نشرة “كنعان”، 10 أيلول (سبتمبر) 2022

كنعان النشرة الإلكترونية

السنة الثانية والعشرون – العدد 6378

10 أيلول (سبتمبر) 2022

في هذا العدد:

التطبيع من الخبث للاغتيال للقيادة، عادل سماره

إضاءات على فكر ألكسندر دوغين (الحلقة الثانية): تحليل للوضع داخل روسيا بعد بدء الحرب في أوكرانيا حسب نظرية غرامشي، ألكسندر دوغين، تعريب د. زياد الزبيدي

“تروس” رئيسة للوزراء في بريطانيا: شخص غير مناسب في وقت غير مناسب، سعيد محمّد

✺ ✺ ✺

التطبيع من الخبث للاغتيال للقيادة

عادل سماره

كتب لي أحبَّة معاتبين قولي: “إن إقامة اية علاقة مع النظام المصري بعد التطبيع هو تطبيع”.

دعونا نفكر في التالي.

إذا صح أن سوريا طلبت من الجزائر عدم دعوتها ل “القمة!” كي لا تعيق انعقاد تلك القمة لأن معسكر التطبيع رفض حضور سوريا! وكان يجب على سوريا أن ترفض الدعوة اصلاً. فكيف تجلس مع من لم يتوقفوا عن تدمير وتقسيم وحصار وتجويع والعدوان الإرهابي ضد سوريا والتحضير للعدوان من الناتو/الذنب لناتو الغرب مباشرة وعسكرياً ضد سوريا. وفي خدمة من؟

وإذا صح أن الناتو الذنب أصرَّ على تقديم الجزائر مرونة لحضور حاكم المغرب وهو غارق في صهينة تراب المغرب! وإذا حصل أن ذلك حصل، فهذا يعني ويؤكد ان هذه الجامعة وهذه القمة جرى احتلالها من التطبيع، كيف لا وهي اساساً صيغة من العدو البريطاني منذ عام 1944 حيث أن أباها المؤسس الاستعماري الضارية ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني

فهل تحلم الجزائر بأنها سوف ترتق ثوباً متهتكاً!

وهل تحلم الجزائر بأن تسمية القمة “قمة فلسطين” تجذب هؤلاء؟ أم تدفعهم لخصيها. وما هذه الشروط إلا لعدم انعقاد قمة هي في القاع.

ترى، ألم تدرك الجزائر أن “قمة” جامعة “الدول” الفلسطينية هي انموذج مصغر عن فشل جامعة الدول/الأنظمة العربية.

لسنا هنا في موضع القول للجزائر هذا الرأي أو ذاك. ولكن، إذا كانت الجزائر باتجاه تجاوز كوارث قوى الدين السياسي الإرهابية وما اسس له الأمين زروال من مسح تاريخ بن بللا وبومدين، وإذا كانت باتجاه تجاوز النهايات الكارثية لحكم بو تفليقة، إذا كانت الجزائر باتجاه التنمية بالحماية الشعبية وصولا إلى فك الارتباط بالسوق الدولية الإمبريالية، والاتجاه شرقا كركن لا كتابع، وباتجاه الحد الأدنى من التكامل العربي وهو الحد الأدنى من الوحدة العربية فماذا لا تركز على العلاقة مع تونس وسوريا وموريتانيا والبوليساريو، والحذر من ليبيا المحتلة، ومن النظام الصهيوني في المغرب فهذا كافٍ وعظيم في هذه المرحلة. بقي أن نقول: ليحمي الجزائر شعبها.

✺ ✺ ✺

إضاءات على فكر ألكسندر دوغين (الحلقة الثانية):

تحليل للوضع داخل روسيا بعد بدء الحرب في أوكرانيا حسب نظرية غرامشي

ألكسندر دوغين

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

نيسان أبريل 2022

مقدمة من المترجم:

مقال اخر مهم للفيلسوف الروسي الشهير ألكسندر دوغين (او دوجين) يشرح طبيعة النظام الحالي في موسكو وصراع القوى داخله. المقال نشر قبل خمسة شهور ولا زال حيويا ومهما وقابلا للتطبيق، بل وأكثر أهمية من ذي قبل بسبب احتدام الصراع على كل الجبهات العسكرية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والفكرية بالطبع.

