الفدائيون الجدد: الأداء الاستثمار والتثمير المنبت الطبقي وألى اين؟ عادل سماره

ظاهرة “الفدائيون الجدد” ابتكار شعبي مزدوج ولن يكون الأخير. هو:

 امتداد لنضال مئة عام، يعلو وينحسر لكنه لم يتوقف ألا يكفي قرنا من الزمان ليَرد المطبعين عن غِيّهم فإما أن يرتدعوا فيعتذروا أو يختاروا الانزواء. لكن مقتضيات الثورة المضادة وقد أخذتهم أو ذهبوا إليها فهي تقضي بأن لا رجعة ابداً، إنه الاصطفاف الحتمي في قعر استدخال الهزيمة.

هذه الحالة حدث، والحدث يفرض نفسه ولا يسألنا. وعدم السؤال تحدٍ يقول: التقطوا الحدث وشاركوا فيه وشاركوه. حدث تلا موجات عاتية من التطبيع وصلت حد رفع استدخال الهزيمة حد التفاخر بها.

إنه الاستدخال الذي تولَّدت عنه ظاهرة تبخيس النضال بأجمعه! والتبخيس ليس صدفة أو قولاً عابراً قط، بل هو الخطوة الضرورية اللازمة لاستدخال الهزيمة لكي تبدو الساحة بل حتى التاريخ يباياً أو سراباً. ومن هنا كان الحدث/الظاهرة/الحالة تجسيراً للفجوة بالمعنيَيْن المادي المباشر والنفسي.

لم يكن الحدث مجرد تراكم بل هو رفع الفداء إلى مقام الأسطورة وخاصة من حيث الهجوم الذي لا يتردد.

وإذا كانت انتفاضة1987 انتفاضة ممتدة، وانتفاضة أل 2000 مشتدة حيث ظهر فيها السلاح، فإن الانتفاضة الجارية هي ممتدة من ناح حيث بدأت عام 2015 دشنها مهند الحلبي كفدائي منفرد وصولاً إلى عدي التميمي المنفرد كذلك ولم تتوقف وتلاه الجعبري بعد ايام، وانتقلت لتغدو مشتده بدءاً من كتائب جنين ونابلس وعرين الأسود. هي انتفاضة منحت شعبنا وأمتنا مستويين من الأداء الفدائي:

– الأداء الفردي السري بالمطلق

– والأداء المجموعاتي/أداء المفارز العلني بالمطلق.

كنت كتبت عن الأداء الفردي في كتابي: “المثقف المشتبك والعمليات الفردية روافع لتجاوز الأزمة 2017” ورأيت أن باسل الأعرج جمع الأمرين، جمع الثقافة الجذرية والسلاح.

نحن إذن أمام الرد بثبات على نفي النسيان وتأكيد قوة وابدية الذاكرة بل حضور الذاكرة لأننا نتعاطى مع حالة حية جارية.

هذه الحالة هي نقل الوجود الشعبي إلى الحضور الفاعل إذ لم تكتفِ هذه الظاهرة ب “أنا أفكر إذن أنا موجود/ديكارت” بل أكدت أن الوجود قد يكون كتيماً مصمَّتاً بينما الأهم أنني موجود ولي حضور فاعل، أي انتقال “الموجود في ذاته إلى الموجود لذاته/ماركس”.

 وعليه، فالحضور هو اشتباك بالدرجة الأشد مع مختلف أطراف استدخال الهزيمة/ التطبيع وتنوعات التطبيع. ومن هنا ذهبوا إلى تبخيس الحالة وتشويهها وتقديم تفسيرات تضج وتمورُ بالإحباط.

لذا، كان الفعل المباشر بهذا المستوى من المواجهة ورد الاعتبار مما يذكرنا ب بادر ماينهوف وبالألوية الحمراء وباليسار البروليتاري في فرنسا 1968.

امتداد وتراكم لا انقطاع:

هي ظاهرة انتقال المقاومة وتفاقمها متخذة اشكالا من الأداء طبقاً للظروف ولأن هذا المقام ليس تأريخا للنضال منذ قرن، أُقصر القول منذ 1967 بذكر، وليس تحليل، أشكال النضال داخل الأرض المحتلة حصراً كحلقات بٌنيت عليها تواصلاً إن لم يكن اتصالا هذه الحلقة/الحالة.

·       بدأت المفارز السرية المسلحة إثر هزيمة 1967 مباشرة، وكانت في قطاع غزة اشد تأثيراً لتوفر جيش التحرير الفلسطيني بمقاتليه وأسلحته ودور مصر الناصرية في تسليح القطاع، بينما في الضفة الغربية كان الاعتماد على تجميع بقايا اسلحة خلَّفها الجيش الأردني خلال انسحابه.

·       وجرى ردف الضفة الغربية بمجموعات /الدوريات المسلحة التي عبرت نهر الأردن وهي كانت افضل تسليحا وتدريبا من المتطوعين في الضفة الغربية.

