نشرة “كنعان”، 3 كانون الأول (ديسمبر) 2022

السنة الثانية والعشرون – العدد 6426

في هذا العدد:

أدوات لعشيرة منتفخة إمبريالياً: هي قطر الخطر، عادل سماره

تأثير نتائج الانتخابات النصفية في الجولة الرئاسية المقبلة، د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

قراءة في كتاب:

” كتاب عبد الناصر ومعركة الاستقلال الاقتصادي [1952 – 1971]

المؤلف: ف. ا. لوتسكيفتش

ترجمه عن الروسية سلوى ابو سعدة، واصل بحر

مراجعة مجدي نصيف

✺ ✺ ✺

 أدوات لعشيرة منتفخة إمبريالياً: هي قطر الخطر

عادل سماره

 ​​

كثيراً ما عاتبني رفاق على ذكر أسماء أوغاد المرحلة. ولكن الرفاق قد ينسون أن اوغاد المرحلة من المثقفين أخطر من أوغاد السلطات. فالسلطة الديكتاتورية وخاصة الإماراتية والملكية والمشيخية هي بيد شخص ولكن حوله حاملي السموم وليس الطِيْب وأغلبهم من المثقفين.

هذه المرة ليست عن صاحب الفضائيات والجرائد والمواقع الإلكترونية….الخ بل عن “أكاديمي” يغزو جامعة محلية قادم كي يُنظِّر على الطلبة وخاصة على مجلس طلبة يساري وعن ماذا؟ عن ضرورة طعن سوريا!

هكذا مشهد يذكرني بقول للراحل سميح البرغوثي:”في هذا الزمان آن للمرء أن يرسم وجهه على قفاه”.

نعم، فليس هناك ما يشرح اللحظة أفضل من هذا التجهم.

“الأكاديمي” الطالع بعزيمة وعزم يلوم على الدولة السورية بأنها لم تلبي مطالب المحتجين في البداية، ولو فعلت لما حصل ما حصل.

طيب: اقسم بالشياطين لو كنت أنافي جامعة تستضيفه أو تُعيِّنه (حتى لو راتبه مدفوع من جهة ما نفطية طبعا) لرفعت قضية حقوقية أكاديمية تطالب بإغلاقها او تحويلها إلى مدرسة ابتدائية.

هذا الشخص كما يبدو في حياته ما قرأ ولا كتب ولم يسمع سوى اكاذيب وجرائم الثورة المضادة بل حتى جزء منها.

قبيل اغتصاب فلسطين أكد بن غوروين وجابوتنسيكي وصولا إلى نتنياهو بأن بقاء الكيان مرهون بتفكيك سوريا.

ومنذ استقلال سوريا والغرب ضدها حتى يوم يبعثون.

قبيل الوحدة عام 1958 قرر الاستعمار التركي الهجوم على سوريا الأمر الذي دفع مصر للوقوف مع سوريا وكانت الوحدة.

ولذا اشترك الغرب والكيان وانظمة عربية وخاصة الأردن والترك وقوى الدين السياسي في تحطيم الوحدة المصرية السورية عام 1961.

وبعد أحد عشرة سنة من تقارير غربية وليس عربية وصهيونية تقول بأن الإمبريالية صنعت قوى الدين السياسي وجهزت قوى الاستشراق الإرهابي لتدمير سوريا وليس حتى تغيير النظام او الرئيس.

وبعد فيديوهات حمد بن جاسم (والله أعلم لماذا يقوم بذلك) ومنها أن امريكا وقطر والسعودية والإمارات وغيرها قررت تدمير سوريا وأن قطر وحدها دفعت 137 مليار دولار لإسقاط النظام في سوريا. وأن الأنظمة العربية المضادة للأمة العربية وللقومية العربية انفقت 2 ترليون دولار ضد الأمة العربية!

وأن كل هذا الكرم من أجل الديمقراطية في سوريا!!!

ترى هل هناك طالب جريىء ليصفع المحاضِر بحذاء ويقول له: شاعر قطري حٌكم 14 سنة على قصيدة! هذه تكفي ليخرج الطلبة كما فعل طلبة جامعة في كندا ضد دخول نتنياهو.

وبعد هذا وغيره، يأتي أكاديمي له من العبقرية ما ليس لدى أحد ليقول أن الخطأ من الرئيس الأسد.