هذا تحليل فلسفي عميق.

والان الى المقال المترجم:

■ ■ ■

أقترح تحليل الوضع داخل الاتحاد الروسي بعد بدء العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا حسب أنتونيو غرامشي Antonio Gramsci (فيلسوف إيطالي ماركسي 1891 – 1937) *.

وفقًا لغرامشي، سيتم وصف النظام السياسي في الاتحاد الروسي بالقيصري Caesarism (في علم السياسة: القيصرية هي نظام سياسي يتم فيه تنظيم السلطة الاستبدادية على أساس مبادئ ديمقراطية زائفة) *.  هذا يعني أن مركز النظام يقع في المنطقة الوسيطة بين الهيمنة (العولمة الليبرالية، الرأسمالية العالمية) والهيمنة المضادة (الوطنية الحقيقية، التعددية القطبية، روسيا كحضارة).

اسمحوا لي أن أذكركم بأن غرامشي فهم الهيمنة (وكذلك مكافحة الهيمنة) على وجه التحديد على أنها أيديولوجيا ونظام من القيم والمعايير.  والشخص الذي يتحكم في الوعي (ليس فقط من خلال السياسة، ولكن أيضًا من خلال مجال المعلومات والثقافة والتعليم) ، فهو يحكم المجتمع.

الهيمنة – هي أيديولوجيا الليبرالية العالمية، التي تصر على أن قيمها ومواقفها عالمية الطابع وتحدد القواعد والمبادئ الأساسية للنظام العالمي ككل. ومن هنا – القطبية الأحادية، الحكومة العالمية، Great Reset أي اجتماع 2020 لإعادة البناء بعد الكورونا، ثقافة الالغاء، الوعي بالتمييز والمطالبة بالمساواة okeism ، سياسة النوع الاجتماعي والسيطرة الكاملة على المجتمع.

الهيمنة المضادة في حالتنا – هي تأكيد كامل للاختلاف الجذري بين الحضارة الروسية والغرب المعولم على مستوى القيم والتوجهات والأسس والمبادئ والاختيارات الاجتماعية والنظام السياسي وإعطاء هذا التركيبة برمتها مكانة أيديولوجية، وشخصية نشطة، هجومية.  هذه هي نفس الوطنية الأساسية دون أي مساومة مع الليبرالية (وبالتالي مع الرأسمالية العالمية، والتقدمية، والمثليين والمتحولين جنسيًا، والتكنوقراطية، والفردية، والعالمية، وما إلى ذلك).

القيصرية Caesarism هي عملية موازنة ثابتة بين الغرب المعولم – بتقنياته وقيمه وأعرافه وبشكل صارم – مع نظام حضاري بديل.

حتى 22 فبراير 2022، كانت القيصرية هي المهيمنة في روسيا.  كان كل شيء بين قطبين بشكل صارم (ومن هنا جاء التوازن الشمسي – القمري).

قبل وصول بوتين إلى السلطة، كان الاتحاد الروسي تحت الاحتلال المباشر للغرب، وتحت السيطرة الخارجية.  حوّل بوتين نافذة أوفرتون من العولمة إلى القيصرية Caesarism.  لكن الطابورين الخامس (إذاعة صدى موسكو) والسادس (تشوبايس ، كرمز للاحتلال البحت) (مسؤول ملف الخصخصة في عهد يلتسين)* ظلوا داخل نظام القيصرية.  تم بتر أكثر الأشكال تطرفًا – فروع التسعينيات – (بيريزوفسكي ، جوسينسكي ، نيفزلين ، خودوركوفسكي ، إلخ) (مجموعة من زعماء الأوليغارشية الروس، ومعظمهم يهود، تخلص منهم بوتين)*.

