نشرة “كنعان”، 11 أيلول (سبتمبر) 2022

كنعان النشرة الإلكترونية

السنة الثانية والعشرون – العدد 6379

11 أيلول (سبتمبر) 2022

في هذا العدد:

فداء موقعي وموضعي لا انتفاضة شاملة، حلقة (2) الأخيرة، عادل سماره

  • نضال فردي رغم تخمة مسمومة وصلع إنتاجي!

دفاعًا عن الصحفي والمناضل التّقدّمي التونسي غسان بن خليفة، الطاهر المعز

هذيانٌ وفتوى، سمر حسن

✺ ✺ ✺

فداء موقعي وموضعي لا انتفاضة شاملة

نضال فردي رغم تخمة مسمومة وصلع إنتاجي!

حلقة (2) الأخيرة

عادل سماره

في حربه الاقتصادية ضد المناطق المحتلة 1967 اتبع الكيان عدة سياسات، كل واحدة في فترة معينة طبقاً لظرفه. فعشية الاحتلال 1967 لم يكتفي بمن هاجروا بشكل فوري ويقدر عددهم ب 400 ألف شخص بل ايضا أصدر أوامر عسكرية تفوق (2000) أمر نصفها اقتصادي تبدأ بسيطرته على الحدود والتحكم بالتصدير والاستيراد وإنشاء المشاريع وترخيصها وإحصاء النفوس وصولا إلى إحصاء الموتى…الخ.

مع إغلاق الاحتلال الفوري للحدود ووقف التصدير والاستيراد فرُغت السوق المحلية خلال ستة أشهر مما بها، فاضطر التاجر للشراء من الكيان، وصاحب المعمل لشراء قطع الغيار من الكيان والقتال من أجل رخصة مشغل من الكيان/تحديدا من الحكم العسكري واضطر الفلاح لتسويق منتجاته في الكيان لعدم تصدير العنب والتين واللوزيات إلى العراق والكويت…الخ والعامل بلا عمل للعمل في الكيان. لقد جرى ربط مختلف الطبقات الاجتماعية رغما عنها باقتصاد الكيان. هذه كانت بداية الأسر الشامل. (أنظر تفصيلا:

Adel samara, The political Economy of the West Bank: From

Peripheralization to Development 1967-1987

الأمر الذي قاد إلى بطالة عالية رغم نزيف الهجرة. ولأن هذه الفترة شهدت بداية المقاومة اتجه الكيان إلى تشغيل أكبر عدد ممكن من قوة العمل في أماكن عمله، ليس فقط لحاجته لها بل:

·       لربط قوة العمل باقتصاده كي لا تنخرط في النضال الوطني.

·       وهذا يقود إلى شلل إضافي لمواقع الإنتاج الفلسطينية التي أعجز من أن تُنافس سواء من حيث مستوى تطورها أو قدرتها على دفع اجور منافِسة مع الأخذ بالاعتبار أن الإلحاق باقتصاد الكيان والحصار الاقتصادي خلق عقبتين خطيرتين هما:

 1- علاقة باقتصاد الكيان على شكل تبادل لامتكافىء مسلَح أي بقوة تحت السلاح، 2- ارتفاع في كلفة المعيشة نظراً للإلحاق الاقتصادي بحيث لا يمكن لأجرة العامل المحلي أن تكفيه واسرته مما يرغمه على العمل في اقتصاد الكيان.

فقوة العمل الشابة الفائضة عن حاجة الاقتصاد المحلي المتخلف والمُقيَّد لم يعد أمامها غير العمل في اقتصاد الاحتلال أو الهجرة إلى البلدان العربية أو المهاجر والشتات. (انظر كتابات عادل سماره بداية من: اقتصاد المناطق المحتلة: التخلف يُعمق الإلحاق 1975″ وكتب عديدة بعدها).

ولكن، من اللافت الإشارة، رغم كل هذه العقبات المدمرة والتقويضية اقتصاديا وسياسياً إلا أن النضال لم يتوقف بل بدأ فورا ولم ينتهي حيث اتخذ شكل مفارز مسلحة، انتفاضات شعبية، مقاطعة وخاصة 1987…الخ، كما نلاحظ أن المشهد وفي أكثر من جانب يتجدد وخاصة هذه الفترة رغم اختلاف كبير في الظروف.

