عديدة من البطاقات لاجتذاب عملائه إلى المقهى، ويا حبذا بصورة يومية. فمع كل وجبة أو سندويشة يحصل الزبون على قسيمة تشجيعية، وعندما يصل عدد القسائم إلى عشرة، فإنه يفوز بوجبة أو سندويشة مجانية. ويمكن استخدام القسائم في عملية سحب يانصيب، قد يفوز فيها بهاتف خلوي أو تلفزيون أو بطاقة مجانية للتسوق في واحد من محلات بيع الملابس.

وفي الواقع، كان هذا يؤتي ثماره، كما يقول باسل الشوا، لأن فرص الفوز تضاعف البيع مرات عديدة.

وقد كان اليانصيب بمثابة قرعة منظمة خلال شهر رمضان، حيث قدم المقهى وجبات إفطار وافرة، مترافقة مع مباريات مهمة في كرة القدم، كان المقهى وقتها يصبح مزدحماً بالرجال من جميع الأعمار الراغبين في متابعة ذلك الحدث على الشاشات الكبيرة التي جرى نصبها في الحديقة.

كان باسل وزوجته نورما يعملان في مارنا هاوس، من الصباح الباكر إلى وقت متأخر من المساء. وكانت ابنتهما هيفاء 15 عاما، وابنهما زياد 12 عاما، يجلسان كلاهما في أغلب الأوقات، في صالة الاستقبال الخالية من الموظفين، أو في المكتب ويشتغلون على الوظيفة المدرسية.

نحن نقضي معظم أوقات يقظتنا هنا، مع كل الأسرة. ولا نرجع الى المنزل إلا لننام، كأنما أصبح بيتنا هو النزل. في بعض الأحيان ينتقدنا الأصحاب لأن وقتنا يضيق عن لقائهم، لكن النزل يأتي أولاً، دائماً. نحن أسرة سعيدة، نعمل كل ما في وسعنا لنوفر لأطفالنا حياة طبيعية، بأفضل ما يمكن في الوضع السائد هنا.

سألت باسل إن لم يكن يفكر أحيانا بترك غزة، فالأسرة كلها تحمل جواز سفر أميركي، ولهم أقارب كثيرون في الولايات المتحدة.

كلا، لن نغادر هذا المكان. غزة مكان صعب حقاً، لكن إذا كان المرء مؤمنا بأفكاره يمكنه أن يعيش حياة طيبة هنا. أشعر أنني ملك في هذه البلاد، ولو أنني كنت مقيماً في الولايات المتحدة، لشعرت بأنني ذبابة لا أكثر. أنا معروف جيداً هنا وأدير موقعاً محبوبا من الجميع، وأستطيع مواصلة تطويره. الحياة قاسية في كل مكان، وبأشكال مختلفة، ولكن إذا آمن الإنسان بما يفعل فإنه سيتغلب على معظم الصعوبات.

ومن آخر مشاريعه، بناء شقة جديدة في منزل العائلة، سيكون نجله زياد في حاجة اليها بعد عشر سنوات أو نحوها. وحتى ذلك الوقت، تستطيع حماة باسل أن تسكنها.

وهو يفكر أيضاً في توسيع المقهى وبناء صالة أفراح، فوق سطح النزل، تتسع لمئتين من المدعوين.

______

  • تابعوا “كنعان اون لاين” Kana’an Online على

كنعان النشرة الإلكترونية

السنة الثانية والعشرون – العدد 6376

8 أيلول (سبتمبر) 2022

في هذا العدد:

ابتهاج الأيتام والعيش في ماضي رمادي، عادل سماره

  • مثقفون بلا مشروع عروبي، لا يُعوَّل عليهم

على هامش الأحداث، عادل سماره

  • الكيان حرب نفسية بين​​ وبجانب عدوان ناري وآخر

“كنعان” تتابع نشر كتاب: أسرار مارنا هاوس … حكايات من غزة”، تأليف لوتا شولركفيست، ترجمة وإعداد وليد الهليس، (الفصل الثالث)

✺ ✺ ✺

ابتهاج الأيتام والعيش في ماضي رمادي

مثقفون بلا مشروع عروبي، لا يُعوَّل عليهم

عادل سماره

بعد هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر وفشل البعث وقع كثير من الناصريين والقوميين في اليُتم فكفروا بالعروبة وضاعوا بين “السعودة والإيرنة/من إيران، والأتركة والأمركة. ذلك لأن هؤلاء كانوا ممغنطين بالتأثير وليسوا مغناطيس ذاتياً.

