تونس – ضرورة بناء جبهة تقدّمية، الطاهر المعز

المُعاينة قبل اقتراح الحلول ​​

يُمارس قيس سعيد السلطة، منذ 25 تموز/يوليو 2021، بواسطة المراسيم وينفذها بواسطة الجيش والشرطة وبعض الهيئات التي أنْشأها، ورغم استخدامه شعار “الشعب يريد”، فهو يمارس السلطة بواسطة أجهزة الدّولة ومنظومتها وأجهزتهما الإعلامية والإدارية والقضائية (وليس بواسطة هيئات شعبية ومجالس قاعدية كما وَعَدَ) وهي أجهزة نخرها الفساد، منذ فترة حُكم بورقيبة، ولم يتم إصلاحها منذ عُقُود. أما في المجال الإقتصادي، فلا تمثل سلطة 25 تموز/يوليو 2021 قطيعةً مع البرامج الإقتصادية والإجتماعية السابقة، بل مواصلة لها، ولم يتغير نموذج التنمية ولا تزال سياسة التبعية للإمبريالية متواصلة، وكذلك هيمنة المؤسسات المالية الدّولية التي تُمْلي الخيارات الإقتصادية (ومن ورائها البرنامج السياسي) للنظام القائم.

في صف الشعب، لم تهدأ الإحتجاجات ضد ارتفاع الأسعار والنّهب وضد انتهاك الحريات الفردية والجماعية، ومن أجل الشّغل وإعادة توزيع الثروات الخ.

تبرز وسائل الإعلام الدّولية احتجاجات الفصائل الرجعية الأكثر تنظيمًا وثراءً وقوةً، كالإخوان المسلمين (النهضة) والدّساترة، وغاب (أو كاد) الصّوت الإشتراكي والتّقدّمي، رغم مُساهمة مُناضِلِية في كافة المعارك التي عرفتها البلاد منذ عُقُود، فاليسار الإشتراكي مُشتّت، ما أدّى إلى ضُعْفِهِ كتيار فكري، عقائدي وسياسي، وكحركة جماهيرية، واتّسم عمله ومشاركته في الحياة السياسية، خصوصًا خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بالسّلْبِيّة والخضوع للأحداث وبِرَدّ الفِعْل، بَدَل المُبادرة والفعل في الأحداث…

تهدف هذه الفقرات التّحفيز على إطلاق حوار سياسي بخصوص وضع اليسار الإشتراكي ومستقبله، وتهيئة شروط الفِعْل الإيجابي في الحركة العمالية والجماهيرية بالبلاد (وربما بالوطن العربي)، عبر إنشاء هيكل مشترك للتنسيق بين الحركات الإجتماعية ودعمها إعلاميا وسياسيا ومادّيًّا، في مختلف أنحاء البلاد، وعبر إنشاء جبهة تضم كافة القوى التقدمية للإتفاق حول برنامج الحدّ الأدنى من القواسم المشتركة، لخدمة الشرائح التي تُشكّل أغلبية المواطنين…

هناك خلافات واختلافات في تحليل الوضع الحالي (في تونس وخارجها)، واختلافات في رؤية المُستقبل، وبدل طمسها أو معالجتها بوسائل بدائية كالإتهامات والشتائم وإحلال القطيعة بين القيادات (التي لا تتغير سوى نادرًا) وبين المناضلين القاعديين، وجب فتح نقاش واسع بين مختلف التيارات التي تُعلن تبنيها الإشتراكية (والشيوعية مرحلة أرْقى من الإشتراكية)، بأشكال مختلفة والإتفاق على خطة عمل تُؤَدِّي إلى بُرُوز الإشتراكيين ككتلة ذات شعارات وأهداف واضحة، بالتوازي مع مناقشة نقاط الخلاف، ومع بناء جبهة تقدّمية أَوْسَع من الإشتراكيين…

يُمكن مُلاحظة ارتفاع عدد الأفراد “المُسْتَقِلِّين” الذين يدّعون تبَنِّي الإشتراكية، دون انتمائهم إلى أحزاب ومنظمات اشتراكية وشيوعية، وهذه ظاهرة غير صِحِّيّة، لأن إنجاز الإشتراكية أو أي تغيير يتطلّب العمل الجماعي والمُنَظّم (عكس التّلقائي)، فإمّا أن المنظمات والأحزاب الموجودة غير جذّابة وغير قادرة على ضَمّ هؤلاء “المُستَقِلِّين” لأسباب لا يمكن حَصْرُها بعجالة، أو إن هؤلاء “المستقلين” يرفُضُون الإلتزام والتّقيُّد بضوابط التنظيم الحزبي وبالعمل الجماعي، فيناضلون في المجال النقابي أو الثقافي أو الحُقُوقي… وجب التفكير في طريقة إشراك الجميع في الحوار والنقاش، كما يتوجّب طرح التساؤلات بخصوص أسباب تفاقم هذه الظّاهرة واستنباط حلولِ مناسبة للوضع بجميع تَشَعّباته، فقد لاحظنا ارتفاع عدد المُستقلين في الجبهة الشعبية (بتونس وليس بفلسطين) وتفوّقهم عدَديًّا على مناضلي الأحزاب، ما خَلَقَ إشكالات ساهمت في تجميد فُرُوع المناطق البعيدة عن العاصمة والسّواحل، ثم إلى شلّ عمل الجبهة…  

مُلخّص وضع البلاد الحالي:

بعد قرض صندوق النقد الدولي البالغ 1,9 مليار دولار، تم توقيع اتفاقية تمويل لمشروع الدعم الطارئ للأمن الغذائي في تونس، بقيمة 80 مليون دولار في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2022، مع مصرف التنمية الأفريقي، من أجل ” تحسين الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي وتأمين إمدادات القمح اللين والشعير والأسمدة”، بحسب الحكومة التونسية، فالبلاد لا تنتج ما يكفي من الحبوب وخاصة القمح الطري اللازم لصناعة الخبز، ولا العلف اللازم للحيوانات المُنتجة للألبان ومشتقاتها…