في الوقت نفسه، توقف التحرك نحو الهيمنة المضادة.  منطقة الوطنية الخالصة (حيث غالبية السكان أيديولوجيا على هذا النحو) تُركت أيضًا خارج نافذة أوفرتون Overton.

استمر هذا الوضع لمدة 22 عامًا، على الرغم من أنه من الجدير بالذكر أن هيكل القيصرية Caesarism لا يزال يتحول نحو الهيمنة المضادة – بمقدار سنتيمتر واحد في السنة.

لم تتغير السلطة العليا (وهذا أمر جيد، لأن تغييرها المستمر هو مطلب للأوليغارشية العالمية من أجل إبقاء أي نخب صاعدة تحت السيطرة)، ولكنها أيضًا لم تصبح وطنية حقًا، كونها راضية عن التشبه بذلك.

انتهت القيصرية Caesarism بالشكل الذي كانت عليه لمدة 22 عامًا مع بداية الحرب في أوكرانيا.  كان هناك تصعيد حاد في العلاقات مع الغرب، مما أدى إلى صراع مباشر.  هرب تشوبايس، وأغلقت “صدى موسكو”.  هذا يعني أن نافذة أوفرتون قد تحولت بحدة نحو الوطنية.  وتوقعنا جميعًا أن يتحرك هذا التحول منطقيًا نحو الهيمنة المضادة، ويهدم السد الذي كان يقف طوال هذا الوقت أمام عنصر الوطنية الحقيقية – الحضارية – التي كانت القيصرية تغازلها فقط لأغراض براغماتية.

سيكون هذا أمرًا طبيعيًا، نظرًا لأن المواجهة مع الغرب أصبحت مباشرة لدرجة أنه لا توجد حاجة ببساطة للتظاهر بأن النظام في روسيا يمتثل تمامًا لمعايير الديمقراطية الليبرالية الغربية.  بعد بدء الحرب في أوكرانيا، لن يصدقها أحد في الغرب ولن ينتبه لها حتى.

 بالعادة يدمرون عدوهم، ونحن – أعداء المجتمع المنفتح مهما قلنا ومهما اعترضنا. وصراخنا: “نحن ايضا

“ليبراليون وديمقراطيون” مثلكم” لم يعد له قيمة.

من الآن فصاعدًا، لا يهم سوى القوة والنصر.

ولكن بعد ذلك بدأ شيء غير منطقي تمامًا.  تحولت نافذة Overton إلى حد ما مع بداية الحرب نحو الوطنية، و … تجمدت.

تم القضاء على الهيمنة المباشرة (وحتى ذلك الحين ليس تمامًا)، لكن القطب الآخر ظل يخضع لحظر صارم.  بالطبع، يمكن للمرء أن يعتبر البيان الأخير لباتروشيف (سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي)* دليلاً على استمرار التحول نحو الوطنية الأساسية ، لكن من الجدير بالذكر أن رئيس الدولة أدلى بتصريحات مماثلة خلال انتخابات 2012 في سلسلة من المقالات الرائعة المضادة للهيمنة ، لم يتبعها شيء على الاطلاق. أو، بعبارة لطيفة، لا شيء تقريبًا أو لا شيء مما كان مطلوبا، على الرغم من ان “القرم لنا”.

لذلك حدث شيء غريب لنافذة أوفرتون.  لقد تحولت بالفعل من العولمة والليبرالية (الهيمنة، وفقًا لغرامشي)، وبشكل ملحوظ (فقط غالكين وبوغاتشيفا وأورجانت هم من يستحقون شيئًا!) (فنانون روس هربوا بعد الحرب إلى اسرائيل) *، لكنها عالقة على الحدود مع الوطنية الأصيلة.

وهكذا، فقد كل الهيكل صلابته.  امتدت نافذة أوفرتون على طول المحور الرأسي، وأصبحت برجا محصنا وحائط صد – في مجال المعلومات بشكل أساسي – ضد حاملي الفكرة الروسية (يقصد الأفكار القومية الروسية) *، وأصبحت أكثر صرامة مما كانت عليه في عام 2014.

