نشرة “كنعان”، 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022

في هذا العدد:

الرياضة بين التسليع والإرهاب وفلسطين والقومية، عادل سماره

سورية ستُدفّع العدو ثمن اعتداءاته، رشاد أبوشاور

ورقة بحثية: الحرب الحقيقية هناك .. ما يجري في الضفة عملية كولونيالية أعمق من الاحتلال، نواف الزرو

✺ ✺ ✺

الرياضة بين التسليع والإرهاب

وفلسطين والقومية

عادل سماره

لا تنحصر المركزانية الأوروبية أو الأورومريكية في الاقتصاد والثقافة والسياسة والمثليين …الخ بل ايضا في الرياضة. ورغم تسمية نشاط الفيفا ب “المونديال” إلا أنه ليس عالمياً بل طبعة غربية رأسمالية بامتياز تماما مثل تسمية الحربين العالمتين لأنهما ليستا عالميتين.

ويكفي أن نذكر أن الغرب منع روسيا من المونديال بحجة “العدوان” على أوكرانيا بينما أدخل الكيان الذي طرد شعبا عربيا من وطنه.

لا نقول هل كانت ستجرؤ قطر منع الكيان لأن قطر في تطبيع متكامل مع الكيان منذ عقود. ولو كانت تمرر ذلك بأساليب تعتقد أنها غير مكشوفة، بل هذا دأب الخليج ومعظم الأنظمة العربي.

لا أحد يعرف كم دفعت قطر من الرِشى حتى يقرر قادة الفيفا السماح لقطر بدورة المونديال الحالية.

العمل والرياضة:

العمل هو مبرر بقاء الإنسان، وهو نشاط إنتاجي بدأ لإنتاج الاساسيات وليس لبيعها. وبقدر ما تكره الفلسفة المثالية العمل تؤكد الفلسفات المادية على كونه واجب ومتعة روحية. والرياضة هي أحد انماط العمل لأنها لبناء الجسم وصولا إلى الارتقاء بالجسم إلى قداسة الجسد.

لكن بعد تورط البشرية في الملكية الخاصة اصبحت منتجات الناس او انتقلت من إنتاج الأساسيات اي إنتاج القيمة الاستعمالية إلى تحويلها إلى قيمة تبادلية أي اصبحت منتجات الناس الذي لا يملكون سلعا او بضائع تباع وتُشترى ولأن الإنسان يُنتج بجهده أو قوة عمله فإن جهده أصبح بضاعة تباع على شكل عمل مأجور.

في عصر راس المال والذي بدأ في الغرب طبعاً، جرى تسليع كل شيء، الجنس والفكر والثقافة والرياضة ايضاً. لذا أصبح ثمن هذا اللاعب كذا وذاك كذا وأصبح هذا النادي ملكا لهذا الثري أو ذاك! وبهذا فقدت الرياضة روحها العليا بما هي من أجل صحة الإنسان. وعليه، فتسليع الرياضة هو اغتصاب جسماني لا يختلف عن بيع الأجسام للدعارة.

ولأن الرياضة جرى تسليعها فمن الطبيعي أن تمتطيها السياسة وخاصة السياسة القديرة مالياً، وهذا من شروط راس المال.

لذا، تحديداً تمكنت قطر من استضافة المونديال فقط لأنها جاهزة لدفع الرشى والتكاليف وبكل البذخ الممكن. فقد اشترت، وإلى حين بقايا “شرف” الرياضة العالمية بالمال.

طبقاً للأرقام القطرية، انفقت قطر على المونديال 200 مليار دولار، وكما أوردت بيانات الموديلات السابقة فإن هذا الكلفة تفوق ربما كلفة عشرة مونديالات مجتمعة هذا إذا لم تكن هناك هوامش أخرى للرشى.

الإنفاق الإرهابي أكثر:

طبقا لأرقام صندوق النقد الدولي فإن مجموع ديون البلدان العربية هو 1.5 ترليون دولار.  بينما ذكر حمد بن جاسم وزير خارجية قطر السابق بان دول الخليج وخاصة قطر والسعودية والإمارات انفقت على مشروع تدمير الوطن العربي بإرهاب قوى الدين السياسي وخاصة إسقاط سوريا 2 ترليون دولار. أي أن هذا الإنفاق وحده كاف لتسديد كل الديون العربية والمتبقي للتنمية.

طبعاً أخطأت انا أمس في حديثي لقناة العالم بأن قلت إن إنفاق قطر على المونديال كان 2 ترليون دولار ولم يسعفني الوقت للتصحيح. ومعروف أن حمد هذا قال بأن ما دفعته قطر لتدمير سوريا 137 مليار دولار، هذا ناهيك عن مدفوعاتها الأخرى لصالح الإرهاب.