·       أدى إخراج وخروج م.ت. ف من لبنان إلى تفكيك فعلي لِ م.ت.ف بإبعاد المقاتلين وبعثرتهم بين تونس وجنوب اليمن لتسود حالة من الإحباط تراكب معها ابتهاج العدو بأن كل شيء انتهى كما كتب ميرون بنفنستي ، نائب رئيس بلدية القدس المحتلة حينها بأن الصراع مع الفلسطينيين “وصل ربع الساعة الأخير” وإذا بالحدث الأبرز يفجئهم ويفجئنا أي انتفاضة 1987 والتي نقلت الصراع من نضال النخبة إلى نضال الجماهير.

·       إلى انتفاضة 2000 نصف المسلحة والتي لام عليها مستدخلو الهزيمة سلاحها فأسموها تبخيساً ب العسكرة.

·       إلى العمليات الاستشهادية التي نشر المتخارجون ضدها بيانا في صحيفة الأيام على نفقة الاتحاد الأوروبي! (انظر: مثقفون في خدمة الآخر: بيان أل 55 نموذجا/ملحق الكتاب” عادل سماره 2003)

·       إلى عمليات فردية اعتمدت السكين والدهس بالمركبات.

إلى الظاهرة الجارية حاليا، الفدائيون الجدد حيث حرب غوار المدن، أو عمليات في الريف الملاصق للمدينة لتسهيل العودة للمدينة أو المخيم من أجل الانغماس في الجماهير وتوفر الاحتضان الجماهيري وذلك لأن مجمل مساحة الضفة الغربية صغيرة بمفهوم حرب غوار الريف وإقامة قواعد محررة وثابتة فيها.. هل قرأ الفدائيون كارلوس مارجيللا؟ مؤسس حرب غوار المدن، اشك ولكن حبذا.

الفدائيون الجدد من حيث الأداء:

قامت هذه الظاهرة على نوعين من الأداء الوطني القتالي:

الأداء الأول: هو العمليات الفردية لفدائيين أفراداً دون ارتباط بهذا التنظيم أو ذاك أو بارتباط سابق، أو امتدادا لمناخ اسرة وطنية ما. لكن الفدائي هنا كان قمراً خرج عن مداره ربما لأن المدار لم يعد يتسع له أو فقد إشعاعه. وهنا يمكن القول بأن مهند الحلبي عام 2015 هو من دشَّن هذه الظاهرة  التي يمكننا تسميتها بانتفاضة الفدائيين الجدد لأن تسمية انتفاضة 1987 بالانتفاضة الأولى ليس دقيقا إذ هي  حلقة من حلقات لكنها أشمل واعلى من سابقاتها ربما باستثناء ثورة 1936 ، والمهم أنها لكنها ليست الأولى، وتتالت العمليات الفردية عبر المثقف المشتبك باسل الأعرج الذي جمع مثقف لينين الثوري ومقاتل ماو حيث الثورة تنبع من فوهة البندقية​​  فكان المثقف المشتبك الذي صغته بكل تواضع وشرف وليس آخرها عُدي التميمي الذي واصل إطلاق النار حتى بعد استشهاده.

هذا الأداء هو نموذج المقاتل الغِواري المديني، من المخيم، القرية والذي يوقع بالعدو خسائر أكبر مما يخسر: نموذج، إبن المكان/المخيم، الحواري، الأزقة، حذر، سرِّي، صامت، دقيق الملاحظة، ماهر في استطلاع مكان الاشتباك، هو مشتبك حقيقي والأهم انه متواصل مستمر من فرد لآخر لم يتوقف ولن يتوقف سلسلة أفراد نادرين تماماً.

عن هؤلاء وعن المضربين لأشهر عن الطعام كان كتابي عام 2017″المثقف المشتبك والعمليات الفردية روافع لتجاوز الأزمة”، ها هو التوقع يتحقق ولو نسبيا.

وقصدت من العنوان والكتاب قراءة أو الخروج برأي واستنتاج بأن العمليات الفردية هي مقدمة لاستعادة النضال الجماعي.

الأداء الثاني: هل رفع الأداء الأول أو النموذج الأول السقف ليصبح النضال  جماعياً؟ أم أن المناخ لم يعد مؤاتياً كما يجب؟ نظراً لطغيان التطبيع، وشيخوخة م.ت.ف بمعنى قياداتها، وغياب مركز كفاحي وطني جبهوي عام يلُمُّ هؤلاء المقاتلين المنفردين، وعدم تبلور قيادة فلسطينية يمكن تسميتها م.ت.ف كطرف مباشر في محور المقاومة؟

هذا الانسداد النسبي أمام النضال الجماعي فرز الظاهرة أو الأداء الثاني وهو مجموعات من المقاتلين هم:

·       يعملون بشكل مكشوف في حالة تحدي للاحتلال والسلطة الفلسطينية   حيث أثمر اقتلاع الخوف من جند الاحتلال ، أي “الجرأة أولاً ،الجرأة ثانياً والجرأة أبداً/روبسبير”.

·       مجموعات تعرف بعضها وتتواصل علانية بمعرفة الناس والاحتلال وأجهزة السلطة.

·       تتجول بالسلاح واللباس العسكري علانية  

·        هل هذه العلنية انخداع بخبث سياسة مناحيم بيجن 1977 في تسويغ علنية النضال مما يكشفه ويُسهِّل تقويضه! وبالطبع جرى استكمال هذه الخديعة باتفاقات اوسلو التي زعمت أنها اتفاقات سلام فجرى افتتاح مكاتب علنية لمختلف فصائل م.ت.ف مما خلق ارتباكاً وتناقضا بمعنى:

o      أن الاحتلال لم يخرج

o      وبأن العلنية ليست في مناطق محررة لتقام عليها قواعد غوارية.

o       فالعلنية هي فقط متطلب لحظة المعركة النهائية والشاملة فلسطينياً وعربيا.

