حرب الريع تستعر، والمانيا تخسر، عادل سماره

  • العالم متشابك الاعتماد المتبادل مما يخدم تحوله اشتراكيا
  • لكل أمة غازها إلا العرب!

ليس هذا مناقشة فيما إذا سيقود الصراع في أوكرانيا إلى حرب نووية ناهيك عن حرب عالمية ثالثة، أنا أسميها حرب موسعة لأن عالم راس المال هو عالم حرب. ما يهمنا هو جانب آخر من الحرب الريعية البَيْنية داخل الغرب نفسه ونسميها حرب الناتو الاقتصادي. (الريع هو حصول طرف معين على مدخول دون أن يقوم بعمل إنتاجي للحصول على ذلك المدخول).

قد يبدو القول بحرب داخل الغرب أمراً غريباً. لكن من يعرف تاريخ راس المال وخاصة في مرحلة الإمبريالية لا يستغرب هذا قط. فالرأسمالية في صراع فيما بينها حتى وهي متحالفة وهذا مهم ليفهم الإنسان العادي والبسيط بأن راس المال هو حالة من حروب متعددة لا أقل، وربما مع تفجير نورد ستريم ستكون ألمانيا كما في الحربين الإمبرياليتين السابقتين هي المهزوم اقتصاديا وهذه المرة اقتصاديا ولكن على يد مَنْ؟ على حليفتها الولايات المتحدة!

حتى الآن، فالطرفان المرشحان لتدمير خط نورد ستريم 2، هما روسيا والولايات المتحدة.

لا تحتاج روسيا لتفجير هذا الأنبوب لمعاقبة أوروبا وخاصة ألمانيا، فبوسعها وقف الضخ من جانبها والقول “عقوبات في مواجهة عقوبات” ولن يكون ذلك أكثر إثارة للضجة الإعلامية ضد روسيا من الحرب الدفاعية ضد أوكرانيا. هذا ناهيك بأن سلاح الريع هو أحد أهم أسلحة روسيا في صراعها مع الغرب فليس من مصلحتها قطعياً وقف مورد مالي كبير لاقتصادها مقابل لا شيء، بل مقابل إضعاف نفسها في صراعها المصيري مع الغرب علماً بأن اسعار الغاز ارتفعت من 400 إلى 2100 دولار لكل ألف متر مكعب من الغاز فكيف تقطع روسيا موردا هاما لها بيدها لا سيما وأنها لا تملك فائض استرخاء طالما هي في حرب!

تفجير الأنبوب هو اساساً ضد الاقتصاد الألماني الذي هو رافعة الاقتصاد الأوروبي، وهذا يزعج امريكا بينما لا يُقلق روسيا لأن روسيا ترغب في قيام اوروبا بأعلى درجة من الفكاك عن أمريكا إن لم نقل الوصول إلى صراع اقتصادي بين امريكا وأوروبا أو لنقل حتى تقارب أوروبي-روسي. لكن تفجير الأنبوب، قد يرغم روسيا على تجديد الضخ عبر أوكرانيا أو بولندا مما يوفر لأوكرانيا ريع تمرير كميات أكبر من الغاز والنفط ويوفر لبولندا فرصة تحكُّم بدرجة ما في عدوها ألمانيا وطبعاً روسيا. ولأن أوكرانيا في حرب، فإن الفرصة قد سنحت لبولندا.

لذا، لم يتردد رادوسلاف (راديك) سكروسكي وزير خارجية بولندا للشؤون الخارجية في التغريد على تويتر بالقول: “شكرا يا الولايات المتحدة”. فاليوم ستصبح ألمانيا هي المستوردة لغاز من أو عبر بولندا وليس العكس.

إلا أن المستفيد الحقيقي من هذا التفجير هي الولايات المتحدة لأنها:

·        تزيد ما تسببه لروسيا من إشكالات

·         تخلق سوقا اوسع للطاقة الأمريكية (الغاز المُسال) وبأسعار مضاعفة

·        ترغم أوروبا على التبادل التابع والموسع مع أمريكا

·        تعرقل اقتصاد ألمانيا بحيث لا يتطور باتجاه ضرورة العلاقات الاقتصادية الأقوى مع روسيا اي تفك اكثر وأكثر علاقة أوروبا مع روسيا.

لنعد قليلا إلى الوراء لأن ذلك يبين حقيقة موقف بل أهداف امريكا.

قبل الحرب في أوكرانيا بوقت طويل، عارضت الولايات المتحدة خط أنابيب نورد ستريم 2 واستخدمت قوتها الدبلوماسية الكاملة لمنعه من الدخول إلى الخدمة. كان السبب هو أن خط الأنابيب عزز روسيا اقتصاديًا ومنحها نفوذًا على ألمانيا. كما أنه جعل الغاز الأمريكي غير ذي صلة بصورة الطاقة في أوروبا. أي أن الولايات المتحدة كانت أو غدت تنتظر فرصة لضرب اقتصاد المانيا كي تستورد الغاز من أمريكا نفسها، وها قد سنحت.

في هذه المرحلة، الولايات المتحدة هي الرابح الأكبر من تفجير نورد ستريم. بضربة واحدة، ألحق ضرراً اقتصادياً بروسيا، وقلل من النفوذ الروسي على ألمانيا، وقلل من حافز ألمانيا للانخراط مع روسيا وأرغم ألمانيا على استيراد الغاز المُسال من الولايات المتحدة والاستجداء من اي بلد فيه طاقة وخاصة قطر. وبالتالي، فإن الاقتصاد الأمريكي سيستفيد، كما هو حال قطاع الطاقة القوي في تكساس، بينما تعزز حكومة الولايات المتحدة سيطرتها على ألمانيا.

