14 مليوناً … وإسقاط من أعلى!! عادل سماره

  • على ما لم يبدأ إسقاطاً…لكنه صار
  • تأخرتم …. مديداً

بعد أكثر من نصف قرن على المطالبة بإصلاح م ت ف أو الخروج منها، أو الخروج عليها أو الدعوة إلى بديل لها، وهذا التعدد بالطبع من متعدد، يُشعر المرء أن مجرد الحديث في أمر إصلاحها ليس أكثر من تناسل الكلام من الكلام مما يُضعف الكلام نفسه، أتأسى على لغتنا الجميلة.

لا اعتراض على الاحتجاج وتعميق ثقافة الاحتجاج بغض النظر عن ماهية اية سلطة. وهذا يعني بالضرورة أن الاعتقال والمنع والقمع مرفوضة حتى لو كان من يجري قمعه مخالف لموقفك وقناعتك. والقمع عادة يتناسب طرديا مع الاستبداد. ولكن الاحتجاج له وقته وتوقيته، وحين يكون على ماضٍ مضى وانقضى يجدر بالناس أن تشتغل في كتابة التاريخ.

أما المفارقة، فهي أن القمع الذي مورس ضد جماعة المؤتمر الشعبي للتغيير قد مورس ضد من لا يختلف عن سياسات وأفق تفكير وتوجهات القامع نفسه. فمن حيث الموقف السياسي والمطالب لا يختلف الطرفان أي كليهما تحت مظلة أوسلو مما يعني ان طرفا يريد الحلول محل آخر طالما ينطلق من اتفاقات أوسلو نفسها وهذا إسقاط من الأعلى وهو مطلب “ديمقراطي” مثالي أن تقل له: “قم لأجلس مكانك”.. وهذا يعني وحدة وطنية ضمن أوسلو. أما الدعوة لإنهاء الانقسام، والتي تم الرطن بها من يوم الانقسام الأول، فهي دعوة تنسى بأن الانقسام كان نتيجة الاستدوال الأوسلوي مما يعني أن رتق الانقسام لا يعني تجاوز أوسلو بل العودة للتنافس نفسه. ولن يتم رتقه ولا أقصد فقط بحكم الجغرافيا ولكن بحكم المصالح الطبقية ووجود شارع من الطبقات الشعبية ومثقفين منشبكين لكل طرف ومعلِّم تطبيعي لكل طرف وكل معلم تطبيعي مرتبط أمريكيا وفي النهاية يجلس الصهيوني على “كاشير” حانوته.

سألني أكثر من رفيق محترم ومخلص، لماذا لم تكتب عن مؤتمر أل 14 مليون فلسطيني؟ وفعلاً كنت أود ألا اكتب، فبين المحتجين من أحب ان لا يكونوا ليس لأني “كدت” اترشح لأوسلو كما زعم عميل كندا/غلام فتى الموساد في جريدة إبراهيم الأمين جداً.

إذا كان السؤال يا رفيقي فيما يخص م.ت.ف، فأنا متمتع بموتها، “فإلى حيث ألقت رحلها أم قشعم” لم التق معها ابداً سوى في لحظتين:

الأولى: مع انطلاق الكفاح. ا.ل.م.س.ل.ح إثر هزيمة 1967 لأنها كانت تتبع اين تنظر الناس وأين تتعلق ابصار الشعب العربي جميعه. وكنت اساساً قبلها في حركة القوميين العرب وفي أبطال العودة، حيث تحولنا إلى الجبهة الشعبية بعد الحرب مباشرة. أما لاحقاً فكلما نحت هذه المنظمة إلى البيروقراطية والتموُّل والمساومة، كلما ابتعدتُ عنها حتى الإطلاق والطلاق. صحيح أنني لست زعيماً ولا قائدا ولا ثرياً، ولكني وطني أولا وأخيراً.

والثانية: حينما استعاد العراق ولاية الكويت 2 آب 1990 ووقفَت م.ت.ف مع العراق تقاطعتُ معها لأيام لأنها تراجعت وبسرعة.

من يذهب باتجاه بعيد عن الشعب أي عن التحرير، من البؤس وإعاقة النضال أي تفكير في إصلاحه لأن من سيحاول لا بد سيلحق بالمنحرف نفسه. وقد يكون ما قاله لينين ولاحقا ماو بأن الشعب هو المعلم ولا يحل هذا القائد أو ذاك أو المثقف/ة…الخ محل الشعب حتى حين يتم إغوائه لا يلبث أن يفيق.

فالتحولات التي حصلت، ولا اقول طرأت، على هذه المنظمة لم تكن نزوات ولا صُدفاً، بل تراجع طبيعي مستدام تِبعاً لاستدخال الهزيمة مما يعني أن تكرار الإلتزام بنفس مناخات وقرارات أوسلو هو ضرب من العبث. فحبذا لو تنسوا هذا.