·       يتم أداء هؤلاء بعمليات بأكثر من شخص فرد.

·       يعملون علانية كما لو أنهم في قواعد حرب غوار.

·       الظهور العلني في نابلس:  بافتراض المدينة أرضاً محررة!

·       بينما في جنين، كان الأمر أكثر دقة ربما كأنها أداء ثالث؟ وربما ذلك بتأثير حركة الجهاد الإسلامي.

·       لكن حتى في جنين هناك درجة من العلانية ولذا يُغير العدو بين حين وآخر لاغتيال هذا او ذاك وسوف يواصل هذا التكتيك.

أثرت هذه الظاهرة على الجمهور حيث ارتفع دعمه واحتضانه لها. وقد يكون سبب ذلك الانبهار بجرأتهم أكثر مما هو الانبهار بدرجة إيقاع الأذى في العدو. أي أن شكل أدائهم هو الاستعداد للشهادة قد رفع معنويات الشارع.

ربما ليس سهلا الفصل بين النموذجين، فهما باتجاه رفع السقف لا شك، ولكن طريقة العمل في الأداء الأول تعطي بل وتحفظ فرصة الاستمرار والديمومة، وقلة الخسائر وإلحاق خسائر أعلى بالاحتلال.

يمكننا الإشارة هنا إلى أن الأدائين أخذا من أداء الشهيد وديع حداد في خطف الطائرات اي:

·       أخذ الأداء الأول السرية والتخطيط الدقيق وقوة الأعصاب

·       وأخذ الأداء الثاني جلب انتباه العالم مجددا للقضية رغم محاولات طمسها حيث وصل الاهتمام بها أربعة أرجاء الأرض.

موقف السلطة، وأطراف أخرى:

تعاني السلطة حالة فريدة من الارتباك حيث يضغط عليها الكيان لتنسيق أكثر وفاعل وأشد إيذاءً، بعض أجهزتها يدعم الأداء الثاني ويشارك، ولكنها كسلطة تدفع باتجاه وقف الظاهرة باحتواء واستيعاب/توظيف الشباب في أجهزة السلطة والوعد بحمايتهم من انتقام العدو أو اعتقالهم وخاصة حالة مصعب إشتية أو حتى لجوء السلطة إلى إشكالية تُشاغل الجمهور عن الفدائيين مثل مشكلة نقابة الأطباء سواء بقصد أم بالصدفة! كما يرى البعض أنها تقوم بتصفيتهم.

في الحالة الأولى/الفردية فإن فعالية التنسيق الأمني ضعيفة في تتبُّع حالات منفردة متفرقة وسرية تماماً.

في الحالة الثانية قاد الاحتواء الشعبي لعرين الأسود إلى اضطرار السلطة لاتخاذ موقف وسطي، في العلن على الأقل، كما أشرنا، محاولة ضمهم لصفوف الأجهزة وضمان السلامة…الخ والتواصل معهم أو مع أهاليهم. ولا شك أن هذا كان بتنسيق مع الكيان. لكن تم رفض كافة العروض.

وهنا يجدر السؤال بل التساؤل: هل وصلت السلطة إلى اعتماد تقسيم عمل؟ بمعنى، ليناضل كلٌ كما يرى ولتستمر السلطة في المسار التفاوضي!  لا ندري.

ولكن مخرجات مؤتمر الجزائر للمصالحة الفلسطينية كانت حتى أقل من هذا المطلب حيث جرى اعتماد “المبادرة العربية” اي التطبيع بلا رتوش! وهذا بحد ذاته يُناقض العمل الفدائي الجديد.

ويأتي مؤتمر القمة العربي في الجزائر ايضاً ليقدم بقصد حقنة إحباط ضد هذه الظاهرة بغض النظر عن وصول هذه الحقنة حد التأثير.

كما ساهمت أطراف أخرى في طعن هذه الظاهرة مثل:

·       تركيز بعض المثقفين المتخارجين على أن الحل هو في اتباع نموذج جنوب إفريقيا اي أن المسألة في العنصرية والإيديولوجيا الصهيونية والتي في حال تخلى عنها الصهاينة ينتهي الصراع! وهذا طرح تبناه التروتسكيون في الكيان منذ 1994 وتورط فيه كثير من المثقفين والكوادر اليسارية الفلسطينية. ولسنا هنا بصدد التفصيل في الاختلاف الهائل بين الحالتين بل الاكتفاء بأن الصراع هنا على أن الأرض لطرف واحد هو نحن ولذا فالمشروع هو التحرير. يذكرني موقف هؤلاء المثقفين بجلوس مثقفين روساً في بداية الثورة البلشفية، من بينهم مكسيم غوركي، حيث كانوا يحتسون الفودكا في المقاهي ويتندرون على العمال والفلاحين الذين يفيضون يقاتلون جيوش القيصر! (عن المقارنة مع جنوب إفريقيا أنظر:

The Israeli Apartheid in the Context of Oslo Accords: Why it is Oslostan not Bantustan? In Adel Samara: Debatable Issues: Polemic Ideas, 2000, p.p. 68-83

·       وزعم البعض بأن هذه الظاهرة، وخاصة الأداء الثاني أي الكتائب وعرين الأسود هي نتيجة أزمة اقتصادية خانقة دفعت الشباب إلى هذا الشكل من النضال وكأنها حالة ياس وعوَز. ولكن هذه مزاعم متهافتة. فالوضع الاقتصادي في الضفة الغربية ليس بهذا القدر من التردي، بل يقوم الكيان باستيعاب قوة العمل المحلية وبأجور تصل 3-4 أربعة اضعافها في الضفة الغربية مما قاد إلى عدم توفر قوة عمل كافية للاقتصاد المحلي. وهؤلاء الشباب هم في عمر العمل وبوسعهم العمل في الكيان بأجور مغرية حتى لو غير ممهنين. والسؤال: هل يقوم الكيان بها نظراً لحاجته لقوة العمل المحلية أم لإشغال الشباب عن النضال أم لتقويض مواقع الإنتاج في الأرض المحتلة وصولا إلى الصلع الإنتاجي أم لهذه الأسباب مجتمعة؟ هذا ناهيك عما يُقال أو يُشاع بأن تمويل مجموعات الكتائب وعرين الأسود غزيراً.

·       وضعها آخرون في خانة تفكيك الكيان: ولهذا معنيين:

o      ألأول: تجريد الكيان من الأرض المغتصبة وتجريده من قوته العسكرية بما في ذلك النووي وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه وبيوته وذلك بالوصول إلى ضم فلسطين لدولة الوحدة العربية. وهذا لا يتم إلا بعد التحرير.

o      والثاني: مقصود به تخلي الكيان طوعاً عن الإيديولوجيا الصهيونية وبالتالي يبقى كل ما حصل على حاله اي بيده النووي والجيش والأرض والبيوت…الخ. والمقصود بهذا الشكل من الحل هو الاستسلام التام وتصفية القضية الفلسطينية وفكها مطلقا عن العمق العروبي.

ضمن هذا الطرح تقع أطروحة إيلان بابيه بأن الحالة الفلسطينية هي حالة تطهير عرقي وبالتالي يمكن تجاوزها بوقف التطهير أو ترميمه وهذا طرح اسسه متهالكة لأكثر من سبب منها:

أولاً: في حالات التطهير العرقي هناك حق للطرفين المسيطر والمهزوم في الوطن، وهذا ليس حال فلسطين.

والثاني: يأخذ التطهير العرقي حالة جغرافية محددة لا شاملة، وهذا ليس حال فلسطين لأن العدو خلق حالة طرد للشعب الفلسطيني بل يرمي إلى ابعد حتى من الفرات إلى النيل وحتى أعالي النيل.

والثالث: يحصل التطهير العرقي في فترة زمنية ويتوقف لسبب ما، أما الحالة الفلسطينية فالاقتلاع متواصل حيث يتم صهر الحيِّز الفلسطيني وإعادة تشكيله مجدداً على نطاق أصغر باتجاه صهره كليا ليصبح الحيزبلا أهله.

والرابع: هي حالة الطرد والاقتلاع التامَيْن.

·       كرَّر البعض ما ذهب إليه سابقاً غيرهم، امثال عزمي بشاره وتوابعه “الهيئة الوطنية للحفاظ على الثوابت/2009-2010 ” بحجة تجديد م.ت.ف، أو الدعوة الحالية باسم 14 مليون فلسطيني لإعادة بناء م.ت.ف والتي لم يعدمنها ما يُعاد بناؤه لأنها بشخوص وأطروحات من نفس ما مضى، او ما يسمى “المسار الثوري الفلسطيني الجديد” المتربي في حواضن الإمبريالية والذي يقف ضد سوريا كما تقف تركيا ويرفض محور المقاومة.

رد العدو:

إنه الابتكار الشعبي أو البشري الذي يؤكد تفوق الإنسان على الآلة بعلميتها وخطورتها. فرغم إمكانات الكيان التكنولوجية التي هي عصارة إمكانات المركز الإمبريالي الغربي ورغم “ابتكارات ” أجهزة المخابرات والجواسيس، إلا ان الكيان لم يلتقط هذه الحالة مسبقاً ولم يتمكن من اجتثاثها، وخاصة الأداء الفردي، هذا إذا لم نُدرج هنا إبداع تحرر الأسرى الخمسة باختراق قلعة سجن جلبوع.

في النموذجين فوجىء الاحتلال بهذا النموذج الجريء وغير المتوقع.

في النموذج الأول: جرى شل العملاء، لم يتم شل الظاهرة منذ 2015 وها هي 2022، تتخذ من حيث التنوع شكل جبهة وطنية/سلسلة ممتدة على اساس فردي بالفعل وليس بالتواصل. تغطي جغرافياً شاملة لكن متنقلة إلى جانب غياب التبني الفصائلي. لا يُحسب هذا الأداء تجديداً للفصائل بما هو فردي مما يزيد النقد عليها وصولاً إلى تبخيسها بقرار خبيث.

