“تروس” رئيسة للوزراء في بريطانيا: شخص غير مناسب في وقت غير مناسب، سعيد محمّد

بعد صيف ميّت سياسيّاً، وتوقعات بشتاء قد يكون الأقسى في الذاكرة المعاصرة للبريطانيين، تسلّمت أخيراً ليز تروس المنصب التنفيذي الأهم في بريطانيا كرئيسة للوزراء، خلفاً للمستقيل بوريس جونسون. وبالتأكيد فإن وجود حكومة عاملة بعد شلل استمر لعشرة أسابيع قد يكون شيئاً ايجابيّاً، لكن شخص الرئيسة والمجموعة اليمينيّة المتطرفة من عتاة النيوليبراليين في حزب المحافظين الحاكم التي تحيط نفسها بها تبدو أسوأ خيار ممكن لإدارة البلاد في هذه المرحلة، حيث عاصفة الرّكود الاقتصادي الهائلة قاب قوسين أو أدنى.

سعيد محمّد – لندن

وأخيراً انتهى انتظار البريطانيين الطويل الممل لعمليّة صناعة الخلافة داخل حزب المحافظين الحاكم والتي استمرت لشهرين، بعدما صوّت ما يقرب من 150 ألفاً من أعضاء الحزب (الإثنين الماضي) لمصلحة تصعيد ليز تروس إلى منصب رئيس وزراء بريطانيا على حساب المرشّح الآخر ريشي سوناك. وفي الواقع فإن هيمنة المحافظين على أغلبيّة مقاعد مجلس العموم الحالي (بعد انتخابات 2019 العامّة) منحت الفرصة لعدد أقلّ من ثلث النقطة المئوية من مجموع الناخبين المسجلين في الجزيرة للانفراد باختيار الشخصيّة التي سيعهد إليها بإدارة سفينة الديموقراطيّة البريطانيّة المتهالكة بعدما كان بوريس جونسون قد أجبر على تركها إثر انقلاب أعضاء حكومته عليه بداية يوليو / تمّوز الماضي.

لم يمتلك ريشي سوناك، وزير الخزانة السابق، فرصة حقيقيّة في المنافسة مع غريمته ليز تروس للفوز بالمنصب في الجولة النهائيّة ذلك على الرغم من التأييد الملموس له في أوساط دوائر المال والأعمال في لندن، وتقدمه في الاستطلاعات لناحية القبول الشعبيّ العام. إذ بدا جليّاً أن الكتلة (الذهبيّة) الناخبة من قاعدة حزب المحافظين كانت في مكان آخر تماماً مقابل المزاج العام. فهي لم تغفر أبداً لسوناك مشاركته الفاعلة في (اغتيال) بوريس جونسون وإزاحته المذلّة من السلطة، وهي برجعيتها ونزعتها العنصريّة الخفيّة ليست جاهزة ولا ناضجة بحال لتقبّل شخصيّة غير بيضاء (سوناك بريطانيّ من أصول هنديّة) في المنصب التنفيذي الأهم ضمن هيكليّة السلطة في مملكة الدّم الأزرق. ومن المعروف أن حزب المحافظين اليميني الذي هيمن على السلطة في بريطانيا طوال أغلب فترة المائتي العام الأخيرة يتألف من كتلة يغلب عليها الذكور الإنجليز ذوي البشرة البيضاء، ويعبّر عن مصالح نخبتها الحاكمة من تحالف البرجوازيين والأرستقراطيين (الإقطاعيين بمعنى كبار ملاك الأراضي والعقارات)، ودون شكّ أن ليز تروس بكل بهتان شخصيتها، تظلّ أقرب نفسيّاً وثقافيّاً لهذه الكتلة من كل أبناء المهاجرين مهما بلغ ثراؤهم.

