السوفييت وتقسيم فلسطين: إضاءات على كارثة تاريخية وأيديولوجية وجيو – سياسية (الجزء الأول)، مسعد عربيد

  • لماذا نناقش الموقف السوفييتي من قرار تقسيم فلسطين؟

من أحداث التاريخ ما يحق لنا أن نصفها بالمفصلية، بل هي أحداث تترك بصماتها لزمنٍ طويل قادم، ولأنها ليست عابرة فإن تداعياتها لا تنقضي بزوال أو تراجع آثارها الفورية، بل بقدر ما تؤثر على مصالح الشعوب ومستقبلها. وقد مرّت بالقضية الفلسطينية بالكثير من مثل هذه الأحداث التي تستدعي فتح ملفاتها من جديد، ولا شك أن قرار تقسيم فلسطين، والذي تمرّ علينا ذكراه هذه الأيام، واحدٌ منها.

نبدأ بالتذكير بأن قرارات المنظمات الدولية (الأمم المتحدة ومثيلاتها) هي تعبير عن موازين القوى في مستوياتها المحلية والإقليمية والدولية، وهي ما تعكسه وتعبِّر عنه ما تُسمى ب “الشرعية الدولية” أو “المجتمع الدولي” أو شرعية وقانونية قرارات الأمم المتحدة، والتي لا تعنى على وجه الإطلاق أنها قرارت عادلة أو منصفة.

هذا ما يجب أن ندركه، كما يدركه كل مَنْ قرأ التاريخ.

▪️▪️▪️

بناءً عليه، ليس من المغالاة القول إن قرار تقسيم فلسطين – قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1947- جاء تعبيراً عن ميزان القوى المحلية والدولية في تلك الآونة. وعلى الرغم من أن بعضهم يرى فيه قراراً “قانونياً” من حيث أنه صادر عن المنظمة الدولية، إلاّ أنه قرار ظالم ومجحف بحقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

لقد كان الموقف السوفييتي الداعم للقرار مدعاةً لاستغراب الكثيرين من العرب وغير العرب الذين لم يتوقعوا دعم الاتحاد السوفييتي لمشروع استيطاني استعماري يدّعي أنه جاء لإنشاء “وطن قومي” لليهود على حساب شعب آخر. وأسباب هذا الاستغراب متعددة، منها الإستراتيجية والسياسية والأيديولوجية، خاصة وأن هذا القرار جاء بعد عامين من نهاية الحرب العالمية الثانية التي يسميها السوفييت “بالحرب الوطنية العظمى” والتي قاتلت فيها الشعوب السوفييتية قتالاً بطولياً ودفعت ما يزيد عن ستة وعشرين مليوناً من أبنائها في محاربة النازية والفاشية.

كثيرة هي الكتابات التي تناولت قرار تقسيم فلسطين، ولكن هدفنا هنا من تناول الموقف السوفييتي الداعم لهذا القرار، هو التأكيد على ثلاث مسائل أساسية:

الأولى، أن كثيرين قد برروا موقف الاتحاد السوفييتي على أرضية البراغماتية السياسية باعتباره “تعبيراً عن مصالحه السياسية والجيو- إستراتيجية” في تلك المرحلة، ولكنه في الحقيقة كان مناقضاً لأسس ومبادئ الماركسية – اللينينية التي أكدّت دوماً على دعمها لكفاح الشعوب المستعمَرة من أجل التحرير والاستقلال، ناهيك عن أنه ينافي القيم الأخلاقية من حيث أنه يدعو لإنشاء “وطن قومي” لليهود على حساب الشعب الفلسطيني.

والمسألة الثانية، هي أن تبعية العديد من الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية للموقف السوفييتي وانسياقها وراءه، كان خطأً وخطيئة بحق فلسطين وشعبها والأمة العربية.

أما المسألة الثالثة، والتي كثيراً ما تضيع في الخطاب السياسي والإعلامي، فهي ضرورة صياغة فهم موضوعي ودقيق لدور الأصدقاء والحلفاء في نضالنا. ويتمثل هذا الدور بدعم نضالنا والوقوف معنا في كفاحنا من أجل القضايا العادلة، أي أنه دور داعم لقضايانا ونضالنا، أمّا مسؤولية النضال الأساسية فتقع على عاتقنا نحن، وأن دعم الحلفاء يرفد نضالنا وينسجم بالضرورة مع تلاقي المصالح والأهداف مع هؤلاء الحلفاء.  

▪️▪️▪️

تنبع أهمية مناقشة الموقف السوفييتي من عدة عوامل أهمها:

أ) الآثار الجسيمة التي خلّفها هذا القرار على مجمل تلك المرحلة وتأسيس الكيان الصهيوني ومستقبل الوطن العربي وخاصة المشرق منه.