وبعد تفكك الكتلة الشرقية، ضاع كثير من الشيوعيين عربا وغير عرب، فكان أن قادهم اليُتم إلى “الصييّنة/الصين” لأنهم اعتادوا على سيد خارجي، ولم يدركوا أن بوسع الشخص ان يكون عروبيا وأممياً دون شهادة تصديق من اي شيوعي آخر، وهذه مشكلة شيوعي او ماركسي بلا تجربة نضالية اي بلا تاريخ تضحوي وبالتالي أصبح مُقرئاً لا مفكراً. وذهب إلى “الإيرنة”من إيران” بدل ان يروها حليفاً لأنهم لم ينضجوا ليكونوا على ثقة بالنفس.

حين تكون بلا مشروع من البيئة فأنت قد تؤخر الحركة ومن المؤكد لن تُقدَّمها. قبل خمسين سنة، بل منذ خمسين سنة وصفني المتأثرين بالنظام السوفييتي بأنني black left يسار أسود فقط لأنني عروبي. بقيت انا عروبي شيوعي وكثير منهم تأمرك بعد تفكك السوفييت وكفر حتى باليسار، وحتى لو عادوا اليوم، فليست عودة القناعة.

ارتد بعض المثقفين 1400 سنة إلى الوراء، ويقول انه ماركسي، ليشتبك مؤيدا لعلي ضد معاوية والحسين ضد يزيد مع ان لا أحد منهم اختلف مع الآخر على الدين بل على السياسة. لذا، لا وريثا لعلي ولا وريثا لمعاوية. ولذلك بعد الثورة الإيرانية ودور إيران ضد الكيان استباحوا العراق لإيران! وهذا بالمناسبة أفهم مقتدى الصدر أن يُصبح امريكيا وسعودياً! هؤلاء لا يرون إيران حليفاً بل سيداً! ولذا لم يعودوا حقا من تيار عروبي، كما لم يعودوا ماركسيين لأن إيران بلد سياسياً ضد أمريكا، لكنها اقتصاديا واجتماعيا تتبنى الرأسمالية. نظام رأسمالي طبقي كغيره. فهي لم تتبنى التنمية بالحماية الشعبية ولا فك الارتباط بل لم تتجه شرقا بعد ونتمنى مع الحرب العقابية أن تتجه شرقا. وليست العبرة حتى في الاتجاه شرقاً، لأن الصين وروسيا ليستا اشتراكيتين، ولكنهما بالضبط ليستا في معسكر الرأسمالية الغربية وهذا جميل.

يبدو أنها حقيقة، إن لم تبدأ وطنياً فأنت حالة زلِقة من إيديولوجيا لأخرى وبالتالي لن تُثَمِّر.