قطر الحقيقية:

هذا يكشف للناس ما ومن هي قطر الحقيقية. هل هي نظام عربي، هل هي نظام إنساني، ديمقراطي حضاري؟ أم بؤرة توحش تغطي حكامها أقمشة لباس عربي تقليدي. فلو كانت الفيفا مستقيمة، اي لو لم تكن مؤسسة رأسمالية عفنة وفاسدة لما سمحت بإجراء المونديال في اي بلد خليجي قاتل وأداة للغرب.

أليست قطر التي بنت مدينة نموذج طرابلس الغرب وأعلنت إسقاطها قبل سقوطها وأعلنت سقوط بغداد قبل سقوطها. وقطر التي افتتحت مكتب مخابرات وتجارة مع الكيان منذ 30 سنة ناهيك عن كونها قاعدة أمريكية وتحوي قناة الجزيرة التي سممت الوعي الجمعي العربي.

والسؤال: هل فعلت ذلك قطر من راسها؟ بالطبع لا، فهي بلا راس، بل بأوامر الإمبريالية الأمريكية خاصة. وهذا دائماً من أجل تقويض القومية العربية ولخصي ال،م.قا.و,م.ة.

رب ضارة نافعة:

كان لافتاً جدا تعبير الشباب العربي عن عروبتهم متجسدة في الانتماء لفلسطين ولعل هذه كانت الصفعة لكل من حاكم قطر وزبانيته والفيفا جميعها. لقد وجد الشباب فرصة للتعبير عن قناعاتهم بعيدا عن مخابرات بلدانهم وجلاوزتها، ويجب ألا نفاجأ إذا ما حوكم بعضهم حين عودته إلى بلاده. ذلك لأن الشباب صفعوا مختلف أنظمة التطبيع.

لقد كان موقف الشباب في الأساس ضد انظمة التطبيع أكثر منه ضد الكيان لأن موقفهم من الكيان تحصيل حاصل وهذا ما حاول إعلام الكيان تمويهه بمرارة قاتلة.

وللدقة، كان الموقف تعبيراً عن أمرين:

·       الأول أن العروبة حية

·       وثانيا أن حياتها عبر فلسطين.

ولأن الكيان والمطبعين حلفاء، كان الموقف ضدهما معاً.

تسطيح الوعي بأفيون:

يزعم السطحيون في الفهم أن ماركس قصد ب “الدين أفيون الشعوب” الدين نفسه، بينما قصد الدين السياسي. والدين السياسي نفسه هو الذي أنفق 2 ترليون دولار لمسح الأمة العربية، فهل كان هذا سيفعله الإسلام الذي هو عربي من حيث الموقع واللغة والفتوحات.

قاد تسليع الرياضة إلى تحويلها إلى افيون غربي للشعوب حيث أفقدت الأجسام قيمة كمالها وجمالها وصارت موضع اختراق من يُسموْن “محكَّمين” وصارت رياضة الفرد مشروعا رأسماليا فردياً خاصاً.

وللأسف، إذا كانت الرياضة في الغرب بطابعها الحالي موضوع تفريغ نفسي لمجتمعات منتجة وعاملة وطبعا تنهب غيرها فهي بحاجة لتفريغ، لكن المشكلة في العالم الثالث حي التمسمر أمام الشاشات من كثيرين يعانون البطالة العقلية والجسدية والنفسية.

مدهش حد الحزن حين تسمع شباباً في مواصلات عامة يمسكون الهواتف النقالة ويصرخون مع هذا أو ذاك ويشتمون من راهنوا عليه وكأنه بينهم.

إنها حالة تصنيم، حالة صمنية وثنية من اشخاص يبقى أن تقول لهم: “ومين داري عنكم”.

لكن الإنسان الضحل والمقهور لا بد أن يقوده مخياله إلى وهم الحضور هناك وبالتالي يجد نفسه بين نشوة الفائز وخيبة المهزوم، وهو طبعاً على هامش الحالة.

مريم وراهبة جلجامش:

حينما قرر جلجامش أخذ إنكيدو إلى جانبه (انظر ملحمة جلجامش) إلى مملكته بعد أن كان يعيش حرا مع الحيوانات أرسل راهبة إلى نبع الماء وأوصاها أن تعرض مفاتنها بجانب الحوض الأمر الذي أدهش إنكيدو وأثار رغبته الجنسية وضاجعها اسبوعا كاملا حيث انهكته وتمكنت من أخذه إلى جلجامش طائعاً طيعا.