مفيد توضيح التالي بالمقابل كي يسهل فهم السياق، اي سياسة الاحتلال. فمع بداية الاحتلال انقسمت حكومة الكيان بين رأيين:

كان رأي وزير الحربية موشه ديان أن يتم فتح العلاقة بالمحتل 1967 كليا وفتح الجسور (وهذا أشرنا إليه في مقال سابق حين أقيمت الضجة على افتتاح مطار رامون في المحتل 1948 والتنافس مع الأردن) وفتح العلاقة بالضفة والقطاع يعني إلحاق وليس ضم اقتصادهما وامتصاص قوة العمل أو تسهيل خروجها عبر الجسور إلى البلدان العربية وإلى المهاجِر والشتات.

وكان رأي بنحاس سابير وزير المالية أن تكون بين شّقَّيْ فلسطين المحتلين نقاط حدود وعدم انفتاح وطبعا عدم انسحاب.

فازت وجهة نظر ديان، وحصل كما كتبنا أعلاه.

كانت ولم تتوقف سياسات الكيان عن تقويض مواقع الإنتاج في الأرض المحتلة لتحقيق هدفين:

·       مواصلة اغتصاب الأرض بمختلف الوسائل سواء المصادرة المباشرة أو خنق مواقع الإنتاج، أو تحديد مناطق عسكرية…الخ المهم ابتلاع الأرض.

·       إزاحة الجيل الشاب بالمضايقات والاعتقالات، وفي أحيان كثيرة تشغيله في اقتصاد الاحتلال وفي أخريات منعه من العمل في اقتصاد الاحتلال مما يخلق حالة عائمة لحياة الفرد اليومية وانعدام اليقين والاستقرار، الأمر الذي يقود إلى الانزياح الذاتي بالرحيل.

 وتفاقم هذا الأمر إثر جائحة كوفيد 19، وحرب الدفاع الروسية حيث تراجعت مواقع الإنتاج في الضفة والقطاع وهو ما نسميه الصلع الاقتصادي/الإنتاجي داخل البلد. والمفارقة أن هذا ترافق مع سياسة صهيونية مقصودة بتشغيل أعداد كبيرة من قوة العمل المحلية، أي عدم حصول صلعاً في السيولة المالية وهو تشغيل من أجل:

·       استغلال طبقي/قومي للعمالة الفلسطينية طبعا

·       محاولة لجم انخراطها في النضال الوطني.

·       عدم تعرضها للمجاعة

·       الحيلولة دون أن تعمل في استصلاح الأرض التي تزداد إعادة استصلاحها صعوبة جراء الإهمال طويل المدى كي يغتصبها الكيان ولكي لا تعمل قوة العمل في الصناعة المحلية بحيث لا تتكرر تجربة الحماية الشعبية في انتفاضة 1987.

إذن نحن أمام:

·       تشغيل موسع للعمال على غير العادة حيث هذا التشغيل متذبذب لهدف سياسي وليس اقتصادي بحت.

·        صلع إنتاجي أصاب مواقع الإنتاج المحلية.

·       وغزارة في السيولة المالية.

 وهي أمور متناقضة مما يدل على وضع غير صحي حيث تعيش بلد إلى حد كبير من غير إنتاجها، فهناك ريوعا مالية تتدفق من الخارج سواء للضفة من الحكومات والأنجزة أو غزة من قطر، وتحويلات العمال من العمل في اقتصاد الكيان، ولذا يمكن رؤية المشهد في الأرض المحتلة على النحو التالي:

أولاً:

·       طبقة/فئة/شريحة متخمة بالريوع من الخارج وهذا غالباً ضمن السلطة.

·       طبقة متخمة بالعائدات غير المنظورة، كمدراء الأنجزة وموظفي السفارات الأجنبية وشريحة الكومبرادور المروجة للمنتجات الأجنبية

ثانياً:

·       صلع إنتاجي نظراً لتقويض مواقع الإنتاج وحتى هجر الكثير منها لعجزه عن منافسة منتجات الكيان والمنتجات الأجنبية من دول معادية تركيا والغرب عموما.