✺ ✺ ✺

على هامش الأحداث

عادل سماره

الكيان حرب نفسية بين​​ وبجانب عدوان ناري وآخر


هناك تداول واسع عن لقاء مباشر وغير مباشر بين قيادي من حماس والمخابرات المصرية ومخابرات الكيان. ظهر فيه مخابرات الكيان بشكل متعالي يمُنُّ على حماس بأنهم يعرفون كل شبكاتها المسلحة وبأنهم يريدون بقائها على حساب الجهاد ورام الله…الخ، وبأن الجهاد هي التي بدأت الاشتباك. وهذا كذب.
ومصدر الخبر:” الناشط حمزه المصري حصريا”
آمل أن ينتبه الجميع بأن هذه فبركات مخابراتية قد تكون مشتركة بين بعض مخابرات مصر ومخابرات الكيان، وغالبا لأن مصر أُهينت سواء بخداعها للجهاد أو بمخادعة الكيان لها. . طبعا حماس لها ما لها وعليها ما عليها، ولكن لا أعتقد انها بهذه السذاجة والجاهزية للتطبيع. وهذا أمر تتكفل به الأيام.
كما ان ما لم يتضح في التقرير: هل كانت هذه المحادثة سبب عدم مشاركة حماس ضد العدوان على الجهاد؟ نظام مصر نظام خادم للاستراتيجية الأمريكية والصهيونية. ومن جهة ثانية لو كان الكيان لديه كل تفاصيل مواقع حماس لضربها أمس قبل اليوم فالكيان يعتبر حتى الجاسوس الفلسطيني عدواً. الكيان لا يفكر في غير الحرب. من جهة ثالثة، ورد في التقرير عبارة “بدنا نعيش” حيث زكاها المندوب المفترض لمخابرات الكيان بهدف تشجيع الناس على الفوضى تحت شعار الضيق بينما الضيق خالقه الاحتلال.
“بدنا نعيش” هو شعار إنساني لكن يتولاه ليستغله عدو نازي. المهم الحذر جدا من هكذا تقارير.
لا شك أن الكيان يدير حرباً نفسية بين حرب نارية وأخرى، أو لنقل حرباً نفسية في غزة ونارية في رام الله وحلب، ومما يقصد عودته للقيام بالعدوان دون رادع ليرفع معنويات جيشه وشارعه.
ملاحظة: مفردة ناشط مخيفة فهي من تصنيع الثورات البرتقالية وخدم الأنجزة.

■ ■ ■

في حربه الانتخابية تحول أردوغان إلى اشتباك متعدد فمن جهة لم يوقف عدوان أدواته ضد سوريا. ولم يخرج جنده من احتلال ليبيا وقفز الى ليبيا فور اشتباك أمراء الحرب هناك بينما السيسي في منام وها هو يهدد بغزو اليونان.

نحن بقدر ما نكره تركيا نتشفى بَمازق اليونان التي تتصهين ضدنا. ومتى: بعد أن صار الكيان نموذج الانكشاف والتعري. والتورط نفسه حصل من قبرص اليونانية ضد حزب ذي العمامة السوداء.

جميل اشتباك أدوات الناتو ببعضها فقد يخفف من الغدر ضد سوريا. ولكن السؤال المضحك بقصد: حين يشتبك اصلاء الناتو أين يتموضع الناتو العربي. أخشى أن يتجه عبر

تل أبيب إلى دمشق.

■ ■ ■

ان لم تتجر أعلى النقد وقبول ونقد الذات فلن تتجرأ على النصر. حتى اليوم لا أحد توقف عن نقد وشتم احمد سعيد مذيع صوت العرب ايام ناصر والغريب ان كل هؤلاء يعيشون تطريب متعدد كله منفخة. وحين ننقد عنتر ما يصرخ هؤلاء. هل من أحد لا يلوك كلمة فلسطين القضية المركزية للعرب والمسلمين. وهذا كذب ودجل واعفاء للذات. فلسطين يجب أن تعود القضية المركزية. فإن هي المركزية لماذا لم تحرر. ام هي في اللغة والخطاب مركزية. هذا التلطي وراء من يزعمون انها مركزية دون تحرير هو عبادة أنظمة سراب وقوى سراب. تواضعوا رفعكم الله

■ ■ ■

من يعيش الماضي وليس التاريخ لن يثمر ولا يعول عليه. النقد في الوقت المناسب كفورة الطائفية اليوم يحفز الواعي ويزعج العقل الكسو ل والاتكالي. تبا للتبعية ونعم لانتماء عروبي واعي خاصة لأننا في أزمة فالبطولة الحقة لحظة مواجهة الأزمة للبناء وليس للتلطي باي قوي.

■ ■ ■

الصراع بين العرب والعرب وبين المسلمين والمسلمين اليوم طائفي ومذهبي. لكن كيف يمكن لمن ثقفوا الطبقات الشعبية بهذا كرجال دين وخلفهم سياسيون ان يكونوا واعظين بالمحبة وان ينسبوا بحر الدم فقط لدور الغرب. ثم يتلفعون بالقدس والاقصى وفلسطين. أنتم ماكينة الفتنة.