الآن روسيا مجمدة في وضع صعب للغاية.  لم يكن من الممكن تحقيق نصر تقني سريع (في بداية الحرب) *، فالمواجهة مع الغرب تتوسع وتصبح وجها لوجه.  إذا أخذنا في الاعتبار حجم تمويل الآلة العسكرية لأوكرانيا، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى اختلاس الأموال الروسية، التي وضعها ممثلو الطابور السادس (يطلق هذا الاسم على التيار الليبرالي الموالي الغرب في روسيا) * بحكمة وفي الوقت المناسب في الغرب، فإن الوضع يصبح حرجًا للغاية.  أضف إلى ذلك استعداد بولندا (دولة عضو الناتو!) لغزو أوكرانيا الغربية (وربما ليس الغربية فقط)، يتبين أن الوضع بشكل عام على وشك الاصطدام المباشر مع الناتو، ولم يعد خطر الحرب النووية بعيدا وغير محتمل.

في هذه الحالة، يصبح اللجوء إلى الموارد الداخلية للوطنية العميقة أمرًا لا مفر منه وضروريًا.

نحتاج أيضًا إلى رقابة كاملة وعميقة، وتعبئة جماهيرية وعلى أسس أيديولوجية، ليس فقط لدعم الجبهة، ولكن في الاقتصاد، في مجال المعلومات، في المجتمع ككل.

إذا كنا، بالطبع، نريد النصر – الحفاظ على “جدار الصد” يعني إطلاق النار على شعبنا من الخلف.  خلاف ذلك، لا توجد طريقة لشرح ذلك.

إذا اعتقدت القيصرية Caesarism أنها ستنجو في مواجهة مباشرة مع الهيمنة (مرة أخرى، دعني أذكرك أن غرامشي يتحدث عن الأفكار)، فهي مخطئة.  الأفكار ليست محاكاة أو تقنيات سياسية.  هي لا تولد حسب الطلب.  إنها تعيش حياتها الخاصة.

واليوم، الانتقال إلى الهيمنة المضادة ليس مسألة رغبة او عدم رغبة، إنها مسألة وجود أو عدم وجود.  بتعبير أدق، أن يكون أو لا يكون نصرًا، ولكن بدون نصر هذه المرة لن تكون روسيا ببساطة، لذلك من الممكن وببساطة أن نكون أو لا نكون كذلك.

بالطبع، يمكنك الوصول للمزيد، بالتحرك سنتيمترًا واحدا كل عام.  لكننا نعيش بالفعل في مسار زمني مختلف.  كل شيء يتسارع.  والناس ليسوا فقط مستعدين لمنعطف وطني جاد ، بل بدأوا يتساءلون لماذا لم يحدث ذلك حتى الان؟

الشعب الآن أكثر استعدادا من النخب الحاكمة.  القيصرية Caesarism أفضل من الهيمنة، لكنها أسوأ من الهيمنة المضادة.  وبدلاً من قبول أهون الشريْن، يتم صياغة طلب صادق للخير الحقيقي.  بدون أي خليط من الشر هذه المرة.  أي بدون الليبراليين (وكذلك الحمقى والخونة).

مرة أخرى، على المرء أن يتغلب على مسار صعب مؤلم للقيصرية Caesarism (التوازن الشمسي / القمري) – هذه المرة في السياسة الداخلية، وخاصة في مجال المعلومات والتعليم والثقافة.  ما كان مقبولاً في المرحلة السابقة، يبدو اليوم وكأنه فشل كامل.  صرير برج  أوفرتون يشكل تهديدا واضحا.

لكن هذه دولتنا، ولسنا غير مبالين بمصيرها.  لذلك، من الضروري بجرأة تدمير السد الذي أقامه النظام في المرحلة السابقة ضد العناصر المتجذرة للوطنية الشعبية.

الرهان عالي جدا.

ملاحظة: الأقواس ( )* متبوعة بالنجمة هي توضيح من المترجم.