أما المواطن العادي فيُعاني من البطالة وارتفاع الأسعار، إذْ بلغ معدل التضخم رسميًا 9,2% في تشرين الأول/أكتوبر 2022 (9,1% في أيلول/سبتمبر 2022)، وفقًا للمعهد الوطني للإحصاء الذي يشير إلى ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية بنسبة 12,9% خلال عام واحد، ويرجع ذلك على وجه الخصوص إلى الزيادة في أسعار البيض واللحوم وزيوت الطعام والخضروات الطازجة والمنتجات المصنعة ومواد البناء والملابس ومنتجات الصيانة وكذلك الخدمات…

نُذكّر بشروط قروض صندوق النقد الدولي أو البنك العالمي أو الأطراف الداّئنة الأخرى والمتمثلة في إلغاء دعم المنتجات الغذائية، على مستوى الإنتاج والإستهلاك، وبذلك، تستورد الدّولة والشركات الخاصّة المنتجات الغذائية بالعملات الأجنبية (الدولار أو اليورو)، في ظل انخفاض قيمة العملة المحلية (الدينار التونسي)، وهو انخفاض مفروض من قِبَل الدّائنين، فيما انخفضت تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج من 2237 مليون دولار بنهاية تشرين الأول/أكتوبر 2021 إلى 2167 مليون دولار نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2022، بانخفاض 3,2% بالدولار، وتمثل هذه التحويلات مصدرًا للنقد الأجنبي يزيد عن ضِعْف إيرادات السياحة التي تحظى بالقُروض والدّعاية والإمتيازات الضّريبية، منذ أكثر من خمسة عُقُود، دون أي فائدة تُذْكر، بل لم يَجْنِ منها الشعب سوى الذّل والتّلوث وخصخصة الشواطئ…

هل يمكن تنسيق عمل اليسار؟

ظَهَرت حُدُود الإنتفاضات العفوية (أو التّلْقائية) التي تفتقر إلى برنامج وأهداف وقيادة تُحافظ على اتِّجاه البَوْصَلَة، فقد أدّى غياب هذه العناصر وضُعْف القوى التّقدّمية (قومية واشتراكية) إلى تقاسم السّلطة بين الإخوان المسلمين ورموز النظام السابق وفئة برجوازية طُفَيْلِية من رجال الأعمال الفاسدين، بإشراف أمريكي وأوروبي، كما أظْهَرت الفئة الماسكة بمقاليد الحُكْم، منذ 25 تموز/يوليو 2021، عدم امتلاكها لبديل تقدّمي، بل مُغاير للمنظومة السابقة، فواصلت نفس السياسات الإقتصادية، ونفس سياسات التّبَعِيّة، مع قَمْع الحُرّيات وإلغاء دَوْر المُؤسّسات، بدَل إصلاحها أو تغييرها.

إن اصطفاف جزء من اليسار وراء السّلطة الحالية، “لأن الرئيس قَيْس سعَيِّد أزاح الإخوان المسلمين” الذين خرّبوا البلاد خلال عشر سنوات، دليل على اختزال الصراع الطبقي (الإقتصادي والسياسي والإجتماعي والثقافي…) في بعض الشعارات ذات المَظْهَر الديمقراطي، وبعد مُرُور حوالي سنة ونصف، وجب تقويم الوضع ومُراجعة أو تعزيز موقف كل منا، وهذا يتطلّب نقاشًا هادئًا، بين القوى التي تُعلن تبنّيها (أو العمل من أجل ) الإشتراكية، لكي لا تبقى مُتَذَيِّلَة، ولكي يكون لها برنامجها الذي تُدافع عنه وتعمل على إنجازه مع الكادحين من الطبقة العاملة وصغار المُزارعين والحِرفيين والأُجراء والمُعطّلين عن العمل والفُقراء، وهي الفئات التي واجهت أجهزة القمع سنة 1978 وانتفاضة 1983/1984، وسنة 2008 بالحَوض المنجمي وبكافة مناطق البلاد، وبالخصوص خلال انتفاضة 2010/2011…

لستُ أوّل من يكتب عن هذا الموضوع، فقد نُشِرَ عددٌ من المقالات والدراسات بشأن هذا الوضع، واقترح بعضهم أشكالاً من الحوار، بحثًا عن صيغة للعمل المشترك بين التقدّميين أو مكونات اليسار، فضلا عن بعض التقييمات وإنتاج بعض المجموعات السياسية، وما هذه الفقرات سوى مُساهمة أُخرى تُضاف إلى ما كُتِبَ ونُشِر.

أنشأت جماهير انتفاضة 2010/2011 هيئات ولجان قاعدية، تم عزلها وتخريبها من قبل تحالف واسع ضمَّ بعض قُوى اليسار “الإشتراكي” (مؤتمر نابل في 9 و10 نيسان/ابريل 2011 ) لتأسيس أُطُر وهياكل أخرى، أو الإندماج بها مع قُوى رجعية أحيانًا، مثل “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي” ( 15 آذار/مارس 2011)، أو رفع شعار إنشاء مجلس تأسيسي ودخول غمار الإنتخابات دون عُدّة، في ظل موازين قوى مختلة، يمثل فيها اليسار ريشةً في مهب الريح، ما أَحْبَطَ العديد من المُشاركين في إطلاق الإنتفاضة، وكذلك العديد من مُناضلي منظمات اليسار، وانحصر نشاط قادة اليسار في الحملات الإنتخابية (بدون نتيجة إيجابية تُذْكَر) وفي التصريحات الإعلامية، ولذلك كانت قوى اليسار المنظم (أحزاب ومنظمات) غائبة أو قليلة الحضور، وغير فاعلة في نضالات مُزارعي واحة “جمنة” وفلاّحي “أولاد جاب الله” والعديد من الإحتجاجات الأخرى لفئات شعبية مختلفة…