ومع ذلك، فإن كثيراً من البريطانيين تنفسوا الصعداء، لمجرّد عودة حكومة فاعلة إلى إدارة البلاد بعد فترة البيات الصيفيّ خلال عمليّة صنع الخلافة وقبلها كذلك فترة الضعف السياسيّ التي عاشتها حكومة جونسون طوال أسابيع مشتتة بين فقدان التأييد الشعبي بشكل سافر، وسلسلة مؤامرات القصر ضدّ رئيسها من قبل منسوبي الحزب الحاكم وكبار الوزراء ورجال الدّولة. فالبلاد كانت فعليّاً بلا حكومة في وقت انخرطت فيه النّخبة الحاكمة مبكراً طرفاً في المنازلة الروسيّة الأمريكيّة التي تجرى على المسرح الأوكرانيّ، وخرجت عن حجمها الحقيقيّ بمراحل في التطوّع لتقديم العون لنظام كييف مالياً وعسكريّاً وإعلاميّاً واستخباراتيّاً، وشاركت بحماسة فاقت توقعات واشنطن في بناء (ستار حديديّ) جديد حول موسكو في موازاة ست جولات من العقوبات الماليّة والاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة الاقتصادات الغربيّة السبع الكبرى. وفي الواقع، فإن بريطانيا كانت أقل دول الكتلة الأوروبيّة في تحالف الأشرار الذي تقوده الولايات المتحدة استعداداً للتعامل مع الانعكاسات السلبيّة التي جرّتها المواجهة في أوكرانيا على الاقتصاد العالميّ وذلك بسبب سلسلة من الأزمات المحليّة والفشل الإداري وتجنّب معالجة القضايا الأساسيّة التي تراكمت جميعها بعد عدة عقود من تبني النيوليبراليّة كمنهج اقتصاديّ كليّ وتغوّل رأس المال على موارد البلاد على حساب الأكثريّة المُفقّرة واكتمال تموضع المملكة في تقسيم العمل الدّولي وفق رغبة واشنطن بعيداً عن التصنيع والتعدين إلى مركز اقليمي لتبييض الأموال وجنّة للمضاربات الماليّة وركناً لتقديم الخدمات في الطريق عبر شمال الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدّة.

ولذلك، فإن موجة الركود الاقتصاديّ التي جلبتها الحرب لمجمل الكوكب كانت أعظم تأثيراً على بريطانيا أكثر من جاراتها الأوروبيّات. ويتوقّع بنك إنجلترا المركزيّ الآن أن تكون معاناة المملكة من التضخّم الأكثر أوروبيّاً وأن تستمر لفترة أطول قد تستمر لعدة سنوات، وتهدد المؤشرات جميعها لمسار الاقتصاد خلال الشهور القليلة القادمة باكتمال ما يسميه البريطانيّون بتعبيرهم المحليّ بالعاصفة المثاليّة، بل وربما الدّخول في مرحلة من الاضطراب الاجتماعي والحرب الطبقيّة المفتوحة وانفلات القلاقل على مستوى الشارع بين الجريمة والشغب.

لكن بينما العالم يغلي، والبلاد على حافة هاوية سحيقة، ويجتاح القلق معظم الأسر البريطانيّة بشأن تدبير نفقات معيشتها وتسديد فواتيرها خلال الأشهر القادمة، وتتراكم العديد من الاستحقاقات الاستراتيجيّة التي تحتاج إلى حسم لا سيّما بشأن بريكست، والأوضاع في الأقاليم الخاضعة في أدنبره وبلفاست فإن النخبة الحاكمة في لندن لا تبدو على عجلة من أمرها. حكومة جونسون كانت عاجزة ومشلولة وغائبة دون إجازة رسميّة، ومعظم كادرها الأساسيّ متورط بنسج المؤامرات الحزبيّة، فيما المتنافسان لخلافته، تروس وسوناك، مكتفيان بمخاطبة مجموعة صغيرة من الناس غير الممثلين للكتلة الشعبيّة الأكبر حول حاجة الأثرياء لمزيد من التخفيضات الضريبية وضرورة الضرب بيد من حديد على الهجرة اللاشرعيّة عبر القنال الانجليزي من خلال ترحليهم أولئك الأجانب المتوحشين إلى حيث (الجحيم) في راوندا (وغيرها)، إلى جانب تنظيرات فارغة من المضمون بشأن خطط خياليّة لاستعادة النّمو الاقتصادي.

