فداء موقعي وموضعي لا انتفاضة شاملة، حلقة (2) الأخيرة، عادل سماره

  • نضال فردي رغم تخمة مسمومة وصلع إنتاجي!

في حربه الاقتصادية ضد المناطق المحتلة 1967 اتبع الكيان عدة سياسات، كل واحدة في فترة معينة طبقاً لظرفه. فعشية الاحتلال 1967 لم يكتفي بمن هاجروا بشكل فوري ويقدر عددهم ب 400 ألف شخص بل ايضا أصدر أوامر عسكرية تفوق (2000) أمر نصفها اقتصادي تبدأ بسيطرته على الحدود والتحكم بالتصدير والاستيراد وإنشاء المشاريع وترخيصها وإحصاء النفوس وصولا إلى إحصاء الموتى…الخ.

مع إغلاق الاحتلال الفوري للحدود ووقف التصدير والاستيراد فرُغت السوق المحلية خلال ستة أشهر مما بها، فاضطر التاجر للشراء من الكيان، وصاحب المعمل لشراء قطع الغيار من الكيان والقتال من أجل رخصة مشغل من الكيان/تحديدا من الحكم العسكري واضطر الفلاح لتسويق منتجاته في الكيان لعدم تصدير العنب والتين واللوزيات إلى العراق والكويت…الخ والعامل بلا عمل للعمل في الكيان. لقد جرى ربط مختلف الطبقات الاجتماعية رغما عنها باقتصاد الكيان. هذه كانت بداية الأسر الشامل. (أنظر تفصيلا:

Adel samara, The political Economy of the West Bank: From

Peripheralization to Development 1967-1987

الأمر الذي قاد إلى بطالة عالية رغم نزيف الهجرة. ولأن هذه الفترة شهدت بداية المقاومة اتجه الكيان إلى تشغيل أكبر عدد ممكن من قوة العمل في أماكن عمله، ليس فقط لحاجته لها بل:

·       لربط قوة العمل باقتصاده كي لا تنخرط في النضال الوطني.

·       وهذا يقود إلى شلل إضافي لمواقع الإنتاج الفلسطينية التي أعجز من أن تُنافس سواء من حيث مستوى تطورها أو قدرتها على دفع اجور منافِسة مع الأخذ بالاعتبار أن الإلحاق باقتصاد الكيان والحصار الاقتصادي خلق عقبتين خطيرتين هما:

 1- علاقة باقتصاد الكيان على شكل تبادل لامتكافىء مسلَح أي بقوة تحت السلاح، 2- ارتفاع في كلفة المعيشة نظراً للإلحاق الاقتصادي بحيث لا يمكن لأجرة العامل المحلي أن تكفيه واسرته مما يرغمه على العمل في اقتصاد الكيان.

فقوة العمل الشابة الفائضة عن حاجة الاقتصاد المحلي المتخلف والمُقيَّد لم يعد أمامها غير العمل في اقتصاد الاحتلال أو الهجرة إلى البلدان العربية أو المهاجر والشتات. (انظر كتابات عادل سماره بداية من: اقتصاد المناطق المحتلة: التخلف يُعمق الإلحاق 1975″ وكتب عديدة بعدها).

ولكن، من اللافت الإشارة، رغم كل هذه العقبات المدمرة والتقويضية اقتصاديا وسياسياً إلا أن النضال لم يتوقف بل بدأ فورا ولم ينتهي حيث اتخذ شكل مفارز مسلحة، انتفاضات شعبية، مقاطعة وخاصة 1987…الخ، كما نلاحظ أن المشهد وفي أكثر من جانب يتجدد وخاصة هذه الفترة رغم اختلاف كبير في الظروف.

