غدر المواعظ، عادل سماره

لافت للنظر والبصيرة أنه كلما ارتفع سقف الصمود والنضال كلما برز فورا ما يطعنها أو يغدرها سواء بخبث دور أو بسذاجة عقل سطحي أو بفذلكة مثقف أدهشته اللغة حيث سمحت لكلماته بالتحول إلى سطور.

في عز ثورة 1936 برز الحكام العرب لخصي الثورة وحصل، وفور ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة 1967 تدفقت أموال الخليج على المقاومة، وفي عز انتفاضة 1987 برز الغرب بمآت ملايين الدولارات عبر الأنجزة، والأمثلة كثيرة. ومع ظاهرة الفدائيين الجدد، يتكرر المشهد المضاد.

 قرأت مواعظ للبعض أمس في ثوب مناحة على الشهداء بدلا من الأمهات. فليس صعباً على متثاقف أن يشعل سيجارة في بيت دفيء ويضع كأس نبيذ ويكتب عن الدم. ربما لتشابه لون الكأسين ثم يتصنع البكاء على الشهداء.

حتى هنا، ليكن ذلك لأن هناك من يناضلون في مساحات بقدر قعر الكأس لا أكثر.

ولكن ان يكتب هذا او ذاك تقريعاً للوطن الذي تم اغتصابه فاضطر الشباب للاستشهاد إلى أن يصل إلى أن الناس أهم من الوطن وبالتالي لا يستحق الوطن الاستشهاد لأن الذنب ذنب الوطن الذي جرى اغتصابه.

هذا الفصل بين الناس والوطن خلفه عقل استدخال الهزيمة وتفكيك ما لا يُفكك. فلا يكون وطن بلا أهله، ولا يكون أناسٌ بلا وطن، سوى الكيان الذي جُلب من مئة أمة واغتصب الوطن بدعمها جميعا هادفاً تحويل نفسه إلى شعب.

احتضان الشهيد والأسير والجريح وأهلهم يكون باندغام الناس والوطن معاً. فلا يشتد وينتصر نضال إذا لم يحتضنه الحضن الشعبي. ولا أخال الشعب تخلى عن هؤلاء. لذا من أراد بصدق أن يتجه لتكثيف الاحتضان الشعبي وليس إلى فك الشهداء عن الوطن ليُظهر الوطن مديناً وخالق تنغيص للشباب!!!

حينما كنا نقدم الشهداء دون إلحاق الأذى الحقيقي بالعدو كتب كثيرون تباكيا على الدم المسفوح برأيهم سُدىً. ومع أن الأحق ان يكون فعلنا أقوى وأعمق من عدوانهم، إلا أنه حتى القتل المجاني من العدو بهدف المتعة هو والدماء التي سالت بقذف حجر هي التي مهدت للعمليات الفردية وغير الفردية الفاعلة وكلها في ظاهرة الفدائيين الجدد.

فماذا يريد الذين ينقدون ظاهرتَيْ:

·       النضال دون إلحاق أذى مباشراً

·       والنضال الموجع للعدو؟

إذا كان الهدف حقن الدماء، فالدم يُسال حتى لو كنت في فراشك.

هذه المواعظ مساق من مساقات الحرب النفسية التي أعدتها دوائر المخابرات الغربية للثورات الملونة. هل درسها هذا أو ذاك، أو توصل لمثيلها من عندياته، لا يهمنا هذا بل يهمنا هذا التبخيس لأي حراك. فليشرب هذا كأسه الأول ويترك الدم للوطن.

أحدهم حاول بخبث الدخول بين ألم الأم والشهيد لفك العلاقة. وهذا غزو أشد من الغزو المعادي نفسه.

كل من مارس النضال الحقيقي يدرك أن الشباب قلما يُخبرون أهاليهم بما في دخيلتهم. وهذا لا يؤثر قط في درجة الحب والحزن والفقدان والألم والوجع الأمومي والأسري والشعبي. لكن كل هذا الثمن لم ولن يوقف عجلة النضال لأن هذه قوة كامنة في الشعب تتفجر في هذا المناخ بالذات سواء في شعبنا او اي شعب لآخر.

ولا يمكن التحرير إلا من هذا المدخل بتوطينه وتعريبه.

وحين التحرير بإمكان ذو الكأسين أن يستقر على الكأس الأولى حيث لا يكون حينها فدائي يُطيِّر له السكرة.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/