في النموذج الثاني جرى استخدام العملاء

وجرى أو توفرت فرصة استخدام كافة الأسلحة لأن المكان يُعلن عن نفسه. هي حالة حرب جبهية كحرب الجيوش وليست حرب الموقع كما طرح غرامشي.

هل يتم الاجتثاث؟  ربما لا، لكن يتفوق العدو بإغلاقات مطولة وبشن غارات مكثفة وبقوات هائلة على المدن، جنين، نابلس الخليل، غارات بين يوم وآخر لإرهاق المجتمع والمجموعات الفدائية واغتيال ما أمكنه وخاصة لأن العلنية الزائدة عن الحد تساعده.

وهذا يدفع للسؤال: هل يمكن تغيير الأسلوب والتوقف عن العلنية. فكونها علنية هي جبهة وطنية تشمل الفصائل والناس. وهي جغرافياً أقل تنقلاً بل تتواجد بذاتها هنا وهناك.

ربما يعلم العدو أن هناك تبنٍّ فصائلي لهذا الأداء وخاصة عودة بعض هذه الفصائل إلى تبني عمليات معينة بالشكل الكلاسيكي.، أما تبني بعض الفصائل لعمليات فردية لا يوجد من يؤكد دورها فيها أو ينفيه، إنما المهم أن التبني يساهم في العودة إلى الشكل السابق الذي عجز عن التحول إلى جبهة وطنية وهذا يجعل اختراق العدو لهذه المجموعات أسهل! وإن كان يُحسب هذا الشكل من الأداء كتجديد نسبي للفصائل مما يخفف التبخيس.

المنبت الطبقي للظاهرة:

مغامرة متحمسة قدر انفعال هؤلاء الشباب أن يقوم امرئ بتحليل المنبت الطبقي لهؤلاء الأبطال وهم في:

حالة ممتدة فيما يخص القتال الفردي ولحظة البدء فيما يخص الكتائب. هذا ما سألني أن أفعل الرفيق الجميل سعيد محمد. لذا، ما سأكتبه ليس سوى تقديرات لا يمكن أدراجها في نطاق علمي أو أكاديمي بل في نطاق الشوق الثوري.

في الرد على الاستعمار تتضافر معظم الطبقات الاجتماعية للرد والصد والتحرير، وحين يكون الاستعمار استيطاني اقتلاعي يكون التضافر أعلى والمشاركة اشمل.

من هنا يصبح التحديد الطبقي المبكر للظاهرة أمر صعب. وقد يساعد في ذلك وجود حزب ثوري موثوق ومبادر في التعبئة والقتال.

لماذا القتال؟

لأن القتال هو الذي تؤشر إليه وعليه الجماهير فتكون هي المعلم البسيط والمتواضع ولكنه القاسي أيضاً حين يَحكُم في أمر ما، مثلاً إذا ما اخفق البعض في التقاط أين تؤشر عيون الناس وعقولها وعواطفها.

هذا يعني أن الأساس أو البدء أن تبدأ وطنياً لا إيديولوجياً.

 تدفقت الناس على الكفاح المسلح فوراً رغم هزيمة 1967 لأنها تعلم أن هذا الكفاح هو الطريق.

في الأداء الحالي الأول للمقاتلين، اي العمليات الفردية لم نلحظ لها لا شعارات ولا رسومات ولا “لوجو”…الخ بل بطولة فردية تشق طريقها وطنياً بحتاً وتتواصل ولن تنتهي، ولكن منبتها الطبقي لا هو برجوازي صغير/طبقة وسطى ولا من الطبقة الرأسمالية سواء الكمبرادور او التجارية البحتة ولا المتعاقدة من الباطن ولا من شريحة متلقي العائدات غير المنظورة، وبالطبع ليسوا من الأنجزة. كما أن هؤلاء ليسوا من تمفصلات شريحة السلطة القيادية البيروقراطية الحاكمة وليسوا من الفصائل إلا ما ندر، مثلا الفدائيان من عائلة الجمل في القدس من الجبهة الشعبية وغالباً يكونوا، هم وغيرهم، قد تخرجوا من مدارس هذا الفصيل أو ذاك.

ولا تختلف الكتائب كثيراً عن الحالات الفردية، فهم من الطبقات الشعبية

هناك أكثر من سؤال عن عرين الأسود أهمها منبعه أو ارتباطه التنظيمي ومصدر تمويله؟

في المستوى الطبقي يمكن للمرء وضع التقديرات التالية.

من حيث المعدل العمري فالظاهرة مكونة من شباب أغلبهم ما دون ال 25 سنة، وهذا يعني أن تجربتهم الفكرية النظرية مبتدئة/ أولية بمعنى أن منطلقهم اساساً منطلق وطني.

يستدل البعض على أن توجههم ديني من وضع صورة الأقصى. ربما. لكن مكانة الأقصى هي بنفس القدر لدى كل الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين ولدى اليساريين وحتى الماركسيين فهو يرمز للوطن اساساً لذا بعضهم يستخدم الكوفية الحمراء مما يشير إلى منبته التنظيمي اليساري، مثلا الشهيد تامر الكيلاني.

ومما يدعم تخميني هذا وضع السلاح ايضاً مع الصورة وهذا يعني أن المسألة وطنية جهادية حتى للمتدينين وليست دينية بمعنى الدين السياسي.