ب) الالتزام الأيديولوجي للحزب الشيوعي السوفييتي بالماركسية – اللينينية، وهي الأيديولوجيا التي حكمت سياسات الدولة والحزب خلال الحقبة السوفييتية، وما يعنيه هذا الالتزام من دعم الشعوب المستعمَرة التي تكافح من أجل تحرير بلادها.

ج) كون الاتحاد السوفييتي صاحب أول ثورة اشتراكية في التاريخ الحديث.[1]

د) الانتصار السوفييتي على النازية وجسامة التضحيات البشرية والمادية التي قدّمتها الشعوب السوفييتية للخلاص منها وإنقاذ العالم من جرائمها.

ه) ولا يقل أهمية عن هذ كله، ما خلّفه الموقف السوفييتي من تأثيرات جسيمة على الحركة الشيوعية والعمالية العربية والعالمية، تلك التأثيرات التي لا تزال تثقل كاهل هذه الحركة وتبدد جهودها وتشتت قواها وتياراتها في العديد من النزاعات والخلافات.

إن النظر إلى قرار تقسيم فلسطين والموقف السوفييتي الداعم له، من زاوية هذه العوامل يضيء على سياسات الاتحاد السوفييتي وركائزها في تلك الحقبة، ويقودنا إلى فهم جسامة الخطأ الذي وقع فيه السوفييت، كما وقعت فيه أحزابنا التي التزمت بموقفهم التزاماً أعمى ومنافٍ لمصالح شعوبنا.

مدخل إلى قرار تقسيم فلسطين

قبل الدخول في مناقشة الموقف السوفييتي من هذا القرار يجدر بنا أن نعرض بعض الحيثيات الأساسية لهذا القرار.

في السياق التاريخي

بعد اندلاع الثورة الفلسطينية عام 1936، شكّلت الحكومة البريطانية لجنة تحقيق وتقصي الحقائق ودراسة الأسباب التي أدّت إلى تلك الثورة، وعينت إيرل بيل Earl Peel رئيساً لها. وقد رأت لجنة بيل Peel Commission أن الهوة بين العرب واليهود كبيرة وآخذة في الاتساع وأن تقسيم البلاد هو الطريقة الوحيدة للتعامل مع المشكلة. بناءً عليه أوصت اللجنة في تقريرها النهائي (7 يوليو 1937) بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية تتحد مع شرق الأردن، ومنطقة، بما في ذلك القدس، تظل تحت الانتداب البريطاني. هنا تكمن جذور فكرة تقسيم فلسطين. وقد قبلت القيادة الصهيونية مبدأ التقسيم واستعدت للمساومة على التفاصيل، ولكن القيادة العربية رفضته وأصرت على المطالبةً بكامل فلسطين.  

مضمون القرار

من أهم ما نصّ عليه هذا القرار[2]:

– إنهاء الانتداب البريطاني عن فلسطين؛

– تقسيم فلسطين الى دولتين: عربية ويهودية بحدود محددة؛

– قيام تعاون اقتصادي بين هاتين الدولتين؛

– إيجاد وضع خاص لمدينة القدس واعتبارها منطقة دولية.

وظيفة القرار: التمهيد لإقامة الكيان الصهيوني

لم يكن خافياً على القوى العظمى، صانعة القرار في الأمم المتحدة آنذاك ومن ضمنها بالطبع الاتحاد السوفييتي:

أ) أن الحركة الصهيونية (والقوى الإمبريالية الغربية الراعية لها) كانت واضحة منذ تأسيسها في غاياتها ومخططاتها في إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين؛

ب) ما يعني أن الحركة الصهيونية لن تلتزم بتنفيذ قرار التقسيم؛

ج) بل ستستخدمه كمقدمة لإقامة كيانها الاستيطاني في فلسطين ومنحه “الشرعية” الدولية؛

د) كما كانت القوى العظمى تدرك أن ميزان القوى كان يميل لصالح الصهاينة من حيث قدراتهم العسكرية والمادية والدعم الإمبريالي، مقابل الشعب الفلسطيني الأعزل والجيوش العربية الهزيلة.[3]

ه) بعبارة أخرى، إن إقامة “دولة يهودية” ممكنة ضمن ما نص عليه قرار التقسيم، بل إن ميزان القوى القائم يوفر التفوق العسكري الصهيوني – الإمبريالي، وهو ما حصل فعلاً حيث احتل الصهاينة 78% من أرض فلسطين وشردوا ما يقارب 800 ألف فلسطيني عام 1948، ليكملوا احتلال ما تبقى من فلسطين في حزيران 1967، إضافة إلى احتلال الأراضي العربية في سورية ومصر.