ثالثاً:

عمالة تتزايد في الكيان لخصيها كفاحياً من جهة وعدم تعرضها للجوع من جهة ثانية كي لا تنخرط في المقاومة. فحسب تقرير لليونسكو:

” ارتفع عدد العمال الفلسطينيين الذين يعبرون من الضفة الغربية إلى إسرائيل إلى 153.000 وقرابة 20,000 تصريح عبور قد تم إصدارها للفلسطينيين من قطاع غزة للدخول إلى إسرائيل من أجل العمل”

رابعاً:

·       واكثرية خارج هذه السياقات تماماً وهي بين كثير من سكان مخيمات اللجوء 1948 ومنتجين مستقلين زراعيا في الريف وصناعيا في المدن وعاطلين عن العمل لا يمكنهم العمل في الكيان وليست لديهم مصادر رزق وعاطلين عن العمل بحكم العمر، وسكان مناطق نائية ومهملة…الخ. هذا إن لم نُجمل قوة العمل النسائية التي قلما تأخذها التقديرات بالاعتبار كما لا يُقدر عملها المنزلي.

لذا، تتحدث تقارير اقتصادية متباينة في تقديراتها للبطالة، لكنها تُجمع على بطالة في الضفة الغربية تفوق ال 10 في المئة وفي قطاع غزة تفوق أل 20 في المئة.

ماذا تعني هذه الصورة المفككة للتركيب السكاني وخاصة من ناحية الوضع المعيشي؟ إنها تعني المشكلة الرئيسية في الاقتصاد أي ان العامل المقرر الحاسم في العملية الاقتصادية وبالتالي في النمو الاقتصادي وبزل الفائض، طبعاً التنمية حلم بعيد، هي سلطات الاحتلال التي تُدير العملية الاقتصادية طبقا لمصالحها التي جوهرها اغتصاب الأرض وتفريغها.

من المألوف أن اي مجتمع تشكيلته الاجتماعية الاقتصادية رأسمالية كي يتمتع بشكل من الانسجام الاجتماعي تكون مواقع العمل قادرة على استيعاب قوة العمل مما يخلق سوقاً محلية حية. وإن لم يحقق هذا التوازن، لا يمكنه الوصول إلى إجماع سياسي ما، وهذا بالضبط ما يشتغل عليه الكيان سياسيا وعسكريا واقتصاديا ونفسيا ضد المناطق المحتلة 1967.

ولا شك بأن ما يساعد على هذا التشظي هو غياب اتفاق على مشروع وطني. فبعد أن كان المشروع هو التحرير، أصبح الاستدوال، والتفاخر بدولة مع المستوطنين…الخ!

ولكن المفارقة، وهذا يرتبط بالحلقة السابقة من هذه المقالة أن هناك م.ق.ا.و.م.ة نوعية ومتزايدة وخاصة العمليات ال.م.س.ل.ح.ة داخل المدن وإلى حد ما في بعض الأرياف، كما قلنا سابقاً موقعية وموضعية. وكأن هذه اللوحة شبيهة باللوحة بعد بداية الاحتلال عام 1967 ولكن بفارق هام.

ففي السنوات الأولى للاحتلال لم يكن قد نشر قواته ومعرفته بكامل طبوغرافيا الضفة الغربية بمعنى وصول أقدام جنوده إلى كل شبر، وحينها كانت فرص العمل الغٍواري في الأرياف ممكنة. أما في الوقت الحالي فالكيان وصل كل شبر من الأرض، وهذا ما يجعل حرب غوار المدن أكثر مؤاتاتٍ لنضال الوطني.

لا يكرر الزمن الحدث نفسه، لكن بعضه ياتي مع بعض آخر. والأهم ان صمود ونضال الشعب يتكرر برموز وابتكارات أخرى، وهذا ما يحصل اليوم رغم كل الصورة السوداء أعلاه.  يتكرر بقاء الناس على العهد أو كما كان يكتب الشاعر الجميل فوزي البكري باسم “عبد الباقي هون”.

