أحمر أم خبير، مناضل أم “دكتوراة”، عادل سماره

  • على هامش مذكراتي

كانت إحدى الأمور قيد الجدل في الصين إبان الماوية حول ايهما له الأولوية وموقع المسؤولية وأيهما أهم لخدمة التجربة الوطنية الاشتراكية عموماً:

الخبير بالمعنى العلمي والأكاديمي

أم المناضل الشيوعي.

حين ذهبت عام 1984 إلى بريطانيا لإكمال التعليم الأكاديمي، وفي هذا أدين للصديقين القديمين مازن مصطفى وهامه نحاس الذين أقنعاني بالسفر للدراسة ورتبا لي القبول في جامعة لندن، حيث تعلمت من تلك التجربة الكثير ولكن أهمه:

أولاً: تحطيم الهالة التي يُحيط بها الأكاديمي نفسه، بما هو مثقف، وبأن الحكمة في راسه وبأن ما حصل عليه من معلومات هو أمر عصيٌ على معظم الناس.

ثانياً: اكتساب معرفة علمية قررت أن أُخضعها لتجربتي وليس العكس، ولا أدري إن كنت نجحت في ذلك أم لا.المهم هكذا أعتقد.

في الشهر الأول لوصولي هناك رتب لي نديم إمسيس لقاء مع الراحل البروفيسور ألبرت حوراني وكان يُحاضر في أكسفورد، وتحدثت معه بصراحة عن ماذا اريد ولماذا اتيت وكان متفاعلاً وإيجابياً وخاصة عن هدفي الذي لخصته له بأن مشروعي الحياتي وليس فقط الأكاديمي هو “القومية أو العروبة إن شئت والشيوعية”. تفاعل الرجل معي كثيرا وبأدب وتواضع.

قرأت عن حوراني كتابات تزعم أنه متأورب ولا عروبي…الخ. لست أدري إنما هذا ما أعرفه.

لاحقاً، أنهيت رسالتي في الماجستير (في بريطانيا يسمونها ماجستير في الفلسفة  M.Phil.أي أعلى قليلا من ماجستير)  حيث بدأتها في جامعة لندن “بيركبك كوليج”  اختلفت مع المرشد الطيب سامي زبيده “عراقي من التابعية اليهودية”   وكان الخلاف على موقفي العروبي وموقفي لصالح الراحل سمير أمين.  لم يأت زبيدة إلى فلسطين بل هاجر العراق إلى بريطانيا لكنه انتقل من الشيوعية ليصبح من مدرسة ماكس فيبر، أي من ماركس إلى ماكس. ليس الأمر حذف حرف طبعاً، ولذا انتقلت إلى جامعة إكستر.

لكنه، بعد تفكك الكتلة الاشتراكية عمل مستشاراً لأنظمة بعض الدول من أوروبا الشرقية!  بعد عودتي لفلسطين وحصول اوسلو لاحقاً، كان سامي يسال الأكاديميين المتخارجين:

·       شو صار مع عادل بعد أوسلو

·       كان ردهم، قريباً سوف يصاب بالجنون!

حينما بدأت بحث الدكتوراة طلب المشرف وهو إنجليزي عدم الإشراف على بحثي لأنه ليس مع التعمق النظري فعُيِّن مشرفاً على رسالتي للدكتوراة د. يوسف الشويري. وللغرابة، قبل عام عرفت أنه يشتغل عند مركز عزمي بشارة في قطر!

وحينما نهيت الرسالة والدفاع، وفي لقاء مع بروفيسور عزيز العظمة قلت له بأنني اود العودة إلى الوطن دون إكمال الدكتوراة.

قال: لا، أفضل أن تكمل كي تكون مدعوما للحصول على وظيفة جامعية

قلت: انا في فلسطين المحتلة لن أُقبل كمُحاضِر.

قال: ولماذا أتيت؟

قلت: للتجربة والتطور.

 لكنني واصلت حتى أنهيت الدكتوراة. من الوقائع الطريفة أن أحدهم “أكاديمي” أسميه “فتى المحرقة ” اعترض للرفيق عبد الله حمودة بان شهادتي في التربية فلماذا أكتب في الاقتصاد!

رفاق بسطاء وطيبين

عُدت لرام الله في 4 أكتوبر 1987 أي قبل تفجر انتفاضة 1987 بفترة وجيزة. وكان مما فاجأني أن كثيرا من الرفاق الذين كنت وإياهم في التنظيم أو السجون أخذوا ينادونني (د)!