ولا عجب أن ما غالبيّة الناخبين البريطانيين وفقا لأحدث استطلاعات الرأي يطالبون بإجراء انتخابات عامة غير عاديّة هذا العام فور تعيين رئيس الوزراء الجديد، إذ أنّ هناك تحديّات كبرى تتعين مواجهتها، وخيارات استراتيجيّة تتطلب التعامل معها وهذه تحتاج، إلى جانب الحظ والتوفيق، اجماعاً وطنيّاً عريضاً لا يمثله بأيّ شكل السياق الحكوميّ الحالي المغلق على المحافظين وحدهم حتى موعد الانتخابات العامّة العاديّة في يناير 2025. 

لكّن لا المحافظين ولا تروس بهذا الوارد إطلاقاً، بل إن جزءاً أساسياً من الدافع وراء مؤامرة اسقاط جونسون كان حرصاً على التخلّص من فضائحه قبل أن تُفقد المحافظين الفرصة للتجديد لأنفسهم بالسلطة في الانتخابات العامة العاديّة بعد عامين.

ومن قراءة المنطلقات الفكريّة والتوجهات السياسيّة للفريق الذي تحيط تروس نفسها به فإنّ النتيجة أن الحكومة المقبلة ستكون بمثابة مفارقة سياسية من شأنها أن تحدد تصوغ ملامح العامين المقبلين: واحدة من أكثر الحكومات يمينية في آخر مائة عام من المتوقع لها أن تضم عتاة أنصار السوق الحرّ من النيوليبراليين وأكبر مؤيدي سياسة الانعزال وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومعاداة الأجانب، في وقت يتحرك فيه مزاج الشعب نحو اليسار بشكل حاد (بالطبع مع إدراك حقيقة غياب أي حزب ثوريّ يساريّ يمكن أن يقود أيّ حراك للضغط باتجاه التغيير)، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن نصف ناخبي حزب المحافظين (وثلاثة أرباع ناخبي المعارضة) يؤيدون تأميم شركات الطاقة، وأكثر من نصف المواطنين يدعمون بلا تحفظات اضراب عمال قطارات السكك الحديدية.

تروس لم تخف نواياها اليمينيّة تلك خلال حملتها الانتخابيّة داخل زجاجة كوكب المحافظين. وأعلنت بوضوح على أنها ستعطي الأولوية في مواجهة الأزمة الاقتصاديّة للتخفيضات الضريبية (التي يستفيد منها الأثرياء والأقليّة من ذوي الدّخول المرتفعة فحسب) وهو خيار قصير النظر سيفاقم من مفاعيل الركود على ما يذهب معظم الخبراء، ويفتح بوابة مجهول بشأن قدرة ملايين العائلات الأكثر فقراً على تدبّر أمرها مع بداية الشتاء. تروس في ذلك لم تكن تبيع بضاعة جديدة لقاعدة حزبها، بل إنها في الحقيقة كانت تنطق باسمهما وتعبّر عن أشواقها الاقتصاديّة ونظرتها للعالم وللآخرين. لكن تروس وعصابة ال 150 ألف ناخب من أصل 45 مليون مؤمنون إلى حد الوهم بأن تلك التخفيضات الضريبيّة ستخفف من حدة الأزمة بسرعة، وتستعيد الاقتصاد الكليّ من حفرة الانكماش لتطلقه في فضاء النمو مجدداً، في الوقت الذي تواجه فيه عشرات الآلاف من الشركات المتوسطة والصغيرة خطر الإفلاس بسبب أعلى مستوى تضخم في الأسعار تشهده الذاكرة المعاصرة للبريطانيين وعجزها المحتّم عن تسديد قيمة فواتير الطاقة بعد الزيادات الفلكيّة الأخيرة لدرجة أنّه نُقل عن بول جونسون مدير معهد الدراسات المالية بلندن قوله، بإن خطط تروس “ستحطم المالية العامة تماماً”. فالأدوات الماليّة قد تكون أداة لتحفيز النموّ في ظل ظروف عاديّة، لكن ما تواجهه بريطانيا أقرب إلى حالة طوارىء اجتماعية وسياسية، فضلا عن الكارثة الاقتصاديّة المحدقة، وهي لا تهدد الطبقة العاملة فحسب، بل إن منسوبي ما يسمى بالطبقة الوسطى (كبار المهنيين وأصحاب رؤوس الأعمال الصغيرة وأعضاء الطبقات الإداريّة العليا في الشركات) سيجدون هم أيضاً صعوبات حقيقيّة في تسديد فواتيرهم الشهريّة، وستكون هناك موجة تسونامي هائلة من الإفلاسات وتسريح العاملين في القطاعات “كثيفة الاستهلاك للطاقة”: ليس فقط في الصناعات الثقيلة والأساسيّة مثل الصلب والزجاج والورق والاسمنت والكيماويات بل وأيضاً ومزارعو الخس والطماطم، ومربو الدواجن ومعامل المشروبات ونوادي حمامات السباحة ومنتجو البطاريات الكهربائية إلى المطاعم الصغيرة والبارات ومحلات البقالة المتوسطة والصغيرة.