✺ ✺ ✺

دفاعًا عن الصحفي والمناضل التّقدّمي التونسي غسان بن خليفة

الطاهر المعز

فتش عشرات من أفراد قوات الأمن الخاصة بملابس مدنية منزل الصحفي والمناضل السياسي غسان بن خليفة، منسق موقع “إنحياز”، والمُشرف على الورشة الإعلامية لجمعية الدّفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يوم السادس من أيلول/سبتمبر 2022، وصادرت الشرطة هاتفه المحمول وأجهزة الكمبيوتر الخاصة به وبأُسرته، من منزله، ثم اقتيد إلى منزل والديه لتفتيشه من قبل فرقة مكافحة الإرهاب، قبل نَقْل غَسّان وما صادرته الشرطة، إلى مكان بقي مجهولا لأكثر من عشر ساعات، بسبب تناقض تصريحات المسؤولين الأمنيين بشأن مكان اعتقاله، مع تصريحات النائب العام والقُطب القضائي لمكافحة الإرهاب، وجاءت هذه التصريحات إثر ضغوط المناضلين من رفاق وأصدقاء غسّان ومن المُحامين والصّحافيين والمُدافعين عن حقوق الإنسان، ولم توضح أجهزة الشرطة أسباب الاعتقال، كما لم تُحدّد وِجْهَةَ المكان الذي اقتادته إليه، ولم يتمتع الرفيق المخطوف بحقوقه المدنية كمواطن تونسي، من ذلك حقه في حضور محامين معه أثناء التحقيق، ولم يتم تحديد مكان الاعتقال – محلات القُطْب القضائي لمحاربة الإرهاب- سوى في الساعات الأخيرة من الليلة الفاصلة بين السادس والسابع من أيلول/سبتمبر 2022، وأعلن المحامون اعتقالَهُ لفترة خمسة أيام قابلة للتّجديد.  

عُرِفَ غسان بن خليفة في الأوْساط السياسية التونسية، وفي الوطن العربي بنشاطه المَيْداني وبدعمه للنضالات الاجتماعية المتوافقة مع قناعاته التي لخّصَها بمقولته “أنا مع من هم ف​​ي الدّرجات السّفلى”، وعُرفَ كذلك بانخراطه في الدّفاع عن القضايا العادلة، في تونس وفي الوطن العربي والأوساط المُدافعة عن الأسرى الفلسطينيين والتقدّميين في العالم، وعن السّيادة الغذائية والتضامن مع المظلومين حيثما وُجِدُوا…

يمكن اختزال الجبهات العديدة لنضال المناضل التّقدّمي اليساري والصحفي غسان بن خليفة في :

الإشراف على ورشة الإعلام بجمعية الدّفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، وعضوية حملة الدعم والمناصرة لحركات صغار المزارعين والعاطلين عن العمل بتونس، والإشراف على الموقع الإعلامي “انحياز”، وعضوية “شبكة شمال إفريقيا للسيادة الغذائية”، وعضوية العديد من الجمعيات الدّاعمة للأسرى وللشعب الفلسطيني، والمُناهضة للتطبيع، ولجنة المطالبة بإطلاق سراح المناضل جورج إبراهيم عبد الله…  

تُشير هذه القائمة (غير المُكتملة) إلى التوجه الفكري والسياسي للرفيق غسان بن خليفة، فهو – مع رفاق عديدين له – مكافح من أجل حرية التعبير والتنظيم، وإقامة ديمقراطية شعبية، ومن أجل مجتمع عادل، قائم على المساواة، وعلى إعادة توزيع الثروة، وتُبيّن كتاباته ومُداخلاته في مختلف التّظاهرات تَوَجُّهاته المناهضة للإرهاب وللدكتاتورية، وما وَصْمُهُ بالإرهاب سوى جزء من عملية التّشويه والشتائم والتهديدات التي تَعَرّضَ لها عَلَنًا، شفويا وكتابيا، طيلةَ الفترة التي سبقت اعتقاله

خلفية الاعتقال

إن اعتقال غسان ليس حدث منعزل، بل جزء من الموجة المضادة للثورة في منطقتنا، والتي تسعى إلى إسكات كل الأصوات التقدمية والثورية والمُعارِضَة للقوى المستبدة ولِمُضْطَهِدِي الشعب ولِخَدَم ووكلاء الإمبريالية، المُطبّعِين مع الصهاينة، وتتجسد هذه الموجة في مجموعة من القيود المفروضة على المنظمات المحلية والإقليمية والدولية من خلال حصارها، وكذلك في الإجراءات القانونية ومضايقة المناضلين، وقمع الحركات المشروعة والسِّلْمِية، منها حركة صغار الفلاحين، والمُعطّلين عن العمل ومُصابي الإنتفاضة وذويهم، والنّقابيين والفنانين والحافيين…

ارتبَطَ غسّان بن خليفة بنضالات “من هم في الأسْفَل”، أي الطّبقة العاملة وصغار الفلاحين والفئات الشعبية، وتنقّل في كافة أنحاء البلاد لدعمها ولتسجيل وثائق سمعية بصرية تفسح المجال للمُضْطَهَدِين والمَسْحُوقين للتعبير عن مشاغلهم ومطالبهم، ودافعَ عن قناعاته عَلَنًا، وتنفي مداخلاته وكتاباته والقضايا التي يُدافع عنها، صفة الإرهاب التي تُريد السّلطات وَصْمَهُ بها.