✺ ✺ ✺

“كنعان” تتابع نشر كتاب: أسرار مارنا هاوس … حكايات من غزة”

تأليف لوتا شولركفيست

ترجمة وإعداد وليد الهليس

(الفصل الثالث)

الفصل الثالث

عندما طلبت من باسل الشوا أن يطلعني على ذلك السر الذي أشار اليه بول مارتن، أخذني معه الى منزل خارجي واقع خلف النزل. قبالة البوابة الحديدية الثقيلة توجد غرفة مستطيلة مليئة بالرفوف من الأرضية الى السقف. وقد رصت فوق الرفوف مئات من الصناديق الكرتونية المحشوة بأكياس صغيرة بنية اللون. وفوق الصناديق كتابة باللغة الفرنسية: “فخاريات”، “مستحاثات حيوانية”، “أصداف بحرية”. فتشنا بحذر داخل بعض الأكياس، كان قطع فخارية ورقائق صدفية وقطع صغيرة من العظم.

وفي الغرفة ركنت بصورة متلاصقة عدد من الأكياس داخلها مواد تفتقر الى التصنيف الى جانبها رفوش وفراشي ومناخل وعربات عزق يدوية. كل شيء كان مغطى بطبقات رقيقة من الغبار، تجمعت في السنوات العشر الأخيرة التي مضت بعد أن سارع علماء الاثار الفرنسيين الى المغادرة.

حدث هذا عندما بدأ الطيران الإسرائيلي بقصف غزة بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في خريف العام 2000، مما اضطر علماء الاثار الى وقف أعمال الحفر والتنقيب في منطقة تل السكن، تلك المنطقة التي بقيت مأهولة على مدار نحو خمسة الاف سنة، والتي تقع في بداية المنطقة الجنوبية من مدينة غزة.

من المرجح أن تل السكن كانت أول منطقة معمورة في غزة، بموقعها الاستراتيجي على أقدم طريق دولي، “طريق البحر”، الذي بقي يصل إفريقيا وآسيا وأروبا على مدار ألف عام. ويعتقد ان أقدم مستوطنة عثر عليها هنا، تعود إلى حصن عسكري مصري أقيم خارج الأراضي المصرية. ويقع المكان على مصب وادي غزة، وهو واد نهري جاف في معظم الوقت، كان في ذلك الزمن يشكل ميناء طبيعيا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

لقد اكتشف تل السكن مصادفة عام 1998، عندما شرعت السلطة الفلسطينية في بناء مشروع سكني كبير فوق ذلك المكان. عندما بدأت الآلات بتهيئة الأرض لبناء العمارات الخمسة والعشرين العالية المخطط إنشاءها عثر على كمية من القطع الأثرية المتنوعة. في البداية، حاول القائمون على عملية البناء التكتم على الكشف، بهدف إتمام البناء. لكن رئيس سلطة الآثار الفلسطينية معين صادق علم بالخبر ونجح بدعم من الرئيس ياسر عرفات، وكان رئيسا للسلطة الفلسطينية وقتها، في وقف الإنشاءات لإنقاذ المنطقة الأثرية التي لم تكن معروفة من قبل.

في أواخر صيف 1999 دعي عالم الآثار الفرنسي Pierre de Miroschedji الى غزة ليقوم بدراسة تل السكن عن كثب. وتوصل بسرعة الى ان تلك المنطقة كانت معمورة في العصر البرونزي المبكر.

وقد كان العالم الفرنسي مصحوبا بخمسة عشر من طلابه الفرنسيين، أقاموا جميعهم في مارنا هاوس. يقول باسل الشوا عن اقامتهم التي امتدت لفصلين كاملين بين 1999 و2000:

كانوا ينهضون في الرابعة صباحا، ويتناولون إفطارا سريعاً ثم يستقلون الحافلة إلى موقع التنقيب. بعد بضع ساعات كنت امضي إليهم بسيارتي حاملا إليهم طعام افطارهم الثاني في ذلك النهار. وكان البروفيسور يطلعني كل يوم على ما هم بصدد عمله – لقد كان شيئا مثيرا للغاية. وعند الغداء كانت العصبة تعود ادراجها الى مارنا هاوس حاملة معها كل ما عثرت عليه خلال النهار. وبعد الغداء كانوا يتحلقون حول طاولة كبيرة خلف النزل ويعكفون على فرز وتصنيف اللقى التي عثروا عليها. كانوا يواصلون عملهم حتى السابعة والنصف، وبعد ذلك يتناولون عشاءهم ويسهرون ويمرحون طيلة الليل.