ضرورة الحوار بين قوى اليسار

اليسار كلمة فضفاضة، لكن دَرَجَ استخدامها، مثل عبارة “التّقدّمية”، والمقصود بها التيارات الإشتراكية بتفرعاتها، وبهذا المعنى فإن اليسار هوية فكرية وسياسية، مُقاوِمة للإستعمار والإمبريالية (والصهيونية فَرْعٌ منها) والأنظمة والطبقات التي تخدم مصالح رأس المال والأثرياء، أي إن الإنتماء إلى اليسار يعني انحيازًا لا لُبْسَ فيه لصف الكادحين والفُقراء، مع اختيار اللحظة التاريخية المناسبة للهجوم، أو لمجرّد المحافظة على القوى المتوفرة، وهنا يكمن أحيانًا تبرير التراجعات والحلول الإستسلامية باسم التكتيك والواقعية…

نحن في بلاد “طَرَفِيّة” (لا تنتمي “للمركز” الرأسمالي) تحكمها فئات كُمبرادورية، ترتبط مصالحها بالشركات الإحتكارية الأجنبية والدّول الإمبريالية (الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، بشكل أساسي) وتُيَسِّرُ هذه الفئات الحاكمة نهب الثروات المحلية، مقابل البقاء في السّلطة والحصول على عمولات، ولما لم تعد الدّولة قادرة على توزيع بعض الفتات على الفقراء، انتفضت الفئات الشعبية المسحوقة، في المناطق الفقيرة.

بعد عشر سنوات وجب التّهَيُّؤُ لخوض معارك عديدة من أجل العيش (الخبز) وكذلك من أجل الكرامة والسيادة على الموارد وإعادة توزيع الثروات، في مواجهة النظام وأجهزته القمعية، ومنظومته المُسلّحة والإدارية والقضائية والإعلامية، وفي مواجهة القوى الخارجية المُستفيدة من النّهب ومن تصدير فائض إنتاجها، ومن ارتفاع الدّيون…

لا يمكن لأحد أن يتنبّأ بموعد الإنتفاضات والثورات، ولذلك وجب التحضير لها وكأنها سوف تحدث غدًا، من خلال عمل يومي، ومن خلال مشروع وحدوي يستخلص الدّروس من سلبيات تجربة الجبهة الشعبية (2013 – 2019 ) لتنسيق عمل مختلف حركات الإحتجاج والمُقاومة وإنشاء أدوات نضال ودعم وإعلام، محلية وإقليمية، هدفها تحقيق مكاسب للمواطنين، بالتوازي مع نقاشات أخرى بين القوى المُنَظّمة، للإجابة على بعض التساؤلات، منها: هل يمكن توحيد اليسار، ولمن يتوجّهُ خطابه وما القواسم المُشتركة وما الخلافات على مستوى العقيدة أو الفكر أو الهوية، وكيف يمكن الإتفاق على برنامج سياسي مشترك، وعلى أشكال النضال، ضد الصف المقابل الذي يضم سلطة مادية ( رأس مال وجيش وشرطة وقضاء ) وإيديولوجية (إعلام وبروباغندا وبرامج تعليم…)

هناك شبه إجماع – رغم اختلاف وجهات النظّر – بشأن توحيد اليسار الذي أصبح غائبًا من الأحداث الكُبرى، رغم مُشاركة مناضليه في الحركة النقابية ونضالات الكادحين وصغار الفلاحين والفُقراء الذين عانوا من الإستغلال والإضطهاد والقمع من قِبَل نظام الحكم، من بورقيبة إلى تلميذه الباجي قائد السبسي، فضلاً عن حُكْم الإخوان المسلمين الذين تمكّنوا من السّطو على انتفاضة الشعب، لأنهم قُوّة منظّمة لها برنامج وخطط وأهداف، خلافًا لليسار الذي لم يُحدّد أهدافه ولا طريقة تنفيذها، باستثناء التّأكيد على العدالة والمُساواة، بشكل فَضْفاض…

توجد حاضنة هامة لفكر اليسار الذي لم ينتقل من فهم الواقع السياسي والإجتماعي إلى تغييره  وترجمة المشاركة الفاعلة في الحركة الإجتماعية إلى مكاسب سياسية تتمثل في اكتساب عُمْق طبقي، اجتماعي، وتعزيز صفوف اليسار بمناضلين جدد، أفرزتهم النّضالات اليومية…

لم يتمكّن اليسار التونسي من جَني ثمار تضحيات مناضليه، خصوصًا منذ انتفاضة الحوض المنجمي (2008) وتضحيات النّقابيين ولم يستخلص الدّروس من تجربة “الجبهة الشعبية” (2012 – 2018)، لأسباب عديدة، منها شُحّ الإنتاج الفكري، وقلة البحوث والدّراسات للوضع بمختلف جوانبه السياسية والإقتصادية والإجتماعية، كما لم تُنتج منظمات اليسار برنامجًا بديلاً لحالة التّبعية الحالية، ولم تنتج برنامجًا مُستقْبَليًّا للتنمية الإقتصادية والإجتماعية  

إن تحالف تيارات اليسار المناضلة ( جبهة أو هيئة تنسيق…) ضروري لإنجاز المهمات التي يتطلبها القواقع اليومي، ولبلوغ توازن ميداني للقوى في مواجهة أجهزة الدّولة وأعوانها وداعميها، ثم تحقيق الأهداف (حقوق العاملين والكادحين والفقراء، وتحقيق العدل والمساواة…)، ويُؤفّر التحالف أدوات الدّعاية والتثقيف والتّحريض لتحقيق المُهمّات والمطالب العاجلة (النضال المطلبي) وللإقتراب من تحقيق المهمات متوسّطة أو بعيدة المَدَى، ما يعني عدم إمكانية تحالف اليسار مع اليمين، بذريعة التّكتيك، أو بذريعة “الجميع ضد الإستبداد” (كما حصل خلال فترة حكم زين العابدين بن علي، وبعد اغتيال محمد البراهمي، في الخامس والعشرين من تموز/يوليو 2013، وبعد 25 تموز/يوليو 2021)، لأن الأهداف مُتناقضة، فاليسار هوية فكرية، وبرامج ذات مضمون اشتراكي، ومواقف وشعارات وممارسة، وسلوك نضالي لا يلهث وراء المناصب والمنافع.