✺ ✺ ✺

“تروس” رئيسة للوزراء في بريطانيا:

شخص غير مناسب في وقت غير مناسب

سعيد محمّد

بعد صيف ميّت سياسيّاً، وتوقعات بشتاء قد يكون الأقسى في الذاكرة المعاصرة للبريطانيين، تسلّمت أخيراً ليز تروس المنصب التنفيذي الأهم في بريطانيا كرئيسة للوزراء، خلفاً للمستقيل بوريس جونسون. وبالتأكيد فإن وجود حكومة عاملة بعد شلل استمر لعشرة أسابيع قد يكون شيئاً ايجابيّاً، لكن شخص الرئيسة والمجموعة اليمينيّة المتطرفة من عتاة النيوليبراليين في حزب المحافظين الحاكم التي تحيط نفسها بها تبدو أسوأ خيار ممكن لإدارة البلاد في هذه المرحلة، حيث عاصفة الرّكود الاقتصادي الهائلة قاب قوسين أو أدنى.

سعيد محمّد – لندن

وأخيراً انتهى انتظار البريطانيين الطويل الممل لعمليّة صناعة الخلافة داخل حزب المحافظين الحاكم والتي استمرت لشهرين، بعدما صوّت ما يقرب من 150 ألفاً من أعضاء الحزب (الإثنين الماضي) لمصلحة تصعيد ليز تروس إلى منصب رئيس وزراء بريطانيا على حساب المرشّح الآخر ريشي سوناك. وفي الواقع فإن هيمنة المحافظين على أغلبيّة مقاعد مجلس العموم الحالي (بعد انتخابات 2019 العامّة) منحت الفرصة لعدد أقلّ من ثلث النقطة المئوية من مجموع الناخبين المسجلين في الجزيرة للانفراد باختيار الشخصيّة التي سيعهد إليها بإدارة سفينة الديموقراطيّة البريطانيّة المتهالكة بعدما كان بوريس جونسون قد أجبر على تركها إثر انقلاب أعضاء حكومته عليه بداية يوليو / تمّوز الماضي.

لم يمتلك ريشي سوناك، وزير الخزانة السابق، فرصة حقيقيّة في المنافسة مع غريمته ليز تروس للفوز بالمنصب في الجولة النهائيّة ذلك على الرغم من التأييد الملموس له في أوساط دوائر المال والأعمال في لندن، وتقدمه في الاستطلاعات لناحية القبول الشعبيّ العام. إذ بدا جليّاً أن الكتلة (الذهبيّة) الناخبة من قاعدة حزب المحافظين كانت في مكان آخر تماماً مقابل المزاج العام. فهي لم تغفر أبداً لسوناك مشاركته الفاعلة في (اغتيال) بوريس جونسون وإزاحته المذلّة من السلطة، وهي برجعيتها ونزعتها العنصريّة الخفيّة ليست جاهزة ولا ناضجة بحال لتقبّل شخصيّة غير بيضاء (سوناك بريطانيّ من أصول هنديّة) في المنصب التنفيذي الأهم ضمن هيكليّة السلطة في مملكة الدّم الأزرق. ومن المعروف أن حزب المحافظين اليميني الذي هيمن على السلطة في بريطانيا طوال أغلب فترة المائتي العام الأخيرة يتألف من كتلة يغلب عليها الذكور الإنجليز ذوي البشرة البيضاء، ويعبّر عن مصالح نخبتها الحاكمة من تحالف البرجوازيين والأرستقراطيين (الإقطاعيين بمعنى كبار ملاك الأراضي والعقارات)، ودون شكّ أن ليز تروس بكل بهتان شخصيتها، تظلّ أقرب نفسيّاً وثقافيّاً لهذه الكتلة من كل أبناء المهاجرين مهما بلغ ثراؤهم.