كان لفريق التنقيب عن الآثار أسبابا كافية ليشعروا بالرضى عن عملهم – فقد اكتشفوا ثلاثة مدن مختلفة تنتمي إلى حقب زمنية مختلفة مدفونة تحت الرمال، على عمق ستة، وثمانية، واثني عشر مترا. وحسب رأي البروفيسور de Miroschedji فمن المحتمل وجود سبعة مستويات من البقايا الأركيولوجية، تعود بالزمن إلى عصر الفراعنة المصريين.

وقد عاد البروفيسور de Miroschedji عدة مرات بعيد انقطاع التنقيب ليلتقي بشركائه الذين تعاونوا معه من سلطة الآثار وإدارة سوق العمل الذين وضعوا تحت تصرف فريقه بضع مئات من العاملين. كان يأمل بطبيعة الحال في أن تتحسن الأوضاع هنا، بما يمكنه من العودة واستئناف العمل، كما يقول باسل الشوا.

وتوجد الآن جميع مكتشفات تل السكن، داخل مخزن آمن، خلف الأقفال والحواجز، في مارنا هاوس.

من الواضح أن السلطات تثق بنا أكثر من ثقتها بمخازنها الخاصة، فهم يعلمون أن مارنا هاوس هو واحد من أكثر الأماكن أماناً في غزة، يقول باسل الشوا.

الأمان الذي عناه ليس من نوع التجهيزات المادية، مثل الجدران الحصينة أو الأقفال المعقدة، بل التقاليد الاجتماعية. فعائلة الشوا كانت لمئات السنين من بين أبرز العائلات الغزية، عائلة ثرية مالكة للأرض، ولها احترامها في غزة. فقد بقي منصب عمدة غزة لأجيال عديدة داخل عائلة الشوا، المعروفة بكرم الأخلاق والقدرة على حل النزاعات والتوافق مع الجميع.

نحن نقف موحدين داخل العائلة، نساعد بعضنا بعضا وقت الحاجة، ولا نتعارك أبدا، لا بين أبناء العائلة، ولا مع العائلات الأخرى. ليس لدى العائلة مسلحون ولا سلاح، كما هو الحال لدى عائلات كثيرة غيرها، هناك عائلات تملك دباباتها، يقول باسل الشوا.

يلعب الوضع الاجتماعي والعلاقات في غزة دورا هاما، يصعب على القادم من المجتمعات الغربية أن يتخيله. لقد حالت ستة عقود تقريبا، من الاحتلال دون ظهور مجتمع مدني قائم على سلطة القانون، من ذلك الطراز الذي اعتدناه. فالشرطة والنظام القضائي الموكلان بحماية حقوق الأفراد، موجودتان فعلا، من الناحية الرسمية، ولكنهما لا يعملان، في الواقع، بكفاءة مقنعة.

ونتيجة للضغوط الباهظة التي مارسها الاحتلال بشكل متزايد، خلال العقود الماضية، فقد توقف المجتمع المدني في معظم نواحيه، عن العمل، فيما اكتسب الانتساب إلى العشيرة والعائلة أهمية كبرى. ومع ازدياد حدة التنافس في السنوات الأخيرة على القيادة، بين فتح من جهة، وبين حماس وغيرها من المجموعات السياسية من جهة أخرى، حازت مسرح الممارسة السياسية أهمية كبرى. وكان استيلاء حماس على السلطة في صائفة 2007، بمثابة المسمار الأخير في نعش الضمانة القانونية لعدد كبير من أهالي غزة.

ولكن الاضطرابات السياسية التي وقعت في السنوات الأخيرة، لم تؤثر كثيرا على باسل الشوا أو عائلته. فلا نورما، زوجة باسل، ولا ابنته هيفاء، ترتدي حجابا على رأسها عندما تظهر في شوارع المدينة. وبهذا فهما تنتميان إلى فئة قليلة من نساء غزة، تتعرض الآن للتلاشي. وحسب ما قالته نورما، قلما تعرضت لتعليق من أحد بسبب هذا، ولكنها كانت تتجاهل الأمر في مرات حدوثه القليلة.