تتشكّلُ الجبهة من ائتلاف بين قُوى تجمعها قواسم مُشترَكة، قد تتّسِعُ وقد تَضِيق، ما يعني اتحاد مختلف الأطراف لإنجاز البرنامج المُشترك، مع عدم الذّوبان، فيحتفظ كل طرف مثل الإشتراكيين والشيوعيين (كما غيرهم) بهويته الفكرية والدّفاع عن برامجه الخاصّة، في إطار العمل الحزبي المُستقل من أجل القضاء على الإستغلال الطّبقي (وليس فقط للتخفيف من حِدّته ) ودعم الشّعوب المُكافحة ضد الإستعمار المُباشر والإمبريالية، مع مواصلة الحوار بين مختلف التيارات الشيوعية التي تختلف قراءتها أحيانًا لمضمون الفكر الإشتراكي…     

إن العراقيل الدّينية والفكرية والتاريخية عَسَّرَت مُهمّة الشيوعيين للدّعاية لبرنامجهم وللتّحريض على الثورة، خصوصًا في فترات الجَزْر، ويكون الوضْع أفْضَلَ في فترات المد النضالي، وهو ما لم يتمكّن الشيوعيون ( ولا اليسار بشكل عام) من استغلاله، منذ الإضراب العام سنة 1978، فاليسار يُضَحِّي ليستفيدَ غيره، ولم يتمكّنْ من إنجاز نُقلة نوعية، والتّحَوُّل من منظمات محدودة الإنتشار إلى حزب جماهيري (أو أحزاب جماهيرية) مُقاوم، بهوية طبقية واضحة، تتجاوز البرجوازية الصّغيرة (التي تتبنّى الفكر الثوري والإشتراكية) لتشمل العمال وصغار الفلاحين، بفضل البرامج والشعارات والمُمارسة والسّلُوك الفردي والجماعي للمناضلين الشيوعيين، لإقناع العمال والفلاحين والفُقراء بأن مستقبلهم في الإشتراكية، ولبناء تنظيم ثوري مُكافح (النضال اليومي جزء من هوية الشيوعيين)، وبأهداف واضحة هي تغيير السّلطة، من سُلْطة تحالف طبقي يضم وُكلاء الإمبريالية، إلى سُلْطة “وطنية” (بناء اقتصاد وطني يُلَبِّي حاجة المواطنين، قبل التّصدير، وتوفير الخدمات الضرورية للمواطنين) في مرحلة أولى، بهوية اشتراكية تُمثّل مصالح الفئات الواقعة تحت الإستغلال والإضطهاد، وتتضامن مع الشُّعُوب والطّبقات المُكافحة للإستغلال والإضطهاد، ويتطلّب استهداف السّلطة انتشارًا واسعا، وجُهُوزيّة دائمة، والمزج بين العمل السّرِّي والعمل العَلَنِي…

ما جدوى العمل النقابي – نموذج تونس

ما ضرورة الوحدة إذا لم تكن من أجل الدفاع عن حقوق الكادحين والفُقراء والمُعَطّلين عن العمل، في مواجهة الأثرياء والمُستَغِلين والمُضْطَهِدِين، ومن أجل إقامة نظام يُحقّق العدالة والمُساواة، واقتصاد قائم على إنتاج ما يحتاجه المواطنون في حياتهم اليومية من سّلع أساسية كالغذاء والدّواء، وتوفير المسكن والنقل والتعليم والصحة والثقافة والتّرفيه، وغيرها من المُقوّمات الأساسية للحياة… جرت محاولات عديدة داخل الإتحاد العام التونسي للشغل، لتقديم قائمة مشتركة لليسار، نجح بعضها بصعوبة وفشل بعضها الآخر، لأسباب ذاتية ولخلافات بين الأطراف المُكونة للإئتلاف، وليس بسبب ضغط القيادات البيروقراطية أو ضغط النظام، لذا وجب تقويم هذه التجارب ( فضلا عن تجربة الجبهة الشعبية ورابطة حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين الخ) واستخلاص الدّروس منها، قبل خوض تجارب جديدة.  

لا يمكن لليسار أن يتطور ويتقدم نحو إنجاز هذه الأهداف، دون الإندماج في صفوف الكادحين والفُقراء الذين يرضون به كتعبير عن مطالبهم وطموحاتهم…

تُشكّل النقابات (نقابات الأُجراء) إطارًا لتجميع العاملين وتنظيمهم من أجل تحسين الرواتب وظروف العمل، وهي في جوهرها إطار إصلاحي، لكنه إطار مناسب لتوثيق العلاقات بالكادحين والأُجَراء، بفعل الإتصال والعمل اليومي، ومناسب للتوعية ولنشر الفكر التقدمي الإشتراكي، وممارسة التحريض، خصوصًا خلال فترات المَدّ، كالإضرابات والمُظاهرات والحملات الإنتخابية النقابية، وهي جملة من المناسبات التي تُفْرِزُ قادة عُمّالِيِّين مِمّن يُجيدُون الدّعاية أو التّحريض أو التّنظيم، أي العُمال الأكثر تقبّلاً للفكر الإشتراكي الثّوري، وربما يصبحون قادة المُستقبل القادرين على نشر الفكر الإشتراكي بين الكادحين والفُقراء الذين يُشكّلون القوى المنتجة وأغلبيةً عددية في المجتمع.  (يُرجى مراجعة الفقرة بعنوان “دروس من انتفاضة 2010/2011 ” في صفحة لاحقة)   

يمكن أن يتضمَّنَ البرنامج العَمَلي:

مناقشة أُطُر وَوَسائل وأشكال ومحتوى الإتصال بمختلف المجموعات التي تُنظم وتُنفّذُ احتجاجات وتظاهرات (نضالات مَطْلَبِيّة)، بهدف الدّعاية والتحريض وتنظيم حملات التّضامن مع المُحْتَجِّين، وتنسيق مختلف الحركات الإحتجاجية، على مستوى وطني، لكي تَصُبَّ مختلف الإحتجاجات في إطارالتحرُّر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي (ضد الفكر الرجعي الذي يهدف تخريب الوعي)

جبهة يسارية عربية

تأثّرت شعوب آسيا وشعوب المشرق بثورة 1917، فنشأت أحزاب شيوعية حازت على تأييد جماهيري واسع، في الصّين وإندونيسيا وماليزيا، وفي العراق والشّام ومصر، وقَدّمت هذه الأحزاب شُهداء وأَسْرى ومُثقَّفِين وقادة نقابيين وسياسيين، لكن معظم هذه الأحزاب ( وليس كُلُّها) اصطفّت وراء موقف الإتحاد السّوفييتي الذي اعترف بالكيان الصّهيوني، ما خلق انشقاقاتٍ وتباعدًا مع الجماهير العربية، بل ودعمت قيادات الحزب الشيوعي العراقي الإنفصال الرّجعي الكُرْدِي والإحتلال الأمريكي، فيما يُصِرُّ الحزب الشيوعي السوداني، وقد كان أحد أكْبر الأحزاب الشيوعية العربية، على استبدال الحكم العسكري بحكم مَدَني، دون مضمون طبقي أو وطني (بمفهوم مناهضة الإمبريالية)، وفي فلسطين المحتلة انقسم الحزب الشيوعي على نفسه، وأصبح جُزء منه يُسمِّي نفسه “الحزب الشيوعي الإسرائيلي”، ويُعادي الفكر القومي العربي بشكل مَرَضِي، هستيري…

لهذه الأسباب وغيرها، مثل انتشار الفكر الغَيبِي والإسلام السياسي وقمع الأنظمة الحاكمة للشيوعيين، أصبحت هذه الأحزاب الشيوعية منبوذة، وضعيفة، ما يَفرِضُ إعادة التّأسيس على أُسُسٍ وطنية، وقومية مناهضة للإمبريالية، واشتراكية أُمَمِيّة، تعمل على تحرير فلسطين وكافة الأراضي العربية المُحتلّة، من فلسطين وعربستان ولواء اسكندرونة إلى سبتة ومليلة والجُزُر الجعْفَرِية، وعلى إنجاز وحدة أُفُقِية، جماهيرية، لكافة أجزاء الوطن العربي، ضمن أُفُقٍ اشتراكي، يتمثّل في اعتبار الوطن العربي وِحْدَةً جغرافية متكاملة، تشترك في التاريخ والثقافة والطّموحات، وتشترك في الثروة وتتطلب الدّفاع المشترك عن أي شبْرٍ منه، وبناء مجتمع اشتراكي يُؤَمِّم المُؤسسات والأراضي الصالحة للزراعة وللبناء، ويُلبِّي حاجيات وطموحات كافة المواطنين، وديمقراطي يفتح المدارس والمُستشفيات ودور الثقافة والرياضة والتّرفيه لكافة أبناء الوطن والأمة…      

أمامنا اليوم فُرْصَةٌ هائلة تتمثل في إفلاس تجربة الحكم بزعامة الإخوان المسلمين بعد انهيار النظام المَوْرُوث عن بورقيبة، لكن ضُعْف القُوى الإشتراكية، وضُعف اليسار بشكل عام، جعل الإخوان المسلمين والدّساترة قادرين على الفوز بانتخابات ديمقراطية، لذا وجب تقويم انتفاضة 2010/2011 وما تلاها من مبادرات جماهيرية تم إجهاضُها بتواطؤ القيادات النقابية ورموز السلطة وقيادات بعض أحزاب اليسار، وتقويم تجربة مختلف التكتلات التي تشكلت، منها لجان حماية الثورة ولجان 14 جانفي و”الجبهة الشعبية”، وغيرها، والتنسيق مع الماركسيين المصريين لدراسة فشل انتفاضَتَيْ تونس ومصر…

إن استهداف الوطن العربي ككل، من المحيط إلى الخليج، من قِبَل الإمبريالية والصّهيونية (مباشرة أو من خلال الحُكّام المَحلّيّين ) يُحتّم التقارب وتأسيس حوار حول مستقبل المنطقة وتحريرها من الإستعمار المُباشر ومن الهيمنة، واستغلال العوامل الإيجابية التي تُيَسّر الحوار، منها الإمتداد الجغرافي ووحدة اللغة والثقافة، وهو حوار يهدف خلق أُسُس النضال المُشترك من أجل التحرر ومن أجل وحدة الشّعوب العربية، مع مراعاة حقوق الأقليات، فهي وحدة مُغايرة لوحدة الأنظمة التي تم إقرارُها عَمُودِيًّا من قبل الحُكّام، وليست وحدة قاعدية أُفُقية تُقررها الشعوب.

لقد فشلت المحاولات القليلة لإنشاء هيئة تنسيق بين الأحزاب والمنظمات الإشتراكية والشيوعية العربية، بسبب عدم إيلاء هذه المسألة الحيوية (وحدة الشعوب والبلدان العربية) ما تستحقه من اهتمام، ومن الضّروري تكرار المحاولات مع تحديث المقترحات ووسائل العمل وما إلى ذلك.

وجب التفكير في إقامة جبهة اشتراكية عربية ضد الإحتلال الصهيوني والهيمنة الإمبريالية، وضد نفوذ الشركات العابرة للقارات والأنظمة العربية التي تُمثّل مصالح النفوذ الاجنبي، من أجل وحدة الشُّعوب العربية، بمختلف مُكوّناتها الدّينية والأثنية والثقافية، والسيطرة على الثروات وإنجاز برامج التنمية المحلية التي تُلَبِّي حاجيات المواطنين، من المحيط إلى الخليج، بالتعاون مع البلدان والشعوب المُناهضة للإستعمار.

