تبسيط محتوى أحْدث تقارير صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، الطاهر المعز

نشر موقع صندوق النقد الدّولي، يوم 27 تموز/يوليو 2022، تقريرًا بعنوان “آفاق الإقتصاد العالمي” ووَصَف هذه الآفاق بأنها “قاتمة وضبابية”، كما نشر البنك العالمي يوم السابع من حزيران/يونيو 2022 تقريرًا في نفس الإتجاه، يُنْذِرُ ب”التّباطؤ الحاد في وتيرة النّمُوّ وارتفاع مخاطر الرّكُود التّضخُّمِي”، الذي يمكن تلخيصه نتائجه في “هبوط حاد في النشاط الاقتصادي العالمي، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار وحدوث أزمات مالية…”.

يذكُرُ التّقرير “انكمش الناتج العالمي في الربع الثاني من العام 2022، نتيجة لهبوط النشاط في الصين وروسيا، وانخفاض الإنفاق على الإستهلاك في الولايات المتحدة، إثر الجائحة…”، بسبب تراجع قيمة دَخْل الأُسَر (ما يُدْعى “القُدْرَة الشِّرائية) فضلا عن ارتفاع مستويات التضخم وتأثيرات الحرب في أوكرانيا.

يتوقع صندوق النقد الدّولي تباطؤ النمو من 6,1% (كمتوسّط عالمي) سنة 2021 إلى ما بين 2,6% و 3,2% بنهاية سنة 2022، وإلى ما بين 2,9% و 2% سنة 2023، وأن ترتفع نسبة التّضخّم إلى 6,6% في الدّول الغنية و9,5% في اقتصادات البلدان الفقيرة، أو ما تُسمّى الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، فيما يتوقع البنك العالمي انخفاض نسبة النّمو في الوطن العربي (ما يُسميه: “منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”) من 5,3% سنة 2022 (بفعل ارتفاع أسعار المحروقات في البلدان المُصَدِّرَة للنفط والغاز) إلى 3,6% سنة 2023، مع توقعات بتباطؤ النمو سنة 2024 أيضًا، فيما بلغ مستوى التّضخّم (ارتفاع أسعار ا​​لإستهلاك) أعلى مستوى له منذ 2009، بفعل ارتفاع أسعار الغذاء والوقود سنة 2022، ويتوقع البنك العالمي أن يزداد الوضع سوءًا خصوصًا في اليمن وسوريا (بفعل الحروب العدوانية) وفي مصر وتونس والمغرب، وأن يتواصلَ ارتفاع أسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية، ما يُسبِّبُ تراجع الدّخْل الحقيقي، ويُقَوِّضُ “الأمن الغذائي”، الذي يُتَرْجَمُ بصعوبة الحصول على الغذاء، محلّيًّا كان أو مُستورَدًا…  

استمرت الأزمات منذ عام 2008 وبقيت الآفاق قاتمة، خصوصا للفئات الكادحة والفقيرة، في غياب منظمات مقاومة قوية، فقد عطلت الأزمة الصحية الاقتصاد والتجارة الدولية وطاقة العمل وتركت الأزمة الكثير من الندوب، فأصبحت نسبة التضخّم مقلقة سنة 2022، ويتوقع أن يستمر الوضع لينخفض الدّخل الحقيقي للعمال والفقراء، بسبب ارتفاع أسعار الوقود ومخاطر أزمات الغذاء والديون، إذ بلغ  معدل التضخم 9,1% في الولايات المتحدة و 8,6% في منطقة اليورو بنهاية حزيران/يونيو 2022، أما عن البلدان الفقيرة فقد تراكمت المشاكل بصورة غير مسبوقة…

تبخرت وعود الانتعاش الاقتصادي، بل يراجع صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي توقعات نمو الإقتصاد العالمي بانتظام إلى أسفل، وتتخوف المُؤسّستان المالِيّتان من “تصاعد التوترات الاجتماعية بسبب انخفاض قيمة الدخل الحقيقي للعمال والفقراء”، وذلك بعد أن وزّعت الحكومات المساعدات (من الأموال العامة) على الشركات والأثرياء، بحجة “الحفاظ على الوظائف”، لكن ساهمت هذه الأموال المجانية في توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وزادت من التفاوتات التي يمكن أن تؤدي إلى صراعات اجتماعية.