من لا يرى كل هذه الحقائق التي بحجم نصف الكوكب، على مستمعيه وطلابه أن يغلقوا الباب أمامه على الأقل، أو كما فعل طلبة جامعة بير زيت حينما كانوا أكثر جذرية حيث نال أحد المطبعين علقة جامدة عام 1985.

فأي تجهيل وتحقير للجيل الشاب.

لو كانت هناك حركة طلابية شاملة لا مجزّأة كما الحركة الوطنية لمنعت أمثال هذا من دخول اية جامعة حتى لو في بطنه بئر نفط.

ولو كانت في البلاد جبهة ثقافية حقيقية وليس كثير من المستكتبين والمتثاقفين وخدم التسوية لقاموا بأكثر من هذا. فاين شرف الثقافة الوطنية العروبية؟

ومتى يثرثر أمثال هذا وينفثون سمومهم! في زمن الفدائيين الجدد! الذين يدركون بالفطرة او الوعي أن روح فلسطين في رحم سوريا وليست في يد الرئيس أو القيادة السورية. فالمسألة هي الوطن وليس أية قيادة.

ولكن حين تدافع قيادة عن بلدها تصبح هدفا للثورة المضادة.

بصراحة، لو كان ابني في جامعة كهذه، لقلت له يا ولدي إن شراء بغل وعود حراث تحرث الأرض ورائه اكثر فائدة لك من الاستماع لأمثال هذا. رغم ان ابن خلدون هاجم المحراث اليدوي!

وإلى من يستضيفوا هذا اقترح عليكم: تسجيل حديثه وترجمته للغات الأجنبية واستفتاء الرأي العام العالمي عليه لتعرفوا كيف تفكر الأمم.

ألم تشبع فلسطين غُزاة! ألم تشبع العروبة طعنات!

✺ ✺ ✺

تأثير نتائج الانتخابات النصفية
في الجولة الرئاسية المقبلة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري


            إنّ فحص نتائج الانتخابات النصفية الأميركية وما قد تقود إليه من استنتاجات لجولة الانتخابات الرئاسية المقبلة ينطوي على التسليم بالفرضية الرسمية، أي إن ما جرى هو في نطاق طبيعي لتداول السلطة بين حزبين تتلاشى الفوارق بينهما، والخروج بتوجه يبقى أسير المراوحة بينهما من دون أفق حقيقي لتعديل في سياسات دولة عظمى، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي بشكل خاص.
            يلجأ عقلاء المجتمع الأميركي إلى ترديد توصيف شكسبير في روايته الأشهر “ماكبث” بأنّ نتائج ما جرى تتمثل بـ «كثير من الضجيج للا شيء»، وهو ما أكّدته نتائج  تبادل الحزبين مواقع السيطرة على مجلسي الكونغرس بنسب ضئيلة لكلِّ منهما، وعكسه أيضاً استمرار معدلات اللامبالاة الشعبية وتعميق مستويات الشرخ والانقسام البارزة والتي لا حلول لها في ظل توافق الحزبين على عدم مراجعة أسس نظام الكيان السياسي، ناهيك بإدخال “اصلاحات” عليه توسّع هامش المشاركة، كما يطالب به الخطاب السياسي الأميركي رسمياً دولاً ونظم حكم أخرى.
            أمام مشهد حصرية تقاسم المقاعد بين الحزبين، في الحالة الراهنة – فاز الجمهوريون بـ 220 مقعداً في مجلس النواب في مقابل 212 مقعداً للديموقراطيين – فإنّ المعركة الحقيقية تجري يومياً على مستويات أدنى في الهرم السياسي، ممثّلة بالسيطرة على مناصب حكام الولايات وتركيبة مجالسها التشريعية والتحكّم في توجهاتها، الأمر الذي مهّد الساحة السياسية للتيارات المتشددة وأكثرها يمينية في المجتمع التأثير على مرشحين يلتزمون بتنفيذ أجندتها السياسية.
وقد حصدت تلك التيارات نتائج صبرها الطويل بالفوز في تركيبة المحكمة العليا، وإصدار الأخيرة قرارات تبطل مفاعيل قرارات “ليبرالية” سابقة عمرها 5خمسة عقود ونيّف، جوهرها المسّ بالحقوق الفردية لشريحة تمثل نصف المجتمع على الأقل.
بيانات جولة الانتخابات النصفية تشير إلى سيطرة الحزب الجمهوري على 56 مقعداً في المجالس التشريعية في عموم الولايات الخمسين، مقابل 39 للخصم الديموقراطي، ما يمثّل خسارة صافية للحزب الديموقراطي بنحو 16 مقعداً في تلك المجالس، في مقابل ربح صافي للحزب الخصم بـ 24 مقعداً.
تباين قوانين الولايات بشأن آليات حسم الانتخابات أدّى إلى تأخير نتائج مقعد ولاية جورجيا في مجلس الكونغرس، نظراً إلى عدم حصول أي من المرشحيْن المتنافسين على نسبة النصف زائد واحداً.
دور المال السياسي في حسم النتائج وطبيعة المترشّحين يطرحان باستمرار  مع كل دورة انتخابية، لكنه سرعان ما يتراجع الجدل بشأنهما أمام الضخ الإعلامي الهائل وحسمه مصحوباً ببيانات متعددة ومتواصلة لاستطلاعات الرأي التي ما تلبث أن تتصدّر مادة التداول الأولى للفت انتباه المواطن وحرف الأنظار عن أولوياته الحقيقية ومتطلبات الحلول.
السباق الرئاسي في دورة العام الجاري لمنصب مجلس الشيوخ في ولاية بنسلفانيا شكّل نموذجاً صارخاً لنفوذ المال السياسي، وخصوصاً بعد استصدار تشريعات سابقة ترفع سقف مديات الصرف وحجم التبرعات لتمهّد طريق النفوذ أمام كبار رؤوس الأموال والتحكّم في الأجندات السياسية.
بلغ حجم الإنفاق على السباق إلى منصبٍ في مجلس الشيوخ لولاية بنسلفانيا “أكثر من 164 مليون دولار”، متجاوزاً بذلك الرقم الأعلى السابق لعام 2014 في انتخابات ولاية نورث كارولينا، الذي بلغ 112 مليون دولار.
وصعدت مستويات الإنفاق في بنسلفانيا إلى معدلات “فلكية”، بحسب بيانات “مركز الاستجابة للسياسات – Center for Responsive Politics” المستقل، مضيفاً أن الرقم النهائي سيشهد ارتفاعاً جديداً بعد تقديم الفريقين بياناتهما للسلطات المختصة في وقت لاحق من الشهر الحالي.
وأشار الاستاذ الجامعي في جامعة فرانكلين ومارشال في بنسلفانيا، تيري مادونا، إلى خطورة المال السياسي قائلاً إن فرط الإنفاق “يجافي مبرراته، لكننا ندرك أن الهدف منه هو السيطرة والتحكم في توجهات واشنطن” السياسية (صحيفة “ذي مورنينغ كاول The Morning Call”، 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2022).
وأوضحت صحيفة المال والاستثمارات “وول ستريت جورنال”، في عددها الصادر يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أولويات الأجندة التي تنتظر مجلسي الكونغرس في تركيبته الحالية لبتّها على الفور، وعلى رأسها “الإنفاق على الدفاع”، وكذلك “رفع معدلات سقف الدين العام” لتمويل مشاريع الحروب الراهنة والمقبلة.
            من ميّزات السيطرة على مجلس النواب صلاحيتاته الواسعة في الإشراف على مداخيل الدولة، وتحديد الميزانيات المختلفة والموافقة على صرفها، وبت النفقات “الطارئة” التي يتبع معظمها ميزانية وزارة الدفاع.
وصرّح بعض أركان الحزب الجمهوري بأنّ على هيكل المجلس الجديد التصدي لبعض أجهزة الدولة المركزية التي يعارضون توجهاتها، مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي، أف بي آي، ومسيرته السابقة في التصدي للرئيس السابق دونالد ترامب.