كان لافتاً رقص مريم وهي تعرض أوسع مساحة ممكنة من جسمها للجمهور في عرض لا علاقة له بالرياضة إلا بمعنى:

·        تأكيد ثقافة الغرب الإباحية وأسر عيون ملايين الشباب البسطاء ·        

·       والثأر للمثليين الذين لم يتمكنوا من عرض بضاعتهم الممجوجة.

ولكن يبقى الفارق أن راهبة جلجامش مثَّلت إعادة الإنسان إلى إنسانيته بينما مريم تورطه في حيوانيته وتسليعه كما رغبت سلطات قطر.

✺ ✺ ✺

سورية ستُدفّع العدو ثمن اعتداءاته

رشاد أبوشاور

اعتداءات العدو الصهيوني تتواصل بتواتر لا يتوقف على القطر العربي السوري، وقد يقع عدوان جديد بينما أكتب هذه المقالة أو وأنتم تقرؤونها…

لا عجب، فالكيان الصهيوني يعرف جيدا وبغيظ أن سورية العروبة تقف في حلقه، وأنها تواصل وضعها كغصّة، وكتهديد دائم لوجوده، وهي لم تتوقف يوما عن دورها هذا، وهي، أي سورية العروبة، ستبقى هكذا، تهديدا دائما لهذا الكيان الدخيل إلى أن يكنسه عرب فلسطين وأمتهم ويعيدون لفلسطين وجهها العربي الألق، ويطل عرب كثيرون من فوق قمة جبل (الكرمل)المطل على بحر حيفا وعكا ويافا…وكل بحر فلسطين الممتد إلى اللاذقية و..بيروت العروس عاصمة المقاومة التي كنست الاحتلال وطاردته حتى آخر الجنوب فهرب ذليلاً خزيانا بجيشه الذي قُهر وسبق جنرالاته جنوده في الهرب بقيادة باراك محرم الفردان في بيروت، مقترف جريمة اغتيال أبويوسف وكمال عدوان والشاعر والإعلامي كمال ناصر..الذي عمد باراك إلى صلبه بعد اغتياله، و..إطلاق الرصاص على فمه، كأنما يريد التذكير مباهيا كيهودي بصلب السيد المسيح!

الجنرال الدعّي المنتفخ غرورا هوا الذي قاد انسحاب جيشه الذي لا يقهر، فكان قائد الجيش المقهور في الهرولة، بحيث ترك مدافع ودبابات جيشه..والعملاء في الجنوب الذين بهتوا، وبهت الذي كفر، وهم يرون الجيش الذي ركنوا إلى قوته التي لا تقهر..فإذا به هامل جدا، وجبان، ويقهر..أمام مقاومة قهرته، وهرول إلى أوكاره حيث يتحصن في الأرض الفلسطينية التي ستلفظه في يوم غير بعيد.

أثناء الحصار في بيروت عام1982 تم إسقاط طائرة وأسر طيارها فتوسل للفلسطينيين أن لا يسلموه للسوريين!..وهذا يدلل على الرعب المستوطن في نفوس كل قطاعات جيش الصهاينة من سورية وما تمثله..والأيام آتية لا ريب فيها.

في الحرب على سورية، في المؤامرة الكونية على سورية..التي فشلت، كان ..وما يزال للكيان الصهيوني دور بارز فيها، لأن سورية هي التي تُفشل التطبيع، ولأن سورية تعد، ما دامت صامدة وقوية بأن (إسرائيل) لن تبقى آمنة، وبأن قلب العروبة النابض سيظل ينبض بحب فلسطين العربية، وبالوفاء لها، وبدوام العهد والوعد بتحريرها بهمة شعب فلسطين وكل أحرار الأمة وفي مقدمتهم سورية الصامدة..ولذلك يواصل الكان اللقيط التحرش بسورية واستفزازها وتوجيه صواريخه إليها ،فقد سكنت الجبهات..وطمأن المطبعون (صديقتهم)..وبقيت سورية التي يرفرف في سمائها علم العروبة عاليا ووفيا لتاريحها المُشرّف.