أما هل هناك علاقة ما تأثير ما عليهم من قوى الدين السياسي/الجناح الجهادي، فأعتقد نعم. ولكن، وهنا خطورة تبخيس بقية الفصائل لأن هؤلاء هم امتدادات لهذا الفصيل أو ذاك حتى لو ليس عضو في فصيله، هم توليد الظاهرة والمناخ.

من المهم التنبه إلى ان الفصائل التي تتمتع بإمكانات مالية هي إضافة لحركة فتح كسلطة، ذات التوجه الديني السياسي والجهادي وهذا ليس صدفة لأن الدعم الإيراني يشترط ذلك. أستذكر هنا لقاء مع الراحل أحمد جبريل الأمين العام الأول للجبهة الشعبية القيادة العامة حيث قال على قناة الميادين بجرأة وصدق بأن إيران عرضت عليه تسمية الجبهة ب الإسلامية كي يحصل على ما يريد من دعم!

وقصة الدعم الإيراني هو ما رشح من التحقيق مع المعتقل مصعب إشتية وتداولته الناس حيث أكد وجود دعم مالي كبير لعرين الأسود. وحين يتجند شخص في فصيل معين لا بد ان يتأثر برؤية ومحددات وإيديولوجيا ذات الفصيل والتي أحياناً تتجاوز الوطنية نحو إيديولوجيا وفي الحالة المعطاة دينية.

هؤلاء الشباب هم من الطبقات الشعبية بلا شك، فهم في المدينة متركزين كما اتضح من الاشتباكات واغتيال الشهداء الخمسة هم في حارة الياسمينة في نابلس وحارة الرطروط وهي حارات شعبية وفي جنين غالباً من مخيم اللاجئين ومخيم شعفاط والعروب…الخ. قد يكون اختيار البلدة القديمة في نابلس لأنها أكثر حماية لهم عمرانيا كبلدة قديمة بمعنى أن المكان ليس شرطاً ان تكون له دلالة طبقية بالحتم والقطع بل دلالة الموقع المؤاتي.

وبما هم من الطبقات الشعبية، في المخيم والقرية والمدينة فإن هذا يمنحهم حماية جماهيرية، وهذا لا توفره ولا تعني به معظم الطبقات الأخرى، اي البرجوازية والوسطى.

من جهة ثانية، وصفت تحليلات المقاومة في العقود السابقة بأن حاضنتها ومولدتها هي المخيمات حصرا، ربما. لكن الحالة الجارية تبين أن هؤلاء الفدائيين يتم احتضانهم من كافة قطاعات المجتمع/بل طبقاته في القرية والمخيم والمدينة، وهذه أوضح بين الطبقات الشعبية. وقد نستدل على هذا أكثر بقراءة الحشود التي تتظاهر سواء لتأييد الفدائيين أو تشييعهم وليس في جلسات العزاء. فقد تجد البرجوازي في مجلس العزاء، وليس في التشييع أو المظاهرة.

ولكن هنا يأتي دور التحديد العمري، فهم في مثل هذا العمر أقل ارتباطا أو تجذراً طبقيا، بمعنى أنهم ليسوا سوى طلبة أو عمالاً وهذا يعني أنهم ليسوا من البرجوازية وليسوا من البرجوازية الكمبرادورية تحديدا ولا الطبقة التجارية ولا شريحة/طبقة التعاقد من الباطن…الخ.  

فيما يخص الحالات الفردية، مهند الحلبي من اسرة عادية والده مواسرجي، إنه حالة فردية أو بداية هذه الحالة تقريباً. وقد قام المواطنون فوراً بإعادة بناء بيت والديه. وعدي التميمي من مخيم شعفاط. كما أن ثائر وشحة من بلدة بير زيت، ويوسف سحويل من قرية عبوين وكليهما من اسر عادية جدا بالمعنى الطبقي، والجعبري من مدينة الخليل.

ربما يمكننا المجازفة بالقول بأن مجموعات عرين الأسود والكتائب هم من المدينة والفدائيين الأفراد هم من المخيمات والقرى.

وإذا كان العرين تجميع من التنظيمات فهذا يعني أن بعضها يعيد تجديد نفسه وأن هؤلاء طبقيا هم من الطبقة العاملة والشباب الفلاحي ولكن قياداتهم ليس بالضرورة أن تكون من الطبقات الشعبية بل من الوسطى.

وهذا يعني السؤال: إذا كانت هناك قيادة سرية لعرين الأسود أو الكتائب فما هو منبتها الطبقي ثم الفكري وإلى اين تريد أخذهم:

·       إلى حل الدولتين؟

·       إلى حل ديني ثلاثي؟

·       إلى حل الدولة الواحدة؟

هنا يعود العامل الوطني ليفرض نفسه بمعنى أن المقاتل الذي يدفع موقفه إلى ما بعد الاستشهاد يصعب حصره أو تقييده/ تكتيفه وحشره في حل الدولتين ولا حل الدولة الواحدة ولا الدولة ثلاثية الأديان… الخ، فهو بالفطرة مع التحرير. ومن هنا ضرورة التفكير في التفارق الطبقي بين الشباب وبين قياداتهم المفترضة وبالطبع غير الميدانية.