            وامتداداً، سيسعى النواب الفائزون عن الحزب الجمهوري إلى تهميش دور أعضاء الحزب الديموقراطي في تركيبة لجان المجلس المتعددة، أبرزهم النائبة إلهان عمر، ومن ثم وضع قيادات الحزب الديموقراطي أمام تحدٍّ جديد، ليس في الترويج إلى أجندته فحسب، بل في التأثير على رسم الدور المقبل للكتلة الليبرالية الموسومة بـتوجهاتها “اليسارية”، وميول بعض أعضائها إلى الفكر “الشيوعي”، بحسب أدبيات التيارات اليمينية والمتشددة.
            من المرجّح أن تندلع معركة حامية الوطيس بين الجمهوريين لتقرير منصب رئيس مجلس النواب، الذي سيذهب إلى الحزب الجمهوري بحكم فوزه بالأغلبية. لكن نجاحه في السباق الانتخابي أفرز كتلة من بين أعضائه تعارض تبوؤ الزعيم المفترض كيفن مكارثي هذا المنصب على خلفية الصراع الداخلي بشأن نفوذ الرئيس السابق دونالد ترامب.
وسيحتاج مكارثي إلى دعم من أعضاء الحزب الديموقراطي لتعويض أعداد مناوئيه في حزبه، وهو الذي يمثّل امتداداً طبيعياً “للوضع الراهن”، وتأييد مراكز القوى الأساسية في رأس المال المالي والصناعي له. وبناءً عليه، تبدو بوادر المعركة إعلامية من أجل تسجيل مواقف معينة تمهيداً للإعداد لجولة الانتخابات الر ئاسية المقبلة.
            على مستوى الأجندات السياسية المرجو تحقيقها في المرحلة المقبلة، لا يتوقع تغلّب أعضاء الكونغرس على ولائهم الحزبي والتوازنات الراهنة، لصالح إنجاز خطوات حقيقية يبتغيها المواطن، ربما باستثناء تمويلات لوزارة الدفاع، مهما كانت هائلة، وتوافق الحزبين على استمرار الصرف العالي لبناء الجدار على الحدود الجنوبية مع المكسيك.
            أهمية الانتخابات النصفية تتلخّص في أنها فتحت كوة صغيرة للاستدلال على توجهات معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024، وخصوصاً دور كل من الرئيس جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب الذي أعلن رسمياً عن ترشحه للجولة المقبلة.
            يعاني الرئيسان، فيما يخص ثقلهما السياسي لدى حزبيهما ومناصريهما، عقبات متباينة للمضي قدماً كمرشحيْ لحزبيهما. بات الرئيس بايدن عبئاً على حزبه لجملة أسباب، أبرزها تقدمه في السن وتراجع ملحوظ في قدراته الذهنية، فضلاً عن عثراته في تنفيذ وعوده الانتخابية، وتزايد منسوب مطالبة أعضاء حزبه بضرورة البحث عن مرشّح بديل لا يعاني من الترهّل الحالي.
على الرغم من أنّ الوقت ما زال مبكراً للحديث عن المتصدّرين لقائمة المرشحين المحتملين عن الحزب الديموقراطي، فإنّ بعض قادة الحزب يميل إلى التوافق على حاكم ولاية كاليفورنيا، غافين نيوسم، وخصوصاً بعد فوزه المميّز في الجولة المنتهية، وما تعرّض له من تشويه لإقصائه عن منصبه، بحسب قوانين الولاية الجارية، وتجاوز ذلك بمهارة واقتدار.
أما الرئيس السابق دونالد ترامب، فسيواجه مقاومة من نوع آخر داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً بعد الأداء الباهت لمرشّحين دعمهم بقوة، وتحميل خطابه المستفزّ والإقصائي المتواصل مسؤولية عدم حصد الحزب نتائج أعلى كما كان متوقعاً.
جمهور الحزب الجمهوري ذاته بدأ يعي حقيقة بعض التغيرات الديموغرافية في توجهات ناخبيه، وخصوصاً أنّ عام 2024 لن يستنسخ معطيات جولة عام 2020 وما رافقها من جدل قانوني واسع واتهامات موجّهة إلى لحزب الديموقراطي لممارسته “الخداع والتزوير” في النتائج، كما يمضي الخطاب السياسي للرئيس ترامب في ترويجه.
إن جهود إقصاء ترامب المتوقعة ستكون أبعد عن السلاسة وضرورات الأعراف السياسية لحزب كان يعاني، ولا يزال، ترهّلاً ملحوظاً في نوعية مرشحيه، فضلاً عن أجندته السياسية الضيقة، الأمر الذي يشير إلى احتدام الصراعات في أقطاب الحزب ومديات الدعم التي ما زال الرئيس ترامب يتمتع بها لدى شريحة معتبرة من مؤيدي الحزب، وخصوصاً الأوساط الريفية المترامية الأطراف، وتسجيله بعض الانتقادات المشروعة ضد قادة الحزب التقليديين.
واقع الأمر يشير إلى تيقّن تيارات المؤسّسة الحاكمة، بكل تياراتها وتنوعاتها المعلنة، بعدم السماح لأي مرشّح من خارج المعادلة السياسية وتوازناتها الراهنة بتكرار ظاهرة ترامب. يشتّد يقينها للتحرّك مبكِّراً عقب استمرار جولات تحقيق لجان الكونغرس في أحداث غزوة الكابيتول، وتسليطها الضوء مجدداً على ما يمكن وصفه بـسلوك تآمري، على الرغم من أن توصياتها لن تكون ملزمة لأي طرف، فضلاً عن حقيقة تحكّم مؤيدي الرئيس ترامب في لجان مفصلية في مجلس النواب المقبل، والإشارات المتعددة التي تُطلق تباعاً عن نيّة أولئك الأعضاء تفعيل جهود التحقيق مع الرئيس جو بايدن ونجله هنتر، وخصوصاً في مستوى معادلة الترهيب التي مارسها الأول على الحكومة الأوكرانية لقاء تدفق المساعدات الأميركية إبّان توليه منصب نائب الرئيس أوباما، وما أفرزته البيانات المتوفرة في الكشف عن استغلاله نفوذه السياسي في توظيف نجله مستشاراً لدى أوكرانيا براتب شهري عالٍ.