هناك متآمرون يشمتون بسورية لأنها تتلقى صواريخ العدو، مع إنها تسقط الكثير منها، وهم مع الكيان الصهيوني مغتاظون من انتصارات سورية وجيشها وكل تشكيلات مقاتليها التي فكّت الحصار عن عاصمة العروبة دمشق، وطاردت قطعان الإرهابيين فهربوا في قوافل الباصات الخضراء ولحاهم منكسة على صدورهم..وتحررت حلب وحمص وحماه..ووقف الجيش العربي السوري على ضفة نهر الفرات قبالة_ ولقد زرنا بلدة السبخة قبل ثلاث سنوات رغم خطورة الطريق، ومكثنا ثلاثة أيام في الوزيارة_ مدينة (الرقّة) التي يحتلها (أكراد) تضللهم قياداتهم المحتمية بالأميركان، تلك القيادات التي لم تتعلم من دروس تبعيتها وخذلانها ممن استتبعوها وباعوهما مرارا وتكرارا…

تعيد سورية البناء، والإعمار، وهي تخوض معاركها بوعي وصبر وتواجه: تركيا أردوغان، وأكراد أميركا، والمرتزقة الذين دفعت بهم ومولتهم دويلات النفط والغاز التي خسرت المعركة..ولكنها لن تتخلى عن دور مرسوم لها، تدفع إليه، ولكنها ستخسر مع الخزي والعار الذي سيلحق بها أبد الدهر…

سورية التي تخوض معركة وجودها، ووحدة أرضها التي استعادت أغلبها بالدم العربي السوري الزكي، وببطولة الجيش العربي السورية المذهلة، وبطولة رفاق السلاح من المقاومين اللبنانيين والفلسطينيين..ودعم جمهورية إيران الإسلامية..ووحدات الجيش الروسي الصديق..سورية تعرف أن الكيان الصهيوني يستفزها ليستدرجها إلى معركة ليس هذا أوانها، فهي لن تقرر خوض المعركة على مسؤوليتها فلها شركاء بالدم والأهداف في جبهة المقاومة الممتدة من فلسطين إلى بيروت إلى طهران..إلى صنعاء، ولها أصدقاء لهم قواعد على أرضها ، وهؤلاء الأصدقاء تكشفت لهم حقائق لم تكن واضحة من قبل، منها دور الكيان الصهيوني المتآمر الذي يخوض الحرب مع جيش أوكرانيا في مواجهة روسيا وجيشها وعلنا بالسلاح والخبراء والمرتزقة!

معركة سورية مع الكيان الصهيوني آتية لا ريب فيها، وهي معركة فلسطين، ومعركة حُريّة ملايين العرب الشرفاء..معركة اليمن، ومعركة تحجيم دويلات اعتادت أن تخرب وتفسد في بلاد العرب..وها هي تطبّع مع كيان يقتل عرب فلسطين يوميا، ورغم بطشه فإنه يعجز عن إلحاق الهزيمة بعرب فلسطين، ولعله لهذا يمعن في وحشيته تعبيرا يأسه من مواجهة الجيل الشاب من ثوار فلسطين الذين يفشل في تخمين أين سيضربون لما يملكونه من خبرات متطورة تتناسب مع الشجاعة المبهرة التي تحبط جيشه من جسارة شباب فلسطين وبراعتهم وقدراتهم على مفاجأته حيث لا يتوقع.

لا، سورية، لا تسكت على جرائم الكيان الصهيوني، بل ترد عليها بصمودها وإدانتها وتصديها للتطبيع،بدعمها للمقاومين بالسلاح، بوصول الكرنيت السوري إلى المقاومة في لبنان وغزة…

سورية تقاتل في كل مناحي الحياة السورية، وجيشها البطل قاتل ويقاتل، وشعبها العربي يقاتل بمواجهة الظروف الاقتصادية المفروضة عليه، وهو يعرف أن دولته لم تكن مرهونة القرار المستقل بسبب المدينوية، فسورية عندما وقعت المؤامرة الدولية عليها كانت بلا مديونية، ونفطها وغازها لها، وزراعتها مزدهرة ومتقدمة، وقمحها يصدّر، ويفيض في مخازنها، فهي تأكل وتلبس من قمحها وقطنها وهي تعلن عروبتها المقاومة المنحازة لفلسطين، ولكل عربي مقاوم…

سورية بقيادتها، وشعبها، وجيشها..لن تهزمها رشقات صواريخ الكيان الصهيوني، وستجهز على ما تبقى من العملاء ورعاتهم الأمريكان والأردوغانيين..وأيام اكتمال مجد سورية العروبة آتية نراها رأي العين، وسيدفع الصهاينة ثمن اعتداءاتهم..والأيام قادمة لا ريب فيها…  

✺ ✺ ✺

ورقة بحثية: الحرب الحقيقية هناك .. ما يجري في الضفة عملية كولونيالية أعمق من الاحتلال..!