وإلى جانب أوهام تروس الاقتصاديّة الوحشيّة فإن فريقها الذي سيتولى نجومه المناصب الوزارية الأهم في الحكومة المقبلة يضمّ متطرفين أيديولوجيين من أمثال إيان دنكان سميث، وجون ريدوود ممن يريدون تبني سياسات لتقليص حجم الدّولة، والتخلّص من كل ما تبقى من القطاع العام (في الصحة والتعليم الأساسيّ)، وسحب الصلاحيّات من بنك انجلترا المركزي لمصلحة رئاسة الوزراء، ويدعم هؤلاء التصلّب في مواجهة كل من بروكسيل (مقر الاتحاد الأوروبيّ) وباريس والاستقلاليين في اسكتلندا وإيرلندا الشماليّة.

إنّها بالفعل حكومة الشخص غير المناسب في الوقت غير المناسب. ولكن السؤال الأهم هنا يتعلّق بماهيّة ردة فعل الشعب عندما يبدأ في الغرق فعلياً في وعثاء الأزمة، وهل سيتحوّل المزاج المتجه يساراً إلى حراك مؤثّر على الأرض؟

البريطانيّون مشهورون منذ آخر ثورة للفلاحين قبل قرون ببلادتهم السياسيّة وخضوعهم للنظام الحاكم. فهم يتذمرون من الأوضاع لكنهم لا يكفّون عن الابتسام ويتحملون بصبر تعليمات السلطة، وينتظرون دورهم للحصول على بعض من حقوق، ولم ينجحوا يوماً في تأسيس أي تجربة ثوريّة حقيقيّة ناجحة. هذه الرّوح ساعدت بريطانيا في العبور من قوس أزمات مرحلة الحرب العالميّة الثانيّة وفرضت على النخبة القبول بالتأسيس لعقد اجتماعي جديد حصل فيه جميع البريطانيون بغض النظر عن طبقاتهم على حد أدنى من العيش الكريم في التعليم والصحة والإعانات الاجتماعيّة للفقراء والمتعطلين. وعلى الرّغم من فقدان المواطنين تدريجيّاً لبعض هذه المكتسبات، فإن الأمور كانت لا تزال مقبولة ويمكن ابتلاعها بشكل أو آخر. إلا أن العاصفة التي تتنظر البلاد من نوع آخر مختلف تماماً عن كل ما عاشته من قبل. وسيكون هناك فقر مضاعف وجوع شديد وتشرّد متسّع، ومع غياب تمثيل سياسيّ حقيقي، وتسلط حكومة معادية بشدّة لمصالح الأغلبيّة فإن في تلك الأجواء لا تنتج في النهاية سوى الفوضى والاضطراب والجريمة. إنها أمّة تمضي نحو الهاوية بعيون مفتوحة.

:::::

“الأخبار”

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.