قتلتم صانع الخبز في مخيم الدهيشة، حمدي فراج

 8-12-2022

الآن لربما أدركتم ، و أدرك معكم الغافلون من ابناء هذا الشعب ، الذين راهنوا على مصافحاتكم وعناقاتكم وتبادل ابتساماتكم ، وحتى تبادل الطعام على مائداتهم و موائدكم ، سر كل هذا الاهتمام بمقتل الفتى عمر مناع من مخيم الدهيشة ، فقد شارك في تشييعه الالاف ، وحضر اضعافهم الى بيت العزاء ، حضروا حتى من جنين و نابلس والقدس والخليل و معظم القرى والمخيمات ، مسلمين و مسيحيين و علمانيين ، نساء ورجالا و طلبة مدارس و رؤساء بلديات و مسؤولين كبار في السلطة والمعارضة على حد سواء ، و بدت حركة فتح لأول مرة تقريبا ، و كأنها تؤبن أحد مغاويرها دون ان تسقط حقيقة انتمائه لجبهته الشعبية ، وقال لي احد مسؤوليها ان قتل عمر أثر فينا تأثيرا كبيرا ، احسسنا ان الرصاصات الست او التسع التي اخترقته كانت موجهة الينا ، ربما لأنه ينتمي الى عائلة لها تاريخ حقيقي في النضال ، و قال آخر ربما ابتسامته التي لم تكن لتفارق محياه ، يسديها للجميع على نحو سلس دون اي مآرب .

وأعتقد ان السبب يكمن في أنكم قتلتم صانع الخبز، لما للخبز في تراثنا من مهابة قدسية، فحتى وقت قريب، كنا لا نقبل ان نرى كسرة منه ملقاة على الارض دون ان نسارع لالتقاطها ولثمها ثلاث مرات ووضعها في مكان مرتفع بعيدا عن القذارة والوساخة.

في موسم بذار القمح مطلع كل شتاء، كان الباذرون يرجزون اغان خاصة تتعلق بالأمل ان يهطل المطر فينبت قمحهم، وحين يتأخر يخرجون في صلوات جماعية استسقائية، وفي موسم الحصاد، يقيمون الافراح والليالي الملاح على البيادر تحت ضوء القمر بدرا او حتى هلال.

كان جد عمر لوالدته “فرانا” “ياسين مناع الفرارجة”، وربما من اوائل الخبازين في مخيم الدهيشة منذ خمسينيات القرن الماضي، وكان شابا فتيا مفتول العضلات، تراها صيفا وشتاء بارزة ظاهرة للعيان بسبب قربه من نيران الفرن اللهابة، وكان يتقاضى بدل الخبيز طحينا، يقايضه بما يحتاج اليه من خضروات ولحوم ولوازم.

انكم ايها الغزاة لم تدركوا قيمة الخبز في بلادنا، و لم تدركوا بالتالي قيمة الخباز الذي يصنع الخبز، فأقدمتم على قتل “عمر”، الذي أدرك قيمة هذا الخبز خاصة للجائعين و الفقراء والمحتاجين، و لهذا كان يعجنه و يخبزه و يبيعه، مرفقا معه ابتسامته السرمدية، من انني اصنع الخبز، وانتم تصنعون الرصاص، من انني اصنع الفرح، وانتم تصنعون الخوف والالم، من انني اوزعه احيانا مجانا لمن لا يملك ثمنه. كان عمر يعمد لتهدئة طفل يبكي برغيف خبز ساخن من نوع “حمامة” فماذا وزعتم أنتم خلال سبعين سنة على شعبنا غير الموت والدمار، وماذا وزعتم على شعبكم، غير الحقد والكراهية والسلاح، مقارنة بما وزعناه انا وجدي. حاولت ان أكمل طريق الخبز والفرح، لكن رصاصاتكم انتصرت علي وعلى خبزي، فهنيئا لكم.

:::::

صفحة الفيس بوك

Hamdi Farraj

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….