:::::

مركز الدراسات الأميركية والعربية، واشنطن

الموقع الإلكتروني:

http://thinktankmonitor.org/

✺ ✺ ✺

قراءة في كتاب: ” كتاب عبد الناصر ومعركة الاستقلال الاقتصادي [1952 – 1971]

المؤلف: ف. ا. لوتسكيفتش

ترجمه عن الروسية سلوى ابو سعدة، واصل بحر

طبعة   1980

مراجعة مجدي نصيف

دراسة الاقتصادى السوفيتى” لوتسكيفتش” والتى كانت بعنوان “عبد الناصر ومعركة الاستقلال الاقتصادى 1952-1970″، وترجع أهمية هذه الدراسة إلى أنها صادرة عن اقتصادى ينتمى الى الفكر الاشتراكى وللتجربة السوفيتية بشكل خاص، وبالتالى فهي تعبر عن مضمون هذه الخبرة التاريخية، كما أنها نشرت بالعربية عام 1980 أى بعد عشر سنوات من وفاة ناصر والانقضاض على انجازاته المادية داخل جهاز الدولة المصرية واستقرار عناصر الثورة المضادة فى قمة السلطة السياسية، وبالتالى فهي دراسة لا تحمل أى جانب دعائى أو بروباجندا للنظام الناصرى، بقدر ما يمكن اعتبارها تقييماً متزناً لتجربته فى الاستقلال الوطنى.
فرغم ما تبناه جمال عبد الناصر من أجل التحرير وإعادة الحق والكرامة من سياسية الصمود والتحدى واستنزاف العدو الصهيوني، كان لابد من إعداد الجبهة الداخلية للصمود اقتصادياً واجتماعياً، وهو ما حققه عبد الناصر بعد يونيو بشكل أذهل أعداءه محققاً نسب نمو لا تقل عن نسب النمو قبل النكسة، مع استمرار أعمال التنمية والبناء وإعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة لمعركة التحرير.