نواف الزرو

         المعركة الجارية المحتدمة على مدار الساعة على امتداد مساحة فلسطين وفي الضفة الغربية على نحو حصري هي معركة حياة أو موت على الأرض والتاريخ والوجود، والدعم والغطاء الأمريكي الرسمي الممنوح للكيان بأن “الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية لا يتعارض مع القانون الدولي- أي إنه شرعي”، يفترض أن يفتح ملف الاستيطان اليهودي على أوسع نطاق ممكن ومناقشته من أجل تسليط المزيد من الضوء عليه، باعتباره غير شرعي، وأنه عملية كولونيالية كاملة تتعارض مع كافة القرارات والمواثيق الأممية؛ فوفق معطيات المشهد المتحركة في كل ساعة ولحظة، فإن ما يجري على أرض القدس والضفة الغربية هو بالتأكيد سطو صهيوني مسلح على الأرض والتاريخ والتراث، وهو انتهاك صارخ متواصل لكافة المواثيق والقرارات الدولية، واستخفاف بالأمة والدول والأنظمة العربية واحتقار سافر لها وللقوانين الدولية.. وما يجري تغطية دولة الاحتلال بالقوة الغاشمة..! ويمكن أن نقول أن تلك الدولة ترتقي إلى مستوى أكبر مافيا لسرقة الأوطان والأراضي والممتلكات على وجه الكرة الأرضية، فما يفعله الصهاينة في هذه الأيام على امتداد مساحة الضفة الغربية، أنهم يشنون حروبًا مفتوحة على الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ويشنون حربًا من نوع خاص بهم على الأرض الفلسطينية، تستهدف الاستيلاء الكامل عليها من بحرها إلى نهرها على أنقاض شعبها وحقوقه التاريخية فيها.. وليس ذلك فحسب، فهم يغطون عمليًا السلب والنهب والسطو المسلح والجرائم بالأيديولوجيا والأساطير الدينية؛ فالحاخام ياكوف سافير يعبر عن ذلك قائلًا: “إن الانتقادات الدولية للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية سخيفة، لأن الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب أن يرحلوا إلى مكان آخر”. ويضيف: “إن هذه الأرض هي أرض يهودية- إنها ديارنا”.

لذلك، وبينما هناك قرارات أممية ترفض الاستيطان الصهيوني، إلا أن “إسرائيل” تستحضر دائمًا وتعمل وفقًا لتلك المعادلة في العلاقات الدولية التي كان وضعها بن غوريون كما يلي: “ليس المهم ما يقوله الغوييم-أي العرب والعالم- وإنما المهم ما يفعله اليهود…!”. فالذي يجري هناك إذن، بات يتجاوز ما نراه في ضوء النهار على أنه احتلال، فهو وفق تحليل لأورن يفتاحئيل أستاذ الجغرافيا السياسية والقانونية في جامعة “بن غوريون” في بئر السبع أبعد من ذلك، ف”تقرير القاضي إدموند ليفي” الذي فاجأ الكثيرين حين ادعى أن منطقة “يهودا والسامرة” (الضفة الغربية) ليست تحت احتلال، ولذلك يجب إعطاء شرعية قانونية لكل المواقع الاستيطانية والمستوطنات، سيكون هو الملهم للدولة والمستعمرين اليهود في الضفة الغربية”، ويضيف “قد يكون القاضي ليفي محقاً في أمر واحد… فربما أن مصطلح “احتلال” لم يعد يلائم النظام القائم في “يهودا والسامرة”؟ ويوضح: “ما أدعيه هو أن الاحتلال تحول منذ زمن إلى عملية كولونيالية أعمق بكثير، تشمل سيطرةً وسلبًا واستيطانًا وأسرلةً دائمةً للمنطقة ومواردها، وكل ذلك وسط إبقاء السكان الفلسطينيين في مكانة دونية، فالاحتلال هو احتلال عسكري ومؤقت، على غرار الاحتلال في جنوب لبنان، دون طرد أو سلب أو استيطان مدني دائم”.