كان لا بد أن أقول لهم، انا نفسي الذي كان قبل (د) ما تغيرت، فما لزوم هذه الوصف؟

الذي اكتشفته مع الوقت أن بعض اليسار يرى في الشهادة الأكاديمية أو الموقع الأكاديمي شيئاً عااااالياً!  وبالطبع يطرب الأكاديمي على هذا فيعززه ويشمخ أو كما يقول الفلاح “بتصير ذنبته توصل للسما”.

ولذا، استمات البعض كي يحصل على هذا اللقب ولو مزيف، مثلاً من غرفة في هولندا، حيث رآه أهم بكثير من تاريخه الكفاحي! طبعاً ربما أحد اسباب هذا الشعور بالدونية هو وصول الحالة النضالية إلى طريق مسدود وتراجع الأدوار والعزائم…الخ وخفوت جذوة ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة.

لكنني وحتى الآن لا ارى وجوب إقران الأمرين معاً ولا إحلال أحدهما محل الآخر.

فالتجربة الوطنية هي الأهم لأن الأساس أن تبدأ وطنياً. بعدها يمكن أن تتبنى إيديولوجيا ما أو تحصل على شهادة ما، لكن هذه تبقى البناء الفوقي، أو الطربوش، أي أن الأساس هو البناء التحتي.

حقبة الشراء والجاهزية لزنى البيع

بعد ما اتضح جدا في الوطن العربي تشغيل وامتطاء المثقفين وأقصد تساقط الكثير منهم لصالح مراكز القوة المالية وتحول المتساقطين إلى ما يمكن تسميتهم   “العرضحلجية” اي كالذين يجلسون أمام مباني المحاكم ليكتبوا للزبائن ما يريدون ويتقاضون عليه فلوساً، صار الأمر أكثر وضوحاً في ذهني وتجربتي بأن الشهادة غدت مثابة حصان طروادة من خلال هؤلاء لضرب المستوى والجاهزية الكفاحية.

زادت قناعتي إثر نقاشات مع أكاديميين/ات كانوا يشتكون من عدم الاهتمام بهم سياسياً بزعم أنهم أكثر كفاءة من قياديين في الفصائل، لديهم شهادات، ويتكلمون لغات أجنبية…الخ.

صحيح أن في قيادات الفصائل حالات مثابة عاهات، ولكن ليس الجميع. وبالطبع لم يحاول المشتكون فهم او تقدير بأن الخلفية الكفاحية لهذا او ذاك هي أهم بكثير من شهادته وخاصة حين يتم استثمار شهادته لأجل وظيفة له، بينما الكفاح هو للوطن والناس.

طبعاً، حين تُحول القضية إلى سلعة في المزاد العلني يتقدم حامل الشهادة على المناضل المتميز.

عير تحليل هذا توصلت إلى التفريق إلى درجة الفالق بين:

·       المثقف المشتبك من جهة

وبين كل من:

·       المثقف المنشبك

·       مثقف الطابور السادس

وللأسف هوى كثير من المناضلين إلى المستويين الثاني والثالث، وقد لاحظت أن كثيرا من المناضلين تدفقوا إلى الجامعات المحلية للحصول على شهادة متألمين من افتقارهم لها.

لم يبدا شراء المثقفين لا بعد انهيار أوسلو ولا بعد أنجزة الخليج وخاصة دويلة قطر، بل تم التأسيس لهذا منذ كانت م.ت.ف في بيروت حيث تم شراء وتطويع الكثير من المثقفين لصالح “الشرعية” وهذا ما ورَّط الراحل محمود درويش لعبارته المعروفة: “من يخرج على الشرعية يخرج على الإنسانية”.

واللافت، أن الراحل إدوارد سعيد ذهب بالاتجاه المعاكس لينتهي في نفس الورطة. فقد أذلَّ تحصيله الأكاديمي وإبداعه في الأدب المقارَن ليقبل أن يُعيَن عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني غير المنتخب تقرُّباً من النضال! كي ينال كلتي ال حُسْنَيَيْن ففقدهما معاً.

أمام هذا المناخ الموبوء يتتالى تورط مثقف/ة في التنظير للتطبيع وممارسته طالما أن المثقف المشتبك اي المناضل جرى تغييبه عن الساحة مع تدهور م.ت.ف وخاصة بعد اوسلو فلم تعد هناك قوة مثال تحرجهم. هذا الأمر تستغله جامعات أجنبية حيث تضع الطلبة الفلسطينيين والعرب في مأزق أو مسرب كتابة بحث تطبيعي وإن بشكل فيه كثير من الالتواءات قصد التمويه والتغطية. هذا قاد البعض إلى خلع الوطن والتدثر بالشهادة الأكاديمية.

ويبقى السؤال: هل يمكن للمرء أن يجمع بين الخبير والأكاديمي؟ نعم ممكن.

 _________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/ ✺ ✺ ✺