وكان زياد فريد الشوا والد باسل، قد هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1951.

كانوا عشرة شبان في العشرين من عمرهم، غادروا غزة معاً، بحثاً عن النجاح في أميركا. سافر أبي طريقه كلها؛ من بيتنا في الشجاعية إلى العريش في مصر، على ظهر حماره. وقد خرج كل أهل غزة في وداعهم، مشياً على الأقدام – فقد كانت المرة الأولى التي يسافر فيها غزيٌّ إلى أميركا.

وطأت أقدام المسافرين العشرة بعد شهرين من الإبحار، يابسة نيويورك. شرع زياد الشوا في الدراسة، واقترن لاحقاً بسيدة من كاليفورنيا. وبعد بضع سنوات انتقلا معاً للعيش في الكويت، حيث عمل زياد الشوا في شركة أميركية. وهناك رزق الزوجان بولدين أصغرهما باسل المولود في 1963. بعد أربعة أعوام قررت الأسرة العودة إلى غزة. لكن حرب الأيام الستة اندلعت بعد شهور قليلة من عودتهم، فقررت والدة باسل أن تعود إلى الولايات المتحدة الأميركية ومعها ابنها الأكبر أسد.

بقي باسل في غزة مع أبيه الذي تزوج بعدها بامرأة سورية.

قامت على تربيتي مثل أمي. اسمها هيفاء، الاسم ذاته الذي سميت ابنتي به. سافرت إلى وطنها سوريا في زيارة لعائلتها، وبعدها لم تستطع العودة أبداً إلى غزة بسبب الأوضاع السياسية. وقبل سنوات رحلت، لكنني على اتصال مع بناتها، أخواتي غير الشقيقات.

تزوج والدي للمرة الثالثة، من امرأة فلسطينية من مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية. هذه المرة أيضاً، انفصل الزوجان بسبب التعقيدات السياسية: فقد سافرت الزوجة إلى رام الله لزيارة أقاربها، لكنها علقت في الضفة الغربية بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، ولم تتمكن من العودة بعدها إلى غزة.

بعد وفاة والده، قرر باسل البقاء في غزة، ليدير شؤون العقارات والأراضي الواسعة المملوكة للعائلة. يقع قسم من الأراضي في المنطقة الحدودية التي يسيطر عليها الاحتلال، لكن القسم الأكبر منها يوجد في غزة، قرب الحدود الشرقية. وفي الوقت الحاضر، فإن معظم الممتلكات لا يتم استغلالها لأن إسرائيل أقامت منطقة عازلة على طول الحدود بعرض كيلومتر واحد، حيث يتعرض كل من يقترب من المنطقة إلى إطلاق النار. وقد تم تدمير الاسطبلات ومزارع الأبقار والدفيئات التي وجدت من قبل في تلك المنطقة، نتيجة للانتهاكات العسكرية الإسرائيلية المتكررة.

لكنني لا أذرف الدمع على ما فات. لا يجوز للمرء أن يبقى حبيس الماضي مؤملاً أن يعود كل شيء لسابق عهده من الحسن. المهزومون وحدهم يعلقون على الظروف أسباب خيباتهم، وهذا ليس من شيمتي. وبدلا من الشكوى، فإنني أعمل، وأحاول العثور على الإمكانيات المتاحة ضمن إطار الظروف، يقول باسل الشوا.

وتقف المرونة في مقدمة وصفته الخاصة للنجاح، إنها عامل مهم لتتمكن من التغلب على غياب السيطرة على المستقبل في غزة المحتلة والمحاصرة. وهو يذكر مزارع تسمين الدجاج نموذجا مناسبا للاستثمار، فالفترة التي تستغرقها عملية تسمين الدجاجة لتصير جاهزة للذبح هي ثلاثة شهور، ويمكن للمرء أن يتوقف إذا تغيرت الظروف.