الدافع الأمريكي واضح. كما هو موثق على موقع Moon of Alabama الذي يديره مسؤول عسكري ألماني سابق.

في مقابلة غير عادية على قناة ABC News (7 فبراير 2022) تحدث الرئيس بايدن صراحة عن تدمير نظام نورد ستريم. النص كما يلي:

بريس. بايدن: “إذا غزت روسيا … فلن يكون هناك نورد ستريم 2. سننهي ذلك.”

المراسل: “لكن كيف ستفعل ذلك، بالضبط، لأن … المشروع تحت سيطرة ألمانيا؟”

بريس. بايدن: “أعدك أننا سنكون قادرين على القيام بذلك.”

كان هناك وجوداً للبحرية الأمريكية في موقع الانفجار قبل الانفجار مباشرة. في 28 سبتمبر أبحر أسطول أمريكي غربًا عبر ممر فيهمارنبيلت بالقرب من موقع الانفجار. تضمن الأسطول السفينة الهجومية البرمائية USS Kearsarge وسفن الإنزال USS Arlington وUSS Gunston Hall. تم تجهيز Kearsarge بأحدث تقنيات البحث عن الألغام التي تعمل بدون طيار تحت الماء، وقد اختبرت تدمير الألغام تحت سطح البحر أثناء تواجدها في بحر البلطيق. قبل أيام من الانفجار، تم التعرف على Kearsarge على بعد ثلاثين كيلومترًا من موقع الانفجار.

بتجميع هذه المعطيات مع بعضها نصل إلى انتظامها بما يشير إلى أسباب وادلة إلى أن الولايات المتحدة هي المهاجم. الدافع قوي، والأدلة الظرفية قوية، ولا يوجد مشتبه به آخر تتوفر فيه هذه المعطيات والدوافع.

ولكن، لنا نحن العرب اهتماما أكثر من غيرنا بهذا الأمر وهو تناول هذه الحقيقة لرميها في وجه عرب أمريكا كأنظمة وقوى دين سياسي بأن أمريكا دولة عظمى إ.ر.ه.ا.ب.ي.ا من جهة، ومن جهة ثانية للترسيخ في الوعي الشعبي الجمعي لهذه الحقيقة الخطيرة.

لكنني سوف أدفع التحليل والصورة إلى موقع آخر تماما، وإن كان يحتاج ذلك إلى قراءة موسعة.

كان الاتحاد السوفييتي وبقية دول الكوميكون (منظمة التعاون الاقتصادي بين الدول الاشتراكية حتى 1991) سوقاً اقتصادية شبه مستقلة عن السوق الرأسمالية العالمية وبالتالي فإن دخول هذه الكتلة في السوق الدولية كان محدودا. ولكن تفكك الاتحاد السوفييتي وحصول الردة إلى الرأسمالية بأكثر طبعاتها توحشاً حوَّل الكوكب إلى قطاع عام رأسمالي معولم لصالح الطبقات الحاكمة في المركز والمحيط.

وعلى هذا نشأت أو اتسعت شبكات العلاقات الدولية سواء:

·         تحت شعار “تحرير التجارة الدولية” كأساس نظري ليس شرطاً أن تطبيقه حصل

·         ودخول الصين في منظمة التجارة العالمية كحدث مادي ضخم

هذا أوصل العالم إلى تسميته ب القرية العالمية، بمعنى الحراك العالمي والتواصل والسفر والتبادل، وليس بالمعنى الذي نقصده بالعولمة في الاقتصاد السياسي الماركسي اي سيطرة امريكا أو المركز على العالم نهبا واستغلالا وتقشيطا وتبادلاً لامتكافىء …الخ. ولا ننسى أن هذا الحراك الذي اشتمل على السلع والخدمات بشكل حر لم تتمتع به القوى العاملة مما يؤكد أن العولمة هي طبقية لصالح طبقة وبأن القطاع العام الرأسمالي المعولم هو لطبقة وإن كان هذا القطاع ممتد عالمياً بين المركز والمحيط.

إن وجود شبكات علاقة بين مختلف دول العالم سواء في البنى التحتية أو شبكات التوريد البحري والبري والجوي، واعتماد كل دولة في العالم على غيرها تبادليا أو تبعية سواء في المواد الخام او المواد الحساسة والمهمة مثل اشباه الموصلات والليثيوم واليورانيم وطبعا الغاز والنفط …الخ، وكلما كانت دولة متطورة إنتاجياً كان تشابكها مع غيرها صديقا أو عدوا تشابكاً قوياً، فكل هذا يؤكد أن العالم تتوفر لديه قاعدة وآليات واقع أن يكون عالماً سلميا كمدخل إلى الاشتراكية بشرط واحد، لكنه كبير وضخم، هو التخلص من الرأسمالية.  إن مصالح الرأسمالية مثابة سكين لتقطيع شرايين العالم على أن تمص وحدها ذلك الدم النازف على شكل تراكم راس المال.

بقي أن نقول، إذا كان تفجير خطوط الطاقة الروسية لإلحاق خسائر بروسيا، وأرباح لأمريكا فهذه حرب مصالح إلا أن المهم أن كل بلد متمسك ومتحكم بما لديه من غاز ونفط واية ثروة، فلماذا لا يتحكم العرب مثلا بخط “الغاز العربي” الذي جرى تجهيزه منذ عشرين سنة، ولم تأذن له امريكا بالعمل من مصر إلى الأردن فلبنان! ناهيك أن الدول النفطية العربية، باستثناء الجزائر كما يبدو، لا تجرؤ على اتخاذ موقف مضاد للمركز الإمبريالي، أو لنقل موقف صداقة حقيقية مع روسيا. وبالطبع، نعلم أنها ليست ذات سيادة حتى تعتلي لهذا الموقف.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف. ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.