لا اعتقد أن مؤتمر أل 14 مليون فلسطيني، وبالطبع لا يمثل أل 14 مليون، سيكون الجهد الأخير في هذا الصدد، ولن يكون التهديف الغلط الأخير ايضاً. هل يحق لهذه الناس أن تحاول؟ بالطبع يحق لها. ولكن من أجل ماذا؟ أي هل تكون محاولة التغيير ضمن الاستدوال أم للتحرير؟

هل حقاً يمثلون راي أل 14 مليون فلسطيني؟ كيف توصلوا إلى هذا الإحصائية؟

وهل القضية مجرد فلسطينية؟ فاين البعد العروبي في طرح هذا الفريق؟  أليست كارثة الانحصار في المربع القطري وضد عروبي بعد فشل خمسة عقود على إيديولوجيا “الفلسطنة” ومغادرته إلى حضن أنظمة قاتلة للأمة! إن سطراً واحداً في تثبيت عروبة القضية والمحاورة فيها وتعليمها للناس كما كتب باولو فريري “محاورة المقموعين The Pedagogy of the Oppressed أفضل من مجلدات بحجم مكتبة الكونجرس، لا لشيء بل لأن علينا أن نفهم، ايها الناس، إن نبدأ من جديد لا أن نأخذ الأمور عن الطريق الأقصر هو مُغرٍ لكنه يقود إلى الهاوية.

هل يعقل أن فريق أل 14 مليون لم يتنبه إلى أن الخطوة الحقيقية التي كان عليه البدء بها هي إعادة بناء الحركة الوطنية العربية بيننا بين الأردن ومنها إلى كامل الوطن! وليس التماحك على سلطة بلا سيادة إلا على الناس.

فيما يتعلق بالجغرافيا، بدأت هذه المحاولة قطرية إقليمية تماماً مما يؤكد أنها لو استمرت فإنها سوف تصل إلى نفس حائط الهزيمة للمنظمة الحالية. فالعدوان على فلسطين والعروبة إمبريالي ومعولم، وهذا التصدي قطري بحت!

وفيما يتعلق بالموقف السياسي فإن هذه المحاولة هي ضمن أفق اوسلو! فما قيمة محاورة أو مناكفة أوسلو بأوسلو وماذا ستلد غير أوسلو؟

هذا الإنسداد الأوسلوي لا يُفتح بنفس الأدوات.

إن مجرد المطالبة بالسلطة تحت إطار أوسلو هو تطبيع واعتراف بالكيان، فما الذي سيقدمه الفريق الجديد، طالما في أفق أوسلو، غير أداء مشابه ولكن ربما برطانة لغوية أكثر بريقاً!

فانتخابات في الأرض المحتلة لمجلس الحكم الذاتي هي من صياغة الكيان وأمريكا والمشاركة فيها هو اعتراف بأن فلسطين هي المحتل 1967 وأقل ايضاً. فهل هذا ما ينتظره الشعب ويحتفي به؟

وانتخابات الرئاسة هي بموجب اتفاقات اوسلو نفسها. هذا ناهيك عن أن أية انتخابات سياسية تحت استعمار استيطاني اقتلاعي رأسمالي ابيض هي مساومة وغير شرعية شعبيا ولا عروبياً.

ولا أحد يجهل أن انتخابات مجلس وطني في الخارج لا علاقة ولا مناخ ديمقراطي لها، وحتى لو حصلت، فكيف يكون برلمان فلسطيني نصفه “منتخب” في الشتات والنصف الآخر منتخب بموجب الاعتراف بالكيان!

فما جديد هؤلاء المعترضين؟

كما لا بد من السؤال:

كم من اصحاب المبادرة هذه لم يكن في الفصائل التي تورطت في أوسلو؟ ولم يحتج عليها، بل هو الان فيها ويحتج على القمع!  يحتج على القمع ومنخرط في بنية أوسلو ولو بدرجات!

كم منهم كان من المنظِّرين لأوسلو والمفاوضين والمحاورين ولاحقاً المرشحين للانتخابات فاز أو فشل، وممن جرى توظيفهم وتوزيرهم…الخ. كثيرون/ات حتى من منظمات الأنجزة التي اصبحت لعنة معولمة!

علي أن أعترف أن بلاغة كثير من هؤلاء في لعن أوسلو تشعرني أن أمثالي وانا المطبعين! ذات مرة اغرتني صديقة سيئة (طلقتها بالعشرين بعد ذلك) بالجلوس إلى أحد اقطاب أوسلو. بدأ الرجل حديثه وانتهى منه وهو يشتم كل قيادات فتح من ابو عمار حتى الدرجات الوسيطة. التجمت، شعرت انني يميني جدا وتطبيعي مقارنة بهذا السقف من الكلام. قلت لنفسي “يا خوفي أنني تطبيعي كما وصفني فتى المحرقة “!