إنني أسعى إلى الأنشطة العملية التي أستطيع السيطرة عليها، ولا أخاطر بخسارتها بسبب الحصار الحدودي أو بسبب حدوث شيء آخر يصعب التنبؤ به. عندما أزمع البدء بمشروع جديد، أشرع مسبقاً بتوفير ما يحتاجه من أشياء وغيرها من مستلزمات. وقبل أن أباشر العمل في بناء ما، هنا في النزل مثلاً، فإنني أجمع لدي كل ما يلزم من مواد البناء. وفي ظل وطأة الظروف الراهنة هنا، يمكن أن يستغرق الأمر شهورا عديدة، لكن هذه هي الطريقة التي يجب على المرء أن يتعامل بها مع هدا الوضع.

ومن مبادئه الأخرى، أن يدفع دائماً نقداً مقابل أي صفقة يقوم بها.

تتعامل جميع الفنادق والمطاعم ببطاقات الائتمان. وهم بهذا يتحملون خسائر كبيرة، فالتجار يسارعون للاتصال بي أولاً، عندما تصلهم بضائع جديدة، لأنهم يعلمون أنني أدفع فوراً. وهكذا، أحصل دائماً على البضاعة الجديدة قبل نفاذها، وفي أغلب الأحيان بسعر أفضل. فلو أرسلت أحد موظفي إلى السوق لشراء الفطر، لوجد أن الباعة قد احتفظوا لنا ببضع صناديق، رغم انهم يقولون لزبائن آخرين بأن الفطر قد نفذ.

في السنوات الأربعة الأخيرة من الحصار الإسرائيلي الخانق، صارت غزة معتمدة تماما على عمليات التهريب الجارية عبر الأنفاق الأرضية على الحدود مع مصر. لقد كانت جميع البضائع المعروضة في الأسواق؛ من مواد غذائية وملابس وأدوات منزلية، تأتي في غالبيتها بتلك الطريقة وتباع بأسعار باهظة، تفوق طاقة الشراء لدى معظم أهل غزة.

لكن لمادا لم ترتفع أسعار الطعام والشراب المقدم في مقهى مارنا هاوس؟ ولا حتى خلال الشهور السبعة التي أعقبت استيلاء حماس على السلطة، حيث كانت الحدود مغلقة تماما، ولم تكن عمليات التهريب قد بدأت بعد. آنئذٍ، ارتفعت الأسعار ارتفاعا سريعا، وكثير من البضائع اختفت تماما.

دائما ما أشتري كميات كبيرة من مختلف الاحتياجات، وفي أغلب الأحيان ما يكفي لعام كامل. فعندما توقف التوريد اختفت الكوكاكولا من السوق العمومية. لكن كان ما يزال لدينا منها مخزونا كبيرا هنا في مارنا هاوس، وعندما شاع هذا الأمر تضاعف عدد الزبائن لدينا ثلاث مرات.

قام باسل الشوا بتقنين بيعها إلى ثلاثة صناديق في اليوم الواحد، مع أنه كان يستطيع أن يبيع أكثر من هذا، لكنه أراد للمخزون منها أن يستمر لفترة أطول. كانت الكولا تقدم فقط مع الطلبات، لم يكن يسمح بالشراء المنزلي. لم يرفع أسعاره ولو حتى شاقلاً، لأنه كان يحقق ربحاً أعلى من خلال الحضور اليومي للزبائن. الناس في غزة يحبون الكوكاكولا، وهم يشربونها ما استطاعوا إليها سبيلا.

ومن أكثر الأشياء المعروفة التي نجمت عن المنع الشامل لتوريد البضائع طيلة نصف عام هو ما حدث من انقطاع تبغ النرجيلة التي تخصص مارنا هاوس بتقديمها، حتى أن باسل الشوا لم يتمكن من توفير ذلك التبغ، مما جعل المقهى خاليا من الزائرين لمدة من الزمن. فقد كان السبب الرئيس وراء زيارة المقهى بالنسبة لكثيرين من أهل غزة، هو الحصول على ساعة من الاسترخاء مع النرجيلة.

عندما بدأ التبغ بالوصول عن طريق الأنفاق، زادت الأسعار بصورة جنونية تماماً؛ فالعلبة التي كانت تكفي لسبعة نرجيلات صغيرة، كانت تكلف أربعة شواقل. أما الآن، فقد بلغ سعرها في السوق السوداء 120 شاقلاً، ثلاثين ضعفا للسعر العادي، كما يقول باسل الشوا، بسخط باد، حتى بعد مرور عامين على ما حدث.