أشرنا إلى زعم البعض أن التأثير الديني غالب عليهم، ربما، من جانبي ليست لدي معطيات، ولكن هناك أمور يجب التنبه لها:

التـأثير الديني لدى البعض يعاني ممن يطرحون حلاً دينيا للأديان الثلاثة في فلسطين؟ وهذا ينسف حق شعبنا في وطنه ولا أعتقد أن شاباً استشهادياً وليس حتى برجوازي يمكن ان يفكر خارج نطاق التحرير.

هناك، كما أشرنا أعلاه، حديث موسع في الأرض المحتلة بأن فريق عرين الأسود وكتيبة جنين اي المجموعات خاصة تدعمها إيران بغزارة. لا ندري طبعاً إن كانت هذه تسريبات مخابراتية أم لا. لكن كونهم من طبقات شعبية وليسوا اصحاب أعمال فإن حيازة سلاح وبغزارة (أحدهم له صورة وهو يَشكُل اربع بنادق)! وهذا يبين أن هناك إمكانات مالية وبالتأكيد ليست من هؤلاء الشباب أنفسهم حيث تُباع البندقية الواحدة بعشرات آلاف الدولارات.

قد يقول البعض ربما يمولهم أو يمول بعضهم برجوازي محلي وطني التوجه. وحتى لو حصل هذا، فإن منبته الطبقي ليس منبتهم ولكن توجهه الوطني متماثلا مع توجههم. ولكن ما نعرفه أن البرجوازية المحلية هي باتجاه التسوية والمفاوضات وفي غالب الأحيان لصالح مقاومة تسمى سلمية اي تحديداً بلا سلاح.

الدروس/الاستثمار والتثمير:

صحيح ان الأداء في هذه الظاهرة مزدوج فردي أو من عدد محدود ولكن التثمير وطني شعبي اجتماعي.  حتى الآن ما يحصل هو تثمير شعبي من حيث الابتهاج والاحتضان ولكن يشوبه الاستثمار الفصائلي إلى حد مزعج وهذا يُحرج الفصائل في حقيقة الأمر ويضعها أمام نقد مجتمعي.

 o      فالقيادات تروج للظاهرة وخاصة على الإعلام الفضائي في محاولة كسب شعبية ما ولذا لا توجه اي نقد أو نُصح بالتوقف عن العلنية المتهورة أو بتوجيه الشباب للاستفادة من خبرات المقاومة على مدار عقود.

o      ولا تقوم بالرد على التطبيع الرسمي أو مقارنتة بالفداء الشعبي ولا تقوم بتحريض الشارع العربي لاستعادته من أيدي قوى الدين السياسي ومخابرات الأنظمة لأن هذه القيادات في وضعية مغازلة النظام العربي الرسمي التابع.

o      قامت القيادات بالمشاركة والتهليل للقاء الجزائر الفصائلي رغم أنه في نطاق المبادرة العربية التطبيعية بشكل جماعي مما يتناقض مع هذه الحالة.

o      بعض القيادات تضخم الظاهرة إلى حد وصفها بأنها ثورة شاملة مع أن هذا يجب ان يرتبط زمنيا بوحدة الساحات في حرب التحرير.

o      ما يمكننا المغامرة بالقول هنا حتى الآن هو أن نَصِف الظاهرة بأنها موقعية وموضعية ومتنقلة.

ما تقوم به قيادات الفصائل حتى الآن هو استثمارا وليس تثميراً، وخاصة الفصائل التي تتلقى تمويلا. وهذا يحرم الفصائل التي لا تتلقى تمويلا من دور ملموس بل يتسرب بعض مقاتليها إلى الفصائل ذات الإمكانيات. ولذا، يرى البعض أن الأداء أو النموذج الثاني هو ديني قبل ان يكون وطنياً وهذا يخدم إيديولوجيا ترى الصراع والحل دينيين!

ورغم كل هذا، فإن التثمير الأهم هو في إبقاء القضية حية وفي المقدمة وفرض نفسها على صعيد عالمي وهو أمر شديد الأهمية في الاشتباك ومواجهة العدو بما له من سيطرة هائلة على الإعلام العالمي.

وهناك اشتباك آخر على صعيد الاستنزاف المتبادل حيث يُمعن العدو بل يوغل في دمنا وبالمقابل يعاني من استنزاف تحريك قطاعات كثيرة من قواته على كامل الضفة الغربية وإرباك ولجم مستوطنيه ودفع بعضهم للخروج فهم الذين جُلبوا بتأثير أكذوبة أن فلسطين المحتلة أكثر الأماكن أمنا لليهود. بل إن عبارة أكثر الأماكن امنا لليهود تتضمن الإقرار بأن اليهود ليسوا مرحبا بهم عالمياً! هذا إضافة إلى خسائر بشرية في صفوف العدو وإن كانت اقل بكثير من تضحيات شعبنا.

من جهته يقوم الإعلام بالاستثمار في هذه الظاهرة بتضخيمها ليكسب بدوره سمعة على حسابها وهو استثمار لئيم وبلا مسؤولية أو في خدمة سادة معينين وخاصة مموليه.