الوسائل: أداة إعلام وحوار ونقاش بين قوى اليسار  

التنمية:

يتطلب إنجاز عملية التّحَوُّل نحو الإشتراكية وتحقيق التنمية في بلدان عانت من الإستعمار ومن حُكم البرجوازية الكُمْبرادُورية (وكيلة مصالح الإستعمار) بناء جبهة أو تحالف طبقي بين الكادحين والعاملين في كافة القطاعات، وتكثيف دَوْرات التثقيف السياسي والتدريب للعاملين ليتمكّنوا من الإشراف على سَيْر المُؤسّسات الإقتصادية، وتحقيق الإصلاح الزراعي والتصنيع، ومن التخطيط ورَبْط المحلي بالوطني، وزيادة حصّة الزراعة والصناعة، مقارنة بقطاع الخَدَمات، من الناتج المحلي الإجمالي ومن التّحويلات المالية لتنمية البلاد، ضمن نموذج التنمية المُلائم للبيئة الإقتصادية والإجتماعية المحلّيّة والإقليمية الذي يسمح بتأمين السلع والمواد الضرورية للإنتاج وللإستهلاك، والتهيُّؤ لمواجهة الحصار والعقوبات المحتملة، وعدم التراجع عن الملكية العامّة لوسائل الإنتاج، شَرْطَ تأمين حاجة المواطنين للطاقة وللغذاء والعقاقير…  

دروس من انتفاضة 2010/2011

ابتكر المُشاركون في انتفاضات تونس ومصر والسودان أشكالاَ نضالية وتنظيمية جديدة، وقضايا فئات عديدة مُهَمّشَة، ومواضيع مثل حصة المواطنين من الثروات التي تُستَخْرَجُ من مناطقهم، وإعادة توزيع الثروات، ما يفرض على القوى الإشتراكية إعادة صياغة برامجها المرحلية وخطابها وأشكال النضال (وليس جوهره) ليشمل فئات جديدة هَمّشها نظام الحكم، واستغلّتها منظمات الدّين السياسي والمنظمات “غير الحكومية” المُمَوَّلَة والمُوَجَّهَة من الخارج، وأضاعت قوى اليسار فرصة أخرى لتصدّر نضالات فُقراء الأحياء الشعبية والمناطق الريفية والمُعطّلين عن العمل والمُهَمَّشين…  

أدّى تركيز اليسار على العمل النقابي واقتصاره على العمل الإصلاحي العَلَني إلى ارتقاء بعض عناصره في سُلّم البيروقراطية النقابية، وفي درجات السّلّم الطبقي والإجتماعي، ما هَمَّشَ دور اليسار في الصراع الطبقي وابتعاده عن واقع الطبقة العاملة وواقع صغار الفلاحين والفئات الشعبية، ولما انطلقت الإنتفاضة لعب النقابيون التقدّميون والدّيمقراطيون دورًا في توفير محلات فُروع الإتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات الأُجَراء) وفي نشر أخبار وصُوَر التحركات، رغم الرّيبة والحذر اللّذَيْن مَيّزا مواقف القيادات البيروقراطية النقابية، وبعض قيادات منظمات اليسار إزاء أي حركة عفْوية تلجأ إلى الإعتصام واحتلال المحلاّت وتعطيل الإنتاج (كالنفط والفوسفات) وقطع الطّرقات ومواجهة قوات الشرطة والجيش بالحجارة وبعض المَقْذُوفات الأُخرى، وكان هذا الحذر في غير مَحلّه، وأدّى إلى تهميش قوى اليسار في لحظة تاريخية أخرى، كما حصل في لحظات تاريخية سابقة، منها الإضراب العام لسنة 1978 و”انتفاضة الخُبز” سنة 1984 والهَبّة الشعبية بالحوض المنجمي سنة 2008، فضلا عن الفُرص العديدة اللاحقة لسنة 2011، وهي تكتيكات خاطئة لم تتم مناقشتها وتقويمها واستخلاص الدّروس منها، على حدّ علمي، ولذلك ليس غريبًا أن ينال مرشحو اليسار عددًا قليلاً من الأصوات في الإنتخابات، فالفُقراء من أكثر الفئات امتناعًا عن المُشاركة في المسرحية الإنتخابية، وإذا لم يدعم أحد نضالاتهم، فلماذا يمنحونه أصواتهم؟  

لم تكن الإنتخابات البرلمانية أو دستور جديد من الأولويات (رغم مَشْرُوعيتها) التي برزت في شعارات المتظاهرين والمُشاركين في انتفاضة 2010/2011، الذين ندّدوا بالنّهب وسرقة موارد البلاد، أي النظام السياسي والاقتصادي الذي أهمَلَ أكثر من أربعة أخْماس السّكّان، ومنهم الشباب المُتعلّم الذي شارك في الإنتفاضة بكثافة، واستهدف المُواطنون الفُقراء منذ سنة 2008، بالحوض المنجمي، مواقع إنتاج ونَقْل وتصدير المواد الأولية (الفوسفات)، وأظْهر سُكّان الأحياء الشّعبية والمناطق الريفية قُدْرَةً على التنظيم الذّاتي، بمشاركة العديد من مناضلي اليسار الذي لم يكونوا مُمَثِّلين لتنظيماتهم وأحزابهم، وإنما كانوا مُشاركين كمواطنين أفراد، في العديد من المناطق المحرومة بغربي البلاد وجنوبها، وبعض الأحياء الشعبية المُحيطة بالعاصمة، وخذلت أحزاب اليسار هذه المحاولات والمُبادرات القاعدية، وخذلت كذلك العديد من مناضليها وأنصارها، بمشاركة معظمها في ما سُمّي “مجلس حماية الثورة”…