لم أعرف غسان بن خليفة شخصيًّا وأجْهل إن كان ينتمي لحزب أو تنظيم سياسي (وهو حق لكل مواطن) ويكفيني ما قرأته وما شاهدته، لأدْعَمه وأدافع عن حقه في الدّفاع عن رأيه وعن حقه في التعبير والنّقد وفي النشاط الإعلامي والنقابي والسياسي، لذلك أضُمُّ صوتي إلى رفاقه وأصدقائه وذَويه للمطالبة بإطلاق سراحه الفوري وغير المشروط، وإدانة لاختطاف عمليات التشويه والتّرهيب التي تطال غسّان كما طالت وسوف تطال – إن لم نضع حدًّا لها- أي مواطن ينقد ممثلي السّلطة، وداعم للعمال والفلاحين والفقراء، ومُندّد بالصهيونية والإمبريالية والأنظمة الرجعية، لِتَتّهمه بالإرهاب…

هل حقّقت أجهزة الشرطة و”القُطب القضائي لمكافحة الإرهاب” مع من دعموا الإرهاب وأرسلوا مواطنين ومواطنات إلى ليبيا وسوريا ونظموا اجتماعات علنية منذ سنة 2012 (في القيروان على سبيل المثال) ومن خططوا ومن نفّذوا اغتيال مناضلين، أشهرهم شكري بلعيد ومحمد البراهمي (سنة 2013) وهل حرصت السلطات، منذ 2011، على استعادة ممتلكات الشعب المنهوبة، سواء من قِبَل أقارب الرئيس الأسبق أو من كبار اللُّصُوص والفاسدين المُتَهَرِّبين من الضرائب ومُهرِّبي الأموال إلى الخارج…؟ 