في التهافت الاستثماري يضيع بقصد التثمير العروبي للظاهرة مع أن الشعب العربي مشدود إليها بقوة ملموسة وهذا ما يوجب على المجموعات الثورية العروبية البناء عليه بالتقاطه وتوسيع الدراية به وصولاً إلى مشاركات شعبية عربية ضد التطبيع وبمقاطعة منتجات ومؤسسات الأعداء الاستخبارية في أغلبها.أو لنقل تفكيك مفاصل مؤسسات الأعداء وأجهزة انظمة التطبيع.

التثمير بما هو إيجابي، يعني وجوب التفريق بين أخطاء قيادات في المقاومة ونقد هذه الأخطاء والتنازلات والتفريط وبين تبخيس المقاومة لأن تبخيس المقاومة هو تمهيد لتبخيس كافة اشكال النضال وتحديداً ظاهرة الفدائيين الجدد هذه لا سيما وأنها اختصرت الزمن فوصلت سريعاً أربعة أرجاء الكوكب حيث أرغمت إعلام العدو والعدو التطبيعي على الإقرار بحضورها حتى قبل إعلام المقاومة.

الظاهرة إلى أين:

تحاول قوى ومنظري الثورة المضادة حصر هذه الظاهرة بلحظة محددة وسبب محدد تنتهي بانتهاء ايهما. أو الزعم بأنها حالة فريدة منبتّة تماماً عن مسار النضال الفلسطيني والعربي عموماً و: انها حالة أو ظاهرة لا تفسيراً لها في سياق الصراع العربي الصهيوني/الإمبريالي! معتمدين على مأ اوردناه أعلاه من قراءاتهم للظاهرة وضمن ذلك كون الظاهرة حتى الآن متنقلة، موقعية وموضعية مُغفلين أن النضال الغِواري هو هكذا طوال زمن ما قبل الهجوم الشامل والنهائي. ليست هناك من ثورة أو مقاومة تبدأ وتستمر على وتيرة شديدة لا يعتورها ارتفاع وانخفاض. هذه الظاهرة/المشهد ليست حالة سوريالية/بلا ارتباط بتاريخ قديم أو جديد، بل هي امتداد لنضال ممتد أحيانا ومشتد أحيانا.

يمكننا القطع والجزم بأن الأداء الأول العمليات الفردية لن يتوقف بما هو التعبير المباشر واللصيق عن القوة الكامنة لأي مجتمع يواجه الاستعمار وخاصة الاستيطاني الاقتلاعي. وهنا يجب التذكير بخطىء وخطيئة مثقفين فلسطينيين تورطوا في التهام أطروحة بعض الصهاينة بأن الحركة الوطنية الفلسطينية تولدت بسبب الغزو الاستيطاني الصهيوني! ذلك لأن المقاومة قوة كامنة في مطلق مجتمع، تظهر وتشتد كلما ظهر واشتد التحدي أي ان المقاومة هي توليد محلي وليس العدوان سوى تحدٍ لا بد من مواجهته، وحين لا يكون العدوان تأخذ القوة الكامنة مسارات ومسارب أخرى لحياة أفضل للأمم.

يمكن للعدو اجتثاث الأداء العلني في وقت ما وإلى وقت ما، ولكن يمكن لهذا الأداء المجموعاتي/المفارز أن ينبعث مجدداً ويمكن أن يستفيد من تجربة العلنية المكلفة ليتخذ الشكل السري، سواء عبر فصائل أو عبر تشكيل فصيل جديد، ويبقى المهم أن هذا الأداء ليس ضد الفصائل كما يروِّج خبثاء الثورة المضادة.

ولأن، إمكانية إحياء م.ت.ف ليس قيد الإمكان بعد كل ما تورطت فيه، فإن مسيرة النضال قد تتخذ وربما ستتخذ منحيين متكاملين:

·       العمل السري في داخل الأرض المحتلة سواء بالأداء الفردي أو المجموعاتي/الزمر

·       وبلورة قيادة لها في محور المقاومة مباشرة وليكن اسمها م.ت.ف أو غير ذلك، لا غرو في ذلك.

بقي أن نشير إلى أن هذه الظاهرة تمكنت من فرض الكثير ومنه أن المستوطنين لم يعودوا يسيطرون على الشوارع سوى بحماية جند الاحتلال بكثافة، كما فرضت نفسها رغم المناخات المجافية كاستدخال الهزيمة رسميا في الوطن العربي، ومحاولات خلق بدائل ل م.ت.ف على أسس لا ترتقي عن م.ت. ف الأم، بل أسوأ لأن المحاولات الجديدة تنخرها الانتهازية وتبحث عن ثقوب للتفاوض من خلالها.  فالتناقض التناحري يؤكد بأن ال.ك.ف.ا.ح .ا.ل.م.س.ل.ح هو الطريق، طويل؟ نعم. وطوبى لمن لا يتغير ولا يتعب. وهذا الطريق وحده الذي يفتح السبيل لاستعادة الشارع العربي وخاصة في لحظة من الزمن تمكنت الثورة لمضادة فيها من:

·       إخراج الأنظمة الرسمية العربية من الصراع

·       إخراج كثير من الأحزاب العربية من الصراع.

وأصبح الصراع على صمود جبهة الشعب التي لن تُخترَق. لذا شاهدنا ابتهاج الطبقات الشعبية العربية لهذه الظاهرة رغم تهافت الأنظمة.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….