هذيانٌ وفتوى، سمر حسن

من كشمير المُتنازع عليها من قَبل أن يُولد  سلمان رشدي، الذي هاجر وأهله إثر أزمة اقتصادية عانت منها عائلته كما كل بلاده بعد الحرب ، هندي الملامح أسمر اللون بهائي المذهب الإسلامي  تبعية لوالديه، جاء إلى بلاد البيض “الزنابير” بريطانيا ودرس فيها، فشملته السياسة البريطانية وفق مخططها بحنانها المعروف لكنها لم تعف هذا الاسمر المسلم القادم من الشرق من عنصرية زملائه التي تعدت التنمر إلى​​ الضرب والشتم كما سرد هو بنفسه …
رشدي المثقف لم ير حقيقة العيب في العنصرية وأن الاختلاف لا ينتزع من أحد إنسانيته، بل مارس ضد نفسه أبشع أشكال العنصرية ما يسمى “internalized racism” العنصرية ضد الذات محاولاً بكل السبل التعافي من لعنة لونه ومولده و لتطهر من ذاته المنتمية إلى غير الأبيض وثقافته ولغته.
طبعاً فسادية “الزنابير” لا تعطيك ترف الخيار والمفاضلة وغالباً ما تصبح أداة لها بمهمة او بدونها .
 “آيات شيطانية ” سبقها شيطنة وطن في رواية “أطفال منتصف الليل” التي جرد من نفسه فيها سيفاً يضرب به أعناق الملونين أبناء جلدته في وطنه الأم وينتقد ويعيب عاداتهم وتقاليدهم ومسار تاريخهم ولم يوفر حتى سيدة البلد أنديرا غاندي مما اضطرها لترفع دعوى ضده فتتم محاكمته وإدانته …ليظهر “الزنابير” بالتوازي  مع هذا ديمقراطيتهم ورعايتهم للآداب فمنحوا الكاتب عن روايته هذه أعلى جائزة أدب في بريطانيا “جائزة بوكر”.
ما أشبه الماضي بالحاضر وما أشبه هذا بأورومركزيي اليوم الذين يظنون أنهم بشدة انبطاحهم لسيدهم الأبيض وتملقهم للغرب ولعنهم ذواتهم وأصولهم سيبدلوا جلودهم وبين هنا وهناك لم يتغير اسلوب الناهب فالمنبطحين لا يحتاجون الى عناء ابتكار سبل جديدة منه  ..
أوحى إليه هذيانه بآياتٍ كتبها باللغة الانكليزية ترجمت مع الوقت إلى عدة لغات ومنها العربية فترافع عنه بعض الأفراد ليقولوا إنها رواية عادية لم يشتم الإسلام ونبيه و صحبه انما قصة سردها والمتعصبين أسقطوها على رسول الاسلام و قرآنه متجاهلين أن الكاتب بمسار حياته عرف عنه انه مسيء لدينه ونبيه، وسبق في تصريح له انه نعم في كتابه شتم اسلامهم -يقصد المتذمرين من روايته- ونبيهم وانا (على لسانه) اعتبره شيطان ….
هذا في مقلب وفي مقلب آخر دافعوا عن ضعف الرواية أدبياً و ثقافياً أنها مترجمة ولم يعطي المترجم روح الرواية حقها لنرد ببساطة من آراء كتّابهم الانكليز، ففيها قال الكاتب الانكليزي باترك سيل:” كان على رشدي أن يتقن الانكليزية قبل أن يدخل ضمار العمل الروائي ” إذن الرواية حتى بلغتها الأم ضعيفة أدبياً،
وهو أيضاً لم ينكر إلا بعد ان هوجم مهدداً بحياته قال إنه لم يظن أن روايته ستؤجج مشاعر المسلمين هكذا !! ..
فجاء السيد آية الله الخميني بفتوى تقضي بهدر دم رشدي المتقصد إهانة الاسلام ونبيه، وما نطق عن الهوى بل من موقعه الروحي قبل أية حسابات وتطبيقا لشريعة الاسلام ووفق سنة الأولين وحكمهم في المرتد .
أنا عن نفسي مثل  كثيرين ومن متابعي السيد الخميني السابقين واليوم ضد الفتوى والقتل مهما كان السبب
 إلا أنه لا يمكن ان نطعن بحق السيد الخميني في غيرته على الدين بل ورأفة بمشاعر مريديه الذين يؤذيهم الاساءة لنبيهم ودينهم .
ولو لم يكن حق فقد اجتهد فأخطأ إذن له أجر اجتهاده ..
فالإساءة لأي رمز خصوصاً الديني لأي طائفة سماوية أو أرضية او حتى فضائية غير مقبول ويعلم مرتكبوها أنهم على خطيئة ليست خطأ عابر والسلام و عليهم أن يتوقعوا ردود فعل كبيرة و ” البادئ أظلم*
جميعنا يعلم كيف تعرضت الشركة المنتجة للفيلم المسيء ليسوع للهجوم بقنابل المولوتوف وهذا أمر طبيعي
رغم أننا لم نكن نتمنى أن تصدر مثل هذه الفتوى مع فارق المقامات بين السيد الخميني ورشدي إلا أن علينا التمييز بين الفتوى الروحية والقرار السياسي الايراني سابقا واليوم ..
يقول توماس مكولي عراب سياسة الاوروبي في تعليم شعوب المستعمرات :”لا أظن أبدا أننا سنتغلب على هذا البلد ما لم نكسر عموده الفقري لغته وثقافته وتراثه الروحي ” -وهذا البلد يقصد الهند والأمر يسري وفق سياستهم على كل بلد هو هدف الناهب الامبريالي
لذااااا اذا كان هناك من يريد ان يتصيد ليشير إلى خطأ الفتوى دينياً فلينظر الى نفسه إن سب أحدهم أبويه،

ومن يعقِّب من منطلق موقفه السياسي من إيران فعليه أن يجد لنفسه جرماً إقليمياً يلتصق به قبل أن يتناثر هباءً في الفناء فحريتكم لدى الأوروبي تعني حريتكم في نقد ذواتكم ودينكم ولونكم وشتم أوطانكم ورموزكم لا تأملوا أن تعني حريتكم في عيش حياتكم واستثمار ثرواتكم وإقرار ما هو الأفضل والأبقى لاستقراركم..

لست أدافع عن فتوى ولست أشتم الديمقراطية بل فعلياً أقول قولي هذا المقتنعة به وبشدة واستغفر ربي لي ولكم …

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.