ومع ذلك، فإن كثيراً من البريطانيين تنفسوا الصعداء، لمجرّد عودة حكومة فاعلة إلى إدارة البلاد بعد فترة البيات الصيفيّ خلال عمليّة صنع الخلافة وقبلها كذلك فترة الضعف السياسيّ التي عاشتها حكومة جونسون طوال أسابيع مشتتة بين فقدان التأييد الشعبي بشكل سافر، وسلسلة مؤامرات القصر ضدّ رئيسها من قبل منسوبي الحزب الحاكم وكبار الوزراء ورجال الدّولة. فالبلاد كانت فعليّاً بلا حكومة في وقت انخرطت فيه النّخبة الحاكمة مبكراً طرفاً في المنازلة الروسيّة الأمريكيّة التي تجرى على المسرح الأوكرانيّ، وخرجت عن حجمها الحقيقيّ بمراحل في التطوّع لتقديم العون لنظام كييف مالياً وعسكريّاً وإعلاميّاً واستخباراتيّاً، وشاركت بحماسة فاقت توقعات واشنطن في بناء (ستار حديديّ) جديد حول موسكو في موازاة ست جولات من العقوبات الماليّة والاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة الاقتصادات الغربيّة السبع الكبرى. وفي الواقع، فإن بريطانيا كانت أقل دول الكتلة الأوروبيّة في تحالف الأشرار الذي تقوده الولايات المتحدة استعداداً للتعامل مع الانعكاسات السلبيّة التي جرّتها المواجهة في أوكرانيا على الاقتصاد العالميّ وذلك بسبب سلسلة من الأزمات المحليّة والفشل الإداري وتجنّب معالجة القضايا الأساسيّة التي تراكمت جميعها بعد عدة عقود من تبني النيوليبراليّة كمنهج اقتصاديّ كليّ وتغوّل رأس المال على موارد البلاد على حساب الأكثريّة المُفقّرة واكتمال تموضع المملكة في تقسيم العمل الدّولي وفق رغبة واشنطن بعيداً عن التصنيع والتعدين إلى مركز اقليمي لتبييض الأموال وجنّة للمضاربات الماليّة وركناً لتقديم الخدمات في الطريق عبر شمال الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدّة.

ولذلك، فإن موجة الركود الاقتصاديّ التي جلبتها الحرب لمجمل الكوكب كانت أعظم تأثيراً على بريطانيا أكثر من جاراتها الأوروبيّات. ويتوقّع بنك إنجلترا المركزيّ الآن أن تكون معاناة المملكة من التضخّم الأكثر أوروبيّاً وأن تستمر لفترة أطول قد تستمر لعدة سنوات، وتهدد المؤشرات جميعها لمسار الاقتصاد خلال الشهور القليلة القادمة باكتمال ما يسميه البريطانيّون بتعبيرهم المحليّ بالعاصفة المثاليّة، بل وربما الدّخول في مرحلة من الاضطراب الاجتماعي والحرب الطبقيّة المفتوحة وانفلات القلاقل على مستوى الشارع بين الجريمة والشغب.

لكن بينما العالم يغلي، والبلاد على حافة هاوية سحيقة، ويجتاح القلق معظم الأسر البريطانيّة بشأن تدبير نفقات معيشتها وتسديد فواتيرها خلال الأشهر القادمة، وتتراكم العديد من الاستحقاقات الاستراتيجيّة التي تحتاج إلى حسم لا سيّما بشأن بريكست، والأوضاع في الأقاليم الخاضعة في أدنبره وبلفاست فإن النخبة الحاكمة في لندن لا تبدو على عجلة من أمرها. حكومة جونسون كانت عاجزة ومشلولة وغائبة دون إجازة رسميّة، ومعظم كادرها الأساسيّ متورط بنسج المؤامرات الحزبيّة، فيما المتنافسان لخلافته، تروس وسوناك، مكتفيان بمخاطبة مجموعة صغيرة من الناس غير الممثلين للكتلة الشعبيّة الأكبر حول حاجة الأثرياء لمزيد من التخفيضات الضريبية وضرورة الضرب بيد من حديد على الهجرة اللاشرعيّة عبر القنال الانجليزي من خلال ترحليهم أولئك الأجانب المتوحشين إلى حيث (الجحيم) في راوندا (وغيرها)، إلى جانب تنظيرات فارغة من المضمون بشأن خطط خياليّة لاستعادة النّمو الاقتصادي.