أولاً، نتائج الخطة الخمسية الأولى للتنمية 1960 /1965
يرى لوتسكيفتش أن الخطة الخمسية الأولى كانت تهدف إلى زيادة الدخل القومى بنسبة 39.7 % خلال السنوات الخمس من 1960 الى 1965 وأنه قد تحققت أهداف تلك الخطة بنسبة 97 % وتحققت معها خطة رأس المال بنسبة 96 % وتعدت الزيادة فى العمالة والأجور النسب المحددة لها فى الخطة.
أما العقبات التى واجهتها مصر فى تنفيذ الخطة الخمسية، فتكمن فى أنها التجربة الأولى للتنمية المخططة والمحاولة الأولى لعمل تنمية اقتصادية وفق خطة على المستوى القومى.
وعلى الرغم من أنها التحربة الأولى، فيرى لوتسكيفتش أن مصر حققت تقييم ايجابى لمحصلة تحقيق الخطة، حيث يصل متوسط المعدل السنوى للنمو الاقتصادى الذى تحقق فى الخمس سنوات الى 6.5 % وهذا يعنى أنها تخطت معدلات نمو كثير من الدول النامية والتى كانت تتراوح بين 35 % وهو ما يشبه النمو الاقتصادى الكبير فى هذه الآونة للتنين الصينى الذى يدخل الصراع بقوة على قيادة الاقتصاد العالمى.
إرادة لا تنكسر (استمرار النمو الاقتصادى بعد نكسة يونيو 67)
أنتهج نظام عبد الناصر خطا للإصلاح الاقتصادى والمالى لمواجهة أثار الهزيمة العسكرية، والحفاظ على نهجه التنموى المستقل، فيقول لوتسكيفتش بالنسبة للإنتاج الاقتصادى:
شهدت الفترة بين 1965 الى 1970 إقامة 155 مصنعاً، وارتفعت قيمة الانتاج الصناعى بالأسعار الجارية من 661 مليون جنية عام 1960 الى 1144 مليون جنية عام 1965 وبعد الهزيمة العسكرية 1967 وعلى الرغم من الصعوبات الظاهرة استمرت الزيادة فى الانتاج الصناعى الى 1634 مليون جنية عام 1970 والى 1809 مليون جنية عام 1971
وفى الفترة من 1968 الى 1970 ونتيجة لجهود الدولة فى استغلال جميع موارد البلاد تم التغلب بصورة واضحة على الآثار الاقتصادية للعدوان الاسرائيلى، وبلغت نسبة الزيادة فى الانتاج الصناعى وحسب الاسعار السائدة عام 1968 ( 7 % ) وكانت قد بلغت عام 1966 قبل العدوان العسكرى (6 %) وقد انخفضت فقط عام 1967 الى (3 %) لتعاود الارتفاع عام 68 الى السبعة فى المائة.
وواصلت الارتفاع عام 1969 الى (9.2 %) وفى عام 1970 كانت (8.2 %) وفى عام 1971 (10.7 %) حيث كانت الدولة ما زالت تسير على النهج الناصرى اقتصادياً.
وإذا علمنا ان هذا الأداء للاقتصاد المصرى، كان يتم فى ظل خسائر عالية من جراء نسف مصانع منطقة قناة السويس، وتسخير معظم الانتاج الصناعى لسد احتياجات الجيش، فان ذلك يجعلنا ننظر للتجربة الناصرية بكثير من الاحترام والتقدير(لوتسكيفتش )


ثانياً: الإصلاح المالى وميزان المدفوعات:
يذكر لوتسكيفتش أن النظام الناصرى أستحدث عقب 1967 نظام التمويل الذاتى الذى ينص على أن تقوم كل مؤسسة صناعية باستثمار احتياطاتها لتنفيذ التوسعات اللازمة لها وتطوير وسائل الانتاج وتطبيق التكنولوجيا الحديثة، فقد كانت ( 55 % ) من جملة الاستثمارات فى قطاع الصناعة عام 1971 -1972 من التمويل الذاتى ويعتبر هذا جزء من معالم الاصلاح الاقتصادى والمالى، الذى كان يهدف الى التوسع فى الصادرات وتحسين اقتصاديات مصانع القطاع العام، ومن ناحية ثانية مواجهة العجز المزمن فى ميزان المدفوعات، وبسبب الصعوبات التى أضافها العدوان العسكرى 67 نهج النظام الناصرى فى هذه الفترة سياسة جديدة للإصلاح النقدى تمثلت فى خطين رئيسيين: الاول اتخاذ اجراءات لزيادة العائد النقدى من التصدير عن طريق تقليل الهوة بين قيمتى الاستيراد والتصدير، الأمر الذى انعكس بدون شك على التبادل السلعى الذى انكمش فى عام 1970 الى ( 7.6 % ) بالمقارنة بعام 1966 عند ذلك انخفض الاستيراد الى ( 26 % ) بينما ارتفع التصدير الى 25 %
ويذكر لوتسكيفتش أن هذه السياسة كانت لها نتائجها الإيجابية فى أعوام 1968-1969-1970-1971 حيث زادت المعدلات الفعلية للتصدير عن المعدلات السنوية للاستيراد، أى منذ الهزيمة العسكرية وحتى وفاة عبد الناصر 1970، أما مسار الاصلاح النقدى فقد تمثلت فى إحكام سيطرة الدولة على انفاق النقد وإدخال نظام الاقتصاد الموجة المتقشف، فابتداء من عام 1967 وحتى يوليو1971 تولت المؤسسة العامة للتجارة منح الموافقة النهائية على استخدام المستوردين للعملات الاجنبية، وبعد التصديق على كل عملية من المجلس السلعى المختص، وقد أدت هذه السياسة إلى تحسن خطير فى ميزان المدفوعات الذى حقق زيادة لصالحه بمقدار (5.2 مليون جنية) عام 1968 ولأول مرة فى تاريخه منذ عام 1954
ويعلق لوتسكيفتش على ذلك قائلاً: وتعتبر مسألة القضاء على العجز فى ميزان المدفوعات فى ظل ظروف نضالية صعبة للقضاء على آثار العدوان العسكرى انجازاً مستحيلاً لمصر.