 وكتب زئيف شترنهل في صحيفة “هآرتس” إن توجه الحكومة الإسرائيلية في الضفة ينبع أساسًا من نظرية الملكية الحصرية لـ “أرض إسرائيل”، وبحسب هذه النظرية، فإن الدولة ليست قائمة من أجل ضمان الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والحياة العادلة للجميع، وإنما قائمة من أجل ضمان السيطرة اليهودية على “أرض إسرائيل” وضمان عدم قيام أي كيان سياسي مستقل آخر، ويخلص إلى أنه لهذا السبب فكل شيء مسموح، ولا “يوجد ثمن أكبر من اللازم”.​​

وفي أحدث تطورات المشهد الفلسطيني، طالبت قيادة المستوطنين الحكومة الإسرائيلية بضم الضفة الغربية، وقال موطي يوجاف، نائب رئيس مجلس المستوطنات، إن “اتفاقيات أوسلو أصلًا هي مجرد وهم أوقعنا فيه قادة ذلك العصر من الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن الواقع يشير إلى أن العداء يستفحل بين الطرفين، وأن الفلسطينيين لم يقبلوا إسرائيل بشكل حقيقي، وقد حذرنا يومها، نحن المستوطنين، بشدة من هذا الوهم لكن أحدًا لم يسمعنا، لذلك، فإنه ينبغي على كل عاقل في إسرائيل أن يرحب بإلغاء أوسلو من الطرف الفلسطيني، ويضع حدًا لكذبة السلام الموهوم، ويؤيد مطلب المستوطنين بأن تضم الضفة الغربية كلها إلى السيادة الإسرائيلية”، وأضاف لمطلبه مسحة دينية، إذ قال “لقد وهبنا الله كل أرض إسرائيل، ونحن ملزمون بالوفاء بهذا الوعد وعدم التخلي عن هذه الأرض المقدسة لأعدائنا”.

حسب المعطيات الماثلة، فإن عملية الاستيطان الجارية هي الأشد والأشرس والأقسى تاريخيًا؛ ف”إسرائيل” تقيم في الضفة نظامًا كولونياليًا استعماريًا عسكريًا اسبارطيًا، يحوّل المستوطنين إلى دويلة أو إلى “إسرائيل-2″، يجعل من المستوطنين أسياد الأرض الحقيقيين، وتقول ورقة عمل لمركز الدراسات والسياسات “إن موجة التمدد الاستيطاني جزء من إستراتيجية شاملة لسلخ أكثر من 60% من أراضي الضفة عن الفلسطينيين”، ويرى الفريق الذي أعد الورقة “أن موجة التمدد -التي هي جزء من إستراتيجية إسرائيلية شاملة تجاه الضفة- هدفها حشر الفلسطينيين في حدود مدنهم وقراهم في منطقتيْ “أ” و “ب” وفق اتفاقيّة أوسلو، وسلخ أكثر من 60% من أراضي الضفة عنهم (وهي المشمولة في المنطقة “ج”) وأن إسرائيل -وبمحاكمها- تتصرف كأنها تقوم بعملية ضمّ للمناطق “ج” دون سكانه.

إلى كل ذلك، تتعامل دولة الاحتلال الكولونيالي في الضفة الغربية وكأن هذه الأرض جزء لا يتجزأ إذًا من “أرض إسرائيل”، وعلى أنها تخضع للسيادة الإسرائيلية، لذلك ترخي العنان لمستعمريها وبلدوزراتها ليعيثون فسادًا وتخريبًا وهدمًا وتدميرًا واستيطانًا في كل بقعة على امتداد مساحة الضفة؛ فهناك حرب حقيقية تستعر على الأرض في الضفة كان وصفها أوري أفنيري رئيس تحرير مجلة “هعولام هزيه” سابقًا رئيس كتلة “السلام الآن” في معاريف قائلًا: “أن الحرب الحقيقية تدور رحاها على الأرض في أنحاء الضفة الغربية والقدس، وأسلحتها تتكون من: الخرائط والقرارات، والأوامر العسكرية، وهي حرب مصيرية يتعلق بها مصير ومستقبل ملايين الفلسطينيين، فإما الحياة أو الموت”، وفي مقالة أخرى له نشرتها صحيفة معاريف يوم أكد أفنيري مـرة أخرى: “أن مفاوضات التسوية الدائمة ستار من الدخان يتواصل خلفه النزاع الإسرائيلي _ الفلسطيني بكل عنفوانه، وتشن إسرائيل معركة حثيثة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية في كل أرجاء الضفة الغربية، فما يجري على الأرض يفوق بكثير كل ما ينعكس في وسائل الإعلام، إذ تتواصل في كل أرجاء المناطق المحتلة، معركة ترمي إلى تحويل كل قرية أو مدينة فلسطينية إلى جيب منقطع محوط بمناطق سيطرة الإسرائيلية، هذه ليست من عمل متعصبين مجانين، بل معركة مخططة جيدًا تتواصل في عهد الليكود والمعراخ على حد سواء، والهدف منع كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية حقيقية مستقلة”. ويجمعون في الكيان الإسرائيلي على استعمار الضفة الغربية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وجنرالاتهم يقولون: “إن الاستيطان بمثابة جزء لا يتجزأ من الأمن الكلي لإسرائيل، فمساهمة المستوطنات في أمن إسرائيل لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية”، وهنا يتكامل الاستيطان مع الأمن في الرؤية الإسرائيلية.