تساؤلات تتطلّب أجوبة

كيف يمكننا الإعتماد على مواردنا الفكرية والثقافية (بمفهوم التّراث الفردي والجماعي) لفهم العلاقة بين الحالة السيئة لأغلبية سكّان البلاد والنظام الذي يفرض عليهم معايير تحددها أقلية ثرية بناءً على مصالح النخبة القادرة على تعبئة منظومة التعليم والدعاية والإعلام لصالح نظامها الاقتصادي القائم على تحقيق أقصى قدر من الأرباح في أقل وقت ممكن، وما يتطلّبُهُ من سحق الأغلبية خدمةً لمصالح الأقلية …

كيف يمكننا تصويب تفكير الفرد المُستَغَل والمُضْطَهَد نحو أهدفه وأهداف طبقته ومجموعته وشعبه، من أجل حياة أَفْضَلَ، وعلى مستوى المجموعة، يعني ذلك تغيير جميع المؤسسات والهياكل السياسية والأيديولوجيات القائمة على تدمير حياة وصحة الناس وعلى خلق الانقسامات بين المضطهدين والمستغلين – ليتخاصموا فيما بينهم ويُهملوا عدوهم الحقيقي – ويتطلب ذلك تدمير أو تحويل أو إلغاء هذه المؤسسات وإيديولوجيتها، واستبدالها بأنظمة التماسك الاقتصادي والاجتماعي.

يتمثل دور الحركات اليسارية في تنظيم وتوحيد المستغَلين والمضطَهَدين والفقراء والفئات التي تشكل غالبية السكان، حول برنامج ومقترحات تنبثق من هذه الفئات، لكن إنجاز هذه البرامج والخطط يتطلّب استبْعاد وَهْم الإنتصار عبر “انتخابات حرة” تحترم دستور وقوانين المنظومة الرأسمالية، لأن الرأسمالية (التي أوجدت هذا النظام) لن تسمح لأي شخص أن يبني نظامًا نقيضًا لمصالحها، عن طريق الانتخابات الحرة، وبرهنت الرأسمالية العالمية سواء في تشيلي أو فنزويلا أو بوليفيا أو هندوراس ( وهي الأمثلة الأحدث من سلسلة طويلة من الانقلابات التي نظمتها الولايات المتحدة، قاطرة الرأسمالية العالمية) أنها لا تتواني لحظة في الإطاحة بأي نظام يُزعجها ولو قليلاً، حتى وإن كانت هذه الأنظمة مُنتخبة ديمقراطياً.

أي برنامج لليسار؟

يُبيّن البرنامج أهداف الحزب على المدى الطويل، ولتحقيق تلك الأهداف وجب وضع الخطط وأدوات التنفيذ وتقويم درجة التّقدّم في تنفيذ البرنامج، بشكل دَوْرِي، واستخلاص الدّروس من التجارب ومن الصعوبات والنجاحات والفشل، وتقويم أداء الحزب ودرجة اندماجه مع الطبقة والفئات التي يهدف تمثيل مصالحها وطموحاتها، وتعزيز الإيجابيات ومعالجة السّلبيات الخ.

يتطلب إعداد البرنامج قراءة الواقع، وإعداد الوسائل الضرورية لتغييره، من خلال كفاءة القيادة والكوادر والمناضلين ودرجة انصهار الحزب في الفئات المُستَغَلَّة والمُضْطَهَدَة ليُصمّم معها الخطط ويخوض النضالات بكفاءة، لينال ثقة الأغلبية التي تعتبره مُعبّرًا عن إرادتها، ولكي ينجح الحزب الذي يتبنّى الإشتراكية في مهامه، وجب تحويل العمل الجماهيري العفوي إلى عمل مُنظّم، يُحدّد مهام كل فرد أو مجموعة وأدوات التنفيذ والغاية منها الخ، يكون ذلك مُرفقًا بتدريب وتأهيل العناصر المتقدمة وبلورة وعْيِها لتصبح قادرة على قيادة الجماهير نحو الإشتراكية. أما بالنسبة للحزب فإن هذه المهام جُزْءٌ من العمل اليومي الذي يندرج ضمن تطبيق البرنامج، وهي خطوات صغيرة، لكنها ثابتة ومستمرة نحو إنجاز الأهداف الإستراتيجية، وفي الواقع تتخلل هذه الخطوات انتكاسات وتراجعات قد تُؤَخّر عمل الحزب وقد تنسف بعض المكاسب، ما يجعل التقويم الدّوري ضروريًّا لمراجعة أو تغيير التكتيكات وطرق العمل…      

ضرورة مناقشة وطرح برنامج اشتراكي

أصبحت معظم البرامج السياسية لليسار تتسم بتهميش الجوانب العقائدية، بفعل تحوُّلِ خطاب معظمها من الثورية (تغيير نمط الإنتاج) إلى الإصلاحية التي تكتفي بالعمل النقابي كهدف بذاته، أو الليبرالية التي تسعى للإندماج في المؤسسات والمشاركة في الإنتخابات البرلمانية، بالتحالف مع قوى ليبرالية، من موقف ضُعْف، وبدون مُخطّط، وبدون برنامج، غير بُرُوز بعض القادة أو حصولهم على بعض المناصب، وبذلك أهمل التقدميون واليساريون الإشتراكيون مهمات الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين والفُقراء والمُعطّلين عن العمل والمواطن بشكل عام، وأهملوا مهمات تنظيم المُستَغَلِّين والمُضْطَهَدِين، من أجل بلورة الوعي، ضمن برنامج اشتراكي مناهض لطبقة البرجوازية الكمبرادورية، وكيلة رأس المال الإحتكاري الأجنبي، وائتلافها الحاكم…