وإذا كان هدف هذا الفريق هو تبادل السلطة فذلك يعني اننا أمام استبدال شخوص أوسلو بشخوص أوسلو فأي نوع من تبادل السلطة بل التبعية.

وإذا اعتقد البعض أن هذه من انشطة ما يسمى “المجتمع المدني”، فهذه اليافطة التي مزقها اهلها في أوروبا تفتقر هنا لأهم مكوناتها وهو المجتمع السياسي أي سلطة محلية لها سيادة.

كم من اصحاب المبادرة له علاقات بأنظمة تركيا، أو قطر أو السعودية أو مصر! وكم عدد من يعملون ضمن دوائر الأنجزة وعزمي بشارة علانية، ومنهم سراً وخاصة أهل “الأكاديميا”.

كم من هؤلاء لم يحاول عديد المرات تجبير الانقسام وكرر ذلك كما لو كان يبحث لنفسه عمَّا يُشغله لأنه يعلم أنه يكرر اسطورة سيزيف!

بل كم منهم ليس في فصيله المندمج في م.ت.ف حتى حينه؟

وعليه، فإن هذا الفريق إنما يبحث لنفسه عن دور سلطوي في منافسة مع الفريق الآخر.  فما الذي يدفع الناس لأي التفاف خلفه؟

ألا تعني هذه المحاولات المحكوم عليها بالفشل، لأنها بلا مضمون جديد، هي صرف وقت وإصرار البعض على عدم التقاعد ومغادرة الأضواء.

ألا تعني بل تؤدي هذه المحاولات المفرغة من مضمونها إلى إحباط الناس؟

هل يُعقل أن يبقى هؤلاء الناس في غيبوبة الديمقراطية الشكلية حتى في لحظات فضاء الديمقراطية الشعبية للفدائيين الجدد؟ فحتى التوقيت خانهم.

ففي ايام ارتقاء ظاهرة التحرير ورفض الاستدوال أصر هؤلاء الناس على مؤتمر تطبيعي تحت ظل أوسلو.

الفدائيون الجدد يتصدون ويستشهدون، وهذه الناس تطالب بأوسلو وبالانتخابات والرئاسة في ظل اوسلو.

لعل المفارقة الطريفة ان السلطة منعتهم؟؟

حتى لو احتضنتهم إمارة حماس، وأي مكان، فالشرعية الوحيدة لم تعبىء بهم، شرعية التحرير وليس الاستدوال. طريفة مزايدة حماس بالديمقراطية!!!

فمن يقارن بين احتفاء الشعب بالفدائيين الجدد وبين عدم اكتراثه بمنع مؤتمرهم يعرف من الذي يمثله.

للأسف صدر اليوم من أسود العرين نقدا حامضاً محروراً للصحفيين لأنهم لا يغطون نضالهم!!!!!! يا للهول: ما أكثر من ينتظر على أحر من الدولار انطفاء هذه الظاهرة المقدسة.

هناك فئة من الناس ترى نفسها: ” خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام” لا يا شباب، هذا حصل من ابو سفيان وابنه معاوية.  وترفض أن تفهم بأن هناك مراحل انتهت، ومن العبث تجديدها.

لعل من المشاهد المضحكة أن يتظاهر دعما لهذا المؤتمر من يعيشون في عواصم الأعداء الغربيين يتغنون ب وديع حداد وغسان كنفاني وماجد ابو شرار ويدعمون تحركاً لا علاقة له إلا بأوسلو! فقط كي يظهر اسمهم!

أكاد اقول بأن هذا المؤتمر ليس سوى تكراراً لما حاوله عزمي بشارة عام 2010 في ما اُسمي الهيئة الوطنية للحفاظ على الثوابت! طبعا يقودها تطبيعي! فأي قيادي واية ثوابت. لا تستحق أدواته في الفريق ذكر اسمها كي لا تشتكي!

من صفات الإنسان وتميزه أنه تاريخي، والإنسان التاريخي الحق يعلم جيداً بأن “ما خلَّفه التاريخ ورائه لا يمكن أن يعيده أحد إلى ناصية الزمن اليوم أو الغد”.  رُفعت الأقلام وجفت الصحف.

فالوطني هو من ينشغل في خدمة امرين اثنين:

احتضان الفدائيين الجدد لتشجيع النضال السري، والعمل باتجاه التنمية بالحماية الشعبية لإعادة بناء البلد من القاع وليس تغيير الطربوش.

ومن هو خارج الوطن فليتجه إلى الانخراط في محور المقاومة

ومن هو في الشتات فليكتفي بوجبتين ليرسل ما يخدم التنمية في الأر ض المحتلة لا أن يتزركش بالفرنسية والإنجليزية ويقلقل وديع حداد في جنته. إذا لم تحمل القضية في عقلك وعلى كتفيك، فلا تجعلها مطية.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….