يُفْتَرَضُ أن “الأزمة” حدث استثنائي، نقيض للإزدهار والنُّمُو والرّفاهية (الذي يُفتَرَضُ أن يكون القاعدة، وليس الإستثناء)، لكن الأُجَراء والكادحين وصغار الفلاحين والحِرَفِيين لم يعرفوا سوى الأزمات المتتالية، منذ ما لا يقل عن خمسة عُقُود، خلافًا لكبار الأثرياء من التجار المُحْتَكِرِين للمواد الأولية المنهوبة من البلدان الفقيرة، ومُحتكِرِي الغذاء، ومن المُضاربين في أسواق المال، ويتمتّعون بحماية أجهزة الدّولة، فلا يُسدّدون ضرائب (أو يدفعون نسبة زهيدة من أرباحهم) ويُهربون الثروات إلى الملاذات الضريبية…

في البلدان الغنية (أمريكا الشمالية وأوروبا، أساسًا)، تلقي الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة، التي يُشارك العديد منها في الإئتلافات الحاكمة، باللوم على الفقراء والمهاجرين باعتبارهم أصل الأزمة ومصْدَر المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ومن المؤسف أن يرتفع عدد ناخبي اليمين المتطرف على مر السنين، بفضل انتشار هذا النوع من الدعايات الكاذبة، بتواطؤ وسائل الإعلام!

عندما انفجرت أزمة 2008، بفعل التداعيات السلبية للمضاربات العقارية، استنفرت المصارف المركزية والحكومات وضخّت المال العام في خزائن المصارف والشركات والأثرياء من الأموال التي جمعتها أجهزة الدّوَل من ضرائب الأُجَراء والمُستهلكين، فما هي توصيات صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي بخصوص الأزمة الحالية، وهل تشمل توصياتهما الفُقراء والكادحين؟  

يقترح البنك العالمي تحفيز القطاع الخاص على الإستثمار (أي حصول القطاع الخاص على دعم الدّولة من المال العام) ولا يقترح “دَعْمَ أسعار المواد الأساسية”، بل إلى إلغاء الدّعم، بذريعة توجيهه إلى مُسْتَحقِّيه، وهو ما طبّقته حكومة مصر فارتفع حجم الفقر، وحكومة تونس فغاب الخُبز المُدعّم من المخابز، فيما يأمُرُ صندوق النقد الدّولي بوضع حدِّ لدعم أسعار السلع والخدمات الأساسية، أو ما يُسميه “السياسات التشويهية مثل ضوابط الأسعار، وإعانات الدعم، وفرض الحظر على الصادرات… سيتعين على الحكومات إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لصالح المساعدات الإغاثية للأشَدّ فقْرًا…”، وكأن البنك والصندوق يَحْمِيان الفُقراء “بتوجيه الدّعم إلى مُستحقيه من السكان الأكثر احتياجًا”

يعتبر كلاهما (وهما توأمان يتقاسمان الأدْوار) “ترويض التضخم هو الأولوية الرئيسية، رغم التكاليف الإقتصادية لتشديد السياسة النقدية (أي رفع نسبة الفائدة على قُرُوض الشركات وقُرُوض المواطنين للدراسة أو شراء مسكن أو سيارة…)، وتخفيض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب…

عن البنك العالمي 07 حزيران/يونيو 2022

موقع صندوق النقد الدّولي 27 تموز/يوليو 2022

موقع “مركز الدراسات المستقبلية والمعلومات الدولية (CEPII)”  22 آب/أغسطس 2022

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.