و) وكما كان متوقعاً، تجلى الاستثمار الصهيوني لهذا القرار في إقامة كيانها فوراً ودون تلكأ و”إعلان تأسيس دولة إسرائيل”، ولعل أصدق ما يدلل على هذا هو ما جاء فيما يسميه الصهاينة “وثيقة الاستقلال”:

“وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام ‎1947 اتخذت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة قرارا ينص على إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل وطالبت الجمعية العمومية للأمم المتحدة أهالي أرض إسرائيل باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار بأنفسهم.
إن اعتراف الأمم المتحدة بحق الشعب اليهودي في إقامة دولته غير قابل للإلغاء. إنه لمن الحق الطبيعي للأمة اليهودية في أن تكون أمة مستقلة في دولتها ذات السيادة مثلها في ذلك مثل سائر أمم العالم.”[4]

ز) من هنا يجوز لنا القول دون مغالاة إنه كان ينبغي على الاتحاد السوفييتي أن يدرك ويتوقع ما أتينا عليه أعلاه من تداعيات كارثية لا نزال نعيش آثارها حتى يومنا هذا.

قرار التقسيم: مقدمة للاعتراف بالكيان الصهيوني

كان قرار التقسيم في الجوهر مقدمةً وتمهيداً لإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، كما كان موقف الاتحاد السوفييتي الداعم لهذا القرار والقبول به مقدمةً للاعتراف بهذا الكيان. وقد مَنحَ هذا القرار والدعم السوفييتي له “دولة إسرائيل” اعترافاً قانونياً ونفوذاً سياسياً ومعنوياً في وقتٍ كانت فيه بأمس الحاجة إليه، وذلك على بالرغم من عدم تنفيذ الشق الثاني من ذلك القرار الذي ينص على قيام “دولة عربية” إلى جانب “دولة يهودية”، ما يشكّل خروجاً عن المبادئ التي كان السوفييت ينادون بها منذ الثورة البلشفية عام 1917. وقد شكّل الموقف السوفييتي في الاعتراف بالكيان الصهيوني سابقة تبعتها احدى عشر دولة خلال شهر واحد بينها ست دول من الكتلة الاشتراكية في أوروبا الشرقية.

وعلى الرغم من المآسي التي خلّفتها نكبة فلسطين وجرائم العصابات الصهيونية في احتلال فلسطين والتنكيل بشعبها وإبادة المئات من مدنها وقراها، فإن الوقائع تؤكد أن الاتحاد السوفييتي ظلّ، حتى نهاية العام 1948، أيد المحاولات الصهيونية في الأمم المتحدة لانتزاع الشرعية الدولية للكيان الصهيوني. كما تدلّ عشرات الوثائق على التعاون وتنسيق المواقف بين المندوبين “الإسرائيليين” والسوفييت في هذه المساعي.[5] وبحلول أواخر أربعينيات وبدايات خمسينيات القرن الماضي، كان الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية وأغلبية الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية قد اصطفوا وراء دعم الكيان الصهيوني في مشروعه الاستيطاني في فلسطين.

▪️▪️▪️

في الأجزاء التالية من هذه الدراسة سنتناول أهم جوانب الموقف السوفييتي ومنها:

الموقف السوفييتي في سياقه التاريخي

ركائز الموقف السوفييتي

لماذا فعلها الاتحاد السوفييتي؟

الصهيونية وقرار التقسيم

نقد الموقف السوفييتي

خاتمة وملاحق

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/


[1] كثيرة هي الصفحات المضيئة في تاريخنا والتي تغيب عن وعي شعوبنا، ومنها تجربة القرامطة التي امتدت دولتها من سنة 899 حتى 1077 م، وتُعتبر من أوائل الثورات الاشتراكية في التاريخ البشري التي حاولت نشر الأفكار الاشتراكية وبناء المجتمع على أسس اجتماعية واقتصادية اشتراكية.

[2]  للاطلاع على النص الكامل لقرار تقسيم فلسطين، راجع:

https://www.palestine-studies.org/ar/node/1650784

الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية | قرار رقم 181 (الدورة 2‏) بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 (palquest.org)

[3] كانت عصابة الهاغانا، نواة الجيش الصهيوني، والوكالة اليهودية يملكون قوة عسكرية كبيرة من بينها جيش الهاغانا المنظم المكون من 67 ألفاً، مقابل الشعب الفلسطيني الأعزل و22 ألفاً من جنود الدول العربية السبع التي دخلت فلسطين في حرب عام 1948.

[4]  راجع موقع الكنيست الصهيوني

https://m.knesset.gov.il/ar/about/pages/declaration.aspx

 [5] راجع مقال أنطوان شلحت: “ستالين والدولة اليهودية [قراءة في كشوف جديدة]”.