ومع ذلك فقد أوجد حلا خاصا به لهذه المشكلة: طلب إلى زواره أن يعودوا من إسرائيل حاملين كل ما استطاعوا من ذلك التبغ:

يملك الناس الآن حقائب ذات عجلات صغيرة، ولن يكون عبئا عليهم حمل بضع كيلوغرامات زائدة. حتى المساعدات الصغيرة لها دورها…بهذه الطريقة تمكنت من ملئ مخزن من التبغ والاستمرار في تلقي عشرة شواقل ثمنا للنرجيلة، تماما مثلما فعلت من قبل.

علاوة على أسعاره المعتدلة، أدخل باسل الشوا أنواعاً عديدة من البطاقات لاجتذاب عملائه إلى المقهى، ويا حبذا بصورة يومية. فمع كل وجبة أو سندويشة يحصل الزبون على قسيمة تشجيعية، وعندما يصل عدد القسائم إلى عشرة، فإنه يفوز بوجبة أو سندويشة مجانية. ويمكن استخدام القسائم في عملية سحب يانصيب، قد يفوز فيها بهاتف خلوي أو تلفزيون أو بطاقة مجانية للتسوق في واحد من محلات بيع الملابس.

وفي الواقع، كان هذا يؤتي ثماره، كما يقول باسل الشوا، لأن فرص الفوز تضاعف البيع مرات عديدة.

وقد كان اليانصيب بمثابة قرعة منظمة خلال شهر رمضان، حيث قدم المقهى وجبات إفطار وافرة، مترافقة مع مباريات مهمة في كرة القدم، كان المقهى وقتها يصبح مزدحماً بالرجال من جميع الأعمار الراغبين في متابعة ذلك الحدث على الشاشات الكبيرة التي جرى نصبها في الحديقة.

كان باسل وزوجته نورما يعملان في مارنا هاوس، من الصباح الباكر إلى وقت متأخر من المساء. وكانت ابنتهما هيفاء 15 عاما، وابنهما زياد 12 عاما، يجلسان كلاهما في أغلب الأوقات، في صالة الاستقبال الخالية من الموظفين، أو في المكتب ويشتغلون على الوظيفة المدرسية.

نحن نقضي معظم أوقات يقظتنا هنا، مع كل الأسرة. ولا نرجع الى المنزل إلا لننام، كأنما أصبح بيتنا هو النزل. في بعض الأحيان ينتقدنا الأصحاب لأن وقتنا يضيق عن لقائهم، لكن النزل يأتي أولاً، دائماً. نحن أسرة سعيدة، نعمل كل ما في وسعنا لنوفر لأطفالنا حياة طبيعية، بأفضل ما يمكن في الوضع السائد هنا.

سألت باسل إن لم يكن يفكر أحيانا بترك غزة، فالأسرة كلها تحمل جواز سفر أميركي، ولهم أقارب كثيرون في الولايات المتحدة.

كلا، لن نغادر هذا المكان. غزة مكان صعب حقاً، لكن إذا كان المرء مؤمنا بأفكاره يمكنه أن يعيش حياة طيبة هنا. أشعر أنني ملك في هذه البلاد، ولو أنني كنت مقيماً في الولايات المتحدة، لشعرت بأنني ذبابة لا أكثر. أنا معروف جيداً هنا وأدير موقعاً محبوبا من الجميع، وأستطيع مواصلة تطويره. الحياة قاسية في كل مكان، وبأشكال مختلفة، ولكن إذا آمن الإنسان بما يفعل فإنه سيتغلب على معظم الصعوبات.

ومن آخر مشاريعه، بناء شقة جديدة في منزل العائلة، سيكون نجله زياد في حاجة اليها بعد عشر سنوات أو نحوها. وحتى ذلك الوقت، تستطيع حماة باسل أن تسكنها.

وهو يفكر أيضاً في توسيع المقهى وبناء صالة أفراح، فوق سطح النزل، تتسع لمئتين من المدعوين.

______

  • تابعوا “كنعان اون لاين” Kana’an Online على

https://kanaanonline.org/

  • ·      “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org
  • ·      “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org