ولا عجب أن ما غالبيّة الناخبين البريطانيين وفقا لأحدث استطلاعات الرأي يطالبون بإجراء انتخابات عامة غير عاديّة هذا العام فور تعيين رئيس الوزراء الجديد، إذ أنّ هناك تحديّات كبرى تتعين مواجهتها، وخيارات استراتيجيّة تتطلب التعامل معها وهذه تحتاج، إلى جانب الحظ والتوفيق، اجماعاً وطنيّاً عريضاً لا يمثله بأيّ شكل السياق الحكوميّ الحالي المغلق على المحافظين وحدهم حتى موعد الانتخابات العامّة العاديّة في يناير 2025. 

لكّن لا المحافظين ولا تروس بهذا الوارد إطلاقاً، بل إن جزءاً أساسياً من الدافع وراء مؤامرة اسقاط جونسون كان حرصاً على التخلّص من فضائحه قبل أن تُفقد المحافظين الفرصة للتجديد لأنفسهم بالسلطة في الانتخابات العامة العاديّة بعد عامين.

ومن قراءة المنطلقات الفكريّة والتوجهات السياسيّة للفريق الذي تحيط تروس نفسها به فإنّ النتيجة أن الحكومة المقبلة ستكون بمثابة مفارقة سياسية من شأنها أن تحدد تصوغ ملامح العامين المقبلين: واحدة من أكثر الحكومات يمينية في آخر مائة عام من المتوقع لها أن تضم عتاة أنصار السوق الحرّ من النيوليبراليين وأكبر مؤيدي سياسة الانعزال وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومعاداة الأجانب، في وقت يتحرك فيه مزاج الشعب نحو اليسار بشكل حاد (بالطبع مع إدراك حقيقة غياب أي حزب ثوريّ يساريّ يمكن أن يقود أيّ حراك للضغط باتجاه التغيير)، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن نصف ناخبي حزب المحافظين (وثلاثة أرباع ناخبي المعارضة) يؤيدون تأميم شركات الطاقة، وأكثر من نصف المواطنين يدعمون بلا تحفظات اضراب عمال قطارات السكك الحديدية.

تروس لم تخف نواياها اليمينيّة تلك خلال حملتها الانتخابيّة داخل زجاجة كوكب المحافظين. وأعلنت بوضوح على أنها ستعطي الأولوية في مواجهة الأزمة الاقتصاديّة للتخفيضات الضريبية (التي يستفيد منها الأثرياء والأقليّة من ذوي الدّخول المرتفعة فحسب) وهو خيار قصير النظر سيفاقم من مفاعيل الركود على ما يذهب معظم الخبراء، ويفتح بوابة مجهول بشأن قدرة ملايين العائلات الأكثر فقراً على تدبّر أمرها مع بداية الشتاء. تروس في ذلك لم تكن تبيع بضاعة جديدة لقاعدة حزبها، بل إنها في الحقيقة كانت تنطق باسمهما وتعبّر عن أشواقها الاقتصاديّة ونظرتها للعالم وللآخرين. لكن تروس وعصابة ال 150 ألف ناخب من أصل 45 مليون مؤمنون إلى حد الوهم بأن تلك التخفيضات الضريبيّة ستخفف من حدة الأزمة بسرعة، وتستعيد الاقتصاد الكليّ من حفرة الانكماش لتطلقه في فضاء النمو مجدداً، في الوقت الذي تواجه فيه عشرات الآلاف من الشركات المتوسطة والصغيرة خطر الإفلاس بسبب أعلى مستوى تضخم في الأسعار تشهده الذاكرة المعاصرة للبريطانيين وعجزها المحتّم عن تسديد قيمة فواتير الطاقة بعد الزيادات الفلكيّة الأخيرة لدرجة أنّه نُقل عن بول جونسون مدير معهد الدراسات المالية بلندن قوله، بإن خطط تروس “ستحطم المالية العامة تماماً”. فالأدوات الماليّة قد تكون أداة لتحفيز النموّ في ظل ظروف عاديّة، لكن ما تواجهه بريطانيا أقرب إلى حالة طوارىء اجتماعية وسياسية، فضلا عن الكارثة الاقتصاديّة المحدقة، وهي لا تهدد الطبقة العاملة فحسب، بل إن منسوبي ما يسمى بالطبقة الوسطى (كبار المهنيين وأصحاب رؤوس الأعمال الصغيرة وأعضاء الطبقات الإداريّة العليا في الشركات) سيجدون هم أيضاً صعوبات حقيقيّة في تسديد فواتيرهم الشهريّة، وستكون هناك موجة تسونامي هائلة من الإفلاسات وتسريح العاملين في القطاعات “كثيفة الاستهلاك للطاقة”: ليس فقط في الصناعات الثقيلة والأساسيّة مثل الصلب والزجاج والورق والاسمنت والكيماويات بل وأيضاً ومزارعو الخس والطماطم، ومربو الدواجن ومعامل المشروبات ونوادي حمامات السباحة ومنتجو البطاريات الكهربائية إلى المطاعم الصغيرة والبارات ومحلات البقالة المتوسطة والصغيرة.