✺ ✺ ✺

هذيانٌ وفتوى

سمر حسن

من كشمير المُتنازع عليها من قَبل أن يُولد  سلمان رشدي، الذي هاجر وأهله إثر أزمة اقتصادية عانت منها عائلته كما كل بلاده بعد الحرب ، هندي الملامح أسمر اللون بهائي المذهب الإسلامي  تبعية لوالديه، جاء إلى بلاد البيض “الزنابير” بريطانيا ودرس فيها، فشملته السياسة البريطانية وفق مخططها بحنانها المعروف لكنها لم تعف هذا الاسمر المسلم القادم من الشرق من عنصرية زملائه التي تعدت التنمر إلى​​ الضرب والشتم كما سرد هو بنفسه …
رشدي المثقف لم ير حقيقة العيب في العنصرية وأن الاختلاف لا ينتزع من أحد إنسانيته، بل مارس ضد نفسه أبشع أشكال العنصرية ما يسمى “internalized racism” العنصرية ضد الذات محاولاً بكل السبل التعافي من لعنة لونه ومولده و لتطهر من ذاته المنتمية إلى غير الأبيض وثقافته ولغته.
طبعاً فسادية “الزنابير” لا تعطيك ترف الخيار والمفاضلة وغالباً ما تصبح أداة لها بمهمة او بدونها .
 “آيات شيطانية ” سبقها شيطنة وطن في رواية “أطفال منتصف الليل” التي جرد من نفسه فيها سيفاً يضرب به أعناق الملونين أبناء جلدته في وطنه الأم وينتقد ويعيب عاداتهم وتقاليدهم ومسار تاريخهم ولم يوفر حتى سيدة البلد أنديرا غاندي مما اضطرها لترفع دعوى ضده فتتم محاكمته وإدانته …ليظهر “الزنابير” بالتوازي  مع هذا ديمقراطيتهم ورعايتهم للآداب فمنحوا الكاتب عن روايته هذه أعلى جائزة أدب في بريطانيا “جائزة بوكر”.
ما أشبه الماضي بالحاضر وما أشبه هذا بأورومركزيي اليوم الذين يظنون أنهم بشدة انبطاحهم لسيدهم الأبيض وتملقهم للغرب ولعنهم ذواتهم وأصولهم سيبدلوا جلودهم وبين هنا وهناك لم يتغير اسلوب الناهب فالمنبطحين لا يحتاجون الى عناء ابتكار سبل جديدة منه  ..
أوحى إليه هذيانه بآياتٍ كتبها باللغة الانكليزية ترجمت مع الوقت إلى عدة لغات ومنها العربية فترافع عنه بعض الأفراد ليقولوا إنها رواية عادية لم يشتم الإسلام ونبيه و صحبه انما قصة سردها والمتعصبين أسقطوها على رسول الاسلام و قرآنه متجاهلين أن الكاتب بمسار حياته عرف عنه انه مسيء لدينه ونبيه، وسبق في تصريح له انه نعم في كتابه شتم اسلامهم -يقصد المتذمرين من روايته- ونبيهم وانا (على لسانه) اعتبره شيطان ….
هذا في مقلب وفي مقلب آخر دافعوا عن ضعف الرواية أدبياً و ثقافياً أنها مترجمة ولم يعطي المترجم روح الرواية حقها لنرد ببساطة من آراء كتّابهم الانكليز، ففيها قال الكاتب الانكليزي باترك سيل:” كان على رشدي أن يتقن الانكليزية قبل أن يدخل ضمار العمل الروائي ” إذن الرواية حتى بلغتها الأم ضعيفة أدبياً،
وهو أيضاً لم ينكر إلا بعد ان هوجم مهدداً بحياته قال إنه لم يظن أن روايته ستؤجج مشاعر المسلمين هكذا !! ..
فجاء السيد آية الله الخميني بفتوى تقضي بهدر دم رشدي المتقصد إهانة الاسلام ونبيه، وما نطق عن الهوى بل من موقعه الروحي قبل أية حسابات وتطبيقا لشريعة الاسلام ووفق سنة الأولين وحكمهم في المرتد .
أنا عن نفسي مثل  كثيرين ومن متابعي السيد الخميني السابقين واليوم ضد الفتوى والقتل مهما كان السبب
 إلا أنه لا يمكن ان نطعن بحق السيد الخميني في غيرته على الدين بل ورأفة بمشاعر مريديه الذين يؤذيهم الاساءة لنبيهم ودينهم .
ولو لم يكن حق فقد اجتهد فأخطأ إذن له أجر اجتهاده ..
فالإساءة لأي رمز خصوصاً الديني لأي طائفة سماوية أو أرضية او حتى فضائية غير مقبول ويعلم مرتكبوها أنهم على خطيئة ليست خطأ عابر والسلام و عليهم أن يتوقعوا ردود فعل كبيرة و ” البادئ أظلم*
جميعنا يعلم كيف تعرضت الشركة المنتجة للفيلم المسيء ليسوع للهجوم بقنابل المولوتوف وهذا أمر طبيعي
رغم أننا لم نكن نتمنى أن تصدر مثل هذه الفتوى مع فارق المقامات بين السيد الخميني ورشدي إلا أن علينا التمييز بين الفتوى الروحية والقرار السياسي الايراني سابقا واليوم ..
يقول توماس مكولي عراب سياسة الاوروبي في تعليم شعوب المستعمرات :”لا أظن أبدا أننا سنتغلب على هذا البلد ما لم نكسر عموده الفقري لغته وثقافته وتراثه الروحي ” -وهذا البلد يقصد الهند والأمر يسري وفق سياستهم على كل بلد هو هدف الناهب الامبريالي
لذااااا اذا كان هناك من يريد ان يتصيد ليشير إلى خطأ الفتوى دينياً فلينظر الى نفسه إن سب أحدهم أبويه،

ومن يعقِّب من منطلق موقفه السياسي من إيران فعليه أن يجد لنفسه جرماً إقليمياً يلتصق به قبل أن يتناثر هباءً في الفناء فحريتكم لدى الأوروبي تعني حريتكم في نقد ذواتكم ودينكم ولونكم وشتم أوطانكم ورموزكم لا تأملوا أن تعني حريتكم في عيش حياتكم واستثمار ثرواتكم وإقرار ما هو الأفضل والأبقى لاستقراركم..

لست أدافع عن فتوى ولست أشتم الديمقراطية بل فعلياً أقول قولي هذا المقتنعة به وبشدة واستغفر ربي لي ولكم …

______

  • تابعوا “كنعان اون لاين” Kana’an Online على

https://kanaanonline.org/

  • ·      “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org