مفيد توضيح التالي بالمقابل كي يسهل فهم السياق، اي سياسة الاحتلال. فمع بداية الاحتلال انقسمت حكومة الكيان بين رأيين:

كان رأي وزير الحربية موشه ديان أن يتم فتح العلاقة بالمحتل 1967 كليا وفتح الجسور (وهذا أشرنا إليه في مقال سابق حين أقيمت الضجة على افتتاح مطار رامون في المحتل 1948 والتنافس مع الأردن) وفتح العلاقة بالضفة والقطاع يعني إلحاق وليس ضم اقتصادهما وامتصاص قوة العمل أو تسهيل خروجها عبر الجسور إلى البلدان العربية وإلى المهاجِر والشتات.

وكان رأي بنحاس سابير وزير المالية أن تكون بين شّقَّيْ فلسطين المحتلين نقاط حدود وعدم انفتاح وطبعا عدم انسحاب.

فازت وجهة نظر ديان، وحصل كما كتبنا أعلاه.

كانت ولم تتوقف سياسات الكيان عن تقويض مواقع الإنتاج في الأرض المحتلة لتحقيق هدفين:

·       مواصلة اغتصاب الأرض بمختلف الوسائل سواء المصادرة المباشرة أو خنق مواقع الإنتاج، أو تحديد مناطق عسكرية…الخ المهم ابتلاع الأرض.

·       إزاحة الجيل الشاب بالمضايقات والاعتقالات، وفي أحيان كثيرة تشغيله في اقتصاد الاحتلال وفي أخريات منعه من العمل في اقتصاد الاحتلال مما يخلق حالة عائمة لحياة الفرد اليومية وانعدام اليقين والاستقرار، الأمر الذي يقود إلى الانزياح الذاتي بالرحيل.

 وتفاقم هذا الأمر إثر جائحة كوفيد 19، وحرب الدفاع الروسية حيث تراجعت مواقع الإنتاج في الضفة والقطاع وهو ما نسميه الصلع الاقتصادي/الإنتاجي داخل البلد. والمفارقة أن هذا ترافق مع سياسة صهيونية مقصودة بتشغيل أعداد كبيرة من قوة العمل المحلية، أي عدم حصول صلعاً في السيولة المالية وهو تشغيل من أجل:

·       استغلال طبقي/قومي للعمالة الفلسطينية طبعا

·       محاولة لجم انخراطها في النضال الوطني.

·       عدم تعرضها للمجاعة

·       الحيلولة دون أن تعمل في استصلاح الأرض التي تزداد إعادة استصلاحها صعوبة جراء الإهمال طويل المدى كي يغتصبها الكيان ولكي لا تعمل قوة العمل في الصناعة المحلية بحيث لا تتكرر تجربة الحماية الشعبية في انتفاضة 1987.

إذن نحن أمام:

·       تشغيل موسع للعمال على غير العادة حيث هذا التشغيل متذبذب لهدف سياسي وليس اقتصادي بحت.

·        صلع إنتاجي أصاب مواقع الإنتاج المحلية.

·       وغزارة في السيولة المالية.

 وهي أمور متناقضة مما يدل على وضع غير صحي حيث تعيش بلد إلى حد كبير من غير إنتاجها، فهناك ريوعا مالية تتدفق من الخارج سواء للضفة من الحكومات والأنجزة أو غزة من قطر، وتحويلات العمال من العمل في اقتصاد الكيان، ولذا يمكن رؤية المشهد في الأرض المحتلة على النحو التالي:

أولاً:

·       طبقة/فئة/شريحة متخمة بالريوع من الخارج وهذا غالباً ضمن السلطة.

·       طبقة متخمة بالعائدات غير المنظورة، كمدراء الأنجزة وموظفي السفارات الأجنبية وشريحة الكومبرادور المروجة للمنتجات الأجنبية

ثانياً:

·       صلع إنتاجي نظراً لتقويض مواقع الإنتاج وحتى هجر الكثير منها لعجزه عن منافسة منتجات الكيان والمنتجات الأجنبية من دول معادية تركيا والغرب عموما.