وإلى جانب أوهام تروس الاقتصاديّة الوحشيّة فإن فريقها الذي سيتولى نجومه المناصب الوزارية الأهم في الحكومة المقبلة يضمّ متطرفين أيديولوجيين من أمثال إيان دنكان سميث، وجون ريدوود ممن يريدون تبني سياسات لتقليص حجم الدّولة، والتخلّص من كل ما تبقى من القطاع العام (في الصحة والتعليم الأساسيّ)، وسحب الصلاحيّات من بنك انجلترا المركزي لمصلحة رئاسة الوزراء، ويدعم هؤلاء التصلّب في مواجهة كل من بروكسيل (مقر الاتحاد الأوروبيّ) وباريس والاستقلاليين في اسكتلندا وإيرلندا الشماليّة.

إنّها بالفعل حكومة الشخص غير المناسب في الوقت غير المناسب. ولكن السؤال الأهم هنا يتعلّق بماهيّة ردة فعل الشعب عندما يبدأ في الغرق فعلياً في وعثاء الأزمة، وهل سيتحوّل المزاج المتجه يساراً إلى حراك مؤثّر على الأرض؟

البريطانيّون مشهورون منذ آخر ثورة للفلاحين قبل قرون ببلادتهم السياسيّة وخضوعهم للنظام الحاكم. فهم يتذمرون من الأوضاع لكنهم لا يكفّون عن الابتسام ويتحملون بصبر تعليمات السلطة، وينتظرون دورهم للحصول على بعض من حقوق، ولم ينجحوا يوماً في تأسيس أي تجربة ثوريّة حقيقيّة ناجحة. هذه الرّوح ساعدت بريطانيا في العبور من قوس أزمات مرحلة الحرب العالميّة الثانيّة وفرضت على النخبة القبول بالتأسيس لعقد اجتماعي جديد حصل فيه جميع البريطانيون بغض النظر عن طبقاتهم على حد أدنى من العيش الكريم في التعليم والصحة والإعانات الاجتماعيّة للفقراء والمتعطلين. وعلى الرّغم من فقدان المواطنين تدريجيّاً لبعض هذه المكتسبات، فإن الأمور كانت لا تزال مقبولة ويمكن ابتلاعها بشكل أو آخر. إلا أن العاصفة التي تتنظر البلاد من نوع آخر مختلف تماماً عن كل ما عاشته من قبل. وسيكون هناك فقر مضاعف وجوع شديد وتشرّد متسّع، ومع غياب تمثيل سياسيّ حقيقي، وتسلط حكومة معادية بشدّة لمصالح الأغلبيّة فإن في تلك الأجواء لا تنتج في النهاية سوى الفوضى والاضطراب والجريمة. إنها أمّة تمضي نحو الهاوية بعيون مفتوحة.

:::::

“الأخبار”

______

  • تابعوا “كنعان اون لاين” Kana’an Online على

https://kanaanonline.org/

  • ·      “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org