أما عميره هاس مراسلة هآرتس للشؤون الفلسطينية والمناهضة لسياسات الاستيطان والتهويد، ففصلت في هذه الحرب أكثر وكتبت في هآرتس 30/9/2022 موثقة: “لاستيعاب التدمير الموجود في التخطيط الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ومهنة التدمير المضنية، يجب أن نربط الحقائق التي وضعتها حكومات إسرائيل طوال السنين بآلاف النقاط، بل الملايين:بدءًا بالأمر العسكري من العام 1971 الذي ألغى صلاحيات التخطيط للمجالس المحلية الفلسطينية، الذي هو ساري المفعول حتى الآن في 60 في المئة تقريباً من أراضي الضفة؛ ومصادرة الأراضي للاحتياجات الأمنية التي تم تحويلها للمستوطنات التي تنتهك القانون الدولي؛ وحظر البناء والتطوير الذي فرض على الفلسطينيين؛ والشوارع التي تبتلع البيئة والأراضي الزراعية التي صودرت لاحتياجات عامة لصالح كل مستوطنة معزولة؛ بعد ذلك جاء الطريق السريع “أ لا كاليفورنيا” الذي يربطها مباشرة مع إسرائيل، وشارع معبد جديد ولامع يربط قلب المستوطنات بأحيائها والبؤر الاستيطانية التابعة لها، التي أقيمت على بعد بضع كيلومترات منها، وطريق يبتلع المزيد من احتياطي الأراضي ومناطق رعي؛ وبعد ذلك منع الفلسطينيين من البناء قرب الشارع؛ ويجب عدم نسيان الشارع الأمني الذي يطوق كل مستوطنة، مروراً بمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم بذرائع ووسائل مختلفة؛ وتقييد كمية المياه للفلسطينيين وتقييد الحفريات الجديدة والإعلان عن مئات آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية كـ “أراضي دولة” وتخصيص هذه الأراضي فقط لليهود؛ والإعلان عن مناطق تدريب لوقف تطوير قروي طبيعي فلسطيني؛ وتزوير وثائق ملكية الأراضي؛ والبؤر الاستيطانية الكرفانية التي تتحول إلى فيلّات، ومن أجل الأمن يجب منع الخروج من القرى المجاورة؛ والبؤر الاستيطانية الزراعية التي تغرس الكروم في الأراضي الفلسطينية وكأنها مهجورة؛ والبؤر الاستيطانية للرعاة الذين هم “الموضة الجديدة” والأكثر صغراً مقارنة بمساحة الأراضي الفلسطينية؛ وانتهاء بقرارات حكومية لتبييض كل ذلك؛ وجدار الفصل الذي يحتجز مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية الخصبة غربه: أصحاب هذه الأراضي يحصلون بصعوبة على تصاريح من أجل الوصول إليها في أوقات محددة، ولكن كل إسرائيلي يمكنه التنزه والتجول فيها كما يشاء، وأحياناً ينسبها لنفسه”.

 وتؤكد هاس ثانية: “يجب أن نربط كل نقطة كهذه بالنقاط الأخرى، وإلا فلا يمكن فهمها وفهم تداعياتها، ولن نرى الوحش كله. يمكن حساب عدد الدونمات الكبير التي سيطرت عليها بؤر الرعاة الاستيطانية، ويمكن حساب كم هو عدد الدونمات التي تمت مصادرتها، رسمياً أو فعلياً، من المناطق الفلسطينية ووصف أسنان الجرافات التي تقتلع أشجار الزيتون القديمة والجديدة. ويمكن قياس المنطقة الزراعية الفلسطينية المتميزة بدقة تقريباً مع الآبار القديمة وينابيع المياه التي أصبحت ذخرًا عقاريًا لليهود ورئة خضراء خالية من العرب (باستثناء العمال) أو في الطريق إلى أن تصبح خالية من العرب. لكن يجب أن نربط جميع النقاط كي نفهم كيف امتلأت الأرض بكتل “غوش شيلو” و”غوش عصيون” شرقاً، و”غوش عصيون” غرباً، و”غوش عصيون” شمالاً، و”غوش ريحان” وجيب اللطرون، و”غوش تلمونيم”، و”غوش اريئيل”، و”غوش ريمونيم”، و”غوش حبرون” القديمة و”كريات أربع”، وبعد قليل سيكون هناك “غوش شمال الغور” و”غوش شمعة” في جنوب غرب جبل الخليل، و”غوش سوسيا” في جنوب شرق الضفة، وهكذا دواليك. لا شك أن آمال/ مخططات إسحق رابين من العام 1995 قد تحققت. قبل قتله بشهر، قال في الكنيست بأن أحداً أسس الاتفاق الدائم وهو “إقامة كتل استيطانية، يا ليت توجد كتل استيطانية في الضفة الغربية مثلما في غوش قطيف”. “غوش قطيف” في الواقع تم تفكيكها، لكن قام مكانها ويقام المزيد من التوابع الاستيطانية الكثيرة مثل الرمال على شاطئ البحر.