ثالثاً، فى مجال التجارة الخارجية:
اتبع النظام الناصرى خطة وسياسة قاسية لخفض الاستيراد وزيادة الصادرات، أدت الى تراجع العجز فى الميزان التجارى بشدة، فقد تراجع العجز فى عام 1968 الى (19.3 مليون جنية) مقابل ( 202.2 مليون جنية) عام 1966
أما المفاجأة الحقيقية
فهى ما حدث عام 1969 عندما حقق الميزان التجارى ولأول مرة فى تاريخ مصر بل الاكثر من ذلك انها بعد النكسة ومواجهة أثارها، عندما حقق الميزان التجارى زيادة لصالحة مقدارها (46.9 مليون جنية) وللأسف ربما المرة الوحيدة والأخيرة فى تاريخ مصر حتى الآن، وفى عام 1970 ظهر العجز مرة أخرى بمقدار (10.9 مليون جنية) ولكنة لم يبلغ أبداً ومنذ الهزيمة العسكرية النسبة التى كان عليها قبل النكسة عام 1966 ( 202.2 مليون جنية) الأمر الذى يوضح ما بذلة النظام الناصرى لتحسين وتصحيح الأوضاع الاقتصادية.


رابعاً: استخراج البترول:
استطاع النظام الناصرى التغلب على النقص الذى حدث عام 1967 فى مجال البترول نتيجة احتلال العدو الصهيوني لآبار بترول سيناء، وذلك بتشغيل الآبار البحرية بحقل “مرجان” فى خليج السويس، كما زاد هذا الانتاج باكتشاف حقل “العلمين” عام 1967 وبعد أن كان انتاج مصر من البترول قبل الهزيمة العسكرية حوالى ( 9.5 مليون طن) فى السنة زاد الانتاج الى حوالى (14 مليون طن) عام 1970 وفى مجال تصدير البترول نقص تصدير البترول عام 1967 من مصر الى (755 الف طن ولكنه عاد للزيادة عام 1970 الى ( 3.5 مليون طن).


خامساً، المجال الزراعى:
رغم الهزيمة والنكسة والضغوط التى واجهها النظام الناصرى للتخلى عن سياسته الثورية تحت دعوى عدم تنشيط الصراعات الطبقية الداخلية، إلا أنه أصدر عام 1969 قرارات تحديد الملكية الزراعية بحيث لا تزيد عن 50 فداناً للفرد ومائة فدان للعائلة الواحدة، وكان من أهم خصائص هذه المرحلة الثالثة من الاصلاح الزراعى، أن الاراضى الزراعية لصغار الفلاحين أمكن ضم أجزاء منها فى شكل تعاونيات، بالإضافة الى تمليك مزارع حكومية من أجل تحسين وتطوير طرق استزراعها، ففى عام 1966 غطت التعاونيات الزراعية حوالى (70 %) من السكان المشتغلين بالزراعة وزاد عدد التعاونيات من 1727 عام 1952 مع أول قانون للإصلاح الزراعى الى 5323 عام 1970.