ثالثاً:

عمالة تتزايد في الكيان لخصيها كفاحياً من جهة وعدم تعرضها للجوع من جهة ثانية كي لا تنخرط في المقاومة. فحسب تقرير لليونسكو:

” ارتفع عدد العمال الفلسطينيين الذين يعبرون من الضفة الغربية إلى إسرائيل إلى 153.000 وقرابة 20,000 تصريح عبور قد تم إصدارها للفلسطينيين من قطاع غزة للدخول إلى إسرائيل من أجل العمل”

رابعاً:

·       واكثرية خارج هذه السياقات تماماً وهي بين كثير من سكان مخيمات اللجوء 1948 ومنتجين مستقلين زراعيا في الريف وصناعيا في المدن وعاطلين عن العمل لا يمكنهم العمل في الكيان وليست لديهم مصادر رزق وعاطلين عن العمل بحكم العمر، وسكان مناطق نائية ومهملة…الخ. هذا إن لم نُجمل قوة العمل النسائية التي قلما تأخذها التقديرات بالاعتبار كما لا يُقدر عملها المنزلي.

لذا، تتحدث تقارير اقتصادية متباينة في تقديراتها للبطالة، لكنها تُجمع على بطالة في الضفة الغربية تفوق ال 10 في المئة وفي قطاع غزة تفوق أل 20 في المئة.

ماذا تعني هذه الصورة المفككة للتركيب السكاني وخاصة من ناحية الوضع المعيشي؟ إنها تعني المشكلة الرئيسية في الاقتصاد أي ان العامل المقرر الحاسم في العملية الاقتصادية وبالتالي في النمو الاقتصادي وبزل الفائض، طبعاً التنمية حلم بعيد، هي سلطات الاحتلال التي تُدير العملية الاقتصادية طبقا لمصالحها التي جوهرها اغتصاب الأرض وتفريغها.

من المألوف أن اي مجتمع تشكيلته الاجتماعية الاقتصادية رأسمالية كي يتمتع بشكل من الانسجام الاجتماعي تكون مواقع العمل قادرة على استيعاب قوة العمل مما يخلق سوقاً محلية حية. وإن لم يحقق هذا التوازن، لا يمكنه الوصول إلى إجماع سياسي ما، وهذا بالضبط ما يشتغل عليه الكيان سياسيا وعسكريا واقتصاديا ونفسيا ضد المناطق المحتلة 1967.

ولا شك بأن ما يساعد على هذا التشظي هو غياب اتفاق على مشروع وطني. فبعد أن كان المشروع هو التحرير، أصبح الاستدوال، والتفاخر بدولة مع المستوطنين…الخ!

ولكن المفارقة، وهذا يرتبط بالحلقة السابقة من هذه المقالة أن هناك م.ق.ا.و.م.ة نوعية ومتزايدة وخاصة العمليات ال.م.س.ل.ح.ة داخل المدن وإلى حد ما في بعض الأرياف، كما قلنا سابقاً موقعية وموضعية. وكأن هذه اللوحة شبيهة باللوحة بعد بداية الاحتلال عام 1967 ولكن بفارق هام.

ففي السنوات الأولى للاحتلال لم يكن قد نشر قواته ومعرفته بكامل طبوغرافيا الضفة الغربية بمعنى وصول أقدام جنوده إلى كل شبر، وحينها كانت فرص العمل الغٍواري في الأرياف ممكنة. أما في الوقت الحالي فالكيان وصل كل شبر من الأرض، وهذا ما يجعل حرب غوار المدن أكثر مؤاتاتٍ لنضال الوطني.

لا يكرر الزمن الحدث نفسه، لكن بعضه ياتي مع بعض آخر. والأهم ان صمود ونضال الشعب يتكرر برموز وابتكارات أخرى، وهذا ما يحصل اليوم رغم كل الصورة السوداء أعلاه.  يتكرر بقاء الناس على العهد أو كما كان يكتب الشاعر الجميل فوزي البكري باسم “عبد الباقي هون”.

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.