   وتختتم قائلة: “إن سحق المنطقة هو أكثر بكثير من “إحباط إقامة دولة فلسطينية”، هو تنكيل ممأسس وموجه لكل واحد من الخمسة ملايين فلسطيني الموجودين في الضفة، بما في ذلك شرقي القدس وقطاع غزة (فصل سكان القطاع جزء من تقسيم المنطقة). هذا تنكيل بالممتلكات ووسائل العيش والتراث وحياة العائلة وإمكانية الدراسة والعلاقات الاجتماعية وحرية الحركة والمستقبل. سرقة الفضاء المنهجية تهاجم حاضر وتاريخ المكان والمدينة والقرية والعائلة، وتمس بالصحة الجسدية والنفسية لكل إنسان. المشكلة في السحق ليست في إضعاف السلطة الفلسطينية، بل بالتخريب الذي لا يمكن منعه والموجه للجمهور الذي يعيش في قطاع غزة والضفة الغربية، الذي وعده العالم في مرحلة معينة، أنه سيطبق حقه في الاستقلال والحرية. العالم وعد وغدر. فقط جذرية وقدرة الفلسطينيين على الصمود الرائع هي التي تشوش ولو قليلاً خطة إسرائيل الأساسية. إن التقسيم والطرد ليسا اختراعًا جديدًا؛ فإسرائيل صاحبة تجربة وخبرة في هذا المجال، هي تنفذ في الضفة الغربية ما نفذته وتنفذه منذ العام 1948 داخل حدود الخط الأخضر. في بداية التسعينيات، عندما تم إطلاق العملية السياسية بين إسرائيل وم.ت.ف، فإن التوقعات المنطقية للفلسطينيين ومعسكر السلام في إسرائيل الذي كان موجوداً ولم يعد قائماً، وللدول التي أعطت رعايتها لأوسلو – كانت أن إسرائيل ستوقف عملية السحق وسرقة الأراضي في 22 في المئة من أراضي فلسطين التاريخية. ولكن في ظل المفاوضات السلمية، سرعت إسرائيل العملية وزادت شهوتها للعقارات. بهذا أثبتت صدق ادعاءات وتحليلات الفلسطينيين منذ أكثر من مئة سنة: هدف الصهيونية وجوهرها هو طردهم من أراضيهم وتهجيرهم من وطنهم”.

إذًا، هي حروب شاملة على الأرض والشعب الفلسطيني تتقدمها حروب الاستيطان والضم والتهويد، وتهدف إلى تقطيع أوصال الجسم الفلسطيني لإجهاض الإمكانية الحقيقة لإقامة الدولة الفلسطينية الحقيقية، وعمليًا على امتداد مساحة الأرض في الضفة الغربية لم يتوقف بلدوزر التجريف والاستيطان عن العمل في جسم الضفة، إذ تكشف لنا أحدث عناوين مشهد الاستيطان ونهب الأراضي العربية النقاب عن معطيات مذهلة حول مناطق نفوذ المستوطنات وامتداداتها وتداعياتها على مستقبل الوحدة الجيوديموغرافية الفلسطينية، وعلى مستقبل الدولة الفلسطينية التي ما تزال تراوح في دائرة الحلم التاريخي..!

لكل ما سبق وغيره، تحتاج فلسطين وتحتاج عملية التحرير والخلاص من براثن الاحتلال والتهويد إلى وقفة عربية حقيقية -من قبل القوى الحية النابضة بالعروبة والعداء للمشروع الصهيوني- تعيد صياغة الخطاب السياسي والإعلامي وتعيد ترتيب الأوراق والأجندات السياسية الوطنية.

نواف الزرو، كاتب صحفي وباحث خبير في شؤون الصراع العربي – الصهيوني .

:::::

“بوابة الهدف الإخبارية”

20 نوفمبر 2022

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:
  • توتير:
  • فيس بوك:
  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org