دفاعًا عن الصحفي والمناضل التّقدّمي التونسي غسان بن خليفة، الطاهر المعز

فتش عشرات من أفراد قوات الأمن الخاصة بملابس مدنية منزل الصحفي والمناضل السياسي غسان بن خليفة، منسق موقع “إنحياز”، والمُشرف على الورشة الإعلامية لجمعية الدّفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يوم السادس من أيلول/سبتمبر 2022، وصادرت الشرطة هاتفه المحمول وأجهزة الكمبيوتر الخاصة به وبأُسرته، من منزله، ثم اقتيد إلى منزل والديه لتفتيشه من قبل فرقة مكافحة الإرهاب، قبل نَقْل غَسّان وما صادرته الشرطة، إلى مكان بقي مجهولا لأكثر من عشر ساعات، بسبب تناقض تصريحات المسؤولين الأمنيين بشأن مكان اعتقاله، مع تصريحات النائب العام والقُطب القضائي لمكافحة الإرهاب، وجاءت هذه التصريحات إثر ضغوط المناضلين من رفاق وأصدقاء غسّان ومن المُحامين والصّحافيين والمُدافعين عن حقوق الإنسان، ولم توضح أجهزة الشرطة أسباب الاعتقال، كما لم تُحدّد وِجْهَةَ المكان الذي اقتادته إليه، ولم يتمتع الرفيق المخطوف بحقوقه المدنية كمواطن تونسي، من ذلك حقه في حضور محامين معه أثناء التحقيق، ولم يتم تحديد مكان الاعتقال – محلات القُطْب القضائي لمحاربة الإرهاب- سوى في الساعات الأخيرة من الليلة الفاصلة بين السادس والسابع من أيلول/سبتمبر 2022، وأعلن المحامون اعتقالَهُ لفترة خمسة أيام قابلة للتّجديد.  

عُرِفَ غسان بن خليفة في الأوْساط السياسية التونسية، وفي الوطن العربي بنشاطه المَيْداني وبدعمه للنضالات الاجتماعية المتوافقة مع قناعاته التي لخّصَها بمقولته “أنا مع من هم ف​​ي الدّرجات السّفلى”، وعُرفَ كذلك بانخراطه في الدّفاع عن القضايا العادلة، في تونس وفي الوطن العربي والأوساط المُدافعة عن الأسرى الفلسطينيين والتقدّميين في العالم، وعن السّيادة الغذائية والتضامن مع المظلومين حيثما وُجِدُوا…

يمكن اختزال الجبهات العديدة لنضال المناضل التّقدّمي اليساري والصحفي غسان بن خليفة في :

الإشراف على ورشة الإعلام بجمعية الدّفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، وعضوية حملة الدعم والمناصرة لحركات صغار المزارعين والعاطلين عن العمل بتونس، والإشراف على الموقع الإعلامي “انحياز”، وعضوية “شبكة شمال إفريقيا للسيادة الغذائية”، وعضوية العديد من الجمعيات الدّاعمة للأسرى وللشعب الفلسطيني، والمُناهضة للتطبيع، ولجنة المطالبة بإطلاق سراح المناضل جورج إبراهيم عبد الله…  

تُشير هذه القائمة (غير المُكتملة) إلى التوجه الفكري والسياسي للرفيق غسان بن خليفة، فهو – مع رفاق عديدين له – مكافح من أجل حرية التعبير والتنظيم، وإقامة ديمقراطية شعبية، ومن أجل مجتمع عادل، قائم على المساواة، وعلى إعادة توزيع الثروة، وتُبيّن كتاباته ومُداخلاته في مختلف التّظاهرات تَوَجُّهاته المناهضة للإرهاب وللدكتاتورية، وما وَصْمُهُ بالإرهاب سوى جزء من عملية التّشويه والشتائم والتهديدات التي تَعَرّضَ لها عَلَنًا، شفويا وكتابيا، طيلةَ الفترة التي سبقت اعتقاله

خلفية الاعتقال

إن اعتقال غسان ليس حدث منعزل، بل جزء من الموجة المضادة للثورة في منطقتنا، والتي تسعى إلى إسكات كل الأصوات التقدمية والثورية والمُعارِضَة للقوى المستبدة ولِمُضْطَهِدِي الشعب ولِخَدَم ووكلاء الإمبريالية، المُطبّعِين مع الصهاينة، وتتجسد هذه الموجة في مجموعة من القيود المفروضة على المنظمات المحلية والإقليمية والدولية من خلال حصارها، وكذلك في الإجراءات القانونية ومضايقة المناضلين، وقمع الحركات المشروعة والسِّلْمِية، منها حركة صغار الفلاحين، والمُعطّلين عن العمل ومُصابي الإنتفاضة وذويهم، والنّقابيين والفنانين والحافيين…

ارتبَطَ غسّان بن خليفة بنضالات “من هم في الأسْفَل”، أي الطّبقة العاملة وصغار الفلاحين والفئات الشعبية، وتنقّل في كافة أنحاء البلاد لدعمها ولتسجيل وثائق سمعية بصرية تفسح المجال للمُضْطَهَدِين والمَسْحُوقين للتعبير عن مشاغلهم ومطالبهم، ودافعَ عن قناعاته عَلَنًا، وتنفي مداخلاته وكتاباته والقضايا التي يُدافع عنها، صفة الإرهاب التي تُريد السّلطات وَصْمَهُ بها.

لم أعرف غسان بن خليفة شخصيًّا وأجْهل إن كان ينتمي لحزب أو تنظيم سياسي (وهو حق لكل مواطن) ويكفيني ما قرأته وما شاهدته، لأدْعَمه وأدافع عن حقه في الدّفاع عن رأيه وعن حقه في التعبير والنّقد وفي النشاط الإعلامي والنقابي والسياسي، لذلك أضُمُّ صوتي إلى رفاقه وأصدقائه وذَويه للمطالبة بإطلاق سراحه الفوري وغير المشروط، وإدانة لاختطاف عمليات التشويه والتّرهيب التي تطال غسّان كما طالت وسوف تطال – إن لم نضع حدًّا لها- أي مواطن ينقد ممثلي السّلطة، وداعم للعمال والفلاحين والفقراء، ومُندّد بالصهيونية والإمبريالية والأنظمة الرجعية، لِتَتّهمه بالإرهاب…

هل حقّقت أجهزة الشرطة و”القُطب القضائي لمكافحة الإرهاب” مع من دعموا الإرهاب وأرسلوا مواطنين ومواطنات إلى ليبيا وسوريا ونظموا اجتماعات علنية منذ سنة 2012 (في القيروان على سبيل المثال) ومن خططوا ومن نفّذوا اغتيال مناضلين، أشهرهم شكري بلعيد ومحمد البراهمي (سنة 2013) وهل حرصت السلطات، منذ 2011، على استعادة ممتلكات الشعب المنهوبة، سواء من قِبَل أقارب الرئيس الأسبق أو من كبار اللُّصُوص والفاسدين المُتَهَرِّبين من الضرائب ومُهرِّبي الأموال إلى الخارج…؟ 

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.