قد يتضمّن العمل اليومي مطالب تتعلق بتوسيع حَيِّز الحُرّيات الفردية والحقوق السياسية الجماعية، ومطالب اقتصادية “إصلاحية” مثل تحسين ظروف العمل والعيش وتوفير المرافق كالنقل والسكن والخدمات الضرورية، وإقرار إصلاح جبائي، يزيح ثقل الضرائب عن الكادحين والفُقراء، على أن لا يكون ذلك هدفًا بحد ذاته، بل أداة للتنوير حول ضرورة مثل هذه الإصلاحات، وحُدُودها، لرفع درجة الوعي، والإنتقال من ردّ الفعل إلى المُبادرة بالهجوم، وتوسيع مُشاركة الكادحين والفُقراء في العمل النقابي والسياسي اليومي، وإنشاء مؤسسات ومجالس وجمعيات شعبية للمناقشة واتخاذ القرار، وهي بمثابة خطوات صغيرة في الطريق الطويلة لإعداد وتحوير وإنجاز البرنامج الاشتراكي…

من الضروري مناقشة مسائل ارتفاع الدُّيُون الخارجية والسيادة الغذائية والتحكم بالموارد (الطاقة والمياه والمعادن…) ومسائل التشغيل والإنتاج والخفض التدريجي لتوريد السلع الضرورية كالغذاء والأدوية وقطع الغيار…

خاتمة:

لم تطرح سلطة ما بعد 25 تموز/يوليو 2021 برنامجًا أو خطّة لحل مسألة الدّيون الخارجية، بل لا تزال تُواصل توريط البلاد والأجيال القادمة، وتكبيلها بالدّيون المشروطة (الخصخصة وخفض قيمة العُملة المحلية وإلغاء دعم السلع والخدمات الأساسية وفتح السوق المحلية للإنتاج الأجنبي المدعوم…)، ولم تطرح إعادة النّظر في الإتفاقيات الدّولية غير العادلة، مثل “أليكا” مع الإتحاد الأوروبي، ولا في الهيمنة الثقافية، وهي إحدى البَوّابات المُفضّلة للتطبيع ولطعن الشعب الفلسطيني في الظّهْر، إلى جانب المراكز الثقافية الأجنبية والمنظمات المُسمّاة “غير حكومية”، وهي بمثابة فُرُوع لسفارات وشركات وأثرياء الدّول الإمبريالية، لذلك وجب نقد كل من ساند هذه السّلطة، بذريعة إزاحتها للإئتلاف الذي كان يقوده الإخوان المسلمون، وتُشكل هذه الذريعة انحطاطًا لمستوى النقاش السياسي، وتغييبًا للطبقات والصراع فيما بينها وتخلّيًا عن الطّموح لبناء الإشتراكية، لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا هو: هل تحسّن وضع الكادحين والفُقراء وهل هناك بوادر مكافحة الهيمنة الإمبريالية وإقرار برنامج اقتصادي وسياسي لصالح الفئات التي تضرّرت من البرنامج السياسي والإقتصادي السابق؟ إنها بصراحة وبوضوح استمرار، في جوهرها، وليس في مظاهرها، لحالة التبعية، ولمنظومة الحكم المتواصلة منذ 1956، ولا يوجد مُبرّر واحد لدعمها.

خلقت انتفاضة تونس ثم مصر والمغرب والسودان والبحرَيْن وغيرها آمالاً كبيرة، لكن سُرعان ما سيطرت البرجوازية الكمبرادورية من جديد على الوضع، بدعم أمريكي وأوروبي، بسبب غياب أو ضُعْف منظمات وأحزاب اليسار، التي لم تتمكّن، خلال العقد الذي تلا الإنتفاضة، من التحوّل من قوة نقابية وديمقراطية (رابطة حقوق الإنسان ومنظومة القضاء…) إلى قوّة ثورية فاعلة في المجتمع وفي أوساط الكادحين والفُقراء، كما أضرّت مشاركة اليسار في عملية “التحول الديمقراطي” وتزكية هذا المخطط الإمبريالي الأمريكي/الأوروبي، بمحاولات مناضليه الإندماج في شبكات النضال الشعبي بالمناطق المحرومة بالبلاد، وانْحَلّت جبهة 14 جانفي (الجبهة الشعبيه لاحقا) بعد أداء دورها في تحويل اليسار إلى قوّة إصلاحية ضعيفة، كما تعثرت واندثرت محاولات الجبهة الثورية ومحاولات “التأسيس” الأخرى، بسبب العجز عن تأسيس أحزاب “شيوعية” مناضلة قادرة على تقويم التجارب السابقة وخلق بدائل تقطع مع تلك التجارب الفاشلة… بذلك لا تزال الفئات الكادحة والفُقراء بحاجة إلى تعبيرة سياسية تُمثل طموحاتهم وتُدافع عن مصالحهم، وتُحوّل الإنتفاضات العفوية أو التّلقائية إلى ثورات ظافرة، ويتطلب ذلك بناء مشروع استراتيجي، يُقَوّم الأخطاء بهدف تجاوزها…

يمكن البدء بإطلاق موقع إلكتروني ومجلة ورقية للحوار بين فصائل اليسار، بشكل عام، من خلال تقديم وجهات النّظر المختلفة بخصوص اندماج مناضلي ومنظمات اليسار ضمن جبهة عَمل في الساحات الرئيسية، كالعمل النقابي والحُقوقي والإجتماعي، وقضايا مثل مكانة النّساء في المجتمع وفي المنظمات السياسية والمهنية، ومكانة التعليم وتربية الأجيال القادمة، والعديد من المواضيع الأخرى، وتقييم هذه المبادرات ونتائجها ووسائل عملها، بشكل دوري…

يتضمّن الحوار المُقترح دوائر مختلفة، أولها دائرة المجموعات ( والأفراد غير المُنْتَمِين تنظيميا) التي تتبنّى الإشتراكية، تليها دائرة التّقدّميين الذين لا يؤمنون بالضرورة بالصراع الطبقي كمحرك للتاريخ، وإنما الدّائرة التي تَضُمُّ الفئات الوطنية والقومية التّقدّمية التي تعلن برنامجًا يتضمن التأميم وتنمية القُدُرات المَحلّية، والعدالة الإجتماعية…   

لم تتطرق هذه الورقة إلى قضايا خارجية، بما في ذلك قضايا الوطن العربي، لتجنّب الإطالة، ويمكن إفراد حيز خاص لها.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….