سادساً، استصلاح الاراضى:
تم فى الفترة الأولى من الخطة الخمسية الأولى استصلاح 546 ألف فدان من الأراضى الجديدة، غير أنها لم تستغل بشكل كامل وفى عام 1965/ 1966 تم بالفعل استزراع 323.5 الف فدان من حوالى 734 الف فدان تم استصلاحها حتى يوليو 1966 ولكن بعد الهزيمة وفى منتصف عام 1968 زاد التوسع فى استصلاح الأراضى الى 2.818 ألف فدان وزاد مع بداية 1970 الى 863.3 الف فدان.
وبالطبع كل هذه الأرقام والمعدلات التى وردت بدراسة الاقتصادى السوفيتى لوتسكيفتش والمطابقة للتقارير الاقتصادية الدولية البنك الدولى والأمم المتحدة تعد أكبر مفاجأة للبعض من الذين يستسهلون إلقاء التهم دون تمحيص أو تدبر أو حتى قراءة لما حدث. ففي عام 1970 سنة رحيل جمال عبد الناصر كان مجموع الديون التى تتحملها مصر هو أربعة آلاف مليون دولار هى مجموع الدين المدنى والعسكرى، وكان معظمة للاتحاد السوفيتى على أقساط بسعر فائدة 2.5 %
وهذه الصورة للديون لو وضعت فى صورتها الحقيقية فإن الدين الخارجى الرئيسى (وهو أربع آلاف مليون دولار) يوازن ربع نظيره الاسرائيلى على سبيل المثال، مع التباين الهائل فى عدد السكان حينئذ 39 مليون مصرى و3 مليون اسرائيلى.
بالإضافة الى تحمل الاقتصاد المصرى تكاليف اتمام بناء السد العالى، والذى يعادل فى بناؤه 17 هرماً من حجم هرم خوفو، والذى لم يكتمل بناؤه إلا عام 1970 وقد اختارته الامم المتحدة عام 2000 كأعظم مشروع هندسى تنموى بالقرن العشرين.
كما تم انشاء مجمع الألومنيوم بنجع حمادى كأكبر مجمع ألومنيوم بالشرق الاوسط والعالمين العربى والثالث حينها والذى أدرج لأول مرة عند أعداد الخطة الخمسية الاولى 1960/ 1965 ثم أدرج ثانيا فى 23 يوليو 1969 ضمن اتفاقية التعاون الاقتصادى والفنى بين الحكومتين المصرية والسوفيتية المحدد بها بطاقة انتاجية 100 ألف طن وفى 22 اكتوبر 1970 أعتمد وزير الصناعة والبترول والثروة المعدنية انشاء المجمع وبدأ الانتاج الفعلى فى أكتوبر 1975.
كما تم انشاء بنك ناصر الاجتماعى بعد النكسة، وتحديداً عام 1968 إبان وزارة الدكتورة حكمت ابو زيد وزيرة الشئون الاجتماعية والعمل، وهى تعد أول وزيرة فى الحكومة المصرية منذ قيام الثورة، وكان الغرض من انشاء بنك ناصر الاجتماعى هو مساعدة الفقراء والمحتاجين وخاصة طلاب الجامعات المصرية.
مما سبق يتضح أن العامل الحاسم والمميز لعبد الناصر، كان قدرته المذهلة على تحويل التحديات التى تواجهه الى انجازات تضاف الى رصيد شعبه قبل أن تضاف الى رصيده الشخصى، فرغم المعارك والمصاعب التى خاضها ناصر، إلا أنه كان قادراً ومصمماً على عدم الانحناء أو الحياد عن طريق الاستقلال الوطنى، ومصالح الجماهير الكادحة التى أحبته وأعطته مختارة كل عواطفها حتى هذه اللحظة .


تحميل: كتاب عبد الناصر ومعركة الاستقلال الاقتصادي [1952 – 1971] / ف. ا. لوتسكيفتش، ترجمه عن الروسية سلوى ابو سعدة، واصل بحر

نص الكتاب على الرابط التالي:

https://drive.google.com/file/d/1Az7r70s8v95umJsbeG5SH5J1PPp8e43l/view?usp=sharing

:::::

المصدر: مجلة الوعي العربي

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:

https://kanaanonline.org/

  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org